إسلام ويب

تفسير سورة الواقعة (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما كذب أهل مكة بالقرآن جاءت هذه الآيات حاوية قسماً عظيماً أقسم الله فيه بالنجوم ومواقعها، على أن هذا القرآن الكريم هو كلامه سبحانه، أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وجعله قياماً للمطهرين من عباده، ملائكة كانوا أو رسلاً أو مؤمنين، أما من تدنسوا بالشرك وتلوثوا بالكفر فلا يلمسونه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو تعلمون عظيم)

    الحمد لله, نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    وها نحن الآن مع سورة الواقعة المكية، ومع هذه الآيات منها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة:75-82].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ [الواقعة:75], هذه اللام ليست نافية ولكنها صلة لتقوية الكلام، ومعناه: فأقسم، بمعنى: أحلف. وهل الله تعالى يقسم؟ إي وربي، فبماذا يقسم؟ يقسم بما يدل على مظاهر علمه وقدرته ورحمته وحكمته.

    يقول تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ [الواقعة:75], مواقع النجوم حيث تقع، حيث تسقط، حيث تنزل، حيث تظهر في السماء شرقاً وغرباً، هذه النجوم من أوجدها؟ من نجمها؟ وفي السماء من وضعها؟ ومن جعل لها أماكن للنزول فيها والسقوط فيها؟ وأماكن للخروج منها؟ فمن يفعل هذا؟ من القادر على هذا؟ لا أحد إلا الله، فهذا مظهر من مظاهر علمه وقدرته ورحمته.

    وفوائد النجوم على بني آدم عظيمة، فمن صنع هذه النجوم؟ من خلقها؟ لا خالق لها إلا الله، مع كونها أضواء مشرقة وأنواراً، فمن أوجد هذا النور فيها وهذا الإشراق؟ من جعلها تنتقل من مكان إلى مكان في السماء؟ الله، فكيف إذاً يعبد معه سواه؟ كيف يوصف بصفات العجز والنقص فينسب إليه الولد والزوجة وما إلى ذلك مما عليه أهل الكفر؟

    فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ [الواقعة:75-76] والله لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [الواقعة:76].

    اختصاص الله تعالى بالقسم بما يشاء وحرمة قسم العبد بغير الله تعالى

    معشر المستمعين والمستمعات! لله تعالى أن يقسم بما يشاء، بالليل، بالنهار، بالشمس، بالقمر، بما خلق من الكون، فقد أقسم بالسماء والطارق، وبالسماء ذات البروج، وأقسم بالليل والنهار، وبالفجر وليال عشر، يقسم بما يشاء، أما نحن عبيده فوالله! لا يحل لنا ولا يجوز لأحدنا أن يقسم بغير الله، وقد وقف الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على المنبر يخطب الناس ويقول: ( ألا إن الله ورسوله ينهيانكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت ).

    ولما انتشر الجهل بين المسلمين وعم البلاد الإسلامية لموت العلماء أصبحت العامة تقسم بكل شيء، ليس بالله وحده، بل بأشياء كثيرة، هذا يقول: وأمي، هذا يقول: ورأسي، هذا يقول: وشيخي، هذا يقول: والطعام! كأنهم صرفوا عن الله، ما عرفوه.

    فالله عز وجل يقسم بما يشاء، وإقسامه يدل على أن ذلك المقسَم عليه آية ظاهرة تدل على وجود الله، على علمه، على قدرته، على حكمته، على رحمته.

    فالله تعالى يقول: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1], يقسم بها، فمن أوجد الشمس؟ من أوجد ضوءها؟ من أوجد الليل؟ من أوجد ظلمته؟ لم الظلمة؟ لم النور؟ إن ذلك لمصالح الحياة، فحياتنا متوقفة على ذلك.

    وسبحان الله! لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يحلف بغير الله، إما أن تقول: والله، أو تقول: بالله، أو تقول: وعزة الله، وجلال الله، وكمال الله، وعظمة الله، وسائر صفات الله عز وجل، أما أن نقول: والنبي، والكعبة، وسيدي فلان، وحق فلان؛ فكل هذه الأيمان باطلة محرمة، وصاحبها آثم، بل مشرك في عظمة الله غير الله؛ لأن الحلف يكون باللفظ الدال على عظمة الله، أما أن تحلف بمخلوق تجعله مثل الله, فتجعل له عظمة مثل الله, وعزاً مثل الله وكمالاً مثل الله؛ فكيف تسويه بالله وتحلف به؟

    كفارة القسم بغير الله تعالى لمن جرى على لسانه بغير قصد

    ومن كان قد جرى على لسانه الحلف ولا يدري ماذا يصنع؛ فالرسول صلى الله وسلم بين لنا الطريق، وغير مرة يقف عندي أحد ويقول: والنبي ما قلت كذا! فأقول: من جرى على لسانه الحلف بغير الله بدون قصد، بدون إرادة؛ فعليه إذا حلف أن يقول: لا إله إلا الله, فإذا حلفت بغير الله فعجل وقل: لا إله إلا الله.

    وقد ظهر بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من يحلف باللات والعزى ممن أسلموا منذ أسبوع وأسبوعين، وعام وعامين، يجري على لسانه, فمنذ خمسين سنة وهو يحلف باللات والعزى، وعاشوا على القمار، فما يشعر أحدهم حتى يقول: تعال أقامرك، فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( من قال لأخيه: تعال أقامرك؛ فليتصدق ), صدقة قليلة أو كثيرة تكفر ذنبه بقوله: تعال ألعب معك القمار؛ على ما جرى في الزمان الماضي.

    فمن حلف بغير الله فليقل: لا إله إلا الله؛ تكفر ذلك الإثم, ومن كان يجري على لسانه: تعال نلعب القمار أو تعال لنلهو بدون قصد؛ إذا قال ذلك فليتصدق بصدقة، حفنة تمر أو دقيق تمحو ذلك الإثم.

    ومن حلف بغير الله غفلة ونسياناً فعليه أن يقول: لا إله إلا الله، هذا هو الهدي النبوي الشريف.

    يقول تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [الواقعة:75-76], لماذا أقسم الرب بهذا اليمين؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنه لقرآن كريم)

    قال تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [الواقعة:77] لأن المشركين في مكة وخارجها من العرب أنكروا أن يكون القرآن كلام الله، وأن يكون وحي الله أوحاه إلى رسوله، فقالوا: هذا سحر، وقالوا: هذا شعر، وقالوا: أساطير الأولين أخذها عن الأولين، وأبوا أن يؤمنوا بأنه كلام الله ووحي الله أوحاه إلى رسوله، وأنه كتابه الكريم مأخوذ من كتاب المقادير، نزل في رمضان إلى السماء الدنيا إلى بيت العزة، وهو كلام الله، فأقسم لهم على أن القرآن كلام الله، لا كما يقوله الضالون والجاهلون والمتغافلون، لا سحر ولا شعر ولا أساطير ولا خرافات, بل هو -والله- كلام الله، من أجل هذا أقسم الجبار بهذه الأقسام.

    يقول تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ [الواقعة:75-76], لو كان لديكم علم وبصيرة فستعرفون أن هذا القسم عظيم بهذه الكواكب وهذه النجوم ومنازلها ومساقطها ومراحلها في السماء، فعلى ماذا أقسم؟

    قال تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [الواقعة:77], إِنَّهُ [الواقعة:77] أي: هذا الذي كذبوا به وقالوا: سحر، وقالوا: شعر، وقالوا: خرافات وأساطير، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [الواقعة:77], ووصف القرآن بالكرم، فهو يهذب الأخلاق ويصلح العقائد ويهذب النفوس، أي كرم أعظم من هذا؟ فقارئه كريم، حافظه كريم، العامل به سعيد، فكيف لا يكون كريماً؟ أنت تقرأ القرآن فأنت كريم بيننا، من يحفظه كريم فينا، من يعمل به كريم بيننا، وهكذا, هذا شأن القرآن الكريم، وصفه الله بأنه كريم, تقول: فلان كريم لأن فضله وإحسانه ظاهر بين الناس، والقرآن كذلك كريم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (في كتاب مكنون)

    قال تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة:77-78], الكتاب المكنون هو المستور المحفوظ, هو كتاب المقادير، هو اللوح المحفوظ عند الله، والقرآن الكريم نزل في رمضان والرسول صلى الله عليه وسلم بمكة, أخذ من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ووضع في بيت العزة، ومن ثَمَّ كان جبريل يأخذ منه الآية والآيات وينزل بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال تعالى: حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ [الدخان:1-3] أي: من السماء العليا إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [الدخان:3].

    وقال تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ [القدر:1-2].

    فالله تعالى يقول: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة:77-78] وهو اللوح المحفوظ قبل أن ينزل إلى السماء الدنيا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون)

    قال تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:79] الذين طهرهم الله كالملائكة والرسل والأنبياء والعلماء والمتقين، أما الكافر، أما المشرك، أما الفاسق، أما الفاجر فلا حق له أن يمس هذا القرآن، لا بعود ولا بخشبة ولا بورقة ولا بإصبعه.

    لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:79] الذين طهرهم الله وصفاهم ونقاهم وجعلهم ربانيين، فأرواحهم مشرقة كأرواح الملائكة.

    وهنا خذوا هذه المسألة الفقهية: فالجمهور أجمعوا على أنه لا يمس المصحف إلا متوضئ، أما الجنب والحائض والنفساء فلا، المتوضئ هو الذي يمس المصحف، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي تلميذه وأحمد تلميذه، ونحن نقول بما عليه جمهور الأمة من الصحابة والتابعين، فإذا لم تكن متوضئاً فلا تمس المصحف، توضأ وخذ المصحف واقرأ فيه، أو اطلب السورة التي تريدها أو الآية، وما يمنعك أن تتوضأ؟ وإن كنت متوضئاً فبها، فإذا لم تكن متوضئاً وأردت أن تتناول المصحف فتوضأ كما تتوضأ للصلاة، كما تتوضأ للطواف, فهل هناك من يصلي بدون وضوء؟ هل هناك من يطوف بدون وضوء؟ الجواب: لا، إذاً: فكذلك كتاب الله، إذا كنت غير متوضئ فلا تمسه، لا بإصبع ولا بعود, اللهم إلا إذا كان مفرقاً، أو كان فيه التفسير وكلام غير الله تعالى، في هذه الحالة لك أن تمسه، فجزء منه أو أجزاء لا بأس أن تمسها، أما القرآن الكريم بكامله فلا؛ لأن الله قال: لا يَمَسُّهُ [الواقعة:79] أي: هذا الكتاب إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:79].

    والمطهرون من هم، من طهرهم؟ طهرهم الله تعالى, وهم أولاً: الملائكة، والأنبياء والمرسلون، والأتقياء البررة من المؤمنين الصالحين هم الذين يمسون المصحف، أما الكافرون، أما المشركون، أما الفجار، أما الفساق فلا حق لهم في أن يمسوا المصحف, والمسلمون المؤمنون المطهرون بإيمانهم وصالح أعمالهم أيضاً بين لهم الشارع أنهم لا يمسونه إلا على طهر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (تنزيل من رب العالمين)

    هكذا يقول تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الواقعة:75-80], تنزيل مصدر بمعنى: منزل، مصدر بمعنى المفعول, منزل من رب العالمين، وهو خالقنا، خالق كل شيء من الذرة إلى المجرة، فمن هو الذي وهبنا عقولنا وأسماعنا وأبصارنا؟ من رفع السماء فوقنا؟ من أنزل السماء والمطر بيننا؟ من أحيا ومن أمات؟ هذا هو الله، اسمه الأعظم الله، وله مائة اسم إلا اسماً واحداً.

    تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الواقعة:80] والعالمون: الإنس والجن والملائكة وكل المخلوقات، فمن ربها؟ من خالقها؟ هو الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون)

    ثم قال تعالى: أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ [الواقعة:81], المداهنة تعرفونها وتعرفون من يستعملها، المداهنة: أن تداهن الكافر المشرك الفاسق الفاجر وتجاريه على ما يقول حتى تحفظ ريالك أو مكانتك، يداهنون الكافرين والمشركين حتى يبقى لهم مكانهم ومنصبهم, فلا يقولون: هذا كتاب الله.

    فماذا يقول تعالى؟ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ [الواقعة:81]؟ من: داهن يداهن فهو مداهن، وهو أن يتنازل عن دين الله من أجل دينار أو درهم.

    فقد كان ضعفة الإيمان يداهنون المشركين العظام الكبار، إذا قالوا: هذا ما هو بكلام الله قالوا: نعم، حتى لا يؤذوهم ولا يضروهم، فأبطل الله هذا ونحاه عن جماعة الإسلام.

    الفرق بين المداهنة والمداراة

    وهنا لطيفة علمية: فهناك المداراة والمداهنة, صنفان: مداراة ومداهنة، فالمداهنة حرام، لا تداهن أحداً, أي: تتنازل عن شيء من دينك من أجل دنياك، فذلك لا يحل أبداً، أما المداراة فجائزة، وهي أن تتنازل عن شيء من دنياك من أجل أن تحفظ دينك.

    فيا معشر المستمعين والمستمعات! هناك مداراة وهناك مداهنة، المداراة جائزة والمداهنة ممنوعة, فلو سئلت عن المداهنة تقول: هي حرام، ولو سئلت عن المداراة تقول: هي جائزة, فما هي المداهنة وما هي المداراة؟

    المداهنة: أن تتنازل عن شيء من دينك من أجل الحفاظ على شيء من دنياك، داهنه فحلق وجهه حتى يتركه ليعمل معه، ولا تجوز المداهنة.

    والمداراة أن تتنازل عن شيء من دنياك لتحفظ دينك، كان راتبك عشرة آلاف، ولما أصبحت لك لحية قال: نجعله خمسة آلاف، فهل تداهن أم تداري؟ داره، قل: لا بأس، أنزله إلى خمسة آلاف وأبقى على لحيتي وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    أما قال تعالى: أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ [الواقعة:81]؟ كيف يداهنون؟ يقولون لمن يقول: هذا سحر أو شعر أو حكايات وأساطير، يقولون: أي نعم، لماذا؟ ليحفظ دنياه، لأن بينه وبينه صلة مادية.

    ونحن بيننا هذا أيضاً، فنقول: لا تتنازل عن شيء من دينك لتحفظ شيئاً من دنياك، لا راتبك ولا مالك ولا منصبك ولا وظيفتك أبداً.

    أما المداراة فدار، تنازل عن شيء من دنياك لتحفظ دينك، كمن قالوا له: امرأتك محجوبة ويجب أن تخرج، أو لحيتك موجودة، فإما أن تتنازل عن هذه الصفات التي ما تتلاءم معنا وإلا فسننزل راتبك, فنقول له: قل لهم: نزلوا راتبي من عشرة إلى خمسة وأبقى حافظاً لديني.

    فالمداراة أجازها النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قيل: دارهم ما دمت في دارهم، كيف تداريهم؟ يعني: تتنازل عن حقك وتعبك ولا تبالي بذلك حفظاً لدينك حتى تخرج من قريتهم أو من وظيفتهم، فدارهم ما دمت في دارهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون)

    هكذا يقول تعالى: أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ [الواقعة:81], أي: هذا القرآن الكريم المنزل على رسولنا من فوق سبع سماوات من بيت العزة في السماء الدنيا، أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة:81-82], ما معنى هذا؟

    إذا مطروا وسقاهم الله عز وجل فالمفروض أن يقولوا: الحمد لله، الشكر لله، ربنا لك الحمد، هذه سقيا الله، هذا من الله، هذا من الله، ولكن يقولون: مطرنا بنوء كذا، فبدل أن يحمدوا الله ويشكروه يقولون: مطرنا بنوء كذا، وعندهم كواكب يسمونها أنواء تمطر بها السماء، فعابهم تعالى ووبخهم وأدبهم؛ إذ قال تعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ [الواقعة:82] أي: شكركم لنعمة الله أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة:82], فمن قال: مطرنا وسقينا بفضل الله ورحمته فهو مؤمن، ومن قال: مطرنا أو سقينا بنوء كذا فهو كافر.

    وقد يوجد في بعض البلاد الإسلامية من يقول: مطرنا بنوء كذا أو كذا، بكوكب كذا وكذا، ولا يحل أبداً أن تقول هذا، قل: مطرنا بفضل الله ورحمته, لا بوجود الكوكب الفلاني ولا الوقت الفلاني ولا الخريف ولا الشتاء، مطرنا بفضل الله ورحمته, حتى نشكر الله تعالى، أما أن نقول: مطرنا بكذا وسقينا بكذا ولا نقول: من الله؛ فذلك يعني أننا لم نشكر الله والعياذ بالله تعالى.

    هكذا يقول تعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ [الواقعة:82] أي: شكر رزقكم أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة:82] ولا تقولون: أمطرنا الله ولا سقانا الله، ولا: الله الذي أغاثنا، ولكن تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وهذه الظاهرة قد توجد في بعض الناس، يقولون: هذا مطر الصيف أو الخريف أو الشتاء، أو هذا فصل المطر، وهذا كله لا يجوز أن تقوله، بل قل: هذا فضل الله، هذه رحمة الله، والحمد لله.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    والآن مع هداية الآيات.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: بيان أن الله تعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته، وأن العبد لا يقسم إلا بربه تعالى ].

    من هداية هذه الآيات التي تدارسناها بفضل الله: معرفة أن لله أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته، وأنه لا يحل لعبد الله أو أمة الله أن يحلف بغير الله، ومن عاند وقال: نحلف بسيدي فلان؛ فقد أشرك بالله والعياذ بالله تعالى، وهو من المشركين.

    أما من كان جاهلاً فإنا نعلمه، ومن عرف أنه لا يحل للمؤمن أن يحلف بغير الله ثم يقول: نحلف بفلان وسيدي فلان؛ فقد أشرك في عظمة الله، فالذي يحلف يحلف بما يشاء الله فقط, لا بالرسول ولا بملك ولا بنبي من الأنبياء والمرسلين, وعامة الناس يحلفون بالله، وهذا الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول يحلف بالله تعالى.

    [ ثانياً: تقرير الوحي الإلهي، وإثبات النبوة المحمدية، وأن القرآن الكريم منزل من عند الله تعالى ].

    من هداية هذه الآيات: تقرير النبوة المحمدية، فلو لم يكن رسول الله نبي الله ورسوله فكيف سينزل عليه هذا القرآن؟ لم ما نزل علينا نحن؟ لم ما نزل على الصديق ولا على عمر ولا على فلان؟ فنزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم آية نبوته، دليل وحجة أنه رسول الله، ففي الآية تقرير نبوة الرسول، وأنه حقاً نبي الله ورسوله، كيف ذلك؟ نقول: القرآن نزل على من؟ على محمد صلى الله عليه وسلم، إذاً: فهو رسول الله ونبي الله.

    [ ثالثاً: وجوب صيانة القرآن الكريم، وحرمة مسه على غير طهارة ].

    من هداية هذه الآيات: وجوب تعظيم القرآن وحرمة إهانته بأي صورة من صور الإهانة، لا بالكلام ولا بالعمل، ومن تلك الإهانة أن تكون جنباً، أو تكون المرأة حائضاً وتمس القرآن، فلا يمسه إلا المطهرون، فهذا تعظيم للقرآن, وكيف لا وهو كلام الله الذي تكلم به وأنزله، كيف لا يعظم ولا يبجل؟ فلا يحل لمؤمن أبداً أن يمس كتاب الله إلا وهو من الطاهرين المطهرين.

    [ رابعاً: حرمة المداهنة في دين الله تعالى، وهي أن يتنازل عن شيء من الدين ليحفظ شيئاً من دنياه، والمداراة جائزة؛ وهي أن يتنازل عن شيء من دنياه ليحفظ شيئاً من دينه ].

    من هداية هذه الآيات: حرمة المداهنة، وهي أن تتنازل عن شيء من دينك من أجل الحفاظ على دنياك، تتنازل عن شيء من الدين، سواء كان حلق اللحية أو كشف وجه المرأة أو كلمة تقولها، تنازلك عن شيء من دينك من أجل أن تحفظ شيئاً من دنياك, هذه هي المداهنة التي حرمها الله في هذه الآية الكريمة، أما المداراة فتجوز، وهي أن تتنازل عن شيء من دنياك لتحفظ شيئاً من دينك، فلا حرج، فذلك شرف لك وكمال ويرضى الله به عنك.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.