إسلام ويب

سلسلة منهاج المسلم - (88)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للصلاة صفة وكيفية جاءت مذكورة في السنة النبوية لا تصح إلا بها، فقد وردت صفة الصلاة في السنة بأركانها وشروطها وسننها وواجباتها تامة مفصلة، فمن أخل بركن منها أو ارتكب ما يبطلها فقد بطلت صلاته وعليه إعادتها، إلا أن هناك أموراً يجوز فعلها في الصلاة، وهذا من تيسير الشريعة الإسلامية ويسرها على الناس.

    1.   

    مبطلات الصلاة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة..

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة؛ ليلة الخميس من يوم الأربعاء ندرس كتاب منهاج المسلم؛ الحاوي للشريعة الإسلامية، عقيدة، وآداباً، وعبادات، وأحكاماً شرعية، وها نحن مع مبطلات الصلاة.

    ما معنى مبطلات الصلاة؟

    معناه: أن الصلاة إذا بطلت لا تزكي النفس ولا تطهر الروح، فهي فارغة باطلة، والصلاة إنما شرعت إقامتها لتزكية النفوس وتطهيرها، فالأبدان تزكى وتطهر بالماء والصابون، أما الأرواح والأنفس فتطهر وتزكى بالصلاة.

    فهذه العبادة التي يلازمها العبد طوال الحياة وفي كل يوم وليلة مهمتها تطهير النفس وتزكيتها، فإذا داخلها نقص أو زيادة بطل مفعولها في تزكية النفس.

    ومبطلات الصلاة:

    أولاً: ترك ركن من أركانها -بلا خلاف- فمن ترك ركناً من أركان الصلاة فهي باطلة.

    ثانياً: الأكل أو الشرب، فالذي يأكل أو يشرب وهو يصلي فصلاته باطلة، لا تزكي نفسه وعليه أن يعيدها.

    ثالثاً: الكلام لغير إصلاحها، فالحديث والكلام لغير إصلاحها يبطلها، إما لإصلاحها كقولك للإمام إن أراد يقوم: سبحان الله، فلا حرج، أو قولك له: زدت ركعة. لاحرج؛ لأنه لإصلاح الصلاة.

    رابعاً: الضحك، وهو القهقهة: فهذا يبطل الصلاة نهائياً، أما الابتسامة فلا حرج.

    خامساً: العمل الكثير: الشغل الكثير لمنافاته للعبادة وانشغال القلب والأعضاء بغير الصلاة.

    سادساً: زيادة مثل الصلاة، كأن يصلي الظهر أو العصر ثمان ركعات، أو أن يصلي المغرب ست ركعات، أو الصبح أربع ركعات.. فلو زاد ركعة ساهياً لا بأس، أو اثنتين كذلك، أما أن يزيد أربعاً! فما كان هذا في الصلاة، فلهذا إذا سها فزاد مثل الصلاة فصلاته باطلة.

    سابعاً: ذكر صلاة قبلها، كأن يصلي العصر ثم يذكر أن لم يصلِّ الظهر بعد، فتبطل صلاة العصر ويصلي الظهر أولاً، أو كان يصلي العشاء ثم تذكر أنه لم يصلِّ المغرب بعد، فتبطل العشاء ليصلي المغرب أولاً، وكذلك الصبح قبل العشاء، هذه هي مبطلات الصلاة السبع.

    1.   

    ما يباح من الأمور في الصلاة

    والآن مع ما يباح فيها؛ فهناك أمور يجوز لك فعلها في الصلاة لا تبطلها، ولا تنقص من أجرها.

    قال: [يباح للمصلي فعل أمور، منها:]

    أولاً: العمل اليسير كإصلاح ردائه أو عمامته

    [ أولاً: العمل اليسير كإصلاح ردائه؛ لثبوت مثله عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح] لا حرج في إصلاح العمامة أو الثوب أو الرداء؛ لأنه عمل يسير ليس بكثير.

    ثانياً: التنحنح عند الاضطرار

    [ثانياً: التنحنح عند الاضطرار] لا بأس بقول: أح! عند الاضطرار؛ لأنه ليس كلاماً فيه حروف.

    ثالثاً: إصلاح من في الصف

    [ثالثاً: إصلاح من في الصف تجذبه إلى الأمام أو إلى الوراء، أو إدارة المؤتم من اليسار إلى اليمين] يجوز لك أن تجذب شخصاً للصف بدفعه للصف الثاني، هو عمل نعم، لكنه لصالح الصلاة، أو أن تأخذ شخصاً من يسارك فتجعله عن يمينك كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم [كما أدار رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عباس عن يساره إلى يمينه، لما وقف بالليل يصلي إلى جنبه] كان الرسول يصلي تهجداً وابن عباس قد نام عند خالته ميمونة، فقام يرقب صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فتوضأ ثم جاء إلى يساره وصلى، فجذبه الرسول صلى الله عليه وسلم ورده إلى اليمين، وهذا عمل يسير لأجل صلاة.

    رابعاً: التثاؤب، ووضع اليد على الفم

    [رابعاً: التثاؤب، ووضع اليد على الفم] التثاؤب هو: فتح الفم، وحكمه في الصلاة أن صاحبه معذور بأن يضع يده على فيه؛ ليخفف من ذاك الانفتاح، فإن كانت اليمنى وضع كفه على فمه، وإن كانت اليسرى وضع ظاهر اليد على الفم.

    فمن تثاءب في الصلاة لا تبطل صلاته، والسنة أن يضع يده اليمنى على فمه، بباطن الكف، فإن كانت اليسرى جعل ظاهر الكف على الفم.

    خامساً: الاستفتاح على الإمام

    [خامساً: الاستفتاح على الإمام] لا حرج إذا غلط الإمام أن يُرد عليه، فإذا استفتح الإمام وكرر الآية يحسن بك أن تفتح عليه ولا حرج، والصلاة صحيحة [والتسبيح له إن سها لقوله صلى الله عليه وسلم: ( من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله )] فإذا قام الإمام من الرابعة، قل له: سبحان الله! ليرجع، أو ما جلس للتشهد الأوسط وأراد أن يقوم، قل له: سبحان الله! حتى يرجع، لكن إذا رفع ركبتيه وقام فإنه لا يرجع للتشهد الأول؛ لأنه ليس بركن، بل يسجد له قبل السلام فقط.

    سادساً: دفع المار بين يديه

    [سادساً: دفع المار بين يديه] إذا كنت تصلي وأتى من يمر بينك وبين سترتك دفعته ولا حرج، هو عمل لكنه مأذون فيه [لقوله صلى الله عليه وسلم: ( إذا صلى أحدكم إلى شيء )]يعني: سترة [( يستره من الناس، فإذا أراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى؛ فليقاتله فإنه شيطان )] إذا كنت تصلي إلى سترتك فأتى غافل يمر بين يديك أشر إليه حتى يرجع، فلعله لم ينتبه، أما إن دفعته ثم قام يقاتلك فهذا شيطان ليس بإنسان.

    والسترة عمود أو خشبة أو كذا .. يستر المصلي بها نفسه من الناس؛ حتى لا يمر أحد بين يديه، فإذا أراد أحد أن يجتاز بين يديه أحد دفعه، فإن أبى أن يرجع وتعمد المرور فهو شيطان، يريد إفساد العبادة غير مبالٍ بالصلاة تصح أو لا تصح.

    سابعاً: قتل الحية والعقرب إن قصدت وتعرضت له وهو في صلاته

    [سابعاً: قتل الحية والعقرب إن قصدت وتعرضت له وهو في صلاته] الحية والعقرب على حد سواء، ويدخل في هذا كل ما يؤذي ويقتل [لقوله صلى الله عليه وسلم: ( اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحيّة والعقرب )] وهذا القتل لا يبطل الصلاة، فلو أخذ بعصا وتقدم خطوة أو خطوتين لا يضره.

    ثامناً: حك جسده بيده

    [ثامناً: حك جسده بيده؛ إذ هو من العمل اليسير المغتفر] من حك رأسه أو جلده بيده وهو في الصلاة لا يضره، فهو من اليسير المغتفر.

    تاسعاً: الإشارة بالكف لمن سلّم عليه

    [تاسعاً: الإشارة بالكف لمن سلّم عليه] من كان يصلي ثم دخل عليه، من قال: السلام عليكم أشار إليه بيده، ولا يقل: وعليكم السلام، فهذه الإشارة معفو عنها مغتفرة لا تبطل الصلاة، سواء كانت نافلة أو فريضة [لفعله صلى الله عليه وسلم ذلك] فالرسول فعل ذلك، فالعمل اليسير لإصلاح الصلاة كالتنحنح، أو إصلاح من في الصف، أو التثاؤب ووضع اليد على الفم، أو الاستفتاح على الإمام بالآية والآيتين، أو دفع المار بين يدي المصلي، لا يبطل الصلاة، وكذلك قتل الحية والعقرب وكل ما يؤذي ويضر، وحك الجسد باليد، وأخيراً: الإشارة بالكف لمن سلم عليك.

    1.   

    أحكام سجود السهو

    [المادة الخامسة: في سجود السهو:] سها يسهو سهواً.

    أولاً: سجود السهو لمن سها في صلاته فزاد ركعة، أو سجدة أو نحوهما

    [من سها في صلاته فزاد ركعة أو سجدة أو نحوهما] إذا ما شعر وزاد أو أنقص وهو لا يدري، كأن يصلي الظهر خمس ركعات بدل أربع، أو أن يصلي المغرب أربع ركعات بدل ثلاث، وكذلك السجدة [وجب عليه أن يسجد -جبراً لصلاته-] ويجبرها لأنها انكسرت، فجبراً للصلاة حتى تتم فائدتها [سجدتين بعد تمام صلاته ثم يسلم] عندما يتشهد قبل أن يسلم يسجد سجدتين إرغاماً للشيطان.

    والسجود للسهو يجوز قبل السلام وبعده بلا خلاف، وإنما الاختلاف في أيهما أفضل، فالأفضل إذا كانت زيادة أن يكون السجود بعد السلام، وإذا كان نقص أن يكون قبل السلام، والكل صحيح، وهو إرغام للشيطان ولا حرج.

    ثانياً: سجود السهو من ترك سنة مؤكدة

    [وكذلك من ترك سنة مؤكدة] أو واجباً؛ لأن السنة المؤكدة عند بعض أهل العلم تسمى واجباً [من سنن الصلاة سهواً فإنه يسجد لها قبل سلامه، وذلك كأن يترك التشهد الوسط] كأن يقوم للثالثة وما جلس في الظهر أو العصر أو المغرب بعد الركعتين [فإنه يسجد لها قبل سلامه]؛ لأنه ترك سنة مؤكدة (واجب)، وهو التشهد.

    إذاً: عليه السجود قبل أن يسلم، أن يسجد للسهو سجدتين [وذلك كأن يترك التشهد الوسط ولم يذكره بالمرة أو ذكره بعد أن استتم قائماً فإنه لا يرجع إليه، وعليه أن يسجد قبل السلام] إذا ذكر أنه لم يجلس للتشهد الوسط وقام واعتدل فإنه لا يرجع، لكن إذا تحرك فقط وما استتم القيام رجع ولا حرج.

    ثالثاً: سجود السهو من السلام قبل إتمام الصلاة

    [وكذا من سلم من صلاته قبل أن يتمها فإنه يعود إن قرب الزمن فيتم صلاته] هذا يعود إن قرب الزمن [فيتم صلاته ويسجد بعد السلام] أما إذا طال الزمن فلا يرجع، بل يعيد صلاته، لكن لو صلى وما جلس في المسجد أو جلس جلسة خفيفة -ساعة أو نصف ساعة أو دقائق- وتذكر فإنه يعود ويتم صلاته ويسجد.

    فمن سلم من صلاته، قبل أن يتمها فإنه يعود -إذا قرب الزمن- فيتم صلاته ويسجد بعد السلام، أما إذا خرج من المسجد وبعد فإنه يعيد الصلاة من أولها [والأصل في هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله] الرسول قال وفعل، سنة قولية وفعلية [فقد سلم من اثنتين] في هذا المسجد؛ صلى بهم الظهر أو العصر ركعتين وسلم، وسلموا وهم لا يدرون اتباعاً لإمامهم [فأخبر بذلك، فعاد فأتم الصلاة وسجد بعد السلام] قال له الصحابي: ( أنسيت أم قصرت الصلاة يا رسول الله؟! قال: لا قصرت ولا نسيت، قال: بل نسيت ) فعاد إلى المحراب وصلى بهم ركعتين، وسجد بعد السلام [كما قام مرة من الركعة الثانية ولم يتشهد فسجد قبل السلام] وفي مرة أخرى قام صلى الله عليه وسلم من الركعة الثانية ولم يتشهد فسجد قبل السلام، وهذا من فضل الله على أمة الإسلام؛ حتى تأتسي برسولها صلى الله عليه وسلم، فالرسول يسهو [وقال: ( إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى، أثلاثاً أو أربعاً؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم )] هذه عامة، إذا شككت فلم تدر أصليت ثلاثاً أم أربعاً ابن على اليقين الذي تتيقنه، واسجد سجدتين قبل السلام، وأتم صلاتك، واسجد قبل السلام [( فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته )] أي أصبحت ستة والحمد لله [( وإن صلى إتماماً لأربع؛ كانتا ترغيماً للشيطان )] هو فيه خير، فما دام شك يبن على اليقين، فإن صلى خمساً -في الواقع- وهو لا يدري لما سجد أصبحت شفعاً ستة، وهكذا. وترغيم الشيطان إذلاله وإهانته.

    رابعاً: سجود السهو متابعة للإمام

    [وأما من سها خلف الإمام فلا سجود عليه] من كان يصلي وراء الإمام وسها، فلم يقرأ الفاتحة مثلاً [فلا سجود عليه -عند أكثر أهل العلم-] لأن الإمام يتحمل ذلك [إلا أن يسهو إمامه فيسجد معه لوجوب متابعة الإمام] أما إن سها المأموم فهو غير مسئول، وليس عليه سجود قبل السلام ولا بعده، فإن سها الإمام وسجد سجدت معه متابعة له [ولارتباط صلاته بصلاة إمامه] فصلاتك مربوطة بصلاة الإمام.

    [وقد سجد أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم مع النبي لما سها وسجد] سجد أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم مع النبي لما سها وسجد، فلا تقل: أنا ما سهوت وإنما سها الإمام، فعليه هو أن يسجد، فلابد من متابعة الإمام.

    1.   

    كيفية الصلاة

    [المادة السادسة في كيفية الصلاة:

    كيفية الصلاة هي: أن يقف المسلم بعد دخول وقتها متطهراً] لأن الصلاة إذا لم يدخل وقتها لا تصح، وهذا شرط لا تقبل الصلاة إلا بصحته؛ والطهارة شرط في صحة الصلاة أيضاً [مستور العورة] ستر العورة شرط في صحة الصلاة، وعورة الرجل من السرة إلى الركبة، والمرأة كلها إلا وجهها وكفيها، ويجوز للرجل أن يصلي وهو مكشوف الصدر أو الساقين، المهم ستر ما بين السرة إلى الركبة، فإذا انكشف شيء من هذا بطلت صلاته، أما المرأة فتظهر وجهها وكفيها فقط، حتى قدميها تسترهما في الصلاة، تتلفف في خمار يسترها بكاملها [مستقبل القبلة] استقبال القبلة ركن لابد منه أيضاً [فيقيم لها] ويقيم الصلاة بالإقامة المعروفة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله .. إلى آخره، سواء كان وحده أو في جماعة، فالجماعة الواحد يكفيهم، ومن صلى وحده أقام الصلاة وحده [حتى إذا فرغ من لفظ الإقامة] فإذا فرغ من الإقامة [رفع يديه محاذياً بهما منكبيه ناوياً الصلاة التي أراد أن يصليها] وبعض الجهال يجعل أصبعيه في أذنيه ويقيم، وهذا خطأ، بل يرفع يديه حذو منكبيه.

    والنية ركن: ( إنما الأعمال بالنيات )، فلو أنه ما نوى لا تصح صلاته، والنية عمل قلب لا عمل لسان، فلا تقل: نويت أن أصلي الظهر أو العصر، هذا من عمل الجهال الذين لا بصيرة لهم، فإذا وقفت متطهراً وقد دخل الوقت، وأقمت الصلاة، واستقبلت القبلة، فهذه هي النية.

    [ويضع يده اليمين على اليسار فوق صدره] بعد أن يكبر يضع يده اليمنى فوق اليسرى على صدره، وبعضهم يضعها عند سرته، وهذه نظرية ليست سليمة، قالوا: إذا وقف الإنسان أمام السلطان فإنه يضع يديه على مكان الإزار حتى لا يسقط؛ لأنهم كانوا يلبسون الأزر فقط ولا سراويل، فيضع يديه حتى لا تنكشف عورته أمام الملك، وهذه النظرية معمول بها عند الأحناف، ولكن السنة على الصدر، أن تضع يمينك فوق يسارك على صدرك، والذي يضعها على سرته يضيق على الناس بيديه، وبعضهم يضعها على قلبه ناحية اليسار، وهذا خطأ أيضاً، فالسنة الثابتة: اليمنى فوق اليسرى على الصدر، وقد مر الرسول صلى الله عليه وسلم بشاب يصلي وقد وضع اليسرى فوق اليمنى، فنزع صلى الله عليه وسلم اليمنى وجعلها فوق اليسرى، ومالك في موطئه يقول: ( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت )، ووضع اليمين على اليسار فوق الصدر في الصلاة سنة الأنبياء من قبلنا، أما إطلاق اليدين وتدليتها خطأ وقع فيه الخوارج والروافض وبعض المالكية [ثم يستفتح] الاستفتاح سنة لمن حفظه وعرفه، أما الذي لا يعرفه فلا يلزمه، وهو: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، هذا يسمى دعاء الاستفتاح، يستفتح المرء الصلاة بهذا الكلام [ويقول: بسم الله الرحمن الرحيم سراً] وهذه القضية اختلف فيها أهل العلم، والصحيح أنه لابد من البسملة، ولكن سراً لا جهراً، ولنعلم أن سورة الفاتحة التي هي ركن الصلاة نزلت مرتين: مرة بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)، ومرة بدونها، قرأها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم مرة بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) ومرة بدونها، فمن قال: نزلت بدون البسملة رأى أنها ليست واجبة، وليست بآية، ومن قال: إنها آية -كـالشافعي- قال: من لم يبسمل فصلاته باطلة؛ وذلك لأنه ترك آية من سورة الفاتحة.

    وآيات الفاتحة سبع: بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:1-7] هذه سبع آيات، أما إن قلنا: إن البسملة ليست آية أصبحت الفاتحة ست آيات فقط.

    ولكي ننتفع ولا نتعرض للفتنة نبسمل سراً، فيبسمل الإمام في نفسه ويجهر بالفاتحة؛ لأن أنساً قال: ( صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووراء أبي بكر وعمر وكانوا يستفتحون الصلاة: بالحمد لله رب العالمين )، لكن هذا لا يمنع أن يكونوا أسروا بها إسراراً [فيقرأ الفاتحة، حتى إذا بلغ: وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] قال: آمين] ويجوز أمين، ولكن المد أولى: آمين، ويصح في لغة العرب: أمين [ثم يقرأ سورة، أو ما تيسر له من الآيات القرآنية] يقرأ بعد الفاتحة آية أو آيتين أو ثلاث أو سورة [ثم يرفع يديه حذو منكبيه ويركع قائلاً: الله أكبر، فيمكن كفيه من ركبتيه، ويمد صلبه -ظهره- ولا يرفع رأسه ولا ينكسه]، فالرأس كما الظهر، فلا يرفع رأسه أو ينكسه وإنما يمده مع ظهره سواء بسواء [بل يمده في سمت ظهره، ثم يقول وهو راكع: سبحان ربي العظيم ثلاثاً أو أكثر] سبحان ربي العظيم ثلاث مرات أو أربع أو خمس أو أكثر [ثم يرفع من الركوع رافعاً يديه حذو منكبيه] وهذه السنة متروكة عند الكثيرين [قائلاً: سمع الله لمن حمده، حتى إذا استوى قائماً في اعتدال قال: ربنا لك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ثم يهوي إلى السجود قائلاً: الله أكبر] ويبقى ما ذكر أهل الفقه من وضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع، والواجب: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ثم يهوي للسجود، فليس ثمة فائدة من وضع الكفين على الصدر، لكن إذا كان يدعو بدعاء الرسول ويذكر بذكره، فالرسول ما رؤي في صلاته قائماً إلا وهو واضع يديه على صدره، واسمع ماذا يقول الرسول: (سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) وهذا يكون واضعاً يديه قطعاً.

    فالفقهاء لم يتعرضوا لوضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع، لأنه لا يوجد وقت بين سمع الله لمن حمده، وربنا ولك الحمد، ثم السجود، فما هو الوقت الذي يضع فيه يده؟!

    لكن إذا كان يعمل بهذه السنة -وأئمتنا جزاهم الله خيراً يعملون بها- وهي أن يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد .. فيحسن وضع اليدين على الصدر؛ لأنها طويلة.

    ومرة سمع الرسول صلى الله عليه وسلم رجلاً يقول: ( حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، ففرح بها صلى الله عليه وسلم وأقره عليها ).

    [ثم يهوي إلى السجود قائلاً: الله أكبر، فيسجد على أعضائه السبعة، وهي: الوجه والكفان، والركبتان والقدمان، ممكناً جبهته وأنفه من الأرض، قائلاً: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً أو أكثر، وإن دعا بخير فحسنٌ، ثم يرفع من السجود قائلاً: الله أكبر، فيجلس مفترشاً رجله اليسرى جالساً عليها، ناصباً اليمنى ويقول: رب اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني، ثم يسجد كما سبق، ثم ينهض للركعة الثانية، فيفعل فيها مثلما فعل في الأولى، ثم يجلس للتشهد، فإن كانت ثنائية -كصلاة الصبح- فإنه يتشهد ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويسلم قائلاً: السلام عليكم ورحمة الله، ملتفتاً إلى اليمين، ثم يسلم ملتفتاً إلى اليسار كذلك].

    قال: [وإن كانت غير ثنائية] رباعية أو ثلاثية [فإنه إذا قرأ التشهد ينهض مكبراً رافعاً يديه حذو منكبيه، فيتم صلاته على النحو الذي تقدم، إلا أنه يقتصر في القراءة على الفاتحة فقط، فإذا فرغ جلس متوركاً بإفضائه بوركه إلى الأرض ونصب قدمه اليمنى وبطون أصابعها إلى الأرض، ثم يتشهد ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويستعيذ بالله من عذاب جهنم، وعذاب النار وعذاب القبر] كثير من المسلمين لا يعرفون هذا، كان الرسول إذا صلى لا يسلم حتى يستعيذ بالله من أربع، يقول: ( اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وعذاب النار، وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال ).

    [ويسلم جهراً] السلام يكون جهراً، من السنة الجهر بالسلام، بالقدر الذي يسمع نفسه ومن حوله [قائلاً: السلام عليكم ورحمة الله ملتفتاً إلى اليمين، ثم يسلم ملتفتاً إلى اليسار، وإن لم يكن به أحد] ولو لم يكن على يساره أحد يسلم على اليسار، وبعضهم يكتفي بالتسليمة الأولى فقط، وهي تجزي، ولكن السنة أن يسلم عن يمينه وشماله.

    هيا ندعو الله عز وجل أن يسقينا.

    اللهم يا حي يا قيوم .. ابكوا يا إخواني .. والله ما يستجاب إلا للبكاء والباكين، قلوبنا قاسية، هيا نبكي بين يدي الله حتى يستجيب لنا.

    اللهم يا أرحم الراحمين، يا رب العالمين، يا ولي المؤمنين، يا متولي الصالحين، هذه أكفنا قد رفعناها إليك سائلين ضارعين، فاسقنا يا ربنا وأغثنا ولا تجعلنا من القانطين، فاسقنا يا ربنا وأغثنا ولا تجعلنا من القانطين.

    اللهم اسقنا وأغثنا يا أرحم الراحمين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، يا رب إليك رفعنا أكفنا سائلين ضارعين فلا تردنا خائبين يا أرحم الراحمين! يا أرحم الراحمين، هذه أكفنا رفعناها إليك، فاستجب لنا ربنا واسقنا سقيا عاجلة غير آجلة نافعة غير ضارة، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، يا من يقول للشيء كن فيكون وهو على كل شيء قدير اسقنا وأغثنا كرامة منك لنا يا أكرم الأكرمين، أكرمنا يا أكرم الأكرمين، استجابة لدعائنا يا رب العالمين.

    وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2738066507

    عدد مرات الحفظ

    684530985