إسلام ويب

تفسير سورة يونس (19)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن عذاب الله عز وجل أليم شديد، ولا يعلم أحد قدره إلا قدره إلا إذا عاين ذلك، فساعتها يتمنى الظالمون لو يفتدون أنفسهم بما في الأرض جميعاً، ولكن أنى لهم ذلك، فإن ما كان مطلوباً منهم في الدنيا أيسر من ذلك لو كانوا يعقلون، ويومها يفرح المؤمنون بما آلوا إليه من النعيم والرضوان، وحق لهم أن يفرحوا فما حصلوه هو خير مما يجمعون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الثلاثاء- والليلة التي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع هذه الآيات المباركات من سورة يونس المكية، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة ثم نتدارسها، والله نسأل أن يفتح علينا بالعلم والعمل إنه قوي قدير.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:54-58].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ [يونس:54]، الآيات تقرر عقيدة البعث والجزاء، تقرر عقيدة إثبات النبوة للمصطفى، تقرر عقيدة التوحيد وهي أنه لا إله إلا الله، فقوله جل ذكره خبر من أخبار الله تعالى التي لا تنقضي، ولا يشك أبداً في صحتها.

    يقول تعالى: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ [يونس:54] عربية، عجمية، في الأولين، في الآخرين، ظَلَمَتْ [يونس:54] نفسها بالشرك والمعاصي، لو كان لها ما في الأرض من كل الكائنات في يدها لافْتَدَتْ بِهِ [يونس:54] لأعطت كل هذا الذي تملكه ولو كان الكون كله، من أجل أن تفدي نفسها من عذاب النار، لأن عذاب النار أمر لا يطاق، خلود في عالم الشقاء.

    فالذي خلق الخلق وقدر مصائرهم، وعرفهم قبل أن يوجدهم يخبر عنهم فيقول: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ [يونس:54]، احذروا الظلم والشرك والذنوب والمعاصي، لو أن لها ما في الأرض من جبال وبحار، من أموال وأطنان الذهب والفضة، ومن البشر والحيوانات كلها لافْتَدَتْ بِهِ [يونس:54] ، تعطيه من أجل أن تنجو من عذاب النار.

    إذاً: ما قيمة هذه الممالك والأموال، والله! لا قيمة لها، لا تساوي شيئاً، إذاً: فلنعمل بجد على أن لا نظلم، لا نظلم ربنا بصرف حقوقه إلى غيره فنعبد معه سواه، لا نظلم غيرنا بأكل أموالهم أو نهش أعراضهم أو أذيتهم في أبدانهم وأموالهم، لا نظلم أنفسنا بأن نفرغ عليها أطنان الذنوب والآثام، فننجو من هذه الورطة.

    معنى قوله تعالى: (وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون)

    واسمع الكلمة الإلهية: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ [يونس:54]، ثم قال تعالى: وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ [يونس:54]، وأسروا: أخفوا الندم الذي يمزق قلوبهم وهم في ساحة فصل القضاء، أخفوا الندامة لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ [يونس:54] لما شاهدوا عذاب يوم القيامة ولاحت لهم أهواله أخفوا الندم، ما كانوا يقولون: آهٍ يا ليتنا كذا وكذا، في هذا الموقف بالذات.

    وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [يونس:54]، وحكم الله بينهم بالعدل وهم لا يظلمون، لا يزاد على صاحب السيئات سيئة فوق سيئاته، ولا تسلب حسنة، لأن الله هو الحاكم، وهو العدل.

    عجب هذا التصوير في آية واحدة: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ [يونس:54] أما التي ما ظلمت فلا، لو أن لها ما في الأرض من أموال والكائنات كلها لافْتَدَتْ بِهِ [يونس:54]، وقالت: خذوا هذا كله وافدوني، أنقذوني من عذاب النار، وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ [يونس:54]، لما عاينوا العذاب أخفوا الندامة في قلوبهم، ما صاحوا ولا صرخوا.

    وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [يونس:54]، حكم الله بينهم فأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ [يونس:54] والقاضي الله جل جلاله، قضى بينهم بالعدل والقسط، فذو الحسنات ذو الروح الطيبة والنفس الزكية في دار السلام، وذو الروح الخبيثة المنتنة العفنة في دار البوار، وانتهى كل شيء.

    وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [يونس:54]، من يظلمهم؟ الله ليس في حاجة إلى الظلم، فهو غني غنىً مطلقاً، فهو إذاً يعدل بينهم في الحكم: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الأنعام:160]، فهل عرفتم هذا الخبر العظيم؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألا إن لله ما في السموات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون)

    الخبر الثاني: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [يونس:55]، ما هذا الخبر؟! يعلمكم الله بأن له ما في السماوات وما في الأرض، ولا يملك معه أحد شيئاً من هذا الكون، إذن فلا تطلبوا غيره، ولا تلتفوا إلى سواه، لا ترهبوا غيره، ولا تطمعوا في غيره، إذ له ما في السموات وما في الأرض، ومن قال: لنا شيء فليذكره.

    أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [يونس:55]، مع الأسف.

    أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [يونس:55] من أراد شيئاً فليطلبه من المالك، أما الذي هو مملوك ولا يملك فكيف تعكف بين يديه تطلبه حاجتك؟ ومعنى هذا ألا نسأل غير الله، إذ الله المالك وغيره مملوك ولا يملك، فكيف تسأل من المملوك الذي لا يملك وتعرض عن المالك الذي يملك؟

    ومعنى هذا أنه تقرير لتوحيد العبادة، فلا يدعى غير الله، لا يرجى غير الله، لا يرهب ولا يخاف سوى الله، لماذا؟! لأن له ما في السموات والأرض.

    ثانياً: أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [يونس:55]، لا بد أن يتم كما وعد، وأن ينجزه لقدرته وعظمته.

    إذاً: فاذكروا يا أهل الإيمان والعمل الصالح ما وعدكم ربكم من دار السلام، فإنه حق، وليذكر أهل الشرك والمعاصي وعد الله تعالى، فإنه منجزه ومنفذه، ويرمي بهم في أتون الجحيم.

    أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [يونس:55] ولكن أكثر البشر لا يعلمون، إي والله إن أكثرهم لا يعلمون، نسبة العالمين بهذا ليست واحداً إلى مليون، فلم لا يتعلمون؟! لم ما علموهم؟! والواقع هو هذا: أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [يونس:55].

    لو علموا ما عرفوا غير الله ولا تذللوا له ولا طلبوه، لو عرفوا الله لارتعدت فرائصهم بين يديه وخافوه، ولم يقووا على معصيته والخروج عن طاعته، لو عرفوا الله للجئوا إليه وصدقوا في لجوئهم إليه، واطرحوا بين يديه، وسألوا حاجاتهم وقضاءها، لكن ما عرفوا، فالصلبان في أعناقهم، والشهوات في قلوبهم، والأطماع في أيديهم، وهم يعبدون الدنيا وشهواتها.

    وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [يونس:55]، ما علموا أن لله ما في السموات وما في الأرض، ما علموا أن وعد الله حق وسوف ينجزه ويتمه، لو عرفوه لانحازوا إلى سبيل الله وتركوا سبيل الشيطان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هو يحيي ويميت وإليه ترجعون)

    ثم قال تعالى في خبر آخر: هُوَ [يونس:56] جل جلاله وعظم سلطانه يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يونس:56] يا بني آدم.

    هو لا غيره يحيي كما نشاهد كل يوم، يحيي الملايين ويميت الملايين، يحيي ويميت، من يملك هذا سواه، هل هناك من يحيي أو يميت، هل هناك من يحيي بعوضة أو ذبابة أو نملة، أو يقدر على أن يميت إذا لم يشأ الله إماتة الشيء؟ لا يحيي ويميت إلا هو.

    هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يونس:56] إليه لا إلى غيره سترجعون، من يرجعكم؟ الله بسلطانه وقدرته، وملائكته يحشرونهم جميعاً أمامه في ساحة فصل القضاء، وثم يحكم بيننا بالعدل، فهذا خبر عظيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور ...)

    ثم قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ [يونس:57] يا ليتهم قالوا: لبيك ربنا لبيك، لقد نادى الأبيض والأصفر، الكافر والمؤمن: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس:57]، ألا وهو القرآن الكريم، كتاب الله، جاءهم فأعرضوا عنه، ما أقبلوا عليه، ما تدارسوه، ما سألوا عنه، ما عرفوا ما فيه، البشر الآن ملايين منهم ما يسمعون بالقرآن الكريم، وإن سمعوا به سخروا منه، أو نفرت نفوسهم منه، ولم يسألوا عما فيه، مع أنه جاءهم، وهل جاء القرآن للعرب خاصة؟

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [يونس:57] والقرآن يبشر وينذر، ويرغب ويرهب، هذه هي الموعظة، يذكر وعد الله للصالحين، ووعيده للمجرمين، هذا الوعظ.

    وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ [يونس:57]، والله! لن يشفى صدر عبد من النفاق والشرك والوساوس والخواطر والشر إلا إذا آمن بالقرآن، وأقبل عليه وعمل بما فيه، إذ هو الشفاء لما في الصدور، وإلا فهو الشرك والنفاق والكفر والعياذ بالله.

    وَهُدًى وَرَحْمَةٌ [يونس:57] في القرآن لمن آمن بكتاب الله ودرسه وعلم ما فيه وعمل به، يجد فيه الهدى والرحمة، ولهذا قال: وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس:57]، أما الكافرون فلا؟!

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ [يونس:57] ما هو هذا؟! والله! إنه للقرآن الكريم، من أراد أن يشفي ما في صدره فليؤمن بهذا الكتاب وليتدارسه مع أهله وليفهم ما فيه.

    وإنه -والله- للموعظة العظيمة، كله يبشر وينذر، يحذر ويخوف، ويفرح المؤمنين، وفي نفس الوقت هدى إلى سبل السلام، إلى طريق النجاة والسعادة، ورحمة ولكن للمؤمنين بالله وبكتابه ورسوله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)

    ثم قال تعالى للمؤمنين: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]، قل لهم يا رسولنا والمبلغ عنَّا: بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس:58] لا بالدينار والدرهم، لا بالشاة والبعير، لا بالمرأة ولا بالولد، هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

    قل لهم: بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس:58]، افرح يا عبد الله بإيمانك، افرح بإسلامك، افرح بهدايتك، خير من أن تفرح بشاتك أو بعيرك، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس:58]، أما الدنيا وأوساخها وأوضارها فكيف يفرح بها؟

    قال تعالى: هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58] من أنواع الأموال، هذا يجمع الذهب وهذا الدينار وهذا الشاة وهذا البعير.

    يقول تعالى: أخبرهم يا رسولنا، قل لهم: بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس:58]، لا بأوساخ الدنيا ومناصبها وما فيها، فإنه خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

    اسمعوا الآيات: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:54-58] من المال.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    والآن اسمعوا الشرح من التفسير لنـزداد بصيرة ونوراً.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    ما زال السياق في بيان أن ما وعد الله تعالى به المشركين من العذاب هو آتٍ لا محالة إن لم يؤمنوا، وأنه عذاب لا يطاق، فقال تعالى: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ [يونس:54]، أي: نفسها بالشرك والمعاصي، لو أن لها مَا فِي الأَرْضِ [يونس:54] من مال صامت وناطق وقبل منها لقدمته فداء لها من العذاب، وذلك لشدة العذاب.

    وقال تعالى عن الكافرين وهم في عرصات القيامة وقد رأوا النار: وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ [يونس:54]، أي: أخفوها في صدورهم ولم ينطقوا بها، وهى ندمهم الشديد على عدم إيمانهم واتباعهم للرسول صلى الله عليه وسلم.

    وقوله تعالى: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [يونس:54]، أي: وقضى الله تعالى، أي: حكم بين الموحدين والمشركين والظالمين والمظلومين، قضى بالقسط الذي هو العدل الإلهي، والحال أنهم لا يظلمون بأن يؤاخذوا بما لم يكتسبوا.

    وقوله تعالى: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [يونس:55]، أي: انتبهوا واسمعوا أيها المشركون: إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [يونس:55] من سائر المخلوقات ملكاً حقيقياً، لا يملك معه أحد شيئاً من ذلك، فهو يتصرف في ملكه كما يشاء، يعذب ويرحم، ويشقي ويسعد، لا اعتراض عليه، أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يونس:55] أي: تنبهوا مرة أخرى واسمعوا، إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ [يونس:55] أي: ما وعدكم به من العذاب حق ثابت لا يتخلف.

    وقوله تعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [يونس:55]؛ إذ لو علموا أن العذاب كائن لا محالة وعلموا مقدار هذا العذاب ما كفروا به ] ولا جحدوه.

    [ وقوله تعالى: هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يونس:56]، يخبر تعالى عن نفسه أنه يحيي ويميت، ومن كان قادراً على الإحياء والإماتة فهو قادر على كل شيء، ومن ذلك إحياء الكافرين بعد موتهم، وحشرهم إليه ومجازاتهم على ما كسبوا من شر وفساد، وقوله: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يونس:56] تقرير مبدأ المعاد الآخر ] والحياة الثانية.

    [ بعد هذه التقريرات لقضايا العقيدة الثلاث: التوحيد، والنبوة، والبعث الآخر والجزاء؛ بعد هذا نادى الله تعالى العرب والعجم سواء قائلاً: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس:57]، وكل من الموعظة -التي هي الأمر والنهي بأسلوب الترغيب والترهيب- والشفاء والهدى والرحمة قد حواها القرآن الكريم، كأنه قال: يا أيها الناس -وفيكم الجاهل والفاسق، والمريض بالشرك والكفر، والضال عن الحق، والمعذب في جسمه ونفسه-! قد جاءكم القرآن يحمل كل ذلك لكم، فآمنوا به، واتبعوا النور الذي يحمله وتداووا به، واهتدوا بنوره تشفوا وتكملوا عقلاً وخلقاً وروحاً وتسعدوا في الحياتين معاً.

    وقوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]، أي: بلِّغهم يا رسولنا آمراً إياهم بأن يفرحوا بالإسلام وبشرائعه، وبالقرآن وعلومه، فإن ذلك خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58] من حطام الدنيا الفاني، وما يعقب من آثار سيئة لا تحتمل ولا تطاق ].

    لطيفة: رُوي أن من هداه الله للإسلام فكان مسلماً، وعلمه القرآن فكان يحفظه، ثم شكا الفاقة -أي: الفقر- كتب الله الفقر بين عينيه إلى يوم يلقاه.

    الذي هداه الله للإسلام فأسلم، وعلمه القرآن فحفظه، ثم يقول: أنا فقير، وشكا الفقر، هذا لا يفارقه الفقر حتى الموت، من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58] من أوساخ الدنيا.

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    [ أولاً: عظم عذاب يوم القيامة حتى إن الكافر ليود أن يفتدى منه بما في الأرض جميعاً ] لعظم عذاب يوم القيامة وشدته، فالكافر يود من قلبه أن يفتدي منه بما في الأرض جميعاً. من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ [يونس:54].

    [ ثانياً: تقرير ربوبية الله تعالى لسائر المخلوقات في العالمين: العلوي والسفلي ]، أي: هو الخالق والرب وحده، المعبود لا معبود سواه.

    [ ثالثاً: الإشادة بفضل القرآن وعظمته لما يحمله من المواعظ والهدى والرحمة والشفاء ]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ [يونس:57].

    [ رابعاً: يستحب الفرح بالدين ويكره الفرح بالدنيا ]، سواء بالولد أو المال أو المنصب، لا تفرح بذلك؛ لأنه زائل، لكن افرح إذا صليت ركعتين، أو علمت مسألة من كتاب الله، وانشرح صدرك لها، بهذا فافرح، أما أن تفرح بالدينار والدرهم فلا قيمة لهذا الفرح، والله يقول: هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

    والله تعالى أسأل أن يشرح صدورنا، وينور قلوبنا، وأن يهدينا إليه صراطاً مستقيماً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.