إسلام ويب

هذا الحبيب يا محب 14للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الأيام التي عاشها النبي صلى الله عليه وسلم من طفولته إلى قبيل مبعثه كانت زاخرة بمظاهر الكمال المحمدي، ومن ذلك استسقاء أهل مكة به صغيراً حين يصيبهم القحط والجدب، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يذكر أنه انكشفت له عورة طيلة حياته، وكان في شبابه يبغض الأصنام وكل ما يأتيه فتيان مكة من اللهو الباطل، ومنها ظهور شرفه على كافة رجالات قريش حين حكموه في مسائل جليلة كوضع الحجر الأسود في مكانه بعد تجديد بناء الكعبة، وقبولهم بحكمه صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    مظاهر الكمال المحمدي قبل النبوة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    وقد انتهى بنا الدرس إلى هذه المقطوعة النيرة الكريمة، وهي [مظاهر الكمال المحمدي قبل النبوة] أي: مشاهد الكمال المحمدي قبل أن يُنبأ، من يوم ولادته إلى أن بلغ الأربعين من عمره.

    ما هي مظاهر الكمال ومشاهده الدالة على أنه حقاً نبي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم، ورحمه وإياكم: [إن الفترة التي قضاها الحبيب صلى الله عليه وسلم من أيام طفولته إلى يوم مبعثه، كانت حقاً زاخرة بمظاهر الكمالات المحمدية] وهي أربعون سنة [وكلها دلائل لنبوته] والدلائل: جمع دليل أو دلالة، أي: تدل على أنه نبي حق ورسول صدق [وآيات كمالاته] الأدبية والخلقية والروحية [وها نحن أولاء نستعرض مع القارئ الكريم طرفاً منها] سنستعرض شيئاً قليلاً من تلك الكمالات؛ لأنها في خلال أربعين سنة [طلباً لكمال محبته واليقين في الإيمان به صلى الله عليه وسلم] ليس لمجرد أن نسمع أو نعرف؛ بل من أجل أن نحبه أكثر مما نحبه، وأن يكون إيماننا به يقينياً، فوق مستوى الإيمان العادي.

    المظهر الأول: الاستسقاء به صلى الله عليه وسلم وهو طفل لم يبلغ بعد

    قال: [وإن أول تلك المظاهر الكمالية الاستسقاء به صلى الله عليه وسلم وهو طفل لم يبلغ بعد، فقد ذكر الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في مختصره] مختصر السيرة الذي ألفه [أن ابن عساكر روى عن جلصمة بن عرفطة قال: قدمت مكة وهم في قحط] أي: لا مطر [فقالت قريش: يا أبا طالب ! أقحط الوادي وأجدب العيال، فهلم فاستسق] سبحان الله! مشركون يعبدون الأصنام والأوثان يستسقون الله عز وجل! والعالم الإسلامي اليوم لا يستسقي فيه بلد إلا نادراً ما عدا هذه الديار، فيندر أن أهل البلد الفلاني يستسقون، وإنما يذهبون إلى أضرحة الأولياء ويقيمون الزرد، ويجمعون المال من عامة الناس ليستسقوا بذلك! ووالله! إنه كما تسمعون، فما هو السبب؟

    هجرنا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالقرآن يقرأ على الموتى، والسنة للبركة، فكيف نعرف الاستسقاء؟! ورزقني الله مرة قوماً يريدون الاستسقاء بزيارة سيدي فلان والذبح له، فحولناها إلى استسقاء وصلينا فكانت أول مرة في تاريخنا، إنه لعجب! المشركون يستسقون والمسلمون لا يعرفون. مؤسف أن نهبط هذا الهبوط.

    هنا قريش تقول: يا أبا طالب ! أقحط الوادي وأجدب العيال، فهلم فاستسق بنا، أي: اطلب السقيا من الله رب البيت العتيق، لم يقولوا: اللات ولا عزى ولا هبل [فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس يوم دجن، تجلت عنها سحابة قتماء] أرأيتم كيف رسم صورة نبيكم؟ [ومعه غلام] ولد [كأنه شمس يوم دجن] أي: شمس في يوم مظلم [تجلت عنه سحابة قتماء] أي: تجلت عنه سحابة سوداء فظهر. هذا وصفٌ لوجه الحبيب صلى الله عليه وسلم.

    [وحوله أغيلمة] يعني: أطفال صغار [فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ بأصبعه الغلام، وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من ههنا وههنا وأغدق] أي: أمطر [وانفجر الوادي] الوادي الأمين [وأخصب النادي والبادي وفي هذا قال أبو طالب :

    وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل

    هذه آية كالشمس على أنه رسول الله أم لا، أو هناك شك؟!

    [فهذه إحدى الكرامات الإلهية للحبيب صلى الله عليه وسلم، وهو مظهر من مظاهر الكمال؛ إذ ألهم الله تعالى أبا طالب أن يستسقي به صلى الله عليه وسلم وهو طفل، فيأخذه ويأتي به إلى الكعبة ويلصق ظهره بها، ويرفع الغلام بين يديه، ولسان حاله يقول: اسقنا ربنا! فقد توسلنا إليك بهذا الغلام المبارك فيسقيهم الله تعالى حتى يجري واديهم وتخصب أراضيهم فكانت هذه من طلائع النبوة وتباشيرها].

    قد يقول قائل: وهل يجوز التوسل بالذوات؟

    فنقول: عندما أجدب أهل الحجاز على عهد عمر توسل رضي الله عنه بـالعباس ، فكيف توسل به؟

    قال: أنت عم رسول لله صلى الله عليه وسلم فصلِّ بنا. وقدَّم عمر العباس مع أن عمراً -فيما أعلم أفضل- أليس كذلك؟ ومع هذا العباس عمّ سيد الناس صلى الله عليه وسلم، فتقدم وصلى العباس وما زالوا يصلون حتى أمطرت السماء.

    فإذا أردنا أن نستسقي في قرية من القرى، علينا أن نطلب أفضلنا، وأكملنا، وأتقانا، ليس توسلاً بالذات، وإنما توسلاً بدعائه، فنجعله وسيلة في أن يقبل الله دعاءنا ويسقنا أو يدفع الكرب عنا.

    قال المؤلف: [نتيجة هذا المظهر:

    إن نتيجة هذا المظهر من مظاهر الكمال المحمدي هي تقرير النبوة المحمدية وتأكيدها لتثمر بعد ذلك حب النبي صلى الله عليه وسلم، وتعلق القلب به حتى يكون أحب إلى المرء من نفسه التي بين جنبيه، ويصبح المحب مستعداً -نفسياً- لترك ما يحب لمحبوبه صلى الله عليه وسلم، وبذلك تتم الطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتابعته فيما جاء عقيدة وعبادة وخلقاً وأدباً، وهذه سبيل النجاة من المرهوب والظفر بالمحبوب في الدارين، وتلك غاية الطالبين الصالحين.

    المظهر الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم لم تكشف له عورة قط

    وثاني تلك المظاهر للكمال المحمدي: أنه صلى الله عليه وسلم لم تكشف له عورة قط] ومعنى قط: أبداً. وهو: من قط الشيء إذا قطعه [بعد أن حدث له مرة وهو ينقل الحجارة مع رجالات قريش لبناء الكعبة المشرفة] لأن قريش بنت الكعبة أيام كان الرسول صلى الله عليه وسلم شاباً، فكان يحمل معهم الحجارة، من جبل أبي قبيس والجبال التي حوله لبناء الكعبة المشرفة [وكانوا يرفعون أزرهم على عواتقهم يتقون بها ضرر الحجارة] كانوا يلبسون الأزر، والرداء على أكتافهم -وإلى الآن ما زال الناس في جنوب المملكة يلبسون هذا، فليس هناك برد- ويرفعون أزرهم على عواتقهم يتقون بها ضرر الحجارة، حتى لا تؤذيهم [وكان هو صلى الله عليه وسلم يضع الحجارة على عاتقه وليس عليه شيء، فرآه عمه العباس ] سيد الناس رضي الله عنه [فقال له: لو رفعت من إزارك على عاتقك حتى لا تضرك الحجارة ففعل صلى الله عليه وسلم] استغفله ففعل [فبدت عورته فوقع على وجهه فوق الأرض] ما إن انكشفت عورته حتى وقع على الأرض -وهذا مظهر من مظاهر الكمال!- كأنه صعق، أما نحن فكيف حالنا؟

    تجدهم يدخلون البحر عراة، وبعضهم يتحفظ ويعمل سروالاً يسمونه التبان، على قدر سوءتيه فقط، يغطي فرجاه لا أقل ولا أكثر، وفي الحمامات كذلك أيضاً؛ لأن الحياء من ورّثناه؟ من أين ورثناه؟! هل عشنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من صبانا حتى نكتسب آدابه وأخلاقه؟! هل كان آباؤنا وأجدادنا كذلك؟ إذاً: كيف نرجو هذا؟ والآن لاعب الكرة يكشف عن فخذيه، ليس الساقان، بل الفخذان أيضاً.

    [ونودي] من ناداه؟ هتف به هاتف [استر عورتك] ومن ثم صعق على الأرض [أي: ناداه ملك، فما رؤيت له بعد ذلك عورة أبداً] أما نحن فنقول: (إيش فيه)؟! وكلمة: (إيش فيه) هذه هي التي هدمنا بها كل القواعد والأصول، وتجد من يقول: ما سقطت السماء، ولا غارت الأرض، يريدون من كل من ارتكب معصية أن يغرق أو تنزل عليه صاعقة من السماء!! ولو حصل ذلك ما بقي من يعصي، وإلا ما معنى (إيش فيه)؟ أيحرم رسول الله وتقول: (إيش فيه)؟!

    [نتيجة هذا المظهر:

    إن لهذا المظهر نتائج هي كالتالي:

    أولاً: عناية الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، وحفظه له من كل ما يسيء إلى مقامه الرفيع ومكانته السامية] فالله وليه يقيه ويحفظه من كل ما من شأنه أن يسيء إليه أو يخدش في كماله. إذاً: الله يحبه، ولولا حبه ما اصطفاه ولا بعثه رسولاً.

    [ثانياً: كشف العورات مما جاء الإسلام بتحريمه ومنعه إلا من ضرورة تطبيب ونحوه] جاء الإسلام بتحريم كشف العورات إلا من تطبيب، ونحوه كغريق فإنه ينقذ على أية حال، أما بدون هذه الضرورة فكشف العورات عندنا محرم، والعورات جمع عورة، والعامة العورة عندهم هي العين التي فيها البياض، وهذه يقال لها: عوراء، ولكن العورة بالتاء المربوطة عندنا نحن المسلمين في الرجال ما بين السرة والركبة، هذه هي العورة، فلا يحل لك أن تكشف ما بين سرتك وركبتك، وأهل العلم -وأنتم منهم- يقولون: العورة عورتان: مغلظة ومخففة. فالمغلظة هي السوأتان؛ القبل والدبر، والمخففة ما بين السرة إلى موضع العانة، ومن الركبة إلى قرب الدبر، فإذا كان ولا بد ضرورة فاختر أخف الضررين، هذا سر كونها عورتين مغلظة ومخففة.

    وأما المرأة المسلمة فكلها عورة ما عدا وجهها وكفيها، عليها في الصلاة أن تكشفهما، أما أمام الأجانب فليس شيء فيها غير عورة، والأجانب هم الذين يحل لهم أن يتزوجوها، فإذا لم يكن ثَم خمار خفيف، تنتقب وتترك عيناً واحدة تهتدي بها إلى حاجتها، واليوم يوجد غطاء خفيف بريالين تغطي به وجهها كاملاً وتمشي، وترى حتى العقرب في الطريق أو الإبرة، فليس هناك حاجة إلى النقاب، فالنقاب أيام كان الصوف فقط، فكيف تغطي وجهها بالصوف وترى الطريق؟ غير معقول!

    إلا من بلغت سن انقطاع الحيض والحمل والنكاح، فهذه تكون كالرجل، تخرج كاشفة عن وجهها وحتى عن ذراعيها، وفي هذا يقول تعالى: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا [النور:60] أي: آيسات من أن يخطبن فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ [النور:60] أي: حرج أو إثم أو ضيق أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ [النور:60] على المشجب وتخرج، حال كونهن غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ [النور:60].

    وعندنا لطيفة:

    بعض النساء تقول: أمكم عجوز! أنا جدتكم، ثم تجعل الحمرة في خديها والسواد في عينيها، وكذا في شفتيها، وحلية الذهب في يديها، والخلخال .. إلخ وتقول: أمكم عجوز! فأبطل الله هذه الحيلة بقوله عز وجل: غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ [النور:60].

    ثم قال عز وجل: وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ [النور:60] ومعنى يستعففن: يلتزمن الملاءة السوداء حتى الموت، وإن بلغت مائة وعشرين سنة، وقد رأينا المدنيات الصالحات في عمر تسعة تسعين تمشي في الشارع لا يرى منها شيء، ويجوز لها، فهذا الذي استحبه الله: وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ [النور:60]، وكأنما طلب لهن العفة بإبقاء الحجاب الكامل مع السن المتجاوزة له. ألا يقرأ المسلمون هذه الآية؟!

    [ثالثاً: بيان مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم قومه فيما هو خير ومعروف، وهو مظهر من مظاهر كماله صلى الله عليه وسلم ذاتاً وروحاً وخلقاً] وعرفنا هذا المظهر لأنه كان يبني معهم، ويحمل الحجارة على كتفيه، وهذه مشاركة.

    وقد عشنا أياماً كان أحدنا إذا أراد أن يبني بناية ليسكنها اجتمع عليه أهل القرية كلهم وساعدوه، وفي يوم أو يومين يكملونها!! فأين تلك الأخلاق؟ هل هناك من يفعل اليوم هذا؟ مستحيل!

    المظهر الثالث: تبغيض الله تعالى إليه الأوثان وكل أنواع الباطل

    قال: [وثالث مظاهر الكمال أنه صلى الله عليه وسلم قد بغض الله تعالى إليه الأوثان] كان وهو طفل يبغضها، كما نبغضها نحن اليوم [وكل أنواع الباطل التي كان يأتيها فتيان قريش ورجالاتها من الغناء وشرب الخمر والقمار وسائر الملاهي] ليس الأفيون ولا والكوكايين ولكن الخمر.

    وتعرفون الغناء أم لا؟ والحمد لله! نصر الله دينه، وما ضاعت صيحات المؤمنين، لقد مضت علينا فترة في مدينة النبوة كنت إذا مررت فيها بمائة سيارة فلا تجد أكثر من عشر سيارات لا تغني، أما الباقون فكلهم يغنون، وتمشي ليلاً في الشوارع والناس في أسطحة البيوت -قبل أن توجد هذه المبردات- فتسمع الأغاني إلى عنان السماء، أما الآن فالحمد لله، نفعت الدعوة، ليس بالسيف ولا بالعصا -أبداً- ولكن بالدعوة.

    والشاهد عندنا: لو كنا صادقين في دعوتنا أيها المستمعون والمستمعات! فهذا يُبلّغ هذا وذاك يبلّغ ذاك، فوالله في أربعين يوماً لن تجد دشاً على سطح بالمدينة، ولكننا خائنون لأماناتنا، لا ننصح ولا نبكي، إما أن نتعنتر وإما أن نسكت.

    [وقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن ذلك عن نفسه فقال: ( لما نشأت بغضت إلي الأوثان وبغض إلي الشعر، ولم أهم بشيء مما كان الجاهلية تفعله إلا مرتين، كل ذلك يحول الله تعالى بيني وبين ما أريد من ذلك، ثم ما هممت بسوء بعدهما حتى أكرمني الله برسالته، قلت ليلة لغلام كان يرعى معي .. )] غلام شاب كان يرعى مع النبي صلى الله عليه وسلم الغنم؛ لأن الرسول كان يرعى الغنم و( ما من نبي إلا وقد رعى الغنم ) لا البقر والجمال، ولكن الغنم؛ لأن الذي يستطيع أن يسوس الغنم وهي في حاجة إلى العطف والرحمة والإحسان يسوس البشر، أما الذي لا يسوس إلا البقر والجمال فلا ينفع.

    يقول صلى الله عليه وسلم: ( لما نشأت بغضت إلي الأوثان وبغض إلى الشعر )، ولهذا لم يقل بيتاً من الشعر قط. وهناك حادثة: أراد مرة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يستشهد ببيت شعر وهو:

    ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأنباء من لم تزودِ

    فقال:

    ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك من لم تزود بالأنباء

    فقال أبو بكر : والله! إنك لرسول الله؛ انفعل الصديق انفعالاً وقال: والله! إنك لرسول الله؛ لأن الله قال: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس:69]، فما استطاع أن ينشد بيتاً واحداً، فكسر البيت وقدم وأخر؛ لأنه لو كان شاعراً لقالوا: هو شاعر ليس برسول، لكن كذبوا وعرفوا الخطأ، وأنه ليس بشاعر.

    قال: [( لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر كما يسمر الشباب.. )] قال لزميله: ارع غنمي الليلة وأنا سأدخل مكة وأسهر أو أسمر كما يسمر الشباب، فوافق الغلام على الأمانة [( .. فخرجت حتى جئت أول دار من مكة أسمع عزفاً بالدفوف والمزامير لعرس كان لبعضهم )] ساقه القدر فما إن دخل مكة حتى سمع حفل عرس أحدهم، قال: [( .. فجلست لذلك فضرب الله على أذنيّ فنمت فما أيقظني إلا حر الشمس )] ما إن جلس حتى ألقى الله عليه النوم، وما استيقظ حتى أيقظته حرارة الشمس. هذه وقاية الله!

    وقد حدث لي مرة في لبنان شيء من ذلك، فأردت أن أطلع فندقاً بالمصعد، فعندما دخلت، دخلت علي حوراء ولم أعرف ماذا أصنع، فصرخت: أخرجي! فأبت. وضغطت على زر المصعد ليطلع فأبى أن يطلع ووقف حتى خرجت وبعد ذلك طلع. إنها عصمة الله، وحمايته لأوليائه.

    قال: [( .. ولم أقض شيئاً، ثم عراني مثل ذلك مرة أخرى )] أخرجه الحاكم وصححه. وعصمه الله عز وجل له كانت في هاتان المرتان، همّ ولم يبلغ، وحال الله دون ذلك.

    [نتائج هذا المظهر:

    إن لهذا المظهر من مظاهر الكمال المحمدي قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم نتائج هي كما يلي:

    أولاً: حماية الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من كل ما يسيء إلى سامي مقامه وعظيم منزلته -فداه أبي وأمي-] وهناك مثلٌ عند أهل العلم يقولون: من العصمة أن لا تجد. أي: تطلب سوءاً فلا تحصل عليه، هذه عصمة من الله. فإذا رميت بيدك لتسرق لا تجد ما تسرقه، أو ذهبت لتطلب باطلاً فيحول الله بينك وبينه؛ لأنه يريدك طاهراً له، ولياً من أوليائه فيحفظك.

    [ثانياً: بيان رعيه صلى الله عليه وسلم الغنم في البادية، وهي سنة الأنبياء من قبله؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: ( ما من نبي إلا وقد رعى الغنم فقالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! فقال: ولا أنا، قد كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة )] والقيراط جزء من أربعة وعشرين كالقرش تقريباً، القيراط كالقرش من العشرين ريال.

    [ثالثاً: إن الحكمة من رعي الأنبياء للغنم هي الإعداد لسياسة البشر بالرفق والرحمة واللين؛ لأن الغنم -وهي الضأن والمعز- أضعف من الإبل والبقر، وأحوج إلى الرفق، والإنسان أضعف منها، ولذا يحتاج إلى سياسة الرفق واللين وعدم الشدة والعنف] نريد أن نوجه الخطاب إلى الحكام، أليس كذلك؟! لا. بل إلى الأزواج في بيوتهم مع زوجاتهم، لا تجد رفقاً ولا ليناً، ولكن سباً وشتماً وصراعاً وطلاقاً، ولن تجد أبداً أكثر من (25%) يحسنون إلى أزواجهم، فما هي إلا الكلمة القاسية والشدة والصفع وقد مللنا من الأسئلة عن الطلاق، وبالطلاق، وعلي الطلاق.

    أنا أقول: يا هذا أنت تعيش مع الناس الليل والنهار، فهل آذيت مؤمناً في الشارع؟! إن أذية المؤمن حرام، فكيف إذاً تؤذي من هي في عصمتك وتحت ولايتك؟! وإذا قلت هذا للفحول، فقوله أيضاً للفحلات ظاهر، فبعض الفحلات كالحيات أيضاً، تنهش وتعض وتؤذي، ولكن هذا نادر، أما الرجال فهم الذين يتعنترون على النساء، فليس هناك لين ولا رفق ولا إحسان ولا بشاشة ولا .. وليس معنى هذا أنك تسمح لها أن لا تصلي، أو أن تطل على النافذة وتضحك مع الناس، هذا لا يقوله عاقل، وإنما إذا كان الماء ساخناً فلا تصرخ، وإذا كان الطعام قليلَ الملح فلا تسب ولا تلعن، وإذا قالت: ائتنا بكذا وليس عندك مال، فقل لها: والله ما عندي اليوم! لا تقل: اسكتي!!

    المظهر الرابع: تحكيم قريش له في أعظم خلاف لها

    قال: [ورابع المظاهر للكمال: هو تحكيم قريش له في أعظم خلاف لها] إن قريشاً على جلالتها وعظمة رجالها وشرفها -سادت العرب في كمالاتها- عندما اختلفت في قضية حكّموا فيها محمداً صلى الله عليه وسلم، وهو الذي لم يتخرج من كلية ولا من جامعة ولا عنده دبلوم سياسي. وإليكم القصة.

    قريش، الخلاف [كاد يفضي بها إلى الحرب والقتال، وذلك أن السيل كان قد طغى على الكعبة فغمرها بالمياه وزلزل بناءها، وكاد يهدُ أركانها] لأن الكعبة في الوادي [وتشاورت قريش طويلاً في إعادة بناء الكعبة بعد الذي أصابها، وكانت تتهيب أن تمس الكعبة بشيء لاسيما هدمها وتجديد بنائها؛ مخافة أن تنالها عقوبة من الله رب الكعبة وحاميها من كل كيد يراد لها] وحادثة الفيل معروفة أمامهم، جيش كامل تحطم من أجل أن لا يصل إلى البيت [وبعد أخذ ورد أقدمت على هدمها وتجديد بنائها بعدما أعدت لذلك عُدته ومنه المال الحلال] فمال القمار لا ينفع، ومال الربا لا ينفع، ولكن المال الحلال فقط، فإذا جئت بألف أو ألفين سألوك: من أين جئت بهذا المال؟ هل من الغارات أم من الربا أم من أين ..؟ فمن قال: هذا من عرقي وجدي وكدي أخذوه منه؛ حتى لا تبنى الكعبة بالحرام.

    ولهذا الآن بعض من المسلمين يسألون: هل يجوز أن نصلي في مسجد بناه مرابٍ؟ هل يجوز إذا كان صاحب مال يشتغل بالربا أن يساعد في بناء مسجد؟

    أما بالنسبة إلي فأقول: يسروا ولا تعسروا، فما دام بنا المسجد لله ولم يبق له فيه اسم ولا طمع، فلِم لا نصلي فيه؟!

    [وفعلاً وزعت أركانها على قبائلها] كل قبيلة تأخذ جهة؛ إذ كل قبيلة تريد أن تساهم في بناء البيت، حتى لا يُسمع أو يقال: إن القبيلة الفلانية لم تساهم أو لم تشارك في البناء؛ فلذا أعطوا كل قبيلة جزءاً معيناً.

    [وشرعت في الهد والبناء، ولما ارتفع جدار الكعبة وبلغ موضع الحجر الأسود، اختلفوا فيمن يتشرف بوضع الحجر مكانه من الركن اليماني الشرقي] هؤلاء كفار أم مؤمنون؟! والله إنهم كفار مشركون! إذاً: ما هذا الشعور؟

    الجواب: أيها الأبناء أصاب قريشاً ما أصابنا، فمات العلماء الذين ورثوا العلم من إسماعيل وإبراهيم، ومضت قروناً حتى نسوا وعم الجهل وغطى، وبقيت فرقة تؤمن بالله وبكعبته وبالحج إلى بيته، وبالحلال والحرام، ولكن هذه الأوثان جاء بها شيطان من الشياطين من الشام، وهو ابن لحي وورّثها فيهم فتعارفوا عليها، شأنهم في ذلك شأن المسلمين الآن، فأنت تجد عندنا قرى لا تعرف الله، لأنه لم يدخلها عالم أبداً، فيصلون كما يريدون..! المهم لا عجب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    قال: [وتنافسوا في ذلك، وشحوا به على بعضهم، حتى كادوا يقتتلون.

    وأخيراً ألهمهم الله تعالى إلى تحكيم أول من يقبل من باب الصفا] عملوا كقرعة حتى ينهون هذا الخلاف؟ فقالوا: أول من يدخل علينا غداً أو بعد ساعة من باب الصفاء هو الذي يضع الحجر. إذاً: كان فيهم عقل، ومع هذا يقول الله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [العنكبوت:63] [وما زالوا كذلك حتى أقبل محمد صلى الله عليه وسلم، فما إن رأوه مقبلاً حتى قالوا: هذا الأمين، رضينا به حكماً] ولهذا الشناقطة يسمون أولادهم بـمحمد الأمين، وأكثر أسماؤهم: محمد الأمين، أي: اسم مركب من اثنين، من النعت والمنعوت.

    [وفعلاً رضي صلى الله عليه وسلم بتحكيمهم له، فأمرهم أن يبسطوا ثوباً، فوضعه فيه] من أين تتجلى هذه المعارف؟! لو كان من أمثالكم لتعنتر وأخذه وحده ولم يبالِ، لكن انظر كيف عمل؟ [ثم أمر ممثلي قبائل قريش أن يأخذ ممثل كل قبيلة بطرف ورفعوه] قال: ائتوني بثوب، ووضع الحجر في الثوب ودعا ممثل كل قبيلة، وقال: ارفعوا الثوب؛ حتى يسهموا ويشاركوا كلهم، فلما حاذوا مكان الحجر أخذه هو ووضعه صلى الله عليه وسلم. من يرقى إلى هذا الكمال؟! [ولما حاذوا به مكانه من الجدار رفعه بيديه الكريمتين فوضعه مكانه، وبذلك حقنت دماء قريش، وعادت الألفة والمودة بين رجالات قريش، فكان هذا الحكم والتحكيم أكبر مظهر من مظاهر الكمال المحمدي قبل إنبائه وإرساله نبياً ورسولاً.

    نتائج هذا المظهر:

    إن لهذا المظهر من مظاهر الكمال المحمدي نتائج هي فيما يلي:

    أولاً: تقرير الكمال المحمدي الذي دل عليه وصف قريش له بأنه الأمين، إذ لم يُعرف بخيانة في عرض ولا مال ولا قول ولا عمل قط] لم يعرف أبداً بخيانة لا في عرض ولا في مال ولا في قول ولا عمل قط.

    [ثانياً: حسنُ السياسة التي بها حقنت دماء قريش التي كادت تسيل من شدة الخلاف واحتدامه.

    ثالثاً: إظهار شرف محمد صلى الله عليه وسلم على كافة رجالات قريش بتحكيمهم إياه ورضاهم بحكمه، وبهذا -وغيره- قامت الحجة على أكثرهم في إنكارهم نبوته واعتراضهم على رسالته، واتهامهم إياه بالنقائص!! وهو أكملهم على الإطلاق].

    صلوا على نبيكم صلى الله عليه وسلم، وإن شاء الله تبقى هذه المظاهر راسخة في نفوسنا حتى نطبق بعضها إن شاء الله من الآن.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.