إسلام ويب

تفسير سورة سبأ (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد أن عصى إبليس ربه عز وجل ورفض السجود لآدم عليه السلام حين أمر بذلك، سخط الله عليه ولعنه وطرده من رحمته، وما كان منه إلا أن طلب الإنظار، ظناً منه أنه سيجد في بني آدم من يطيعه في السير على طريقته وقبول غوايته، وللأسف فقد تبعه على هذا طائفة كبيرة منهم، وعصم الله عز وجل بفضله ورحمته أهل الإيمان، ويوم القيامة لا يجد أهل الضلال وأتباع الشيطان من ينفعهم أو يشفع لهم، فالحكم لله وهو خير الحاكمين.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة سبأ

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات من سورة سبأ المباركة الميمونة ثم نتدارسها، قال تعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ * قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:20-23].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه السورة مكية كما علمتم، ومعلوم أن السور المكية تعالج العقيدة لتصححها، وليصبح صاحبها حياً كامل الحياة، فيسمع ويبصر ويعطي ويأخذ، وذلك لكمال حياته، وأعظم أركان هذه الحياة هي: لا إله إلا الله أولاً، أي: لا يستحق أن يؤله بالعبادة إلا الله تعالى، وثانياً: محمد رسول الله، أي: الذي أرسله ربه إلى الناس كافة ليهديهم إلى طريق نجاتهم وسبيل سعادتهم، وثالثاً: البعث الآخر وهو الدار الثانية، أي: يوم القيامة دار الحساب والجزاء.

    وقد مرت بنا الآيات السابقة الموجهة إلى مشركي العرب الذين في مكة، كما ذكر الله تعالى أحداثاً من أعظمها حدث داود وسليمان، وكيف أنعم الله تعالى عليهما؟ وكيف عبدوا الله ووحدوه وسبحوه وقدسوه؟ ثم بعد ذلك انقلب الوضع وزين الشيطان للناس عبادة الدنيا والهوى والشياطين فانصرفوا عن الله عز وجل، وهذا مثل أول، ومثل ثانٍ وهو: أولاد سبأ بن يشجب بن يعرب القحطاني الذين كانوا على خير ما يكونون، إذ رزقهم الله من متاع هذه الدنيا بإيمانهم وصلاح أعمالهم الشيء الكثير، حتى أصبح أحدهم لا يحمل زاداً من قرية إلى أخرى، وذلك من صنعاء إلى الشام، لكن للأسف فسقوا وفجروا وأشركوا، فسلبهم الله ذلك النعيم، ومازالت سنة الله إلى اليوم، إذ إنه يعطي العبد ثم ينظر أيشكر أم يكفر، فإن شكر زاده، وإن كفر سلبه منه، سواء بعد عام أو بعد مائة سنة، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14]، فيبتلي ويختبر ويمتحن، وذلك إما بالنعيم وإما بالعذاب والبلاء، فمن صبر وشكر أعلى درجته ورفعها، ومن جزع وسخط وغضب ولم يشكر وكفر سلبه ما أعطاه وعذبه يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين ...)

    قال تعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ:20].

    بيان أن إبليس صدق ظنه في بني آدم وأنهم سيتبعونه ويغويهم

    وَلَقَدْ صَدَّقَ [سبأ:20]، وهذه قراءة حفص، وفي قراءة أخرى: (ولقد صدَق) بالتخفيف، صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ [سبأ:20]، فما هو الظن الذي ظنه إبليس؟ لما نزل آدم وحواء من الملكوت الأعلى وأهبطهما تعالى إلى الأرض، وأُهبط معهم إبليس وأبعده الله من الرحمة وأبلسه، نظر إلى أولاد آدم وحواء وقال: إذا كنت قد أثرت في أبويهما واستطعت أن أحرمهما من الجنة وأن ينزلا إلى الأرض، فمن باب أولى ذريتهما، إذ هم أهون عليَّ، وهذا هو ظنه وقد صدق فيه، فهل عرفتم ظن إبليس؟

    مرة أخرى: لما رأى إبليس آدم وحواء قد نزلا من السماء إلى الأرض بسببه هو، إذ إنه وسوس لهما الأكل من الشجرة، فأكلا منها فأبعدهما الله بهذا الإثم وأنزلهما إلى الأرض، وهاهما الآن لهما ذرية، نظر إبليس إلى ذريتهما وقال: لن يكون إغواؤهم أشد أو أصعب علي من أبويهما، إذ قد استطعت أن أخرجهما من الجنة، فذرية آدم من السهل واليسير علي أن أغويهم، وهذا هو ظنه والعياذ بالله، ولقد صدق ظنه حقيقة، وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ [سبأ:20]، فهذا مجوسي، وهذا يهودي، وهذا مشرك، وهذا علماني، وكلهم يجرون وراءه بتزيينه وتحسينه للكلام لهم، وليس بالعصا أو السيف أو الحديد أو النار، فما هي إلا وساوسه وتزيينه للقبيح وحملهم على ما لا ينبغي فعله.

    استثناء الله لفريق من المؤمنين من صدق ظن إبليس فيهم

    ثم قال تعالى: إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ:20]، اللهم اجعلنا من هذا الفريق، إذ هو في كل زمان ومكان، وذلك من عهد نوح إلى يومنا، فالمؤمنون فريق قليل والكافرون أكثر الناس، وإلى الآن فنسبة المؤمنين إلى الكافرين واحد في المائة بل في الألف، وهذا بسبب تزيين الشيطان لهم، وتحسين القبائح والكفر والشرك والمنكر والباطل حتى يفعلوه، وهم ضعفاء ففعلوه، وصدق إبليس ظنه فيهم، إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ:20]، والفريق هو العدد، سواءً يقل أو يكثر، لكن بالنسبة إلى غيره يعتبر فريقا لا أمة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك ...)

    بيان أن إبليس ليس له سلطان على المؤمنين

    ثم قال تعالى: وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ [سبأ:21]، أي: وما كان لإبليس عليه لعائن الله من قدرة عليهم، سُلْطَانٍ [سبأ:21]، فيتحكم فيهم ويضربهم بالعصا أو بالحديد، أو بالنار أو يجوعهم ويسجنهم، إذ والله ما كان له من سلطان أبداً، فما هو إلا بالوسواس وتزيين الخبيث وتحسين القبيح وهم يجرون وراءه، وهذا هو الذي يملكه فقط، وذلك حتى لا يقول قائل: كيف سلط الله عليهم إبليس ثم يعذبهم؟! والله ما سلطه عليهم أبداً، بل علمهم كيف يلعنونه؟ وكيف يتركونه ولا يمشون وراءه ولا يستجيبون لدعوته؟ لكن وسواسه زينت لهم الباطل ففعلوه، وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ [سبأ:21]، أي: على أولئك الكافرين والمشركين والفاسقين، مِنْ سُلْطَانٍ [سبأ:21]، أبداً، اللهم، إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ [سبأ:21]، وهذا تعليل، فإن قلت: لمَ جعل الله الشيطان يزين ويحسن؟ فالجواب: من أجل أن يكون للنار أهل وللجنة أهل، ومن أجل أن يكون لله أولياء وللشياطين أولياء، إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ [سبأ:21]، وهنا خص الآخرة، إذ ما قال: إلا لنعلم من يؤمن بالله وبالرسول؛ وهذا كما علمتم أن الذي يؤمن بالدار الآخرة لا يستطيع أن يعيش على اعوجاج وباطل وشر أبداً، ومن فقد الإيمان بالدار الآخرة أو نسيه أو تجاهله فوالله لا يستقيم ولا يقدر على الاستقامة أبداً، وصاحب هذا الإيمان وإن اعوج يوماً فإنه يستقيم دهراً، وإن أساء يوماً فإنه يحسن عشرات الأيام، وذلك مادام هذا النور في قلبه، أما من فقد الإيمان بيوم القيامة وقال: لا بعث ولا جزاء ولا حياة أخرى، وإنما هذه الحياة الدنيا فقط، وذلك كما زين الشيطان لأوليائه، والكافرون يقولون ذلك، فهؤلاء لا خير فيهم ألبتة، وهذا كلام الله عز وجل، إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ [سبأ:21]، وإذا كان بعض الأعراب في شك، أما الآن فما هم في شك فقط، بل لا يؤمنون بالآخرة، وذلك مثل روسيا واليابان والأمريكان إلا من شاء الله.

    معنى قوله تعالى: (وربك على كل شيء حفيظ)

    ثم قال تعالى: وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [سبأ:21]، أي: يحصي أعمال العباد ويحفظها ويجزيهم بها، فالحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها، وهذا بيان ما علمتموه وهو أنه لو سُئلت: لم أوجد الله هذه الحياة الدنيا وكانت عدماً لا وجود لها؟ ولم أوجدها ثم أنزل آدم وحواء إليها وبارك في نفسهما وذريتهما فأصبحت البشرية ملايين الخلق؟ فالجواب: أراد عز وجل أن يُذكر ويشكر فخلق آدم وحواء وبارك في ذريتهما وعلمهما كيف يعبدون ويشكرون؟ أراد الله تعالى أن يذكر ويشكر في هذه الحياة الدنيا فقط، إذ لا هدف ولا غرض أبداً إلا أن يذكر ويشكر، والدار الآخرة أوجدها ولم يكتف بهذه الدار، إذ هذه الدار دار الفناء، ونحن نشاهد كيف نفنى يوماً بعد يوم، فأغمض عينيك وفكر فما هي إلا مائة سنة ولا يبقى واحد من الموجودين قط ثم تأتي أمم أخرى.

    إذاً: هذه الدنيا دار فناء، والدار الآخرة أوجدها من أجل أن يجزي الذاكرين والشاكرين بالنعيم المقيم، ويجزي الكافرين الناسين بالعذاب الأليم، ولذا لو سُئلت: لم أوجد الله هذه الدار؟ فالجواب على لسانك: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وذلك بذكري وشكري، وأوجدت الدار الثانية للجزاء على العمل في هذه الدنيا، فالذين يؤمنون ويعملون الصالحات يجزيهم بالنعيم المقيم ويسكنهم الجنة فوق السماء السابعة ويخلدون فيها أبداً، والذين يكفرون ويشركون ويفجرون ويفسقون فتخبث أنفسهم ويموتون على ذلك، فلهم جزاء الخلد في دار البوار، وهي جهنم والعياذ بالله تعالى، وذلك في أسفل سافلين، وهذه حقيقة فلا ننساها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ...)

    بيان بطلان دعاء غير الله تعالى

    ثم قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: قُلِ ادْعُوا [سبأ:22]، أي: يا مشركي العرب في مكة وخارجها! قُلِ [سبأ:22]، لهم، ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ الله [سبأ:22]، أي: ادعوهم وقولوا لهم: يا لات! يا عزى! يا هبل! فادعوهم واطلبوا منهم فإنهم والله، لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ [سبأ:22]، إذ كيف بشخص لاصق بالأرض يكاد أن يموت جوعاً وتقول له: من فضلك أعطني شيئاً؟! من أين يعطيك؟! وهؤلاء لا يملكون وزن ذرة أو نملة في السموات ولا في الأرض، وبالتالي فكيف تدعونهم؟ ومع ذلك هم يدعونهم ويطلبون منهم!

    مرة أخرى: انتهى الشرك في الجزيرة العربية وحل محله التوحيد، ثم مضت ثلاثة قرون فعاد الشرك إلى العرب والمسلمين والعجم، فتجد أحدهم يقول: يا سيدي عبد القادر! يا رسول الله! وهذا يقول: يا فاطمة! يا حسين! يا مولاي فلان! فالنساء والرجال من إندونيسيا إلى موريتانيا يدعون غير الله تعالى، وذلك تحت عنوان: الاستشفاع والتوسل، وهم لا يعلمون أن هؤلاء الذين يسألونهم والله لا يملكون مثقال ذرة ولا وزنها لا في السموات ولا في الأرض، ولو قلت لهم: ادعوا فماذا سيستفيدون من دعائهم؟ هل سيعطونهم الطعام والشراب واللباس ويرفعون عنهم الأذى والضرر والمرض؟! والجواب: لا، ولذلك تحداهم الله فقال: ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [سبأ:22]، في أنهم آلهة يعطون ويمنعون، فإنهم لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ [سبأ:22]، وهذا أولاً، فوالله ليس هناك من يملك مع الله وبدون الله مثقال ذرة لا في السماء ولا في الأرض إلا من ملك الله وعطائه.

    معنى قوله تعالى: (وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير)

    ثم قال تعالى: وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ [سبأ:22]، فلا يوجد لهؤلاء الأنداد الذين يعبدونهم، سواء من الأنبياء أو من الملائكة أو من الأحجار أو الأصنام أو من غير ذلك، إذ هؤلاء كلهم ما لهم في السموات ولا في الأرض من شرك.

    ثم قال تعالى: وَمَا لَهُ [سبأ:22]، تعالى، مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ:22]، أي: لا يوجد أحد الله محتاج إليه فيعينه أو يظاهره أبداً، وبهذا يكون قد انتزع الشرك انتزاعاً من قلوبهم، وما بقي عاقل يقول: يا سيدي فلان! بل ولا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي صالح فضلاً عن اللات والعزى ومناة وعيسى ومريم.

    واسمع ما يقول الله عز وجل وهو يتحداهم فيقول لهم: ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [سبأ:22]، أنهم آلهة يعطونكم الخير ويدفعون عنكم الشر، قل لهم: لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [سبأ:22]، أي: وزن ذرة، فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ [سبأ:22]، بمعنى: ولا قطعة ولا ميل واحد، لا في السماء ولا في الأرض، وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ:22]، أي: معين له يحتاج إليه بأن يساعد الله في أمر من الأمور، بل هو غني غنىً مطلقاً، إذ لا يحتاج إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ...)

    بيان أن الشفاعة لا تتم إلا بإذنه تعالى ولمن رضي له بها

    ثم قال: وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ [سبأ:23]، أي: ولا تنفع الشفاعة عند الله تعالى، إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ:23]، واذكروا الحادثة العظمى عندما اجتمعت البشرية كلها على صعيد واحد، ثم أتوا آدم وقالوا: يا آدم! ادعوا الله أن يقضي بيننا فقد طال وقوفنا، وهذا في يوم طوله خمسون ألف سنة، فيعتذر آدم ويذكر ذنباً واحداً أذنبه ألا وهو أكله من الشجرة في الجنة، ويقول: كيف أواجه ربي وأطلب منه وأنا مذنب؟ عليكم بنوح، فيأتون نوحاً فيعتذر من أجل دعوته التي دعاها على أهل الأرض، ألا وهي قوله: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [نوح:26]، وما كان من حقه أن يدعو تلك الدعوة العامة ويعتذر، فيحيلهم إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون: يا خليل الرحمن! اسأل ربك أن يقضي بين الناس في هذا الموقف ليدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، فقد طال هذا الموقف، فيعتذر ويذكر أنه قد كذب ثلاث كذبات، فمن منا قد كذب ثلاث فقط؟! أنا والله ما أذكر أني قد كذبت كذبة من صباي ومن صغري، لكن كذبات إبراهيم هذه هي والله خير من صدقنا نحن؛ لأنه كذبها لله تعالى، وهي من الحسنات عندنا، ولكن مع هذا يعتذر ولا يستطيع أن يكلم الله تعالى، ويحيلهم إلى موسى، وموسى يحيلهم إلى عيسى، وعيسى يحيلهم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فيأتون محمداً فيقول: ( أنا لها، أنا لها )، وذلك لعلمه بقول الله تعالى: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]، وأي مقام محمود أعظم من هذا؟! إذ يحمده أهل الأرض كلهم، عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]، فقد أخبره تعالى وبشره؛ لأن عسى تفيد التحقيق، وحينئذٍ يأتي فيخر ساجداً تحت العرش ويلهم محامد ما كان يعرفها في الدنيا، أي: ألفاظ حمد وثناء ما كان يعرفها في حياته، ولا يزال يحمد الله ويثني عليه وهو ساجد تحت العرش، حتى يقول له ربه تبارك وتعالى: ( يا محمد! ارفع رأسك، واسأل تعطى، واشفع تشفع ).

    أما غير محمد صلى الله عليه وسلم فليس هناك من يشفع إلا بعد أن يأذن الله له أولاً، وثانياً: أن يرضى بمن يريد أن يشفع له، قال تعالى: إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء:28]، وقال في سورة النجم: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26]، أي: يرضى بمن يشفع له، إذ كم من بلايين من الملائكة في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً؟! إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ [النجم:26]، لمن يشاء وَيَرْضَى [النجم:26]، إي: عمن أراد أن يشفعوا له، وهنا هل إذا أراد ملك من الملائكة أن يشفع في فرعون يقبل الله ذلك منه؟! وإذا أراد محمد صلى الله عليه وسلم أن يشفع في أبي جهل يقبل الله ذلك؟! لا يقبل ذلك أبداً إلا لمن ارتضاه.

    معنى قوله تعالى: (حتى إذا فزع عن قلوبهم)

    وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ [سبأ:23]، أي: أذن الله له أن يشفع فشفع، فإذا تكلم الله عز وجل وأذن فإنه يصاب ذاك الذي طلب الشفاعة بإغماء وخوف وفزع، بل الملائكة يصعقون إذا سمعوا كلام الله تعالى، قال تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ [سبأ:23]، أي: حتى إذا ذهب الخوف وذلك الفزع سألوا، قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:23]، فالملائكة إذا شفعوا وتكلم الله تعالى فإنه يغمى عليهم ويصعقون، حتى إذا ذهب ذلك الفزع والخوف والهلع تكلم بعضهم: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا [سبأ:23]، أي: قال: الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:23]، ومن هنا أيأس الله المشركين في مكة من طلبهم الشفاعة من غير الله تعالى، إذ لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي صالح فضلاً عن الأصنام والتماثيل والأحجار، وهذه هي الحقيقة.

    معاشر المستمعين والمستمعات! من أراد أن يطلب الشفاعة فليطلبها من الله عز وجل، ولا يطلبها من رسول الله، ولا من فاطمة، ولا من الحسين، ولا من ولي من الأولياء، ولا من ملك من الملائكة، بل لا تطلبها إلا من الله عز وجل فقل: رب! شفع فيّ نبيك، اللهم شفع فيّ نبيك، فإذا استجاب الله عز وجل شفع فيك النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه رضيك أن يشفع لك، أما قول: يا رسول الله! اشفع لنا كما يقول العوام، فوالله إن هذا باطل وشرك وحرام لا يجوز، إذ لو كان الرسول بين أيدينا فهل يأتي رجل ويقول: يا رسول الله! اشفع لي يوم القيامة؟ والله ما يقولها، إذ لا يملك رسول الله أن يشفع إلا إذا أذن الله بذلك، فهل بلغكم أن صحابياً أو صحابية أتت النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله! أسألك الشفاعة يوم القيامة؟ والله ما كان هذا، إذاً فمن أين تطلب الشافعة؟ تطلبها من الله عز وجل.

    والدعاء هو العبادة ومخها، وبالتالي من أراد أن يسأل الله شيئاً فليسأل الله تعالى، أما أن يسأل ملكاً أو نبياً أو عبداً صالحاً فهو لاهي ولاعب وباطل ولا يستجاب له، وهكذا نعود إلى الحقيقة وهي لا إله إلا الله، فلا يدعى ولا يطلب ولا يستغاث به ولا يستعاذ به ولا يطرح بين يديه ولا نقبل عليه بوجوهنا ولا نخر بين يديه ساجدين إلا الله فقط، وما عدا الله فليس هناك في الأرض ولا في السماء من يملك مثقال ذرة مع الله تعالى حتى نسأل هذا المخلوق ونقول: أعطني، أو افعل لي كذا وكذا.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ من هداية الآيات: أولاً: بيان أن إبليس صدق ظنه في بني آدم وأنهم سيتبعونه ويغويهم ]، بيان صدق إبليس ظنه، وأن أولاد آدم سوف يأخذ منهم ما أخذ، سواء أخذ نسبة (10%)، و(99%).

    قال: [ ثانياً: تقرير التوحيد وأنه لا إله إلا الله، ولا يستحق العبادة سواه ]، تقرير التوحيد وهو أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يستحق أن يعبد مع الله أحد من المخلوقات، إذ لا يعبد إلا الله تعالى، وذلك باللسان والقلب والجوارح.

    قال: [ ثالثاً: بيان بطلان دعاء غير الله، إذ المدعو كائنا من كان لا يملك مثقال ذرة في الكون لا بالاستقلال ولا بالشركة ]، الله أكبر! قال: [ وليس لله تعالى من ظهير، أي: ولا معينين يمكن التوسل بهم ].

    قال: [ رابعاً: والشفاعة لا تتم إلا بإذنه ولمن رضي له بها، ولذلك بطل دعاء غير الله، ومن دعا غير الله من ملك أو نبي أو ولي أو غيرهم فقد ضل الطريق وأشرك بالله في أعظم عبادة وهي الدعاء والعياذ بالله تعالى ].