إسلام ويب

تفسير سورة ق (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد وضع الميزان يوم القيامة، وانقسام الناس إلى فريقين: فريق الكافرين الذين يساقون إلى الجحيم، وفريق المؤمنين الفائزين بجنات النعيم، حيث يزفون إلى الجنة تحفهم الملائكة، ويقال لهم عند بابها: بسلام ادخلوها، يتقلبون في نعيمها ويستظلون بظلها، ولهم عند الله المزيد، وهو التنعم بالنظر إلى وجهه سبحانه وتعالى العزيز المجيد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    وها نحن مع سورة (ق) المكية، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوة هذه الآيات، والله نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:23-37].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ [ق:31] هذا عرض لما يتم في عرصات القيامة، وتقدم الكلام في ذلك.

    ومعنى: أزلفت الجنة أي: أدنيت وقربت، وما الجنة يرحمكم الله؟

    هل تعرفون البساتين والجنان في الدنيا التي فيها أنواع الثمار؟ أما جنة الآخرة فعرضها السماوات والأرض، لو أخذنا السماوات سماء إلى سماء وخطناها معا وأخذنا الأرضين السبع أرضاً إلى أرض كذلك لكانت الجنة أعرض من هذا، الجنة عرضها السماوات والأرض.

    والآن يقول تعالى: أزلفت الجنة، أدنيت وقربت لمن؟ للمتقين، أما الفاجرون، أما الكافرون، أما الفاسقون فلا تدنو منهم ولا تقرب، وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ [ق:31] من أزلفها؟ من أدناها؟ من قربها؟ الله خالقها وخالق كل شيء.

    حقيقة المتقين وطريق نيل التقوى

    وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ [ق:31]من هم المتقون؟ هل هم بنو هاشم، بنو علي، الشاميون، العراقيون؟ من هم هؤلاء؟

    المتقون هم الذين اتقوا غضب ربهم وسخطه عليهم بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، لن تكون تقياً إلا إذا علمت محاب الله وفعلتها وعلمت مكاره الله وتركتها، وإلا فلا دعوى للتقوى، وتأملوا وكونوا على بصيرة، فالتقوى أن نتقي عذاب الله وسخطه وغضبه علينا، وبم نتقيه؟ هل بالحصون العالية، بالجيوش الجرارة، بالأموال المتناثرة؟ نتقي الله بماذا؟ بشيئين: بطاعته وطاعة رسوله مع الإيمان بكامل أركانه.

    فالمؤمن يجب أن يتقي، فإذا المؤمن اتقى الله أصبح ولياً من أولياء الله، واقرءوا قوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] من هم يا ربنا؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]، بالإيمان والتقوى تكون الولاية، وإيمان بلا تقوى عداوة، وتقوى بلا إيمان عداوة، فلا بد من الإيمان والتقوى.

    والمراد من المتقين هنا: الذين اتقوا غضب الله وعذابه وسخطه عليهم بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وهنا أكرر القول: لا بد يا عبد الله، لا بد يا أمة الله من أن تعرفي أوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، ونواهي الله ونواهي رسوله، وإلا فلن تستطيع أن تكون تقياً.

    ولا تعجب، فالرسول صلى الله عليه وسلم قرر هذا وقال: ( طلب العلم فريضة على كل مسلم )، أنت تقول: أنا أريد أن أتقي ربي، فكيف تفعل؟ اعرف ما يحب مولاك وما أمر به، واعرف ما يكره ونهى عنه، افعل المحبوب واترك المكروه تكون ولياً.

    أوامر الله كلها محبوبة لله، لولا أنه أحب الأمر بالصلاة لما أمر بها، فلا بد للمسلم الذي يدخل في الإسلام أو ينشأ في ديار الإسلام أن يكون عالماً بمحاب الله ومكارهه، ومحاب رسول الله ومكارهه، إلا أن محاب الرسول صلى الله عليه وسلم تابعة لمحاب الله، من عرف محاب الله عرف محاب رسوله.

    إذاً: يقول تعالى: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ [ق:31] فهل نحن منهم؟ قولوا: إن شاء الله، فأنتم لا تزنون ولا تشربون الخمر ولا تقتلون الأنفس ولا تختلسون، أنتم أولياء الله.

    وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ [ق:31] ما هي ببعيد عنهم أبداً، بل قريبة، يشاهدونها بأعينهم حتى لا يقال: يمشون عاماً أو عامين حتى يصلوا إليها في شقاء، والله! إنها قريبة منهم غير بعيدة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ ...)

    ثم قال تعالى: هَذَا مَا تُوعَدُونَ [ق:32] هذا الذي وعدناكم به أيها المؤمنون، هذا الذي وعدكم به رسولنا أيها المسلمون، هذا الذي وعدناكم به، ألا وهو الجنة دار النعيم المقيم.

    هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [ق:32-33]، الآن جاء الامتحان، فإن قلنا: نحن متقون، فهل نحن مع هذه القواعد الأربع؟ قولوا: إن شاء الله.

    أولاً: لِكُلِّ أَوَّابٍ [ق:32] من هو الأواب؟

    هذا الذي يرجع إلى الله في كل شأنه، يرجع إلى الله في كل أمره ونهيه، هذا الذي كلما غاب لحظة عن الله عاد وآب ورجع، كلما زلت قدمه وارتكب معصية عاد إلى ربه، هذا الأوّاب لا يستمر على المعصية أبداً، يرجع إلى التوبة النصوح، هذا الأوّاب، فاللهم اجعلنا من الأوّابين.

    أوّاب يرجع إلى ربه في كل ما يهمه وشأنه، أوّاب بمعنى أنه كلما زلت قدمه فأذنب ذنباً قال: أستغفر الله، وتاب إلى الله وآب إليه ورجع، ويجب أن نكون من الأوّابين، من: آب يئوب: إذا رجع، فهو آيب.

    ثانياً: حَفِيظٍ [ق:32] بالظاء أخت الطاء، حفيظ لمحاب الله ومكارهه، حفيظ للعمل بالمحاب وترك المكاره، ولا يضيع هذا ولا ينسى هذا.

    يحافظ على حب الله بطاعته وطاعة رسوله، يحافظ على التقوى بأن يتجنب كل معصية من معاصي الله، هذا الحفيظ.

    ثالثاً: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ [ق:33]، الذي خاف من الله وهو غائب عنه، ما رأى ربه أبداً بحال من الأحوال حتى في المنام، ومع ذلك هو خائف منه، يخشاه، يخافه، إذا ذُكر بين يديه ترتعد فرائصه، إذا وسوست له نفسه بزلة بشهوة أو محرم غضب وسخط، وحفظ إيمانه وصلاحه.

    مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ [ق:33] من الرحمن؟ الله جل جلاله وعظم سلطانه، رحمته في الدنيا والآخرة، وتتجلى الرحمة العامة في الطيور تعلمها آباؤها وأمهاتها كيف تنقر الحب، أوضح من هذا أن يتحول دم الحيوان الأحمر إلى لبن أبيض، والله! إن ذلك بالرحمة، فاللبن أصله دم أحمر يتحول إلى لبن بالرحمة، دم الأم لابنها كان دماً، فيتحول إلى لبن أبيض حلو، فرحمن الدنيا والآخرة هو الله جل جلاله وعظم سلطانه.

    مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ [ق:33] خاف الرحمن وهو ليس معه، فالذين يخشون ربهم خائفون منه، وهل يشاهدونه؟ الجواب: لا، ولكن ما ننسى قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]، وهو معكم بعلمه وقدرته حيثما كنتم، فاحذروا أن تعصوه، فخافوا أن تخرجوا عن طاعته، ولا تقولوا: هو بعيد عنا، أو: ما نراه، أو: ما يرانا، بل هو معنا حيثما كنا؛ إذ العوالم كلها في قبضة يده، والسماوات مطويات بيمينه في علم الغيب.

    قال تعالى: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [ق:33] وجاء لعرصات القيامة لساحة فصل القضاء، جاء وقلبه منيب رجّاع إلى الله، ذاك القلب المنيب الذي كان ينوب به إلى ربه فلا يخرج عن طاعته ولا عن أمره، ذاك القلب جاء به كما هو، وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [ق:33] اللهم ارزقنا قلوباً منيبة.

    هكذا يقول تعالى في هذه البشرى العظيمة: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [ق:31-33]، اللهم اجعلنا ووالدينا منهم.. اللهم اجعلنا ووالدينا منهم يا رب العالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود)

    ثم قال تعالى: ادْخُلُوهَا [ق:34] من الآمر؟ الله جل جلاله، ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ [ق:34].

    ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ [ق:34] أي: سالمين من المرض، من الكبر، من العجز، من الفقر، من الهون، من الدون، سلامة كاملة، والله! لا فقر، ولا مرض، ولا كبر، ولا هم، ولا غم، ولا حزن، ولا كرب في الجنة أبداً، هي دار النعيم، وفوق ذلك سلام الملائكة: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:24]، وأعظم من ذلك: سلام الرحمن الرحيم؛ إذ يكشف الحجاب عن وجهه الكريم ويسلم على أهل الجنة، فتغمرهم سعادة ما عرفوا قبلها مثلها، ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ [ق:34]، وفي آية أخرى: بِسَلامٍ آمِنِينَ [الحجر:46] من المرض والكبر والعجز والخوف، ادخلوها بسلام.

    ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ [ق:34] هذا الذي سمعتم مما جرى فيه الحساب والجزاء يسمى يوم الخلود، خلود أهل الجنة في الجنة، وخلود أهل النار في النار، اللهم إلا أن المؤمن الموحد إذا زلت قدمه وارتكب كبيرة ومات بدون توبة ودخل النار فإنه يصهر فيها ويعذب ثم يخرج منها ويدخل الجنة، بهذا أخبر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم.

    أيما مؤمن لا مشرك، لا كافر، بل موحد يعبد الله وحده، مؤمن بالله ولقائه، وزلت قدمه ففعل جريمة، فمات قبل التوبة وما تاب فنفسه ملطخة منتنة عفنة بأوضار الذنوب والآثام، فلا بد أن يغسل، لا بد أن يطيب في جهنم، فإذا طاب وطهر دخل الجنة.

    فالعبد إذا أذنب ذنباً انعكس على نفسه ظلمة ونتناً، فإذا تاب على الفور غسل وانمحى وزال، فإذا ما تاب وزاد ذنباً آخر فوقه وتوالت الذنوب بلا توبة فإنه يطبع على قلبه ويختم فلا يتوب أبداً، ويموت هكذا، فلهذا وجبت التوبة على الفور، لا تقل: غداً أتوب. وآخر يقول: حين أتزوج سأتوب، وآخر يقول: حين يكون لي وظيفة سأتوب! هذا كلام باطل باطل باطل، إذا زلت القدم وسقطت في زلة فقل: أستغفر الله.. أستغفر الله وأتوب إليه، واعزم على ألا تعود إلى ذلك الإثم.

    هكذا يقول تعالى: ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ [ق:34] أي: تخلدون فيه، أهل النار في النار، وأهل الجنة في الجنة، أما أهل الذنوب والمعاصي -سواء من أمة موسى أو عيسى أو محمد صلى الله عليه وسلم- إذا كانوا مؤمنين موقنين موحدين لا شرك ولا كفر، ولكن زلت الأقدام وارتكبوا الذنوب والآثام وما تابوا منها ولا رجعوا وماتوا؛ فإنهم يغسلون في النار ويطهرون حتى تمحى تلك الذنوب ويدخلهم الله الجنة، اعتقدوا هذا عباد الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد)

    ثم قال تعالى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا [ق:35] من هؤلاء؟ إنهم المتقون أهل الجنة، لهم ما يشاءون، الذي تشتهيه تأكله من الطعام، من الشراب، من النكاح، أي شيء تشتهيه تعطاه، لهم ما يشاءون، وهل في الدنيا يقال: لكم ما تشتهون؟ ولا عشر ما تشتهون، وفي الجنة كل ما يشتهونه حاضر من الماء وأنواع الشراب والفواكه والخضار والأطعمة واللحوم، قل ما شئت.

    ولهم ما يشتهون من زيارة بعضهم لبعض، أنت في الجنة وصديقك فوقك هو ينزل إليك ليزورك، أما أنت فما تطلع إليه، أما هو فينزل ويسلم عليك، لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا [ق:35] أي شيء يشتهونه.

    قال تعالى: وَلَدَيْنَا [ق:35] وعندنا مَزِيدٌ [ق:35] لا ما يشتهون فقط، وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35] من أنواع الأطعمة والأشربة، وفوق ذلك كله أن يكشف الحجاب عن وجهه الكريم ويسلم عليهم، وهذا هو المزيد العظيم.

    لقد عشنا هذه الدقائق مع أهل الجنة، فاللهم اجعلنا منهم، عباد الله! اتقوا الله، اعرفوا ما يحب وما يكره وافعلوا المحبوب واتركوا المكروه، وإن زلت القدم فتوبوا إلى ربكم وأنيبوا إليه؛ حتى يتوفاكم وأنتم طاهرون طيبون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشاً فنقبوا في البلاد هل من محيص)

    ثم قال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ [ق:36] أي: قبل أهل مكة، قبل قريش، قبل كفار العرب، وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ [ق:36]؟ ولا محيص، فهذه الآية لأهل مكة الذين تتلى عليهم هذه الآيات ويتكبرون، يقول تعالى لرسوله: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ [ق:36] أي: أمة من الأمم هم أشد من هؤلاء بطشاً وقوة.

    فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ [ق:36]، بمعنى: بنوا وأقاموا الصروح وفعلوا وفعلوا، فضاع كل ذلك.

    وهناك معنى آخر للآية: فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ [ق:36]، أي: هاربين طالبين النجاة، لما جاء العذاب ما وجدوا المحيص، فأين يذهبون؟ والكل صحيح.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)

    ثم قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى [ق:37] إن في هذا الذي سمعناه من أول السورة إلى هذه الآيات لذكرى، أي: عظة وموعظة، لمن؟ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37]، ثلاث صفات، ذلك لمن كان له قلب حي، وأما القلب الميت فلا قيمة له، أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ [ق:37] إذا سمع من يقول: قال الله يتلو كتاب الله؛ فإنه يلقي سمعه كأنه ينزعه من أذنه، ما هو كالمتكبر.

    أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37] بحواسه وجوارحه، لا بقلبه فقط، هذه العظات وهذه العبرة ينتفع بها الذي قال تعالى عنه: لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ [ق:37]، ليكن لك قلب حي لا ميت، طاهر لا نجس، فإذا سمعت قال الله وقال رسوله ألقيت سمعك، وأنت حاضر بكل حواسك شهيد، لا أن تلقي سمعك وقلبك في واد آخر، ألقى السمع وهو شهيد بجميع حواسه.

    والله! إن في هذا الذي ذكر في هذه السورة لذكرى لمن كان له قلب، أما من قلبه ميت فلا ينتفع بهذا أبداً، فهو للذي يصغي ويسمع ويريد أن يتعلم ويعلم عن الله، ألقى السمع وهو شهيد بكل حواسه، هذا الذي يستفيد.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    والآن مع هداية الآيات.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: فضل التقوى وكرامة المتقين على رب العالمين ]، وكرامة المتقين أن يكرمهم الله بالنعيم المقيم.

    [ ثانياً: فضل الأواب الحفيظ، وهو الذي كلما ذكر ذنبه استغفر ربه ].

    وكلنا إن شاء الله أوابون حفيظون، والأوّاب الذي يرجع إلى الله في كل خطوة يخطوها، حفيظ يحفظ دينه ولا يضيعه، لا يضيع العقائد ولا الآداب ولا الأخلاق.

    [ ثالثاً: بيان أكبر نعيم في الجنة وهو رضا الله والنظر إلى وجهه الكريم ].

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3002141140

    عدد مرات الحفظ

    718483272