إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (173)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم الزواج من مال غير حلال وكيفية رده للدولة

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج: نور على الدرب. رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    في بداية لقائنا نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بشيخنا العزيز.

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من أحد الإخوة المستمعين يقول: التائب إلى الله (م. م. ط) من القصيم، أخونا بدأ رسالته بعبارات هي مشاعر السادة المستمعين نحو هذا البرنامج، فبدأ يقول: دعواتنا الخالصة لكم ولفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز بموفور الصحة والعافية لما تقدمونه من خدمات جليلة التفضل بالإجابة على استفساراتنا نحن العبيد الضعفاء إلى الله سبحانه وتعالى، جعلكم الله نبراساً بعلمكم ينتفع به المسلمون وسائر الناس ولكم شكرنا.

    فضيلة الشيخ! لي سؤال أرجو أن تتفضلوا بالإجابة عليه: كنت أعمل مهندساً ببلدنا وأدير عملاً، وعندما أردت الدخول بموضوع الزواج احتجت إلى مبلغ من المال ليس بصغير وقتها يقدر بألف وخمسمائة جنيه، فاستدنت لأتمم زواجي من أحد المقاولين الذين يعملون معي وبعدها لم أقدر على سداد دينه، المهم حاولت تعويضه من مال الشركة بإضافة بعض الأعمال التي لم تعمل بما يوازي المبلغ وصرف فلوسه من الحكومة، والآن أنا أعمل هنا بالسعودية، وعندما سمعت برنامجكم وجدتني أنجذب إليه لعلي أجد عنده الحل، هل عقد الزواج صحيح في هذه الحالة، حيث أنها نقود ليست بحلال؟

    ثانياً: ماذا أفعل الآن حيث أني لا أقدر على رد هذا المبلغ؛ لأنه ليس لشخص وإنما للحكومة، أنا الآن والحمد لله تائب وأصلي وأصوم وأقوم بسائر العبادات إلا أن هذه الخطيئة كثيراً ما تضايقني وتقلقني، أرجو التوجيه جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فأسأل الله عز وجل أن يمن علينا وعليك بالتوبة النصوح، وأن يصلح لنا ولك ولجميع المسلمين القلب والعمل.

    والواجب عليك في هذا الواقع أن ترد هذا المال إلى الدولة؛ لأنه من مال الدولة مع التوبة إلى الله عز وجل، فإذا استطعت أن ترده إلى الدولة فعليك أن ترده إلى الدولة؛ لأنه أخذ من بيت المال، فإن لم تستطع فيصرف هذا المال في وجوه البر، كتعمير المساجد وإصلاح دورات المياه، والصدقة على الفقراء ونحو ذلك، مع التوبة الصادقة والله يتوب على التائبين، وأما النكاح فصحيح والحمد لله.

    1.   

    حكم لبس دبلة الخطبة للرجل والمرأة

    السؤال: الرسالة التالية باعثتها إحدى الأخوات المستمعات تقول: (أ. أ. ع) من الشرقية، أختنا لها مجموعة من الأسئلة بدأت رسالتها تقول: أولاً أشكر البرنامج على ما يقدمه لنا من فتاوى قيمة، وجزى الله العلماء الأفاضل خير الجزاء على تفضلهم بالإجابة على أسئلتنا وجزاكم الله خيراً.

    أرجو عرض أسئلتي الآتية على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: هل لبس الدبلة للنساء بدعة نصرانية؛ لأنني قرأت بأن دبلة الخطبة أو الزواج للرجل وإن كانت فضة وأيضاً للمرأة بدعة نصرانية، هل هذا صحيح؟

    الجواب: الدبلة التي تسأل عنها السائلة لا نعلم لها أصلاً، والذي يظهر لنا من ذلك أن فيها تشبهاً بالكفرة؛ لأنها من عادتهم فيما بلغنا، فلا ينبغي اتخاذها، فإن الإشارة إلى الزواج تكون بالخطبة والاتفاق بين الخاطب والمخطوب منهم ويكفي ذلك من غير حاجة إلى الدبلة، ومتى تم الأمر بالعقد الشرعي انتهى كل شيء، أما الدبلة فلا حاجة إليها ولا حاجة إلى التشبه بأعداء الله، لا من النصارى ولا من غيرهم، والواجب البعد عن مشابهة أعداء الله في كل شيء.

    1.   

    حكم صلاة المرأة في جلباب ضيق

    السؤال: سؤالها الثاني: هل يجوز صلاة المرأة في جلباب ضيق ولكنه لا يشف -أي: أنه من قماش وليس خفيفاً- مع ارتداء الجورب والخمار؟

    الجواب: نعم، الصلاة صحيحة، لكن مهما كان الجلباب واسعاً يريح المرأة في صلاتها وتطمئن إلى أنه يستر قدميها فهذا أولى، وإلا فالمقصود هو الستر، متى ستر وإن كان ضيقاً حصل المقصود.

    1.   

    ما يشرع للمرأة لبسه إذا أرادت الخروج

    السؤال: هل هناك لون معين يجب أن ترتديه المرأة عند خروجها، أي: لابد مثلاً أن ترتدي جلباباً أسود مع تغطية الوجه أم ليس هناك لون معين يجب أن تتقيد به؟

    الجواب: ليس هناك لون معين يجب أن تتقيد به إلا أنه يكون من الألبسة التي لا تلفت النظر ولا تسبب الفتنة، تكون ملابس عادية ليس فيها ما يلفت النظر ويسبب الفتنة بمن يراهن؛ لأن الله جل وعلا قال: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33] قال العلماء: التبرج: إظهار المحاسن والمفاتن من المرأة، فاللباس العادي أسود أو غير أسود، أحمر أو أزرق أو أخضر إذا كان لباساً عادياً ليس فيه زينة تلفت النظر ولا جمال يلفت النظر فهذا هو الذي ينبغي، وكذلك الملابس الداخلية تكون مستورة بهذا الجلباب وبهذه العباءة، مع ستر الوجه واليدين والقدمين حتى تكون بعيدة عن الفتنة، ولا مانع من أن يكون الخمار معه النظر، لابد من تمكنها من النظر حتى تعرف طريقها، أو تكون هناك عين واحدة مفتوحة أو العينان حتى تعرف الطريق مع ستر البقية.

    المقدم: بارك الله فيكم. إذا كان جمال المرأة في عينيها سماحة الشيخ؟

    الشيخ: للضرورة إذا تيسر أن يكون الخمار ساتراً للوجه فهذا أكمل وأعظم في الستر وفي الحجاب، ولكن بعض النساء قد يكون بصرها ضعيفاً وقد لا يكفيها أو لا تستطيع النظر من وراء الحجاب فتفعل ما تستطيع.

    المقدم: بارك الله فيكم، إذا كان الغطاء يغير ملامح الوجه أو العينين ألا يكون هذا نوعاً من الحجاب سماحة الشيخ؟

    الشيخ: المهم أن تكون المفاتن مستورة حتى يكون النظر الذي تدرك به الطريق لا يحصل به الفتنة إنما عين واحدة، أو العينان إن كانت العين الواحدة لا تكفي.

    1.   

    حكم لبس الذهب المحلق للنساء

    السؤال: بارك الله فيكم، ما حكم الإسلام في الذهب المحلق للمرأة مثل الأسورة والحلق المستديرة؛ لأني سمعت حديثاً معناه: (من أراد أن يهدي حبيبه سواراً من نار فليهده سواراً من ذهب

    الجواب: هذا الحديث بالنظر إلى سنده لا بأس به ولكنه منسوخ بالنسبة إلى النساء، أو شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة، وأما الرجل فيحرم عليه الذهب، ليس للرجل أن يلبس ذهباً حلقة ولا غيرها وإنما يلبس الخاتم من الفضة لقوله صلى الله عليه وسلم: (أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورهم)، وفي بعض الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم: (أخذ قطعة من ذهب وقطعة من حرير، وقال: هذان حل لإناث أمتي حرام على ذكورها)، وقد جاء في المعنى أحاديث أخرى تدل على حل الذهب والحرير للإناث، وعلى تحريمه على الذكور حتى ولو صغاراً ولو أطفالاً لا يجوز تلبيسهم الذهب ولا تلبيسهم الحرير وهم ذكور، وأما ما ورد في خلاف ذلك من نهي المرأة عن لبس المحلق والوعيد في ذلك فهي أحاديث عند أهل العلم ما بين ضعيفة أو شاذة منسوخة مخالفة للأحاديث الصحيحة.

    وقد أجمع المسلمون على حل الذهب والحرير للإناث، سواء كان الذهب محلقاً كالأسورة أو غير محلق، هذا هو الصواب، ومن قال من إخواننا المتأخرين: إنه يحرم على المرأة المحلق فهو قول ضعيف مرجوح مخالف لما جاءت به الأحاديث الصحيحة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ومخالف الإجماع الذي حكاه غير واحد من أهل العلم، فقد حكى الحافظ ابن حجر و النووي و البيهقي وجماعة حل الذهب والحرير للإناث وتحريمه على الذكور، حكى هؤلاء وغيرهم إجماع الأمة على ذلك، فوجب أن تكون الأحاديث التي فيها ما يشعر بتحريم الذهب على النساء إذا كان محلقاً أنه شيء منسوخ وليس بباقي العمل بل منسوخ أو شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة؛ لأن القاعدة عند أهل العلم أن الحديث إذا خالف ما هو أصح منه يعتبر شاذاً، وإذا كان منسوخاً بالأحاديث الصحيحة المتأخرة زال حكمه، وقد جاء في الحديث الصحيح: (أحل الذهب والحرير لإناث أمتي)، فهذا يشعر بأنه أحل بعدما حرم، فالتحليل للإناث دليل على أنه لا فرق بين المحلق وغيره، ومن قال من بعض إخواننا المتأخرين: إن المحلق محرم فهو غلط، والصواب أن المحلق وغيره من الذهب حل للإناث.

    1.   

    حكم وقوف الحاج يوم عرفة خارج عرفة بسبب المرض

    السؤال: يا أخت (أ. أ. ع) سنعود إلى رسالتك في حلقة قادمة حتى نتيح الفرصة لرسائل أخرى من رسائل إخواننا المستمعين، فهذه رسالة وصلت إلى البرنامج من المواطن سليمان شامي إبراهيم القوزي من القنفذة، أخونا يقول: أنا مواطن سعودي وقد حجيت ولكن هناك سؤال يحيرني أريد من فضيلة الشيخ أن يتفضل بالإجابة عليه: لقد وقفت على صعيد عرفات وقد كان معي جماعة من أقاربي، وقد أصابني مرض شديد في أقدامي مما جعلني لم أستطع الوقوف عليها من شدة الألم، وكان بالقرب منا مطوع ينادي الحجاج: بأن وقوفنا ليس في عرفات بل خارج، وذهب جماعتي الذين كانوا معي يسحبونني مشياً على الأقدام، ولكني لم أستطع السير معهم من شدة الألم فهل حجي صحيح أم لا، وإذا لم يكن فماذا أفعل؟

    الجواب: إن كنت وصلت إلى عرفات في يوم عرفة أو في ليلة النحر ولو زمناً قليلاً فحجك صحيح، إذا كان مجيئك إليها ليلاً- ليلة النحر- فحجك صحيح ولا شيء عليك، أما إن كنت جئتها نهاراً ولم تبق فيها إلى غروب الشمس فعليك ذبيحة واحدة تذبح في مكة للفقراء؛ لأن الواجب على من حضر في عرفات نهاراً بعد الظهر أن يبقى إلى غروب الشمس، فإن انصرف قبل غروب الشمس فعليه دم يذبح في مكة للفقراء، هذا هو الجواب المتعلق بك يا أخي!

    1.   

    حكم من تسبب في قتل الجنين بغير قصد

    السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من إحدى الأخوات المستمعات من مكة المكرمة تقول: (ن. ض) السبيعي من مكة، أختنا تقول: إنني كنت حاملاً في الشهر الرابع ولدي أبناء كبار ولكن لم يكونوا يعلمون بأنني حامل، فقام ابني الكبير بقصد أنه يمزح فوضع يده على بطني، وقال لي: أخاف أن يكون في بطنك هذا طفل، علماً بأنه على وشك زواج ولا يريد أن تكون أمه حاملاً في زواجه على أساس المباشرة بأنها لا تستطيع أن تباشر في زواجه، وعندما وضع يده على بطن أمه آلمها وفوجئ بأن أمه تنومت في المستشفى واتضح أن الجنين قد توفي في بطن أمه، وتسأل عن الحكم؟

    الجواب: إذا كان وضعه يده على بطن أمه أثر على الجنين؛ لأنه ضربه ضربةً أثرت عليه؛ لأنه ليس بوضع بل ضربه ضربةً أثرت حتى سقط بسبب ذلك فإن عليه عن ذلك الدية، وهي غرة عبد أو أمة، وهي عشر دية أمه، يعني: خمس من الإبل، فإن دية المرأة خمسون من الإبل، نصف دية الرجل مائة من الإبل، والنظر إلى القيمة وهي الآن مائة ألف يكون عليه عشر قيمة الأم؛ خمسة آلاف للورثة إذا لم يسمحوا، لأمه وأبيه إذا لم يسمحا عن القيمة، وعليه كفارة عن سقوط الجنين إذا كان الجنين قد نفخت فيه الروح، لأنه قد نفخت فيه الروح، فعليه كفارة عن ذلك أيضاً بعتق رقبة مؤمنة، وإن عجز صام شهرين متتابعين؛ لأنه قتل، هذا يسمى قتل شبه العمد.

    فأما إن كان ما بعد تخلق إنما هو دون الأربعة الأشهر فهذا ليس عليه كفارة وإنما عليه الغرة عبد أو أمة.

    المقدم: جزاكم الله خيراً، هي تقول: إنه في الشهر الرابع؟

    الشيخ: في الشهر الرابع ما بعد نفخت فيه الروح، لا يكون عليه كفارة إنما عليه غرة عبد أو أمة إذا كانا والداه لم يسمحا.

    1.   

    حكم الكفارة على غير المكلف في قتل أخيه خطأ

    السؤال: تقول: كان لي طفل يبلغ أربعين يوماً وكان موجوداً بين يدي على الأرض وله أخ أكبر منه يبلغ سنة واحدة، فبينما هو يمشي وقع على أخيه، وأخذ أخوه الصغير أسبوعاً ثم وافته منيته، فماذا عليه لو تكرمتم؟

    الجواب: ليس عليه شيء؛ لأنه غير مكلف مادام صغيراً، ليس عليه كفارة ولكن الدية تكون على العاقلة إذا ثبت أنه مات بأسبابه، على العاقلة وهم العصبة الأغنياء عليهم على قدر غناهم وسعتهم يوزعها القاضي، تعرض على المحكمة والمحكمة تنظر في الأمر إذا طالب الورثة الدية من العاقلة، وإن سمحوا فلا حاجة إلى شيء.

    1.   

    بيان مفهوم قوله تعالى: (لتحكم بين الناس بما أراك الله)

    السؤال: الرسالة التالية وصلت إلى البرنامج من دمشق وباعثها أحد الإخوة من هناك يقول: أخوكم أحمد الحوري، أخونا له مجموعة من الأسئلة، في سؤاله الأول يقول: قال جل جلاله في كتابه العزيز: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ [النساء:105]، هل معنى هذا أن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بكتاب الله ولا يجتهد رأيه فيما لم ينزل عليه كتاب، وهل اجتهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: الله جل وعلا أمره أن يحكم بينهم بما أنزل الله، قال سبحانه: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [المائدة:49]، فهو مأمور أن يحكم بينهم بما أنزل الله، وكان يحكم بينهم بما أنزل الله عليه الصلاة والسلام، فإذا لم يكن هناك نص عنده اجتهد عليه الصلاة والسلام وحكم بما يظهر له من الأدلة الشرعية، كما قال في الحديث الصحيح: (إنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار فليحملها أو ليذرها) ، فمعنى هذا: أنه قد يجتهد في الحكم؛ لأنه لم ينزل عليه فيه شيء، فمن عرف أن الحكم ليس بمطابق وأن الشهود زور فقد أخذ قطعة من النار، فليحذر ذلك وليتق الله في ذلك، ولو كان الرسول عليه الصلاة والسلام هو الحاكم؛ لأن الحاكم ليس له إلا الظاهر من ثقة الشهود وعدالة الشهود، أو يمين المدعى عليه.

    فإذا كان المدعي أحضر شهوداً يعلم أنهم قد غلطوا ولو كانوا ثقات يعلم أنهم قد غلطوا وأن الحق ليس له ولكنه كاذب، أو يعلم أنهم شهود زور ولكن القاضي اعتبرهم عدولاً لأنهم عدلوا عنده وزكوا عنده فإن هذا المال الذي يحكم به له أو القصاص كله باطل بالنسبة إليه، وهو قد تعدى حدود الله وظلم وإن حكم له القاضي؛ لأن القاضي ليس له إلا الظاهر، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (فمن قطعت له من حق أخيه شيئاً فإنما أقطع له قطعة من النار).

    فالنبي صلى الله عليه وسلم يحكم بما أنزل الله فيما أوحاه الله إليه، وما لم يكن فيه نص اجتهد فيه عليه الصلاة والسلام حتى يتأسى به الأمة.

    1.   

    حكم الفزع إلى الشيخ دون الله تعالى

    السؤال: قال شيخ لمريده الذي يريد أن يدرس في أوروبا قال له وهو يودعه: يا بني! إذا سولت لك نفسك بالمعصية هناك فتذكر شيخك يصرف الله عنك هذا السوء وهذه الفاحشة، فهل هذا شرك بالله؟

    الجواب: هذا منكر عظيم وشرك بالله جل وعلا؛ لأنه فزع إلى الشيخ لينقذه من هذا الشيء، والواجب أن يقول: فاذكر الله واسأل ربك العون والتوفيق واعتصم بالله ونحو ذلك. فأما أن يوصيه بأن يذكر شيخه فهذا من شأن الصوفية يوجهون مريديهم وتلاميذهم على أن يعبدوهم من دون الله ويلجئوا إليهم ويتوكلوا عليهم ويسألوهم قضاء الحاجات وتفريج الكروب، وهذا من تعليمهم الشرك نعوذ بالله من ذلك.

    فالواجب على هذا الشخص أن يتقي الله وأن يفزع إلى الله فيما يهمه ويسأله العون والتوفيق لا إلى شيخه الذي علمه أن يفزع إليه، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    1.   

    حكم شد الرجل الرحال إلى قبر الرسول عليه الصلاة والسلام ليستغفر له

    السؤال: نعود إلى رسالة الأخ أحمد الحوري من دمشق، أخونا عرضنا بعضاً من أسئلته في حلقة مضت، وفي هذه الحلقة له مجموعة من الأسئلة يقول: قال تعالى في كتابه العزيز: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:64-65]، والسؤال هو: إن بعض المسلمين يأخذون بهذه الآية على أنه لا حرج على المسلم أن يذهب ويشد الرحل إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم يسأله أن يستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبره، فهل هذا العمل صحيح كما قال تعالى؟ وهل معنى (جاءوك) باللغة أنهم جاءوك في حياتك أم في موتك، وهل يرتد المسلم عن الإسلام إذا لم يحكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهل التشاجر هنا على الدنيا أم على الدين؟

    الجواب: هذه الآية الكريمة فيها حث الأمة على المجيء إليه إذا ظلموا أنفسهم بشيء من المعاصي، أو وقعوا فيما هو أكبر من ذلك من الشرك أن يجيئوا إليه تائبين نادمين حتى يستغفر لهم عليه الصلاة والسلام، وهذا المراد به في حياته صلى الله عليه وسلم وهو يدعو المنافقين وغيرهم إلى أن يأتوا إليه ليعلنوا توبتهم ورجوعهم إلى الله عز وجل ويطلبوه عليه الصلاة والسلام أن يسأل الله أن يقبل توبتهم وأن يصلح أحوالهم، ولهذا قال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [النساء:64] طاعة الرسل بإذن الله، من أذن الله وأراد هدايته اهتدى، ومن لم يرد الله هدايته لم يهتد، فالأمر بيده سبحانه وتعالى، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29].

    ثم قال: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ [النساء:64] أي: النبي عليه الصلاة والسلام فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ [النساء:64] يعني: تائبين نادمين لا بمجرد القول ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ [النساء:64] يعني: دعا لهم بالمغفرة لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء:64]، فهو حث لهم، حث للعباد على أن يأتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليعلنوا عنده توبتهم وليسأل الله لهم، وليس المراد بعد وفاته صلى الله عليه وسلم كما يظنه بعض الجهال! لا، بعد موته لا يؤتى لهذا الغرض وإنما يؤتى للسلام عليه لمن كان في المدينة أو وصل إليها من خارجها لقصد الصلاة في المسجد والقراءة فيه ونحو ذلك، فإذا أتى المسجد سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه، لكن لا يشد الرحل من أجل زيارة القبر فقط بل من أجل المسجد وتكون الزيارة للقبر الشريف وقبري الصديق و عمر تابعةً لزيارة المسجد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) ، فالقبور لا يشد لها الرحال ولكن متى وصل إلى المسجد وفي نيته السلام على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه، أو ليس في نيته ذلك فإنه يشرع له أن يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وأن يسلم على صاحبيه رضي الله عنهما، لكن لا يشد الرحل لأجل زيارة القبر فقط للحديث السابق.

    وأما ما يتعلق بالاستغفار والتوبة فهذا كما يكون في حياته، لا بعد وفاته.

    والدليل على هذا: أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لم يفعلوا ذلك، وهم أعلم الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم وأفقه الناس، ولأنه صلى الله عليه وسلم لا يملك ذلك بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، وأخبر عليه الصلاة والسلام أن من صلى عليه تعرض صلاته عليه، عليه الصلاة والسلام، هذا شيء خاص فيما يتعلق بالصلاة عليه عليه الصلاة والسلام: (من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً)، وقال عليه الصلاة والسلام: (أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي، قيل: يا رسول الله! وكيف تعرض عليك وقد أرمت -يعني: بليت- قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء).

    فهذا خاص بالصلاة عليه عليه الصلاة والسلام، وفي اللفظ الآخر: (إن لله ملائكة سياحين يبلغونني عن أمتي السلام) هذا شيء خاص بالصلاة والسلام عليه عليه الصلاة والسلام أنه يبلغ ذلك.

    وأما أنه يأتي من ظلم نفسه ليتوب عند القبر وليستغفر عند القبر فهذا لا أصل له بل هو منكر ولا يجوز وهو وسيلة إلى الشرك، وسيلة إلى أن يأتي فيسأله الشفاعة ويسأله شفاء المريض أو كذا أو كذا، أو يسأله أن يدعو له وهذا لا يجوز؛ لأن هذا ليس من خصائصه عليه الصلاة والسلام بعد وفاته ولا من خصائص غيره، فكونه ممن مات لا يدعى ولا يطلب منه الشافعة، لا النبي عليه الصلاة والسلام ولا غيره، وإنما الشفاعة تطلب منه في حياته صلى الله عليه وسلم، يقول الرجل: يا رسول الله! اشفع لي أن يغفر الله لي، اشفع لي أن يشفي الله مريضي.. أن يرد غائبي.. أن يعطني كذا وكذا.

    وهكذا يوم القيامة بعد البعث والنشور؛ لأنهم أحياء، (فإن المؤمنين يأتون آدم ليشفع لهم حتى يقضى بينهم فيعتذر، ويحيلهم إلى نوح فيعتذر نوح ثم يحيلهم نوح إلى إبراهيم فيعتذر، ثم يحليهم إبراهيم إلى موسى فيعتذر، ثم يحيلهم موسى إلى عيسى فيعتذر عليهم الصلاة والسلام، ثم يحيلهم عيسى عليه الصلاة والسلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها، فيتقدم ويسجد تحت العرش عليه الصلاة والسلام ويحمد ربه بمحامد عظيمة، ثم يشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم).

    وهكذا يشفع في أهل الجنة حتى يدخلوا الجنة؛ لأنه حي قائم موجود، أما في البرزخ بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فلا يسأل الشفاعة، ولا يسأل أن يستغفر للناس، ولا يسأل شفاء المريض ولا رد الغائب، ولا غير ذلك من الأمور، وهكذا بقية الأموات لا يسألون شيئاً من هذه الأمور بل يدعى لهم ويستغفر لهم إذا كانوا مسلمين.

    المقدم: شيخ عبد العزيز ! في الختام أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    الشيخ: نعم. نسأل الله ذلك. نعم.

    المقدم: مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    من الإذاعة الخارجية سجلها لكم زميلنا مطر محمد الغامدي.