إسلام ويب

حق الله على العبادللشيخ : عبد الرحمن السديس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى خلق العباد لغاية مقصودة، وحكمة منشودة، ألا وهي عبادته عز وجل، وقد تكلم الشيخ في هذا الدرس عن حق الله على العباد ومفهومه وحدوده الشرعية.

    1.   

    نعم الله وحكمة إسدائها

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونتوب إليه، ونستغفره ونثني عليه الخير كله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، المعبود بحق سبحانه، لا ند له ولا شريك ولا ولد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خير من قام بحق ربه عليه، فعبد ربه حتى أتاه اليقين.

    اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، الذين عرفوا ما لربهم من الحق، فقاموا به خير قيام، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أيها الناس: اتقوا الله تعالى.

    عباد الله: إن من فضل الله علينا أن أوجدنا وخلقنا في هذه الحياة، وأمدنا بأصناف النعم، خلقنا في أحسن تقويم، وكرمنا أعظم تكريم، ومتعنا بالأسماع والأبصار والعقول، وسخر لنا ما في السماوات وما في الأرض، وما في الجو والبر والبحر، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وفضلنا على كثير من خلقه بالفطر الصحيحة، والعقول النقية، والجوارح السليمة، والنعم العظيمة، والمنن الجسيمة، كل ذلك ليحمل الإنسان الأمانة الغالية، والمسئولية الكبيرة، ليعرف في الوجود مكانته التي بوأه الله إياها، ووظيفته التي كلفه بها، والغاية المُثلى التي خلقه لأجلها، والحق العظيم الذي عليه لله ربه، خالقه ورازقه، ومدبر أموره، ومالك ضره ونفعه، وحياته وموته، لا إله غيره، ولا رب سواه، فلا يَتَقاصَر عن أداء هذا الحق طرفة عين، ولا يتساهل في القيام به ساعة من ليل أو نهار، إلى أن يتوفاه الله وهو على ذلك عملاً بقوله سبحانه: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] وقوله جل وعلا: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99].

    فلا يغفل عن عبادة ربه, ولا يفتر عن طاعته، ولا يدنس العبادة بشيء من الشوائب الشركية والبدعية، ولا يهبط إلى المستوى البهيمي، ولا يَسِفُّ إلى الحضيض الشهواني، ولا يتقاصر عن السمو والمعالي، بل ينطلق في رحاب الإيمان والعمل الصالح؛ ليملأ رصيده الحقيقي الذي سيقدم عليه، في يوم يكثر فيه المفلسون، دون أن يقدح في انطلاقته الإيمانية قادح، أو يخلخلها خلل.

    1.   

    حق الله على العبد

    أمة الإسلام: يقول ربكم تبارك وتعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115] ويقول جلَّ وعزَّ: أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً [القيامة:36].

    إنه لا يمكن أن تخلو حياة الإنسان عن العبث والفراغ؛ إلا إذا أدرك حق الله عليه، وقام به على أكمل وجه، وأحسن صورة، عند ذلك لا يَزِل ولا يَضِل ولا تتفرق به السبل، ولا تتشعب به الطرق، ولا تلتوي به المسالك والأهواء، بل يُخْضِع كل شيء لله وحده، وينقاد لأمره، ويصبغ حياته كلها وَفق منهج الله سبحانه، ولا يجعل ساعة لنفسه وساعة لربه، ويوماً للرحمن وآخر للشيطان، وعملاً لمولاه وآخر لهواه، بل كل ساعاته وأيامه لله كما قال سبحانه: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام:162-163].

    فالعقيدة والعبادة، والعلم والعمل، والفكر والنية، والشعور والإرادة، والسكون والحركة، حلقات متسلسلة تدور ليحقِّق المسلم من خلالها معنى الطاعة الكاملة لله، ويؤدي الحق الذي لله عليه، فإذا انقاد لأمره، وأذعن لحُكمه، ولم يقدم بين يديه ورسوله، واتبع بصدق وإخلاص نحو الغاية من خلقه، كان مؤمناً حقاً ومسلماً صدقاً، يعرف حق الله عليه، وحق رسوله صلى الله عليه وسلم، وحق إخوانه المسلمين، لا تنأى به عن تلك الواجبات أهواءُ النفس، ونزغاتُ الشيطان، ولا تصرفه عنها مطالب الحياة، وشواغل الدنيا، ولا تصده عنها أفعال الناس المخالفة لمنهج الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولو كثرت واستحكمت، فالدين ما شرع الله وجاء به مـحمد بن عبد الله صلوات الله وتسليماته عليه.

    إخوة الإيمان: أعَرَفْتُم بعد ذلك حق ربكم عليكم، ومقدار ذلك الحق، وأطره الواسعة، وأوقاته المطلقة، وأزمانه العامة.

    إن حق الله على عباده يتلخص في: القيام بعبادته والبُعد عن الإشراك به قال سبحانه: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [النساء:36] وقال جل في علاه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْـلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:21-22].

    قال الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله حول هذه الآية ما خلاصتُه: شرع تبارك وتعالى في بيان وحدانية ألوهيته؛ لأنه تعالى هو المنعم على عبيده، بإخراجهم من العدم إلى الوجود، وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة.

    ومضمونه: أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها، ورازقهم؛ فبهذا يستحق أن يُعبد وحده، ولا يُشرك به غيره، وبهذا قال: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22].

    وفي الصحيحين : عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (يا معاذ ! أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً ).

    عتاب لعباد الله

    فيا من حق مولاه الإقبال عليه! والتوجه بقلبه إليه، لقد صانك وشرفك عن إذلال قلبك ووجهك لغيره، فما هذه الإساءة في معاملته مع هذا التشريف والتكريم، فهو يعظمك ويدعوك إلى الإقبال، وأنت تأبى إلا مبارزته بقبائح الأفعال.

    جاء في بعض الآثار القدسية: أن رب الجلال والعزة يقول: {إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويُعبد غيري، وأرزق ويُشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليَّ صاعد، أتحبب إليهم بالنعم، ويتبغضون إليَّ بالمعاصي }

    وكيف يعبده حق عبادته من ترك سؤاله، ودعاءه، وتذلُّلَه وخوفه ورجاءه، وذبحه ونذره، لمن لا يملك لنفسه فضلاً عن غيره ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، من ميت رميم في التراب، أو بناءٍ مشيد من القباب، فضلاً عما هو شر من ذلك؟!

    إخوة الإسلام: كيف يؤدي حق ربه عليه مَن لا يعرف الله إلا في أوقات قليلة، وأزمنة ضئيلة، وأيام معينة، وليال مخصصة، وبقية العمر لَهْوٌ وغفلة وسُبات وشهوة؟ والله ما هكذا عمل المؤمنين، وأتباع سيد المرسـلين صلى الله عليه وسلم!

    عاقبة التقصير في حق الله

    إن أعداء الملة والسنة لما وجدوا في بعض المسلمين استنكافاً عن الشهوات، واستعظاماً للوقوع في ظاهر المحرمات؛ جاءوهم من طريق الزيادات والشبهات والمستحسنات والمحدثات، فساروا في هذه السبل، كأن لم يكن بين أيديهم كتاب ولا سنة، وكأن قلوبهم لم تُعمر بجوهر العقيدة، وصفاء الاتباع.

    يا أمة الإسلام: إن رسالة المسلمين في الحياة أعم من أن تُحَدَّ بأيام ومناسبات، وتُخَصَّ بليال وذكريات، بل هي رسالة من لا يستكثر على الله عمله، ولا يمن عليه إسلامه.

    إن ما حققه المسلمون الأوائل من نصر وفتوحات وأمجاد، إنما مرده بعد توفيق الله إلى قيامهم بحق الله تعالى عليهم، ومن قام بحق الله تعالى؛ أنجز الله له ما تفضل به من حق في الدنيا والآخرة.

    واليوم لما قصر كثير من المسلمين في حق ربهم عليهم، وفرطوا في ذلك تفريطاً جلياً، ولعبت بهم الأهواء، وكثر بينهم دعاة جهنم عياذاً بالله، أصبحوا في حالة لا يُحسدون عليها.

    فما راء كَمَنْ سَمِعَا

    وقد وصل الحال ببعض المنتسبين إلى الإسلام أن يغرقوا في الملذات والشهوات، حتى لكأن حق الله عليهم في هذه الحياة يكمن في التنافس في الشهوات، والتسابق في الملذات، يعيشون حياة الأنعام، يقصدون إلى تحقيق رغباتهم، مأكلاً ومنكحاً ومشرباً، ملبساً ومسكناً ومركباً.

    فأمة هذا شأنُها قد هيأت السبيل لأعدائها لإحكام قبضتهم عليها، فتندم ولات ساعة مندم.

    وإذا كان العالم شرقيه وغربيه يجعل لحظوظ الدنيا ومتطلباتها حقوقاً يدافع عنها، ويبث حولها الدعايات والإعلانات، ويمد ذلك بالهالات الإعلامية، فالمسلمون أولى أن يقوموا بحق الله عليهم، وحق الله أولى بالوفاء والأداء والقضاء، فيهبوا حياتهم كلها لأداء حق الله تعالى عليهم، ففي ذلك عزهم وسعادتهم، وصلاح أحوالهم في المعاش والمعاد.

    نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لأداء حقه علينا، وأن يُجزل لنا ما تفضل به علينا، ووعدنا من حق، وأن يصلح أحوال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، إنه جواد كريم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه يغفر لكم، وتوبوا إليه يتب عليكم، إنه كان حليماً غفوراً تواباً رحيماً.

    1.   

    العبادات توقيفية

    الحمد لله وكفى، وأشهد أن لا إله إلا الله المعبود المرتجى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم واقتفى.

    أما بعد:

    أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى، واشكروه على نعمه التي لا تُعد، وعلى إحسانه الذي لا يُحد.

    ثم اعلموا عباد الله! أن لربكم عليكم حقاً عظيماً، ما خلقكم ورزقكم في هذه الحياة إلا لأدائه والقيام به، فاجتهدوا رحمكم الله في أداء هذا الأمر مدة حياتكم، فإن الموت يأتي بغتة.

    أيها الإخوة في الله: إن المسلم الحق لا يعتمد في دينه وعبادته لربه إلا على ما صح النقـل فيه عن المصـطفى صلى الله عليه وسلم، وخاصة فيما تضاربت فيه الأقوال وكثر فيه الاختلاف، فدين المسلم أعز شيء عنده، فجدير به أن يحفظه عن النقص أو الزيادة.

    يا عباد الله: وإنكم في شهر من أشهر الله، قد انتشر بين سواد الناس أن لبعض أيامه ولياليه خصوصية على غيرها من أيام العام، ولها من المكانة والفضيلة ما يجعلهم يَقُوْمُونَها ويُحْيُونَها.

    ولما كانت العبادات توقيفية لا دخل للرأي والهوى فيها، فإن كل تخصيص لا بد له من مخصص صحيح، يُؤخذ من كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالحق ما جاء فيهما، والدين ما أُخذ منهما.

    ولم يصح في فضل ليلة من ليالي هذا الشهر حديث عند المحققين، ولو صحَّ فلا يقتضي ذلك تخصيصها بعبادة لم يفعلها القدوة صلى الله عليه وسلم.

    فاتقوا الله عباد الله! واحذروا الغفلة عن الله والدار الآخرة، وتحرروا من التقليد الأعمى في أمر الدين والدنيا، وتخلصوا من الآثار والأغلال التي ما أنزل الله بها من سلطان تكونوا من المفلحين.

    وصلوا وسلموا على من بلغ رسالة الله أجل بلاغ، وبينها أكمل بيان، فلم يترك نبينا محمداً خيراً إلا دل عليه وأمر به، ولا شراً إلا حذر منه ونهى عنه كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك، يا أرحم الراحمين!

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين, واحمِ حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين!

    اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رُشد، يُعَز فيه أهل طاعتك، ويُذَل فيه أهل معصيتك، ويُؤمَر فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المنكر، يا سميع الدعاء!

    اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، اللهم أصلح ذات بينهم واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

    اللهم أقر أعيننا بصلاح أحوال المسلمين في كل مكان، يا رب العالمين!

    اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك، والمستضعفين في أرضك، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم، اللهم انصرهم وسددهم وثبتهم، يا رب العالمين!

    اللهم بارك لنا في جميع الشهور والأعوام، وبلغنا بمنك وكرمك شهر رمضان، يا رب العالمين!

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

    عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.

    فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعـُونَ.