إسلام ويب

الصلاة ومكانتها وحكم تاركها [2]للشيخ : عبد الرحمن السديس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله جل وعلا أنزل هذا الدين، وجعل له أعمدة وأركانا، وإن من أعمدة الإسلام الصلاة التي هي الفيصل بين الإسلام والكفر، ولذا فإن الشيخ في هذه المادة قد بين حكم تارك الصلاة، وحكم إقامتها مع الجماعة، ومكانتها في الإسلام.

    1.   

    مكانة الصلاة في الإسلام

    أحمد الله جل وعلا، وأستعينه وأستهديه وأستغفره وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وأشهد أن نبينا محمداً عبده المصطفى، ورسوله المجتبى، بعثه بالدين الحق والهدى، ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أهل الفضل والتقى، ومن سار على نهجه.

    أما بعــد:

    عباد الله: اتقوا الله كما أمركم بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    إخوة الإيمان في كل مكان: إن تقدم الأمم ونهوضها وسلامتها مما يعوق مسيرتها في طريق الرقي والحضارة، يكمن في تمسك أهلها بمبادئها ومثلها، والتزامهم بمناهجها ونظمها وآدابها، فإذا تخلت عن مقومات حضارتها وعوامل نهضتها، وتركت مبادئ أصالتها وقيم عراقتها، فإنها تتخلى بالتالي عن مقومات الأمن والسعادة، وعوامل النصر والقوة والكرامة، لتغرق في طوفان الفتن والمحن، وتعصف بها أمواج الحوادث والكوارث، وتعمها البلايا والمصائب، والأمة الإسلامية التي من الله عليها بالإسلام، عقيدةً وشريعةً وأخلاقاً ومنهاجاً، للحياة بأسرها حين تفرط في أمر هذا الدين، وتقصر في أداء شعائره، فإنها تتخلى بذلك عن ضمانات عزها وقوتها ومقومات نصرها وكرامتها؛ لتصبح أمةً ذليلةً مستضعفةً، لا يهدأ لها بال، ولا يقر لها قرار، عقوبة من الله جل جلاله لمن أعرض عن ذكره، وتخلى عن أمره، وتكبر على دينه وشرعه، وحينما يستقرئ المرء نصوص الشريعة، ويجيل نظره فيها، يدرك بجلاء حقيقة هذا الأمر وواقعيته.

    وعوداً على بدء ثابت نضرب لذلك مثلاً في شعيرة من أعظم شعائر الإسلام، وفريضة من أجل فرائضه ألا وهي الصلاة التي بلغ من رعاية الإسلام لها واهتمامه بها أن الله فرضها على رسوله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء من فوق سبع سماوات، وكانت خاتمة وصيته صلى الله عليه وسلم عند آخر عهده من الدنيا.

    روى الإمام أحمد وأبو داود عن أنس رضي الله عنه ، قال: (كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضرته الوفاة، وهو يغرغر بنفسه: الصلاة وما ملكت أيمانكم ) كما بلغ من مكانتها وعظم شأنها أن من تركها مستخفاً بها، جاحداً لفرضيتها، فإنه كافرٌ بإجماع المسلمين.

    ومن تركها بالكلية تهاوناً وكسلاً، فإنه كافرٌ على الصحيح من أقوال العلماء التي تعضده الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد سبق إيرادها والإشارة إليها، ومع هذه المكانة العالية، والقمة السامقة لشأن الصلاة في الإسلام، التي تمثل مكانة الرأس من الجسد، فكما أنه لا حياة لمن لا رأس له، فكذلك لا دين لمن لا صلاة له، مع هذا كله وغيره مما تهتز له القلوب، وترجف له الأفئدة، وترتعد منه الفرائض نجد تقصيراً كبيراً، وتساهلاً عريضاً في شأن الصلاة من كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام.

    وإن الناظر في واقع كثير من المسلمين، يرى الصلاة قد خف قدرها، وطاش ميزانها لدى كثير من الناس، بل إن المتأمل ليرجع مجروح الفؤاد حزين النفس حينما يرى ألا اهتمام بها في بعض بقاع المسلمين، وفي أماكنهم العامة إلا من قلة قليلة، وكأن الأمر طبيعي لا غضاضة فيه.

    بل وصل الحال ببعضهم أن تأخذ منه الدهشة كل مأخذ حينما يسمع هذه المكانة العالية، وهذا الترهيب المرعب لتارك الصلاة، وما ذلك إلا نتيجة عدم العناية بشعائر الإسلام، والجهل بالدين، وانشغال المسلمين عن دينهم لما غزيت به مجتمعات المسلمين مما يصد عن تعاليم الدين الحنيف.

    يا أمة الإسلام! أليس من العجيب أن تضيع أعظم فرائض الإسلام من أبناء الإسلام في بلاد الإسلام؟!

    وكيف يرجى لأمة أن تحقق آمالها وتعالج آلامها، وتصلح حالها، وتهزم أعداءها، وقد فرط أهلها في أعظم مقومات النصر، وهو دينها وعقيدتها؟

    1.   

    وجوب إقامة الصلاة جماعة

    أمة الإسلام: وحينما يؤكد شأن الصلاة، فإنما يؤكد على إقامتها مع الجماعة في بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وقد مرت الأدلة على وجوب الصلاة جماعة، حتى إن بعض أهل العلم جعل الجماعة شرطاً لقبول الصلاة وصحتها حيث لا تصح صلاة من صلى منفرداً من غير عذر شرعي.

    يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: [[ما بال أقوام يتخلفون عن الصلاة، فيتخلف لتخلفهم آخرون، وأن يحضروا الصلاة مع الجماعة، أو لأبعثن عليهم من يجافي رقابهم ]].

    وإن مما يندى له الجبين إعراض فئامٍ من المسلمين عن الصلاة في المساجد مع الجماعة، فتركوا بذلك الأجر العظيم، والمنافع الجمة، وعرّضوا أنفسهم للوعيد الشديد، فيما آثروا الحياة الدنيا واطمأنوا بها، ونبذوا أوامر الله ورسوله وراء ظهورهم، حين هجروا المساجد وفتنوا بالملاهي والملاعب، والمراكب والمكاتب والمراتب، حتى إن بيوت الله عز وجل لتشكوا إلى ربها هجر العباد لها، حتى أصبحت لا تعرف عند بعض الجهلة إلا في الجمع والأعياد، وفي ذلك خطر عظيم، ومن مؤشرات عظم الخطر، ومظاهر اللامبالاة بأوامر الله ورسله تخلف كثير من الناس عن الصلاة، لا سيما في الأوقات التي يتخللها نوم، أو تتخللها أعمال، وتلك وصمة عار للمسلمين، واتصاف بصفات المنافقين الذين قال الله عنهم: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء:142].

    وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما، لأتوهما ولو حبواً ) ويقول ابن عمر رضي الله عنهما: [[كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء، أسأنا به الظن أن يكون قد نافق ]].

    ألا فليعلم ذلك صرعى الشهوات وصرعى السهرات إلى ساعات متأخرة من الليل، على أسوأ بضاعة، وأَنْزل عُدَّة نظراً واستماعاً، حديثاً واطلاعاً، وليعلم ذلك من تتثاقل رءوسهم عن أداء الصلوات المكتوبات من غير عذر شرعي، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، وتاب عليَّ وعليكم إنه هو التواب الرحيم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    مراتب الناس تجاه الصلاة

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه.

    أما بعــد:

    فاتقوا الله عباد الله: واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، فلا تسقط على العبد ما دام عقله معه، وما دامت روحه في جسده، والناس فيها على مراتب: فمنهم الظالم لنفسه، ومنهم المقتصد، ومنهم السابق بالخيرات بإذن الله، فانظر نفسك يا عبد الله! من أي المراتب أنت.

    وأنتم يا إخوة الإسلام في هذا البلد الحرام! اشكروا الله عز وجل أن جعلكم في جوار بيته الحرام أفضل البقاع وأقدس الأماكن، خُصت بمضاعفة الصلاة، وسائر الأعمال الصالحة، فالصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة فيما سواه، أي: إن الصلاة الواحدة في هذه البقعة المباركة، تعدل عمر خمس وخمسين سنة وأكثر، فيا له من فضل عظيم لمن وفق لإقامة الصلاة على وجهها الشرعي، واحذروا التقصير والتساهل فيها، فإن ذلك أشد من غيره في البقاع الأخرى، ولا يزال للحديث شجون.

    أسأل الله عز وجل أن يوفق لإكمالها، وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقال صلى الله عليه وسلم: (من صلى عليَّ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً ).

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وقدوتنا وإمامنا محمد بن عبد الله، اللهم ارض عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واحمِ حوزة الدين يا رب العالمين!

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، ووفقهم لهداك، واجعل عملهم في رضاك يا رب العالمين، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة يا أكرم الأكرمين!

    اللهم وفق المسلمين قاطبة في مشارق الأرض ومغاربها إلى ما تحبه وترضاه، اللهم منَّ عليهم بصلاح أحوالهم، اللهم منَّ عليهم بصلاح قادتهم، وعلمائهم، وشبابهم، ونسائهم يا رب العالمين!

    اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، الذين يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى.

    اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء!

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.