إسلام ويب

تفسير سورة التوبة (7)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يحذر الله عز وجل عباده المؤمنين من اتخاذ الآباء والأبناء والإخوان أولياء إن بقوا على الكفر وفضلوه على الإيمان؛ لأن موالاة الكافرين يعني تقديم محبتهم على محبة الله ورسوله والمؤمنين، وهذا هو الظلم العظيم، والخسران المبين، فالله عز وجل لا يقبل من عباده تقديم المحاب الدنيوية من أهل أو مال أو ولد على محبته والجهاد في سبيله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات، إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود، على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة التوبة -والله أسأل أن يتوب علينا وعلى كل مؤمن ومؤمنة، إنه تواب رحيم- وهانحن مع هذه الآيتين، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوتها مجودة مرتلة من أحد الأبناء، ثم نأخذ في تدارسها بيننا، والله نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:23-24].

    خصوصية مناداة الله سبحانه وتعالى للمؤمنين بـ(يا أيها الذين آمنوا)

    معاشر المستمعين والمستمعات، من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [التوبة:23]، فالله تعالى قد نادانا -نحن المؤمنين- تسعة وثمانين نداءً، وذلك في كتابه القرآن العظيم، وبهذه النداءات عرفنا بالاستقراء والتتبع أنه لا ينادينا عز وجل إلا ليأمرنا بما فيه صلاحنا وكمالنا، أو لينهانا عما فيه شقاؤنا ورداؤنا، أو من أجل أن يبشرنا بما فيه صلاحنا وزيادة صالحاتنا، أو لينذرنا ويحذرنا؛ لنخاف ونرهب ما يسوءنا ويضرنا، أو ينادينا ليعلمنا.

    ونداءه لنا بعنوان الإيمان له سره، يا من آمنتم بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً! معناه أنكم أحياء، إذ المؤمن حي، والكافر ميت، فمن ينادي الميت فلا عقل له ولا فهم ولا وعي، فلو تقف أمامه ألف سنة وأنت تناديه فلن يجيبك.

    فلهذا نداءات الرحمن لنا بعنوان الإيمان تشهد لنا بحياتنا، والحي إذا أُمر يقوى على أن يفعل المأمور به، وإذا نهي عن شيء يقوى على الانتهاء والبعد عنه، وإذا بشر يستبشر ويفرح، وإذا حذر أو أنذر يحذر ويخاف، وإذا علِّم يتعلم، وذلك لكمال حياته.

    وهذه النداءات التسعون درسناها مدة ثلاثة أشهر كل يوم نداء، وطُبعت وبكميات، وكررنا القول وقلنا: من يحفظ هذه النداءات التسعين، ويفهم ما أراد الله منها لهداية عبادة المؤمنين، إلا ويصبح من أعلم الناس وأبرهم وأتقاهم لله.

    وقلنا: ينبغي أن توضع هذه النداءات في الفنادق الإسلامية، فعند سرير كل ضيف توضع نسخة لا ينام حتى يقرأ نداء من النداءات، وتوضع في أسرة النوم أيضاً، يجمع عليها أهل البيت وأهل القرية والحي؛ لأنها مفتاح السعادة ودار الكمال ولا تكلف عناءً ولا مالاً.

    وهذه النداءات نتذكرها بما كان يقوله عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (إذا سمعت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) في القرآن فأعرها سمعك -أعطها سمعك- فإنه خيرٌ تؤمر به، أو شرٌ تنهى عنه)، بهذا الاختصار.

    حرمة اتخاذ الكفار أولياء

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ [التوبة:23]، ينهانا نهياً قاطعاً على ألا نتخذ آباءنا -والأمهات تابعة للآباء- ولم يقل: الأبناء؛ لأن الأبناء تابعين للآباء، الابن تابع لأبيه، قال: آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ [التوبة:23] لا تتخذوهم أولياء لكم، أي: تحبونهم وتناصرونهم.

    كررنا هذا المعنى للصالحين والصالحات، الولاء ضد البراء، والولاء معناه الحب والنصرة، فمن أحبك وخذلك ما والاك، ومن نصرك وأبغضك ما والاك، وإنما والاك من أحبك ونصرك على عدو الإنس أو عدو الجن، فالذي يترك أخاه يتخبط في الذنوب والمعاصي -والله- ما والاه، إذا لم يمد يده إليه لينقذه بالتوجيه والكلمة والإرشاد خذله.

    فالموالاة: النصرة والحب مع بعضهما البعض.

    ظهور معنى التكلف في (استحباب) الكفر على الإيمان

    يا من آمنتم بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً، وآمنتم بلقاء الله والجزاء يوم القيامة لا تَتَّخِذُوا [التوبة:23] هذا نهي، آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ [التوبة:23] متى؟ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ [التوبة:23]، (استحبوا الكفر) أي: أحبوا الكفر على الإيمان، أي: رفضوا الإيمان وأعرضوا عنه، وأقبلوا على الكفر وكفروا.

    هناك لطيفة وهي في (استحب)، بمعنى طلب الشيء وأحبه؛ لأن الكفر والخبث والرجس والنجس الفطرة تتنافى معها، لا تريدها، فيتكلف العبد حتى يحبها، يدل على هذا قوله تعالى: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286]، (لَهَا مَا كَسَبَتْ) أي: من الخير من الإيمان والعمل الصالح؛ لأنها تكسبه بحب ورغبة وفطرة، وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286] أي: من الذنوب والمعاصي؛ لأنها ليست من فطرتها، بل تتكلف لها، وتعملها وهي كارهة.

    قال تعالى: اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ [التوبة:23]. فهل يوجد من يحب الكفر على الإيمان، إذا لم يتكلف، وتعرض له عوارض، فتحمله على أن يحب الكفر على الإيمان؟

    فلهذا قال: (اسْتَحَبُّوا) ولم يقل: أحبوا.

    الذين (اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ)، أي: الكفر جحود الله وإنكار وجوده، والكفر جحود ما أوحى الله وما شرع من رسائله وشرائعه وأحكامه، والكفر تكذيب الله فيما يقول، وتكذيب رسوله فيما يخبر به ويقول، والكفر إنكار وجحود شرع الله، ولو فريضة واحدة من الفرائض إذ مأخوذ من (الكفر) الذي هو التغطية والجحود.

    ظلم من عادى الله ورسوله والمؤمنين ووالى أعداءهما

    ثم قال تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ [التوبة:23] أيها المؤمنون، من يتولى آباءه أو إخوانه ويصاحبهم ويصافيهم وينصرهم فهو منهم، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [التوبة:23]، فالذي يتولى الذين اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ [التوبة:23] فيحبهم ولا يبغضهم، وينصرهم ويدافع عنهم بأي مادة، فهؤلاء هم الظالمون المتوغلون في الظلم؛ لأنهم وضعوا الشيء في غير موضعه، فبدل أن يبغضوا إخوانهم وآباءهم الكافرين من أجل الله أحبوهم، ووضعوا الحب موضع الكفر والبغض، وبدل أن يخذلوهم أو لا ينصروهم نصروهم بدل خذلانهم، فهم وضعوا الشيء في غير موضعه، وهذه قاعدة عامة، إذا سئلت عن الظلم ما هو: وضع الشيء في غير موضعه.

    الحاكم ظلم، سجن فلان ولم يستحق السجن فهو ظالم، فلان ظلم فلان، سلبه ماله أو سبه أو شتمه، فالحاكم أو القاضي ظلم.. إذا صدر الحكم على شخص بما ليس له هو وليس من حقه، وضع الشيء في غير موضعه، بل لو أن أحد من الطلاب يتزحزح وينام في الدرس تقولون: ظلم، فهذا الموضع ليس موضع نوم وإنما موضع دراسة وتعلم.

    فمن ينام -مثلاً- في وسط الطريق ظلم، فالموضع هنا ليس موضع نوم، أو -مثلاً- يتغوط في الطريق.

    فالظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه.

    أي: الذين يجب عليهم أن يبغضوا إخوانهم وآبائهم الكفرة الفجرة المحاربين، أحبوهم، فبدل أن يخذلونهم ويقفون ضدهم نصروهم ووالوهم، وهكذا يكون الظلم وهو وضع الشيء في غير موضعه.

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ [التوبة:23] أي: إن هم اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ [التوبة:23] المتولون هُمُ الظَّالِمِينَ [الزخرف:76].

    إذاً: فالظالمون وضعوا الشيء في غير موضعه، وأفظع وأقبح وأسوأ أنواع الظلم هو الشرك بالله، فالله تعالى يخلقك ويرزقك ويخلق كل شيء من أجلك، ومن ثم تلتفت إلى غيره فتعبده، فأي ظلم أفظع من هذا؟!

    ثم العبادة التي استحقها خالقك ورازقك ومدبر الحياة لك، تعطيها لمن لا يملك شيئاً، ميت أو حجر أو صنم، فأي ظلم أفظع من هذا الظلم.

    فلهذا كان لقمان الحكيم عليه السلام يعظ ولده تربية له وتهذيباً، فقال له: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، فمن التفت إلى غير الله من المخلوقات يرجوها ويطمع فيها، يرهبها ويحبها، ويقبل عليها راكعاً وساجداً مطيعاً، معرض عن خالقه ومالك أمره، ظلم ظلماً فظيعاً، قال تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:116].

    إذاً: الظلم أنواع ومن أنواعه أنك تحب الكافر وتكره المؤمن، وضعت الشيء في غير موضعه، ومن مظاهر الظلم أنك تنصر الظالم وتخذل المظلوم، وهذا وضع الشيء في غير موضعه، فلنحذر هذا.

    والله يقول: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ [التوبة:23] من هؤلاء الكفار يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ [التوبة:23] بحبهم ونصرتهم، وهذا التولي، فَأُوْلَئِكَ هُمُ [التوبة:23] لا غيرهم الظَّالِمُونَ [التوبة:23]، ومن ظلم يتعرض للنقمة الإلهية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم أحب إليكم من الله ورسوله ...)

    ثم قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ ... [التوبة:24] الآية، لماذا عدل تعالى عن الخطاب؟ فالمفروض أن يقول: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [التوبة:23]، اعلموا أنه إن كان آباؤكم وإخوانكم كذا، لكن عدل عن المواجهة؛ لأنهم ليسوا أهل الخطاب؛ ليفهم بأنه غاضب ساخط عليهم عز وجل.

    قل لهم يا رسولنا، فليسوا أهلاً لأن يكلمهم، فهو أولاً نادى المؤمنين أهل طاعته ومحبته، لما ذكر الذين يوالون الكافرين وهم أعداؤه، حينئذ قال لرسوله: قل لهم، أما أنا لا أكلمهم.

    فلهذا عرفنا أن نداء الله فيه خير كبير للمؤمنين، فمن نحن حتى ينادينا الجبار عز جل، ويأمرنا وينهانا؟

    قال تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ [التوبة:24] ذكر هنا الأبناء؛ لأنه يبين الحب، وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ [التوبة:24] والعشيرة هي: أهل الرجل كأعمامه الأباعد وأبنائهم في القبيلة.

    وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا [التوبة:24] أي: اكتسبتموها بأعمالكم وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا [التوبة:24] وبوارها وعدم رواجها، وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا [التوبة:24] دور ومساكن تحبونها، إن كان هذه المذكورات أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة:24]. إذ هذه هي العوامل التي جعلتهم يحبون الكافرين ويوالونهم.

    قال تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة:24]، فهذه العوامل التي جعلت بعضهم ما يهاجر، ما استطاع يلتحق برسول الله من مكة؛ لحبه أولاده وأهله، وحبه لماله وتجارته، وحبه لعمارته التي بناها ومسكنه العالي، فمن هنا لا يريد أن يفارق هذه، ويلتحق بالرسول صلى الله عليه وسلم ويجاهد معه ومع المؤمنين، سبحان الله العظيم! فهذا كلام الله يستخرج دقائق القلوب، آمنا بالله.

    تحذير الله عز وجل لعباده المؤمنين من تقديم المحاب الدنيوية على محبته ومحبة رسوله ودينه

    قل لهم يا رسولنا: إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا [التوبة:24] أي: بوارها وعدم رواجها، وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا [التوبة:24]، ترضون للنزول والسكن فيها، إن كان هذا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا [التوبة:24] حتى تأتي النقمة الإلهية.

    وهذه الآية عامة لكل المؤمنين إلى يوم القيامة، وإن نزلت في أهل مكة فهي عامة في كل زمان ومكان، فلا يحل لمؤمن أبداً أن يفضل حب نفسه أو أهله وماله وسكنه وتجارته عن الله ورسوله وحبهما وطاعتهما، وعن الجهاد إذا جاء الجهاد ودعا إمام المسلمين إليه، فسبحان الله العظيم!

    وقوله تعالى: فَتَرَبَّصُوا [التوبة:24] أي: انتظروا، حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة:24] ألا وهو فتح مكة لرسوله انتظروا، فالذين كانوا يوالون الكافرين ويتملقونهم، ويدعون الإيمان وما يستطيعون أن يهاجروا، يتركوا أموالهم ومنازلهم وتجاراتهم، سوف تحل بهم النقمة لما يدخل رسول الله وجيشه مكة، ويذلهم الله.

    حرمان أهل الفسق من هداية الله تعالى

    قال تعالى: فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24]، نكرر هذا ونعيده لما فيه من المعرفة.

    فالفاسقين كالظالمين كالمفسدين، هذه الصيغة تدل على أن من أكثر الفسق وتوغل فيه يُحرم هداية الله، ظالم ظلم ثم ظلم، وأصبح الظلم صفة من صفاته، لا يرغب إلا فيه، مثل هذا لا يهتدي لا يهديه الله عز وجل، أجرم ثم أجرم ثم أجرم، واصل الإجرام والفساد يصل إلى مستوى يصبح ما يقبل أبداً إلا الإجرام.

    فلهذا وجب علينا تربية أنفسنا وإخواننا وأبنائنا على الإيمان والعمل الصالح على حب الخير والعمل فيه؛ خشية أن يتوغلوا في الفساد فيحرمون هداية الله.

    وقد ضربنا لذلك مثل بالتدخين، فالذي دخن عشرين سنة، أو ثلاثين سنة يومياً يصعب عليه أن يترك التدخين، والذي مارس اللواط -والعياذ بالله تعالى- سنة أو أكثر لا يستطيع أن يتركه، والذي مارس الخيانة مهما كانت، والذي مارس سماع الأغاني فقط وتلذذ به زمناً طويلاً لا يستطيع أن يتركه؛ لسنة الله عز وجل، أن من توغل في فعل شيء يصعب عليه تركه، ولا يقوى على تركه.

    والذي عاشر المبطلين ولازمهم وأصبح لا يتلذذ بالحياة إلا في مجامعهم، فلا يستطيع أن يرجع إلى مجالس الهدى والخير ولا يقوى، فقد ضرب على قلبه، وهذا يدل عليه قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24]، أي: الذين فسقوا وخرجوا عن منهج الحق وسلكوا منهج الباطل، فسقوا عن الإيمان، وآووا الكافرين ونصروهم وآمنوا بإيمانهم.

    حصول الولاية بتقديم محاب الله تعالى وكره مكارهه

    مرة ثانية اسمعوا الآيات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [التوبة:23] لبيك اللهم لبيك! افرحوا بمناداتكم، -والله- لولا الإيمان ما نادانا، ولا نحن أهل لأن ينادينا رب السموات والأرض، لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ [التوبة:23] ما معنى أولياء؟

    فعامة المسلمين الأولياء يعنون: عبد القادر وإدريس وفلان وفلان، الذين ماتوا فقط، وبنوا عليهم القبور، وما زلنا نقول ادخل القاهرة المعزية، وواجه أول من تواجهه في الشارع -على شرط ما يكون حضر هذه الحلق وعرف- وقل له: أنا جئت من دمشق أو من المدينة لأزور ولياً من أولياء هذه البلاد، -والله- ما يصل بك إلا إلى ضريح، ولا يفهم أن ولياً بين الناس في السوق أو في المسجد.

    وهذه عامة ذكرنا القاهرة للعلم بها، أما غيرها لا تسأل ما يفهمون من ولي إلا مات وبني على قبره ضريحاً وفوقه قبة، فذاك هو الولي؛ لأنهم ما عرفوا لغة القرآن.

    فالولي من يغضب لله ويرضى لله، من يحب بحب الله، ويكره بكره الله، ولي الله، آمن بالله واتقاه، اتقاه بأن لا يحب إلا ما يحبه ربه، ولا يكره إلا ما يكره ربه، لا زوجه ولا أب ولا ابن ولا أخ ولا عشيرة ولا قريب ولا بعيد.

    لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ [التوبة:23] أي: تحبونهم وتنصرونهم، فكم وجد أفراد في مكة يدعون الإسلام، وآخرون في المدينة يدعون الإيمان والإسلام، ولهم صِلاة بأقاربهم هناك، بل قد يوجهونهم.

    وقد حصل هذا لعبد صالح وتاب الله عليه وهو حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، ( لما عزم الرسول صلى الله عليه وسلم على غزو مكة، كتب كتاباً وبعث به مع جارية على بعيرها، وادعى أنه خاف أن يقتلوا أولاده أو يسلبوا ماله، فاتخذ يداً عندهم، وبعث الرسول صلى الله عليه وسلم علياً ومعه آخر وردوها من الطريق، والرسالة في ظفيرة شعرها، ونزل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي [الممتحنة:1]، وحلف حاطب بن أبي بلتعة ، مع أن عمر قال: اقتله، قال: والله! ما فعلت إلا لعلمي أن الله ناصرك يا رسول الله، وأنهم هم المهزومون، فأردت أن أتخذ هذه اليد عندهم حتى ما يؤذوا زوجتي وأولادي ).

    هذا وإن حصل من أجل واحد، لكن ليبقى ديناً وشريعة إلى يوم القيامة، لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ [التوبة:23]، ما دام آثر الكفر ورغب فيه وكفر فلا علاقة لك به، سواء كان آباك أو كان أخاك أو ابنك، لاسيما إذا كان وقف إلى جنب الكافرين أعداءك ينصرهم ولو بالدخيلة والغش والخداع.

    وهنا جاءت مؤمنة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: ( يا رسول الله! إن والدتي جاءت من مكة، وهي مشركة -أيام الهدنة- وهي فقيرة، فهل أعطيها، قال: أعطيها، صليها )، فأعطتها لباس وطعام، فمن هنا أبوك أو أخوك أو أمك يجب أن تبغضه لا حب، يجب أن تخذله لا نصرة، لكن إلا في حاجة ماسة، كالجوع أو العري لا بأس أن تعطيه ما يسد حاجته أو يستر عورته، من باب الإحسان العام، فقط هذه الحال، إذا عطش لا تقل: دعه يموت عطشاً، أو جاع لا تقل: دعه يموت جوعاً وأنت تملك طعام، فهذه الصلة للأقارب جائزة، بل جائزة لكل الكفار، فلو كان عندنا -مثلاً- أسرى من الكفار فلا يجوز لنا أن نجوعهم.

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [التوبة:23]، ومن ظلم تعرض لغضب الله وعذابه وهلك.

    ثم قال تعالى لرسوله: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا [التوبة:24]، (تربصوا) أي: انتظروا. وما هي إلا سنة أو سنتين وفتح الله مكة، وهزم المشركين، ووقفوا أمام الرسول صلى الله عليه وسلم أذلاء منكسرين.

    وقال صلى الله عليه وسلم: ( يا معشر قريش! ما تظنون أني فاعل بكم، قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء )، أذلهم الله، ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ).

    قال تعالى: فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة:24]، ألا وهو نصرة نبيه وعباده المؤمنين عليكم أيها الكافرون والمشركون، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24]، أي: اعرفوا هذا لا تتوغلوا في الظلم والفساد فإنكم تحرمون الهداية، قللوها لتهتدوا وبالفعل من قللوها دخلوا في الإسلام ونجوا، ومن توغلوا فيها كـأبي جهل هلكوا.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    ولهذه الآيات هدايات نستنبطها ونتأملها:

    قال: [أولاً: حرمة اتخاذ الكافرين أولياء يوادون]، ولو كانوا من أقرب الأقرباء كالأب والابن والأخ؛ لقوله تعالى: لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ [التوبة:23].

    [ثانياً: من الظلم الفظيع -الفظيع أي: الواسع- موالاة من عادى الله ورسوله والمؤمنين]، من الظلم العظيم الكبير الفظيع، موالاة شخصاً أو أشخاص أو أمة عادوا الله ورسوله والمؤمنين، فكيف يحل لمؤمن أن يواليهم بحبهم ونصرتهم؟ إذ يجب أن يبغضهم ويخذلهم؛ لقوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [التوبة:23].

    [ثالثاً: فريضة محبة الله ورسوله والجهاد في سبيله، ومحبة سائر محاب الله تعالى، وكره سائر مكاره الله تعالى من العقائد والأحوال والأعمال والذوات والصفات] التي يكرهها الله عز وجل ورسوله والمؤمنون.

    تأملوا هذه الهداية! فريضة وليس مستحباً أو واجباً، فريضة محبة الله ورسوله والجهاد في سبيله، ومحبة سائر محاب الله، وكره سائر ما يكرهه الله؛ لقوله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا [التوبة:24].

    [رابعاً: حرمان أهل الفسق المتوغلين فيه من هداية الله تعالى].

    أعيد القول: يا من يتعاطى ذنباً من الذنوب عجل بالتوبة النصوح؛ خشية أن تستمر على الذنب وتموت عليه فتهلك، لا علاج إلا التوبة السريعة فقط، ولهذا أجمعت الأمة على أن التوبة يجب أن تكون على الفور، فلا تنتظر حتى تتزوج، أو حتى تحج، أو حتى آتي كذا، أو حتى أحصل على كذا.. فهذا كله باطل، فإذا زلت القدم، استغفر الله وتب إليه، كلك عزم وتصميم أن لا تعود لهذا الذنب، ولو تقطع وتصلب وتحرق.

    فهذا تحذير من الله عز وجل، وحرمان لأهل الفسق المتوغلين فيه من هداية الله تعالى إلى ما يكملهم ويسعدهم، فالله يحرمهم ولا يوفقهم أبداً؛ وذلك لفساد قلوبهم وخبث أرواحهم فما أصبحوا أهلاً للشفاء، كالمريض إذا استفحل فيه الداء وانتشر يقول له الطبيب: علاجك غير ممكن، ولا يعالج، انتهى أمره.

    والله تعالى نسأل أن يتوب علينا وعلى سائر المؤمنين.