إسلام ويب

تفسير سورة سبأ (11)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أقسم مشركو العرب بالعناد والجحود والمكابرة، واتهام النبي صلى الله عليه وسلم بالاختلاق والإفك المبين، ليصدهم عن دينهم القويم، الذي كان عليه آباؤهم الأولين، وليس لهم على ذلك من برهان ولا كتاب، ولم يتعظوا بما حل بمن قبلهم من الأقوام، الذين كانوا أشد منهم قوة فأخذهم الله جزاء تكذيبهم وأوردهم النار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    فهيا بنا نصغي مستمعين إلى هذه الآيات من سورة سبأ المباركة الميمونة ثم نتدارسها، قال تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ * وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ [سبأ:43-46].

    بيان عناد المشركين وسخف عقولهم وهبوطهم الفكري

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ [سبأ:43]، الآن نقضي هذه الساعة المباركة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، وكأننا نشاهد بأعيننا ونسمع بآذاننا ما كان يلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعانيه من مشركي قريش والعرب، وذلك لعل إيماننا يقوى ويزيد، قال تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ [سبأ:43]، أي: على كفار العرب في مكة وخارجها، فمن يقرأ عليهم هذه الآيات؟ إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يقرؤها الصديق أو يقرؤها عمر مثلاً، لكن الرسول هو الذي يتلوها ويقرؤها عليهم، فآيات القرآن الكريم بينات واضحات دلالتها ومعانيها، إذ لا غموض فيها أبداً، ولذلك فالمفروض أن يستجيبوا ويؤمنوا، لكنهم يردونها بقولهم: مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ [سبأ:43]، يقول هذا أبو جهل عمرو بن هشام أو عقبة بن أبي معيط أو غيرهما، مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ [سبأ:43]، من الرجال يريد أن يصرفكم عن عبادة ما كان يعبد آباؤكم، فهكذا يردون الآيات البينات الواضحة الدلالة والمعنى بعد ما يسمعونها، مَا هَذَا [سبأ:43]، أي: محمد صلى الله عليه وسلم، إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ [سبأ:43]، حتى لا تعبدوا الأصنام والأوثان كما كان آباؤهم يعبدونها، فلا تسمعوا له ولا تستجيبوا له، وهذا كله من أجل أن يبقوا على ضلالهم وشركهم وباطلهم، فلا يريدون ديناً جديداً يعبدون الله به، وإنما قد ألفوا ما كانوا عليه واعتادوه، وبالتالي فلا يريدون أن تتغير حياتهم، وهذه وللأسف طبيعة أكثر الناس.

    وَقَالُوا [سبأ:43]، أيضاً، مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى [سبأ:43]، أي: ما هذه إلا أكاذيب مختلقة ومزورة، فكل الذي يقوله ويقرؤه من الآيات ما هو إلا أكاذيب وأباطيل، وما فيها كلمة حق أبداً، وقالوا هذا من باب دفع الدعوة حتى لا تنتشر بين الناس، مَا هَذَا [سبأ:43]، أي: الذي يقوله محمد ويقرؤه عليكم إلا كذب مختلق ومفترى، وتأمل معي كيف حال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسمع مثل هذا الكلام، لو كنتَ أو أنا مكانه فكيف نصنع؟ وهو يواجههم عليه السلام فيصبر ويتحمل ولا يجزع ولا يغضب أبداً.

    بيان موقف الكافرين من الحق إذا جاءهم

    ثم قالوا أيضاً: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [سبأ:43]، والكفر هو الظلام والجهل والخبث والشر، والكافر هو الذي يقول هذا، أما غير الكافر فوالله ما يقول هذه المقولة التي قالوها، لكن العلة هي الكفر والشر والخبث والظلمة، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ [سبأ:43]، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه من الآيات القرآنية والشرع الحكيم، إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [سبأ:43]، أي: بين وواضح، وهم يقولون هذا حتى يصرفوا الناس نساء ورجالاً عن الدعوة فلا يقبلونها ولا يسمعون لرسول الله ولا يمشون وراءه، وهذا ليدافعوا عن معتقداتهم الباطلة وعن عاداتهم المتأصلة فيهم، وهذا كما قلت لكم: إنه من طبائع البشر، وإلى الآن تجد المبتدعة يدافعون عن البدع ويقولون في دعاة الحق أعظم من كلمة ساحر، وذلك كعميل وغيرها، وهذا هو طبع البشر إلا من نجاه الله تعالى، وهذه عظة وعبرة.

    وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ [سبأ:43]، على يد الرسول صلى الله عليه وسلم، إِنْ هَذَا [سبأ:43]، أي: الذي تسمعونه ويقوله محمد صلى الله عليه وسلم، إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [سبأ:43]، أي: ما هو إلا سحر بين وواضح، فلا تسمعوا له ولا تستجيبوا له ولا تمشوا وراءه ولا تقبلوا دعوته، وإنما هو ساحر يسحركم، وهل كان رسول الله ساحراً؟ وهل يعرف السحر؟ حاشاه وكلا، لكن في قرارة أنفسهم والله لا يعتقدون أن رسول الله ساحر، ولا أن هذا الكلام بسحر، ولكن فقط يقولون ذلك لنشر الباطل وتغطية الحق، وذلك كما هي طبيعة البشر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما آتيناهم من كتب يدرسونها...)

    إقامة الحجة على مشركي العرب وغيرهم

    قال تعالى: وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا [سبأ:44]، أي: لو أننا أنزلنا عليهم كتباً على بعض رجالهم ودرسوها ووجدوا فيها الدعوة إلى الشرك، والدعوة إلى الأصنام لكانوا يعذرون، لكن نحن ما أعطيناهم كتباً يدرسونها وفيها الدعوة إلى الأصنام وعبادة الأوثان، وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ [سبأ:44]، أي: وما أرسلنا إليهم قبلك يا رسولنا من نذير، فلو أنا أرسلنا إليهم رسولاً قبلك لقالوا: نحن نتبع رسولنا، إذ هو الذي دعانا إلى عبادة الأصنام، وهو الذي عبدها معنا، وبالتالي فما نستطيع أن ننصرف عنها، وعند ذلك سيكون لهم في ذلك حجة وعذر، لكن والله ما آتاهم من كتاب ولا بعث إليهم من رسول، فبم يحتجون؟!

    سبيل العلم في مدارسة كتاب الله تعالى

    وفي هذه الآية لطيفة وهي: يجب أن نجتمع على كتاب الله ونتدارسه في بيوت الله وفي بيوتنا؛ إذ هذا سبيل العلم وطريق المعرفة، ومن فقد هذا كيف يعلم؟ ومن لم يعلم فكيف يعبد؟ ومن لم يعبد كيف ينجو ويسعد؟ فالذين يدرسون الكتب لا يضلون ولا يعمون ولا يجهلون ولا يتشردون، وإنما يستقيمون على أوامر الله تعالى، والذين لا كتاب عندهم يدرسونه، أو عندهم القرآن العظيم وأعرضوا عنه إعراضاً كاملاً فلا ينظرون إليه ولا يلتفتون إليه كما هو واقع أمة الإسلام، كيف سيسعدون أو ينجون؟ المفروض أن أهل القرية أو أهل الحي دائماً وأبداً يدرسون كتاب الله تعالى، وقد بينا هذا وكررنا القول فيه وقلنا: إن ما بين المغرب والعشاء وقت راحة لا وقت عمل، وهذا في العالم بأسره، فإذا دقت الساعة السادسة أغلقت الدكاكين وانتهى العمل، فأهل الباطل يذهبون إلى الملاهي والملاعب والمراقص والمقاصف، وأهل الحق والإيمان يذهبون إلى بيوت ربهم فيتدارسون كتاب الله بينهم، فتنموا معارفهم وتزداد حتى يصبحوا كأنبياء في العلم والمعرفة، لكن مع هذا صرفوا هذه الأمة عن كتاب الله صرفاً كاملاً، وذلك من إندونيسيا إلى موريتانيا، فلا يجتمع ثلاثة على كتاب الله إلا ما قل وندر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم ...)

    تشدد كفار قريش وعتوهم بالرغم من ضعفهم إذا قيسوا بالأمم السابقة

    قال تعالى: وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ [سبأ:45]، أي: وكذب الذين من قبل العرب كعاد وثمود، وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ [سبأ:45]، أي: وما بلغوا معشار ما أعطينا هؤلاء من العلم والبينات والهدى الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع هذا ماذا حصل؟ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [سبأ:45]؟ دمرناهم وأهلكناهم، وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ [سبأ:45]، والمعشار المراد به: العشر، وذلك كالمرباع، والمراد به الربع، وقد يكون واحداً من الألف، أي: معشار المعشار، والمعنى ليس بعيداً، والمهم أن الله أعطى العرب بواسطة رسوله محمد من القرآن ما لم يعط للأمم السابقة، ومع هذا أهلك الله تلك الأمم، وبالتالي ماذا ينتظر كفار قريش وغيرهم غير الهلاك؟

    وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي [سبأ:45]، وأنبيائي، فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [سبأ:45]؟ كان على أبشع ما يكون، إذ دمرهم وخرب ديارهم وأهلكهم، وهذه الآيات التي تسمعونها هي التي آمن عليها مئات الآلاف من العرب ودخلوا في الإسلام، ولذا فلا تقولوا: ما أنتجت هذه ولا أثمرت، إذ المجموعة التي عادت النبي صلى الله عليه وسلم وكفرت به تعد على الأصابع بالنسبة إلى من آمنوا، وما مات الرسول وما في الجزيرة كافر، إذ هدتهم هذه الآيات عندما سمعوها وقرءوها.

    وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ [سبأ:45]، أي: من الوحي والعلم والمعرفة، فَكَذَّبُوا رُسُلِي [سبأ:45]، الذين أرسلتهم إليهم، كموسى وصالح وغيرهما، فَكَيْفَ كَانَ نكير [سبأ:45]؟ كان على أبشع ما يكون من الاستئصال والإبادة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ...)

    موعظة نبي الله صلى الله عليه وسلم لمشركي العرب وغيرهم

    ثم قال تعالى: قل لهم يا رسولنا! قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ [سبأ:46]، أي: أعظكم وأُذكركم وأخوفكم بطاعة الله تعالى، وهذه الواحدة هي: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ [سبأ:46]، أي: لوجه الله تعالى، فيجتمع الناس اثنين اثنين، أو واحداً واحداً، ثم يفكرون ويتأملون ماذا يقول الرسول؟ ما الذي جاء به؟ كيف كانت حياته قبل اليوم؟ هل كان ساحراً؟ هل كان كذاباً؟ هل كان دجالاً؟ والله ما كان إلا عبداً صالحاً، بل لم تكتحل عين الوجود بأفضل منه في تقواه وصلاحه قبل أن يوحى إليه، أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ [سبأ:46]، وهي: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ [سبأ:46]، أي: لوجه الله تعالى، ثم لتتفكروا في هذه القضية على علم لا بالتقليد الأعمى.

    تقرير النبوة المحمدية وإثباتها وذلك ينفي تلبس الجن به عليه السلام

    ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ [سبأ:46]، وقد مضت أربعون سنة قبل بعثته فما ظهر الجن معه، وما فعل أفعال المجانين، ولا سلك سلوكهم، فكيف الآن تهربون من دعوة الحق وتقولون: إنه مجنون ولا نأخذ بكلامه، إنها دعوة ربانية، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا [سبأ:46]، في هذه الدعوة، في صاحبها، هل كان من الجن؟ هل كان من السحرة؟ فسيتبين لكم أنه أصلحكم وأعلمُكم بالله وأتقاكم له، فتتبعونه وتمشون وراءه.

    قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ [سبأ:46]، أي: لوجه الله تعالى، لا للدنيا ولا للشهوات، وإنما للتفكر في هذه القضية، هل هي حق أو باطل؟ ثم لم نتكلم بما يقوله المغرضون والمبطلون؟ هيا نتفكر، وهنا لطيفة عامة لكل البشر أيضاً، وهي: أننا لما نسمع فلاناً يُسب أو يشتم ويعير فلا نقبل هذا الكلام، بل نفكر ونتأمل، إذ ليس كل ما يقوله الناس هو حق، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ [سبأ:46]، وصاحبهم هو محمد صلى الله عليه وسلم، أليس هو معهم ليلاً ونهاراً مصاحب لهم لا يفارقهم؟ ولم يقل: (من رجل مصاحب لهم)، وإنما قال: (ما بصاحبه)، إذ لو أنه جاء من الشام أو من اليمن فإنهم لا يدرون ماذا كان يفعل في بلاده؟ فقد يكون ساحراً أو دجالاً، لكن هذا النبي عشتم معه مصاحبين له، فكيف لا تعرفونه؟ وكيف تقولون عنه: ساحر أو شاعر؟ وهو والله ليس بساحر ولا قال من الشعر حتى بيتاً واحداً، أعني: لو كان جاءهم من بلاد بعيدة فيمكن أو يجوز أن يقولوا: هذا كذا وكذا، لكنه مصاحب لهم من ولادته ما فارقهم ولا فارقوه، فكيف يتهمونه بالسحر والجنون وهم يعيشون معه؟!

    إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء نذيراً للناس

    ثم قال تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ [سبأ:46]، والله ما هو إلا نذير لكم، ينذركم عواقب الكفر والشرك والباطل في الدنيا والآخرة، بَيْنَ يَدَيْ [سبأ:46]، أي: أمام، عَذَابٍ شَدِيدٍ [سبأ:46]، إما عذاب الدنيا أو الآخرة، إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ [سبأ:46]، فقد يكون إبادتكم كما أباد عاداً وثمود، وقد يكون عذاب الآخرة، لكن إذا استجبتم وعدتم إلى الله ووحدتموه وعبدتموه وحده نجوتم من العذاب، أما مع إصراركم هذا على ألا تعبدوا الله وحده، وترضون بعبادة الأصنام، وتكفرون برسوله وتكذبون عليه، فهذا والله لبين يدي عذاب شديد، وما هو بهين أبداً، بل قد يخسف بهم الأرض، أو ينقلهم إلى الدار الآخرة ويخلدهم في الجحيم والعياذ بالله.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    مرة أخرى أسمعكم شرح هذه الآيات، يقول تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ [سبأ:43]، من يتلوها؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد أصحابه، قَالُوا مَا هَذَا [سبأ:43]، يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ [سبأ:43]، وهذه نظرية الجهل، وَقَالُوا [سبأ:43]، أيضاً، مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى [سبأ:43]، أي: كذب مختلق ومزور، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [سبأ:43]، فلا تستجيبوا لمحمد ولا تسمعوا كلامه، إذ إن كلامه سحر وكذب.

    ثم قال تعالى: وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا [سبأ:44]، فهل عرفتم هذه اللطيفة أو لا؟ لو كانت لهم كتب يدرسونها لاعتذروا وقبل عذرهم، لكن هذه كتب الله أمامنا، فكيف تقولون: هذا يجوز أو هذا لا يجوز؟! لكن ليس عندهم كتاب، إذ لو أرسل إليهم تعالى رسولاً من قبل أو نذيراً فأنذرهم لقالوا: نحن مع فلان الذي أرسله الله إلينا واتبعناه، وهذا هو دينه، وعند ذلك يعذرون بهذا، لكن الله يقول: وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ [سبأ:44]، فبأي حق يتكلمون ويردون الحق؟ إنه العناد والمكابرة.

    ثم قال تعالى: وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ [سبأ:45]، أي: كذبت أمم قبلهم، لكن ما أعطوا كما أعطي هؤلاء من البيان والهدى، ومن القرآن العظيم، ومع هذا، فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نكير [سبأ:45]؟ أي: نكيري عليهم؟ الإبادة والاستئصال الدائم.

    ثم قال للرسول مرة أخرى: يا رسولنا! قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى [سبأ:46]، فهيا نترك الماضي ونقوم بواحدة فقط، ألا وهي: أن تقوموا اثنين اثنين، وواحداً واحداً، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ [سبأ:46]، أي: ثم تتفكروا في جد وفي صدق، هل كان هذا الرجل ساحراً؟ هل كان شاعراً؟ هل كان كذاباً؟ والله ما كان إلا أصلح الناس وأكملهم، فلم تصفونه بهذه الأوصاف؟ إذاً قولوا: آمنا بالله وادخلوا في رحمة الله تعالى، إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ [سبأ:46]، ألا وهو عذاب الاستئصال والإبادة في الدنيا إذا أراده الله تعالى، وذلك إن أصروا على الكفر والعناد -والحمد لله أنهم ما أصروا وإنما أسلموا- أو عذاب الآخرة الذي لا يخرجون منه.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ من هداية الآيات: أولاً: بيان عناد المشركين وسخف عقولهم وهبوطهم الفكري ]، بيان عناد المشركين والله إلى اليوم، وقد قلت لكم: لو تجادل اليهود أو النصارى أو البوذيون أو المجوس كما يجادلون القرآن والله لسمعت العجب، ولرأيت ما قاله العرب بكامله موجوداً عندهم وزيادة، وهذه طبيعة الإنسان، وهذا هو شأن إبليس لما يفسد القلوب.

    قال: [ ثانياً: ضعف كفار قريش وتشددهم وعتوهم إذا قيسوا بالأمم السابقة، فإنهم لا يملكون من القوة نسبة واحد إلى ألف، إذ المعشار هو عشر عشر العشر ]، ما قيمة كفار قريش؟ يساوون عاداً أو ثمود أو قوم شعيب أو قوم فرعون؟ لا والله، إذ هم ضعفة ومهزومون ومهزولون، ومع هذا للأسف يجالدون ويجادلون.

    قال: [ ثالثاً: تقرير النبوة المحمدية وإثباتها، وذلك ينفي الجنة عنه صلى الله عليه وسلم وإثبات أنه نذير ]، تقرير النبوة المحمدية وإثباتها، وهذا ينفي ما قاله المبطلون من أنه ساحر ومجنون، فإذا تقررت النبوة وثبتت لا تبقى كلمة ساحر ومجنون، إذ لا معنى لذلك.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.