إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب الصيد [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ما صاده الكلب المعلم فهو حلال أكله، ويعرف الكلب بأنه معلم بأنه إذا أرسلته يسترسل، وإذا زجرته ينزجر، وإذا أمسك فلا يأكل، كما يشترط في الآلة التي يصاد بها أن تكون حادة تجرح الصيد.

    1.   

    شرح حديث: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن همام بن الحارث عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: ( قلت: يا رسول الله! إني أرسل الكلاب المعلمة فيمسكن عليّ وأذكر اسم الله؟ فقال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك. قلت: وإن قتلن؟ قال: وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها. قلت: فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب؟ فقال: إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله ).

    وحديث الشعبي عن عدي نحوه, وفيه: ( إلا أن يأكل الكلب فإن أكل فلا تأكل, فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره ) .

    وفيه: ( إذا أرسلت كلبك المعلم فاذكر اسم الله عليه، فإن أمسك عليك فأدركته حياً فاذبحه, وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاته ).

    وفيه أيضاً: ( إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله عليه )، وفيه: ( وإن غاب عنك يوماً أو يومين ). وفي رواية: ( اليومين والثلاثة، فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت, فإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك؟ ) ].

    الشرح:

    بم يكون تعليم الكلب

    قال المؤلف: وعن همام بن الحارث عن عدي بن حاتم قال: ( قلت: يا رسول الله! إني أرسل الكلاب المعلمة فيمسكن عليّ وأذكر اسم الله؟ فقال: إذا أرسلت كلبك) .. إلى آخره.

    في هذا الحديث حل ما صاده الكلب المعلم، ويكون تعليم الكلب بثلاثة أمور: إذا أرسلته يسترسل، وإذا زجرته ينزجر، وإذا أمسك فلا يأكل

    هذه هي الأشياء الثلاثة في الكلب حتى يكون معلماً.

    هذا ما يصيد بنابه، أما ما يصيد بمخلبه فإن تعليمه يكون إذا أرسلته يسترسل، وإذا زجرته ينزجر، وأما الأكل فليس داخلاً، يعني: حتى ولو أكل فإنه يكون معلماً؛ لأن الباز ونحو ذلك مما يصيد بمخلبه لا يكاد يترك الأكل.

    قوله: (فيمسكن عليّ). يعني: ما تأكل؛ لأنها إذا أكلت فإنما أمسكت على نفسها ولم تمسك على صاحبها.

    الاختلاف في التسمية في الذكاة

    وقوله: (واذكر اسم الله) تقدم لنا أن العلماء رحمهم الله اختلفوا في التسمية: هل هي شرط أو ليست شرطاً؟ وأن أشد الناس في ذلك مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأنه يرى أنها شرط لا تسقط بالنسيان ولا بالجهل، سواء في الذكاة أو في الصيد، وأوسع الناس في ذلك الشافعية, وأنها سنة حتى ولو تركها عمداً حلت الذبيحة، وعند الحنابلة أنها شرط في الصيد، وأما في الذكاة فإنها تسقط بالنسيان. وعند الجمهور أنها تسقط بالنسيان سواء في الذكاة أو في الصيد.

    وهذا الحديث يدل لما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأنه قال: (إذا) شرطية (أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل)، وهذا هو جواب الشرط، فاشترط النبي صلى الله عليه وسلم إرسال الكلب المعلم إذا ذكر اسم الله عز وجل، وهذا يؤيد ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

    وأيضاً قوله: (إذا أرسلت) فيه دليل لما ذكره العلماء رحمهم الله أن الكلب يكون معلماً إذا استرسل.

    قال: (إذا أرسلت)، هذا دليل لما ذكره العلماء رحمهم الله من أن الكلب المعلم إذا أرسلته فإنه يسترسل.

    قوله: (المعلم) يخرج غير المعلم فلا يحل، وفي هذا فضل العلم، يعني: العلم فضّله حتى على الحيوان، لما كان هذا الكلب معلماً حل صيده، أما لو كان جاهلاً فإن صيده لا يباح، إذا كان معلماً حل اقتناؤه، وإذا كان جاهلاً ليس معلماً فإنه لا يحل اقتناؤه، بل يكون وبالاً على صاحبه.

    قال: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك). هذا أيضاً دليل للأمر الثالث الذي ذكره العلماء رحمهم الله، وأنه إذا أمسك لا يأكل؛ لأنه قال: (فكل ما أمسك عليك)، أما إذا أكل فإنه أمسك على نفسه ولم يمسك على صاحبه.

    قال: ( وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها )، وفي هذا دليل لقاعدة فقهية، أنه إذا اجتمع حضر ومبيح فإنه يغلب جانب الحضر، اجتمع الكلب المعلم والكلب غير المعلم، نغلب جانب الحضر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما لم يشركها كلب ليس منها، قال: فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب؟ ) المعراض عبارة عن عصا طرفها محدب يرمى به.

    آلة الصيد

    ( فقال: إذا رميت بالمعراض فخزق فكله ) وفي هذا دليل لما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى أنه لا بد من الآلة التي تصيد؛ لأن الآلة التي يصاد بها إما أن تكون جارحة وإما أن تكون غير جارحة، فإن كانت غير جارحة لا بد أن يكون بمحدد يجرح الصيد، وعلى هذا الذي لا يجرح الصيد يباح ما صاد به؛ لأن حكمه حكم الوقيد.

    فمثلاً: لو رمى الصيد بحصاة وسقط الصيد فلا يصح هذا؛ لأن هذه ليست محددة، أو رمى الصيد بحجر فصاد، نقول: لا يحل هذا؛ لأن هذه الحجر ليست محددة، لكن لو أصاب الصيد بحد الحجر بحيث أنه يجرح، نقول: هذا جائز ولا بأس به؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا رميت بالمعراض فخرق فكله، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله ).

    هنا ما أصابه بالحد فلا يباح، لكن إذا أصابه بحده فإنه يكون مباحاً، وهذا دليل لما تقدم أن الآلة التي يصاد بها إذا كانت ليست جارحة يشترط فيها أن يكون لها حد تجرح به الصيد.

    قال وفيه: ( إذا أرسلت كلبك المعلم فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك فأدركته حياً فاذبحه ) في هذا دليل على أن المصيد إذا أدركه الصائد وفيه حياة مستقرة، فيجب أن يذكيه؛ لأنه أصبح مقدوراً عليه، أما إن أدركه وحياته ليست مستقرة؛ لأن الضربة كانت قاتلة؛ فإنه لا يجب عليه أن يذكيه.

    فوائد أخرى من الحديث

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فاذكر اسم الله عليه، فإن أمسك عليك فأدركته حياً فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاته ).

    في هذا أيضاً دليل للأمر الثالث الذي ذكرنا، وهو أنه يشترط فيما يصيد بنابه أن لا يأكل، فإن أكل فإنه لا يحل؛ لأنه أمسك على نفسه، ولم يمسك على صاحبه.

    قال: [ وفيه أيضاً: ( إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله عليه ). وفيه: ( وإن غاب عنك يوماً أو يومين ). وفي رواية: ( اليومين والثلاثة فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت, وإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك؟ ) ].

    هذا فيه دليل لما تقدم من القاعدة الفقهية، وهي: أنه إذا اجتمع حضر ومبيح غلب جانب الحضر، وهنا اجتمع مبيح وهو السهم، واجتمع الماء وهو الحضر، فيغلب جانب الحضر، والنبي صلى الله عليه وسلم غلب جانب الحضر، فقال: وإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل؛ لأنه يحتمل أن يكون هلك بالسهم، ويحتمل أنه هلك بالماء.

    وأيضاً هذا الحديث -حديث عدي رضي الله تعالى عنه- يستدل به العلماء على أن الأصل في اللحوم والأبضاع التحريم.

    سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.