إسلام ويب

الترغيب في طلب العلمللشيخ : عبد الرحمن السديس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن العلم هو النور الذي لا تلحقه ظلمة، والفضيلة التي لا تتبعها رذيلة، فالعلم عليه المعول في بناء الأمم، به تبني الأمة مجدها، وتبلغ غاياتها، وترهب أعداءها.

    ولقد حث الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم على طلب العلم، بل عظم مكانته وشرف منزلته، وفضَّل العلماء، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وما ذاك إلا لفضل العلم، والعمل به.

    ولنا في سلفنا الصالح أسوة حسنة في كيفية طلب العلم والمداومة عليه.

    1.   

    بيان أهمية العلم وفضله

    الحمد لله الذي جعل العلم النافع طريقاً موصلاً لرضاه، وصراطاً يتبعه من أراد هداه، ويحيد عنه من ضل واتبع هواه، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدىً من الله، وأشهد أن لا إله إلا الله رفع شأن العلم وأهله حتى وصلوا من المجد منتهاه، ومن العز أعلى ذراه، فمن سلك طريقاً يبتغي فيه علماً؛ سهل الله له به طريقاً إلى جنته وعلاه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الهداة التقاة، ومن سار على نهجه إلى يوم لقاه.

    أما بعــد:

    أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى حق تقواه، واعلموا أن دين الإسلام فرض على الأمة التي تعتنقه أن تكون أمة علم وعمل، فبالعلم النافع والعمل الصالح تبني الأمم أمجادها، وتبلغ غاياتها، وتشيد حضاراتها، وترهب أعداءها، وقد أخبر رسول الهدى صلى الله عليه وسلم: أن الله إذا أراد بالعبد خيراً وفقه للفقه في الدين، وقد أخرج البخاري ومسلم عن معاوية رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خير يفقه في الدين ) ودل الحديث بمفهومه على أن من أعرض عن العلوم النافعة فإن الله لم يرد به خيراًً؛ لحرمانه الأسباب التي تنال به الخيرات وتكتسب بها السعادة.

    إخوة الإسلام: إن أول ما نزل من كتاب الله، قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5] حيث تعتبر هذه الآيات أول صيحة تسموا بقدر العلم، وتنوه بقيمته، وتعلن الحرب على الأمية الغافلة، لما تجره على الإنسانية من شر وفتنة وبلاء، وتجعل اللبنة الأولى في بناء كل فرد، وكيان كل أمة، أن تتعلم أمور دينها ودنياها، وتأخذ بالوسائل الشرعية المفيدة في هذا المجال.

    وسما الله عز وجل بدرجات العلماء حتى قرنهم بنفسه وملائكته في الشهادة بوحدانيته، والإقرار بعدالته، قال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18] وقال سبحانه: يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة:11] وقال عز وجل: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] وجعل سبحانه العلماء أهل خشيته وتقواه، فقال عز من قائل: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] ولا غرو فأنىّ للعقول الكليلة والمعارف الضيقة والذوات الجاهلة أن تدرك جلال الكبير المتعال، وتعرف الحق من الباطل، والحلال من الحرام، والهدى من الضلال، والصواب من ضده، والسنة من البدعة، وأنَّى لمن يحيا حياة الأنعام ويعيش عيش الطغام، أن يعبد ربه كما شرع رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يسير على الصراط المستقيم في أمور العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق، وكل ما جاء به الإسلام.

    لذلك أعز الله العلماء وآثارهم بكرامته وفضله، وجاءت السنة المشرفة والآثار الصحيحة بترغيب الناس فيه وحثهم عليه، يقول صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة ) أخرجه مسلم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه -أيضاً- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ) رواه مسلم .

    من أقوال السلف في طلب العلم

    وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: [[تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة ]].

    وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: [[كن عالماً، أو متعلماً، أو محباً، أو مستمعاً، ولا تكن الخامسة فتهلك ]].

    أمة الإسلام: ما أصيب المسلمون اليوم بمصيبة أعظم من الجهل بدين الله، وما ابتلوا ببلية أكبر من الإعراض عن العلم الشرعي رواية ودراية ورعاية، فما الذي سبب انتشار العقائد الفاسدة، والطرق المنحرفة، والبدع المنكرة؛ إلا قلة البصيرة في دين الله، وما الذي جعل المنكرات والمحرمات تظهر في مجتمعات المسلمين؛ إلا الإعراض عن دين الله عز وجل.

    1.   

    أول واجب يتعلمه المسلم

    إن أول أمر يجب على المسلم أن يعلمه ويتعلمه هو توحيد الله، ومعرفة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، كما أن المسلمين اليوم مطالبون بمعرفة كل ما يفيدهم في أمور دينهم ودنياهم؛ ليستطيعوا قهر أعداء الله وإيقاع الهزيمة بهم.

    ولن ينكشف وينجلي ما حل بالمسلمين اليوم في عقائدهم، ومعاملاتهم، وأخلاقهم، وبلادهم، إلا بإحياء علوم الدين الإسلامي الحنيف، وجعلها ركيزة وأصلاً يبنى عليها غيرها من العلوم الأخرى، ولعل أبناء المسلمين الذين يحصدون هذه الأيام زرع عام دراسي كامل، ويجنون ثماره، يتنبهون لهذه الأمور والحقائق، فيخرجون متسلحين بالعلوم النافعة؛ لينصروا دينهم وينفعوا أمتهم، ولن يتم ذلك إلا بمعرفة قيمة الوقت، والاجتهاد في الطلب على الدوام، والإخلاص لله فيه، وابتغاء ثوابه، وصيانة العلم عن الأطماع الدنيوية، والمقاصد الدنية التي فشت في أهل الطلب اليوم، والله المستعان!

    اللهم ارزقنا العلم النافع والعمل الصالح، اللهم امنحنا الفقه في الدين يا رب العالمين!

    اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، وعين لا تدمع، ودعاء لا يسمع، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً يا أرحم الراحمين.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    الحث على العمل بالعلم

    الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.

    أما بعـد:

    أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى وتعلموا أحكام شريعته لطلب العلم النافع؛ فإن العلم نور وهدىً وحياة، والجهل ظلمة وضلال وموت، واعلموا أنكم في زمان تكاثفت فيه غيوم الجهل والفتن، وكادت سحب العلم الصحيح تنقشع، وفي عصر قل فيه أهل العلم المحققون العاملون، وكثر فيه أضدادهم ومخالفوهم ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    وتذكروا أن أعداء الإسلام لا يفتئون يطعنون المسلمين بحراب التجهيل لهم، وإلقاء الشبهات، وبذر الشكوك بينهم، وإيقاد نار الحيرة والقلق في صفوفهم، ليتمكنوا من إبعادهم عن العلم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، واعلموا أن ثمرة العلم العمل به، فلا خير في علم ينقصه عمل، بل هو حجة ووبال على صاحبه والعياذ بالله.

    ألا وصلوا على معلم الناس الخير محمد بن عبد الله كما أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صلِّ وسلم وبارك على إمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، اللهم وارض عن خلفائه الراشدين وعن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وارض عنا برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعدا الدين يا رب العالمين.

    اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم وفق المسلمين لما تحب وترضى، اللهم وفقهم قادة وشعوباً، علماء وعامة، رجالاً ونساءً شباباً وشيباً، اللهم ارزق الجميع التمسك الصحيح بكتابك وسنة نبيك يا رب العالمين.

    اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا لما يرضيك، وجنبه جميع سخطك يا رب العالمين! اللهم انصر به دينك يا أرحم الراحمين! اللهم أيده بالحق المبين، وثبته على الصراط المستقيم يا أرحم الراحمين! اللهم ارزقه البطانة الصالحة يا رب العالمين.

    اللهم اغفر لجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، اللهم أهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

    اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويخذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف يا سميع الدعاء، اللهم بارك لنا في جميع الشهور والأيام، وبلغنا برحمتك شهر رمضان يا رب العالمين.

    رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.