إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. محمد المنجد
  4. شرح منظومة ابن فرح اللامية

شرح منظومة ابن فرح اللاميةللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نَظَمَ ابن فرح المصطلحات الحديثية في قصيدة ظاهرها الغزل، فجاءت طرفة من الطرف، فكثرت عناية العلماء بشرحها والتعريف بمصطلحات أهل الأثر في ثناياها، فمنهم ابن جماعة والسفاريني وغيرهما. وفي هذا الدرس خلاصة لشرح السفاريني لها مع ترجمة له وللناظم.

    1.   

    منظومة ابن فرح وموضوعها

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

    فلا تستعجلوا وتفكروا وتدبروا في هذه القصيدة:

    غرامي صحيح والرجا فيك معضل     وحزني ودمعي مرسل ومسلسل

    وصبري عنكم يشهد العقل أنه     ضعيف ومتروك وذلي أجمل

    ولا حسنٌ إلا سماع حديثكـم     مشافهة يملى علي فأنقل

    وأمري موقوف عليك وليس لي     على أحدٍ إلا عليك المعول

    ولو كان مرفوعاً إليك لكنت لي     على رغم عذالي ترق وتعدل

    وعذل عذولي منكـر لا أسيغه     وزور وتدليس يرد ويهمل

    أقضي زماني فيك متصل الأسى     ومنقطعاً عما به أتوصل

    وها أنا في أكفان هجرك مدرجٌ     تكلفني ما لا أطيق فأحمل

    وأجريت دمعي فوق خدي مدبجاً     وما هي إلا مهجتي تتحلل

    فمتفقٌ جسمي وسهدي وعبرتي     ومفترقٌ صبري وقلبي المبلبل

    ومؤتلف وجدي وشجوي ولوعتي     ومختلف حظي وما منك آمل

    خذ الوجد عني مسنداً ومعنعناً     فغيري بموضوع الهوى يتحلل

    وذي نبذٌ من مبهم الحب فاعتبر     وغامضه إن رمت شرحاً أطول

    عزيز بكم صبٌ ذليل لعـزكم     ومشهور أوصاف المحب التذلل

    غريب يقاسي البعد عنك وما له     وحقك عن دار القلى متحول

    فرفقاً بمقطوع الوسائل مـا له     إليك سبيل لا ولا عنك معدل

    فلا زلت في عزٍ منيعٍ ورفعـة     ولا زلت تعلو بالتجني فأنزل

    أوري بسعدى والرباب وزينب     وأنت الذي تُعنى وأنت المؤمل

    فخذ أولاً من آخر ثم أولاً     من النصف منه فهو فيه مكمل

    أبر إذا أقسمت أني بحبه     أهيم وقلبي بالصبابة مشعل

    موضوع المنظومة

    ما هو موضوع هذه القصيدة؟

    أنوع الحديث في مصطلح الحديث، لعل الناظم لما رأى إقبال الناس على الهوى والمحبة، قال: لا طريق لتعريفهم بالمصطلح إلا بأن نسلك هذا السبيل، فنظم الناظم رحمه الله هذه القصيدة في هيئة الغزل، لكنها في الحقيقة تحتوي على أقسام الحديث وأنواعه في علم مصطلح الحديث.

    وهذه القصيدة للعلامة ابن فرح الأشبيلي رحمه الله تعالى، شرحها العلامة محمد السفاريني الحنبلي في كتابه: الملح الغرامية بشرح منظومة ابن فرح اللامية ، وسنترك ترجمة الناظم والشارح إلى النهاية إن شاء الله، ونشرع في الكلام على هذه القصيدة وما تحويه من أنواع مصطلح الحديث.

    وهي تصلح لمن يريد أن يدرس مصطلح الحديث في البداية كما تصلح البيقونية وغيرها، وقد شابه الناظمَ الشارحُ في أول شرحه، فقال: الحمد لله الذي رفع ذكر أهل المحبة وفضل، وأجرى دمعهم مدبجاً على وجنة خد المعلل، وأوقفهم على الحسن فكلهم في قيد الغرام مسلسل لا مرسل، وذللهم للجمال وإن كانوا من أعز العالم وأبسل، وأعضلهم عن مشافهة من علقوا به فليست دفاترهم تملى على غيره أو تنقل، سبحانه وتعالى من إله وفق من أحبه لصحيح القصد وخوّل، وفرق شمل من مقته وضعف قلبه وزلزل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له -فهو القديم- شهادةً تقطع عنا علائق الشرك وبها إلى خالص التوحيد نتوصل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي ما ترك منكراً إلا بتكه بسيفه العدل وأبطل، نبي ألف الله به بين قلوب كانت قبله مختلفة لا توجل.

    إلى آخر المقدمة؛ ذكر فيها فضل علم الحديث، وأن هذه القصيدة قد احتوت أقسام المصطلح ضمنها فيه على سبيل التورية فزادت بذلك ملاحتها، وظهرت فصاحتها، ثم إنه ذكر عزمه على شرح هذه المنظومة.

    1.   

    تعريف الصحيح والمعضل والمرسل والمسلسل

    نريد أن نكتشف ماذا يوجد في كل بيت منها من أنواع الحديث، يقول في مطلعها:

    غرامي صحيح والرجا فيك معضل     وحزني ودمعي مرسل ومسلسل

    كم نوعاً من أنواع الحديث اشتمل عليها هذا البيت؟

    في هذا البيت ذكر أربعة أقسام من الحديث:

    الأول: الحديث الصحيح: وهو الحديث الذي يتصل سنده بنقل العدل التام الضبط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة قادحة.

    وقد قال الحافظ العراقي في ألفيته :

    فالأول المتصل الإسناد     بنقل عدل ضابط الفؤاد

    عن مثله من غير ما شذوذ     أو علة قادحة فتوذي

    ومعروف تعريف الحديث الصحيح: نقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة.

    وعندما نقول: الحديث الذي يتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه، يخرج الحديث المرسل والمعضل والمنقطع.

    وعندما نقول: نقل العدل. يخرج: من كان غير معروف العدالة.

    وعندما نقول: الضابط. يخرج: ما كان من الرواة مغفلاً كثير الخطأ وإن كان معروفاً بالصدق والعدالة؛ لأن الضبط يتنافى مع الغفلة.

    ويخرج كذلك الشاذ والمعلل؛ لأننا قلنا في آخر العبارة: من غير شذوذ ولا علة.

    والصحيح نوعان: صحيح لذاته، وصحيح لغيره.

    صحيح لذاته تقدم تعريفه، والصحيح لغيره: ما تكثر طرقه مما دون الصحيح لذاته فيرتقي من مرتبة الحسن إلى مرتبة الصحة، ولكن يقال: صحيح لغيره؛ لأنه صار مع غيره صحيحاً، ولو انفرد وحده ما سمي صحيحاً.

    حكم الحديث المعضل والمرسل

    الثاني: الحديث المعضل: وهو الذي سقط منه اثنان فصاعداً على التوالي، كأن يقول مالك رحمه الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكم بين مالك والرسول صلى الله عليه وسلم؟

    أقل ما يكون راويان اثنان، فإذا قال مالك : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا حديث معضل.

    الثالث: الحديث المرسل.

    أن يقول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قال التابعي ذلك سواء كان كبيراً أو صغيراً فإنه حديث مرسل؛ والحديث المرسل ليس من أقسام الحديث الصحيح.

    فإذا قال قائل: إذا علمنا من حال التابعي أنه لا يرسل إلا عن ثقة؟

    فجمهور العلماء من المحدثين على التوقف لبقاء الاحتمال؛ لأنه قد يكون ليس بثقة عند غيره، لكن المراسيل إذا تعددت طرقها ومخارجها وكانت صحيحة فإن بعضها يقوى ببعض، فإذا وجد مرسل عن مجاهد ومرسل عن عكرمة وهي مراسيل صحيحة من جهة السند، والمخارج مختلفة فيمكن أن يتقوى هذا بهذا، ويصبح الحديث صحيحاً أو حسناً.

    الرابع: الحديث المسلسل.

    ما يكون فيه شيء واحد يشترك فيه الرواة، وقد يكون التسلسل بالأولية، كأن يقول: حدثني فلان وهو أول حديث سمعته منه عن شيخه فلان وهو أول حديث سمعه منه، عن شيخه فلان وهو أول حديث سمعه منه، وهكذا.

    وقد يكون التسلسل بالمصافحة، كأن يقول: حدثني فلان وكفي بين كفيه، عن فلان وكفه بين كفيه، عن فلان وكفه بين كفيه، وهكذا.

    وقد يكون التسلسل بالمحمدين، كأن يقول: حدثني شيخي محمد بن فلان، عن شيخه محمد بن فلان، عن محمد بن فلان، وهكذا.

    ولكن قلما تسلم المسلسلات من الضعف كما قال أهل العلم.

    1.   

    تعريف الضعيف والمتروك

    وصبري عنكم يشهد العقل أنه     ضعيف ومتروك وذلي أجمل

    وكم نوعاً من الأنواع اشتمل عليه هذا البيت؟

    الضعيف والمتروك والشواهد.

    أما الحديث الضعيف فإنه أنواع كثيرة، وهو ما لم يبلغ رتبة الحسن، والحديث الضعيف لا يعمل به إلا بشروط عند بعض العلماء:

    الشرط الأول: إذا لم يشتد ضعفه.

    الشرط الثاني: إذا دخل تحت أصل معروف معمولٍ به في الشريعة.

    الشرط الثالث: إذا كان في فضائل الأعمال.

    وذهب بعض أهل العلم إلى عدم العمل بالحديث الضعيف إطلاقاً، وقال: في الصحيح ما يغني عن الضعيف.

    ولكن هناك مسألة مهمة جداً في الحديث الضعيف، وهي أنه مفيد في حالات، فإذا كثر طرقه يصير حديثاً حسناً لغيره، لكن هذا يشترط فيه ألا يكون الضعف بسبب فسق الراوي؛ فإذا كان السبب في الضعف فسق الراوي، فإن ذلك لا يرتقي، وإذا كان الضعف في حفظ الراوي وليس في عدالة الراوي، فيمكن بمجيئه من وجهٍ آخر أن يتقوى ويصير حسناً.

    وهناك فرق بين الحديث الضعيف والمضعف أشار إليه بعضهم، فقال: الضعيف هو المتفق على ضعفه عند العلماء. والمضعف هو الذي ضعفه بعضهم ولم يضعفه آخرون.

    أما الحديث المتروك فهو ما انفرد به راوٍ مجمعٌ على ضعفه، وهنا قد يقال: أليس المتروك من أقسام الضعيف؟

    الجواب: نعم. وذكره هنا من باب ذكر الخاص بعد العام.

    أما الشاهد: فهو أن يأتي حديث بمعنى حديث آخر دون لفظه، لكن يشهد له من جهة المعنى الذي ذكر فيه ويقويه.

    والشواهد قد تكون في الأحاديث الضعيفة وقد تكون أيضاً في الأحاديث الصحيحة، فمثلاً: الشافعي رحمه الله روى عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين).

    زعم بعضهم أن الشافعي تفرد به عن مالك ، لكن الحديث هذا لو بحثنا عن معناه في أحاديث أخرى لوجدنا له شواهد:

    منها: حديث البخاري من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة بلفظ: (فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) فهذا معناه مشابه للأول فيكون شاهداً له، فإذا جاء حديث بمعنى حديث آخر فإنه يكون شاهداً له.

    1.   

    تعريف الحديث الحسن وذكر كيفيات السماع

    ولا حسنٌ إلا سماع حديثكـم     مشافهةً يملى عليَّ فأنقل

    فما هي المصطلحات الحديثية في هذا البيت؟

    الحسن والمشافهة والسماع والإملاء.

    الحديث الحسن: هو ما رواه الثقة الضابط لكن ليس تام الضبط؛ لأنه لو كان تام الضبط لصار الحديث صحيحاً، فما رواه ثقة ضابط ليس بتام الضبط متصلاً إلى منتهاه فهو حديث حسن.

    والحديث الحسن قد يكون حسناً لذاته، وقد يكون حسناً لغيره؛ وهو الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور، لكنه ليس مغفلاً كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهماً بالكذب، فإذا جاء من وجه آخر تقوى به وصار حسناً لغيره.

    فالحسن لغيره هو حديث ضعيف جاء مع حديث ضعيف آخر تقوى به، فصار حديثاً حسناً لغيره، فهو أصلاً ضعيف قد ارتقى.

    كيفيات السماع

    أما مسألة السماع التي أشار إليها الناظم رحمه الله، فإن سماع التلميذ من الشيخ على مراتب:

    فأعلاها سمعت وحدثني، ثم أخبرني وقرأت عليه؛ لأن السماع من الشيخ أعلى من القراءة على الشيخ، ثم قُرئ عليه وأنا أسمع، ثم أنبأني، ثم ناولني، ثم شافهني بالإجازة، ثم كتب إليَّ، ثم عن فلان أو أن فلاناً ونحو ذلك.

    والحديث: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولاً بأن يتلفظ به كقوله: (إنما الأعمال بالنيات) وفعلاً كلبسه المغفر والدرع وحفر الخندق، وتقريراً كصلاة خبيب عندما أراد المشركون قتله، فأقر النبي صلى الله عليه وسلم خبيباً على ذلك.

    وإذا قال الراوي: كنا نفعل كذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أو قلنا كذا بحضرته صلى الله عليه وسلم فأقرهم؛ فهذا أيضاً يكون من الحديث لكن بالتقرير، أو كان صفةً كأوصافه صلى الله عليه وسلم كنقل الراوي: أنه كان أكحل العينين، أزج الحاجبين، أبيض مشرباً بحمرة، وما شابه ذلك.

    وأما المشافهة: فهي تكون بالإجازة، فإن الشيخ يشافه الطالب بإجازته في رواية مروياته وأحاديثه.

    وأما الإملاء: فهو أن يملي الشيخ ويكتب التلميذ؛ سواء كان الشيخ يملي من حفظه، أو من أصله؛ وأصله هو كتاب الشيخ الذي عنده، وقد صحح البخاري رحمه الله في بداية طلبه وهو تلميذ لأحد شيوخه وكان يُقرأ عليه قراءة من حفظه، فتعجب الشيخ وتوقف، ثم دخل بيته واستخرج أصله فنظر فيه فإذا هو كما يقول أبو عبد الله فأذعنوا له.

    والإملاء أرفع من قراءة التلميذ، إذا كان الشيخ يملي من كلامه والتلميذ يكتب فهذا أعلى من كون التلميذ يقرأ من محفوظات الشيخ، أو من كتاب الشيخ والشيخ يسمع؛ لأن الشيخ يقرأ والتلميذ يسمع ويكتب فهذه أعلى ما يكون من الضبط والتحرز.

    1.   

    تعريف الموقوف

    وأمري موقوف عليك وليس لي     على أحدٍ إلا عليك المعول

    س: ماذا ذكر في هذا البيت من أنواع المصطلح؟

    ج: الموقوف: وهو ما قاله الصحابي أو فعله؛ سواء كان متصل السند إليه أم لا، أما إذا كان من كلام التابعي فلا يُسمى موقوفاً، لكن بعض العلماء يقول: موقوف على فلان وهو التابعي، موقوف على الحسن البصري ، موقوف على مالك بن دينار، وبعض الفقهاء الخراسانيين يسمون الموقوف بالأثر.

    إذاً. الموقوف: هو ما أضيف إلى الصحابي من قول الصحابي أو من فعل الصحابي، سواء كان متصل السند، أو غير متصل السند.

    1.   

    تعريف المرفوع

    ولو كان مرفوعاً إليك لكنت لي     على رغم عذالي ترق وتعدل

    س: ماذا ذكر هنا؟

    ج: المرفوع، وهو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة؛ سواء كان هذا المضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم صحابياً أو غيره، وسواء كان هذا الإسناد متصلاً أم لا.

    فإذا قيل: حديث مرفوع، لا يلزم أن يكون حديثاً متصلاً، قد يكون منقطعاً ولكنه مرفوع، فالمرفوع هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم صحيحاً أو غير صحيح، متصلاً أو غير متصل.

    1.   

    تعريف الحديث المنكر وذكر مراتب التدليس

    وعذل عذولي منكرٌ لا أسيـغه     وزور وتدليس يُرد ويُهمل

    س: ماذا ذكر في هذا البيت؟

    ج: ذكر خمسة أقسام وهي: المنكر، التدليس، مهمل، المردود، الزور؛ وهو الكذب.

    فالمنكر: ما فحش غلط راويه.

    وقيل: ما انفرد به من لم يبلغ في الثقة والإتقان ما يُحتمل تفرده، فالمنكر: ما تفرد به غير الثقة.

    لو عندنا واحد ليس بثقة تفرد بحديث، لم يأتِ به غيره، فإننا نسمي هذا الحديث حديثاً منكراً، فمن فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه فحديثه منكر كما قال ابن حجر رحمه الله.

    أما إذا تفرد الثقة بحديث فيقبل إلا إن خالف الثقات فيرد، والحديث الذي خالف فيه الثقة من هو أوثق منه يُسمى شاذاً، فالتحقيق والتدقيق أن الشاذ غير المنكر:

    فالمنكر: ما تفرد به غير الثقة.

    الشاذ: ما خالف فيه الثقة من هو أوثق منه.

    ذكر مراتب التدليس

    المدلس: وأشار إليه بقوله: تدليس، والحديث المدلس سُمي بذلك لكون الراوي لم يسم من حدثه، فأوهم أنه سمع ممن لم يحدثه به؛ وهو أنواع:

    فلو أن الراوي وصف شيخه بصفة، أو سماه باسم لا يُعرف به هذا الشيخ، فهذا تدليس الشيوخ، لماذا يفعل بعض الرواة هذا؟ لماذا يسمون شيوخهم بأسماء غير معروفة وغير مشهورة؟

    إما لقصد سيئ من المباهاة، وإيهام تكثير الشيوخ، فمرة يقول: أبو عبد الله المصري، ومرة يقول: محمد كذا، وهو نفسه شخص واحد، أو أن الشيخ صغير السن وهذا الراوي يأنف أن يحدث عن شيخ صغير السن، أو من هو في مثل سنه، أو من هو أصغر منه، فيأتي باسم غير مشهور أو غير معروف لهذا الشخص.

    أو أن الشيخ ضعيف فهذا لو ذكره باسمه، مثلاً: لو قال: حدثنا عطية العوفي ، لقالوا: قف، هذا حديثك ضعيف، عطية ضعيف، لكن يسميه باسم آخر: أبو فلان كذا، فيتوهم السامع أن هذا شخص آخر ولا يخطر بباله أن هذا هو الضعيف، فقد يسميه باسم غير اسمه، أو يكنيه بغير كنيته، أو ينسبه إلى غير نسبته، أو إلى غير قبيلته، أو يذكر له صفة غير صفته، ونحو ذلك تعمية وتدليساً.

    وهناك تدليس الإسناد، وهو أن يروي بعض الرواة عمن لقيه وسمع منه حديثاً ليس من مسموعاته منه، فهو قد سمع منه أحاديث معينة، لكنه يروي لنا عن الشيخ هذا حديثاً لم يسمعه منه، فالناظر في السند أول ما يتوهم يقول: نعم فلان سمع من فلان، وهذا من شيوخه فإذن هذا سمعه منه، مع أنه في الحقيقة قد سمع منه أحاديث ولقيه، لكن هذا الحديث بالذات ما سمعه منه، إنما سمعه بواسطة عنه فيحذف الواسطة ويقول: عن فلان، موهماً أنه سمع منه، والتدليس لا يجوز. فيحرم عليه أن يسمع من ضعيفٍ عن الشيخ فلان فيحذف الضعيف ويقول: عن الشيخ فلان؛ وهذا لا شك أنه تدليس شنيع جداً، ولذلك قال شعبة : لأن أزني أحب إليَّ من أن أدلس؛ لأنه يوعر الطريق على العلماء لاكتشافه، ولأنه يوهم أن الحديث سنده صحيح وليس كذلك، ويُروج لهذا الحديث ويأخذ به من يأخذ منخدعاً ونحو ذلك، فالتدليس أخو الكذب.

    وتدليس التسوية -وهو شر أنواع التدليس على الإطلاق-: أن يروي حديثاً عن شيخه الثقة، وهذا الشيخ الثقة يرويه عن ضعيف عن شيخ آخر ثقة فيأتي المدلس فيسقط الضعيف بين الثقتين ويقول: حدثني فلان -الذي هو الثقة- عن فلان الثقة الآخر وبينهما ضعيف أسقطه هذا المدلس؛ فيصبح السند أمام الناظر سنداً جيداً ليس فيه بأس، فإذا كان هذان الثقتان قد تلاقيا فكيف تكتشفه؟

    يقول: حدثني فلان وهو ثقة عن فلان ثقة وبينهما راوٍ ضعيف أسقطه هذا المدلس؛ وهذا الثقة قد سمع من الثقة الآخر وعاصره، فمن ذا الذي يكتشفه؟

    فلذلك عدوا هذا شر أنواع التدليس لصعوبة اكتشافه، لكن هيأ الله للأمة من يكتشف هذا وغيره، ويكون الإسناد مستوياً في هذه الحالة أمامك، كلهم ثقات قد لقي بعضهم بعضاً وسمع بعضهم من بعض، والتدليس مذموم ومردود وهو أخو الكذب، لكن قد حفظوا لنا أمثلة عن ناس لم يدلسوا إلا عن ثقات، يُسقط راوياً ثم يكتشف العلماء أن هذا كلما أسقط راوياً فإن المسقط ثقة، ولا يكاد يعرف بهذا إلا سفيان بن عيينة رحمه الله، فإنه لا يدلس إلا عن ثقة، ولذلك فإن تدليسه محمول.

    الفرق بين التدليس والإرسال الخفي

    فإن قال قائل: ما هو الفرق بين التدليس والإرسال الخفي؟ لأن هذه النقطة تُشكل وفهمها قد يصعب، ولكن أبان ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى وغيره.

    فالمرسل الخفي أن يروي شخصٌ عن معاصرٍ لم يلقه، شخص عاصر الراوي وجد في عصره لكن ما لقيه.

    فالتدليس يختص بمن روى عمن عُرف لقاؤه إياه، فإذا عاصره ولكن لم يلقه فيسمى مرسلاً خفياً.

    وتضمن البيت كذلك الحديث المردود، والمردود كثير: الضعيف، والمرسل، والموقوف، والمنكر، والمعضل، والمعلق؛ كلها أحاديث عند قضية الأخذ والرد تكون مردودة، فإنها ترد ولا تقبل ولا يُعمل بها.

    أما قوله: المهمل. فهذا من صفات الراوي، كأن يكون راوٍ يروي عن اثنين متفقين اسماً، لكن اختص بأحدهما دون الآخر، الراوي هذا اختص بالسماع من هذا الشيخ المعين الذي اسمه مشابه لشيخ آخر سمع منه الراوي لكن هو مختص بأحدهما، فهذا الذي اختص به المشهور، والآخر يقال عنه: مهمل.

    أما قوله: الزور: وهو الحديث المكذوب الموضوع وسيأتي.

    1.   

    تعريف الاتصال والانقطاع

    أقضي زمان فيك متصل الأسى     ومنقطعاً عما به أتوصل

    س: فماذا تضمن هذا من أنواع الحديث؟

    ج: تضمن المتصل، والمنقطع.

    فأما الحديث المتصل فهو الذي اتصل إسناده فكان كل واحد من رواته سمع ممن فوقه، فإذا كان متصل السند إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيسمى مرفوعاً متصلاً، وإذا اتصل إسناده إلى الصحابي فيسمى موقوفاً متصلاً، وإذا اتصل إسناده إلى التابعي فيسمى مقطوعاً متصلاً.

    والمنقطع غير المقطوع.

    أما المنقطع: فهو ما سقط من رواته غير الصحابي؛ لأنه لو سقط الصحابي لكان مرسلاً كما قلنا، أو سقط اثنان غير متواليين؛ لأنه لو كان الاثنان متواليين فيسمى معضلاً.

    1.   

    أقسام تحمل الحديث وتعريف الإدراج

    وها أنا في أكفان هجرك مدرجٌ     تكلفني ما لا أطيق فأحمل

    س: ماذا ذكر في هذا البيت؟

    ج: المدرج، ومسألة في المصطلح، وهي التحمل.

    أما بالنسبة للمدرج: فهو ما أدرج من كلام الرواة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، كأن يذكر الصحابي كلاماً أثناء الحديث أو بعد الحديث مباشرة، فيتوهم السامع أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، بينما هو تعليق صحابي على الحديث.

    وقد يكون الإدراج مدحاً لصاحب الفعل، قد يكون تفسيراً كما جاء في حديث البخاري : (وكان يتحنث في غار حراء الليالي ذوت العدد -وهو التعبد-) فكان الإدراج في شرح لفظة، فيتوهم من لا علم عنده أن الكل من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والواقع خلاف ذلك. فكيف يعرف الإدراج؟

    مثل حديث: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) فهذه الجملة الأخيرة: (فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) هي من كلام أبي هريرة رضي الله عنه.

    كيف يُعرف أن هذا إدراج؟

    أولاً : أن يرويه راوٍ آخر عن الصحابي دون إدراج.

    ثانياً: أن ينص على أنه من كلامه.

    ثالثاً: أن ينص بعض الأئمة المطلعين على أنه إدراج.

    رابعاً: استحالة أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم هذه العبارة، كما لو قال الزهري مثلاً: وفي أيامنا كذا، أو يذكر في عهد خليفة، تعليقاً على الحديث، ويُعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يقول ذلك، وقد يكون الإدراج في أول الحديث، وقد يكون في وسط الحديث، وقد يكون في آخر الحديث وهو الأكثر.

    وهذا مدرج في المتن، وهناك مدرج في السند أيضاً، كأن يكون هناك شخص سمع الحديث من طريقين فيذكر أحد الطريقين فقط ويذكر المتن بجميعه على هذا السند المعين تاركاً السند الآخر، فإذا كان عند راوٍ متنان مختلفان بإسنادين مختلفين فرواهما مقتصراً على أحد الإسنادين كان هذا نوعاً من الإدراج في السند.

    مثلاً في أثناء السند يعرض له عارض فيقول كلاماً، فيرويه الراوي من ضمن السند، وكان بعض المحدثين يحدث فقال: حدثنا فلان عن فلان كذا فدخل واحد من طلابه من العُبّاد يلوح على وجهه نور العبادة، والطلاب يكتبون عن فلان عن فلان عن فلان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل هذا الطالب فنظر إليه الشيخ فقال: من صلى بالليل حسن وجهه بالنهار، فكتبوا ذلك، وبعض الكتبة قد يكون فيهم غفلة ولا ينتبهون، ولا ينظرون للشيخ عندما يتكلم، فعدم النظر إلى الشيخ وعدم الانتباه قد يؤدي إلى عملية الإدراج.

    التحمل والأداء وشروطهما

    أما النوع الثاني الذي ذكره المصنف رحمه الله في البيت فهو التحمل؛ تحمل العلم أو تحمل الحديث، وفيه فروع:

    فمثلاً: قد يسمع الصحابي حديثاً من النبي صلى الله عليه وسلم وهو لم يسلم بعد، ثم يُسلم فينقل إلينا ما سمعه حال كفره بعد إسلامه، فهل نقبله من هذا الصحابي أو نقول: أنت سمعته في حال كفرك ولا نقبله؟

    الصحيح أننا نقبله؛ لأنه قد أسلم ونقل الحديث إلينا وهو صحابي، فكيف نرد كلامه وهو لا يكذب؟ فلو تحمل الحديث كافر ثم أسلم وحدثنا به في حال إسلامه قُبل، لأن الإسلام شرط للأداء لا للتحمل؟

    التحمل هو سماع الكلام، والأداء أن يبلغنا الكلام، فالإسلام شرط للأداء لا للتحمل.

    من فروع المسألة كذلك: لو تحمل الحديث صبيٌ ثم أداه بعد البلوغ قُبل على الأصح، وقد قبلت أحاديث جماعة من صغار الصحابة رضي الله عنهم تحملوا الحديث في صغرهم كـالسبطين وعبد الله بن الزبير والنعمان بن بشير وعبد الله بن عباس وغيرهم، ولم يزل أهل الحديث يحضرون الصبيان في المجالس ثم يحدثون بما سمعوا به بعد البلوغ.

    فإذا قال قائل: هي يصح سماع الصبي؟

    فالحق أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، وليس هناك سن معين لأن الأفهام تختلف، والنبوغ للصبيان يختلف، فإذا كان أهلاً وحدث قبل منه.

    أقسام التحمل

    والتحمل أقسام من حيث الصيغ:

    الصيغة الأولى: السماع من لفظ الشيخ.

    الصيغة الثانية: من كتابه.

    الصيغة الثالثة: من حفظه.

    الصيغة الرابعة: قراءة التلميذ على الشيخ.

    الصيغة الخامسة: قراءة رفيقه على الشيخ وهو حاضر يسمع.

    الصيغة السادسة: الإجازة بأنواعها مثل: أجزتك برواية أحاديثي.

    الصيغة السابعة : المناولة: أن يعطي الشيخ التلميذَ شيئاً من مروياته أو من مؤلفاته، لكن لا يجيزه في روايته عنه، بل يناوله إياه مناولة.

    الصيغة الثامنة: الوصية بالكتابة للقارئ.

    الصيغة التاسعة: الوجادة. يقول: وجدت بخط الشيخ فإذا كان ثقة خبيراً بخط الشيخ يقبل منه.

    1.   

    تعريف المدبج وذكر رواية الأقران والأكابر عن الأصاغر

    وأجريت دمعي فوق خدي مدبجاً     وما هي إلا مهجتي تتحلل

    ما هو نوع الحديث المتعلق هنا بالمصطلح؟

    المدبج: هو أن يروي قرينان كل واحد منهما عن الآخر، قرينان أي: اثنان في السن مشتركان في الطبقة، يطلبان العلم معاً، وكل واحد منهما يروي عن الآخر، هذا يسمى مدبجاً، لكن رواية الأقران أعم؛ لأن رواية الأقران أن يروي واحد عن قرينه لكن القرين لا يروي عن القرين الآخر، أي: من جهة واحدة هذه رواية الأقران.

    فرواية الأعمش عن التيمي والتيمي عن الأعمش مدبج، وقد يجتمع جماعة من الأقران في سلسلة كما روى أحمد عن أبي خيثمة زهير بن حرب عن ابن معين عن علي المدينيعن عبد الله بن معاذ .... قال: (كان نساء النبي صلى الله عليه وسلم يأخذن من شعورهن حتى يكون كالوفرة) أي: الشعر المجتمع على الرأس وما جاوز شحمة الأذن هو الجمة ثم اللمة.

    فهذا الحديث رواه لنا هؤلاء الخمسة وكلهم أقران. أحمد بن حنبل عن أبي خيثمة بن حرب عن ابن معين عن علي بن المديني عن عبد الله بن معاذ .

    ومن المستظرفات في هذا الباب: أن محمد بن سيرين روى عن أخيه يحيى بن سيرين عن أخيه أنس بن سيرين ، ثلاثة إخوة يروون عن بعض، فقد وقع في هذا السند ثلاثة من التابعين كلهم إخوة.

    أما رواية الأكابر عن الأصاغر فهي أن يروي الشيخ عن تلميذه حديثاً ليس عند الشيخ؛ وهذا يحدث كثيراً عندما يكون التلميذ جوالاً في الآفاق، يجمع الأحاديث ثم يأتي إلى الشيخ ويسمع من الشيخ، ثم يقول للشيخ حديثاً ليس عند الشيخ، الشيخ يحدث عن التلميذ بعض الأحاديث.

    1.   

    المتفق والمفترق

    فمتفقٌ جفني وسهدي وعبرتي     ومفترقٌ صبري وقلبي المبلبل

    س: ماذا ذكر في هذا البيت؟

    ج: هذا نوع من المصطلح يسمى بالمتفق والمفترق، ألف فيه الخطيب البغدادي مصنفاً.

    ما المقصود بالمتفق والمفترق؟

    المقصود بالمتفق والمفترق: ما اتفق لفظه وخطه وافترقت أشخاصه، نفس الحروف، نفس الكلمات لكن الأشخاص مختلفون؛ وهذا أقسام وأنواع، والمتفق والمفترق مبحث متعلق بالرواة، أن تتفق أسماؤهم وأسماء آبائهم، وعندنا مجموعة من الرواة أسماؤهم واحدة وأسماء آبائهم واحدة، كـالخليل بن أحمد ؛ فهناك ستة أشخاص مشهورين بالرواية في الأحاديث، منهم: الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي البصري النحوي صاحب العروض المشهور، ومنهم: الخليل بن أحمد المزني ، ومنهم: الخليل بن أحمد السجزي ، ومنهم: الخليل بن أحمد المهلبي ، فأنت ترى أن أسماء هؤلاء الرواة وأسماء آبائهم متفقة، مفترقون بالأشخاص.

    وقد تتفق أسماؤهم وأسماء آبائهم وأجدادهم؛ وهذا طبعاً أقل مثل: أحمد بن جعفر بن حمدان هناك أحمد بن جعفر بن حمدان البغدادي وأحمد بن جعفر بن حمدان البصري .

    قد يتفقان في الكنية والنسبة معاً، مثل: عبد الملك بن حبيب ، وموسى بن سهل بن عبد الحميد اتفقوا في الكنية فكل منهما كنيته أبو عمران، واتفقا أيضاً بالنسبة فكلاهما بصري، فإذا قلت: أبو عمران البصري فيحتمل أنه عبد الملك بن حبيب التابعي المشهور، ويحتمل أنه موسى بن سهل بن عبد الحميد ، فهنا لا بد من النظر لتعيين من هو منهما في السند، وقد يتفق الاسم واسم الأب والنسبة، وقد يحدث أن تتفق الكنى وأسماء الآباء كأبي بكر بن عياش، فأبو بكر بن عياش اثنان: أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي وأبو بكر بن عياش الحمصي ، وهكذا من أنواع الاتفاقات، لكنهم أشخاص متفترقة.

    1.   

    المؤتلف والمختلف

    ومؤتلف وجدي وشجوي ولوعتي     ومختلف حظي وما منك آمل

    س: ماذا ذكر هنا؟

    ج: المؤتلف والمختلف نوع من أنواع الحديث، مثل: أن تتفق الأسماء خطاً وتختلف نطقاً.

    قد يكون المرجع في الاختلاف النقط مثل: الباء والنون، وقد يكون الشكل مثل: الضم والكسر والفتح، فمثلاً: قد يوجد -وخصوصاً قبل النقط- تشابه كبير، فمثلاً: سلاَّم وسلام، حزام وحرام، العنسي والعبسي، عثّام وغنّام؛ فهذه كلها في أبواب المؤتلف والمختلف، فهي من جهة الخط واحدة، خصوصاً قبل وضع النقط ، ولكنها مختلفة من ناحية النطق.

    1.   

    تعريف المسند والمعنعن والموضوع

    خذ الوجد عني مسنداً ومعنعناً     فغيري بموضوع الهوى يتحلل

    س: ماذا ذكر هنا؟

    ج: ذكر المسند، والمعنعن، والموضوع.

    فالمسند: هو الحديث المرفوع الذي رفعه الصحابي بسند ظاهره الاتصال، فالمرسل لا يمكن أن يكون مسنداً، والموقوف لا يمكن أن يكون مسنداً، ولا المعضل ولا المعلق.

    فالمسند مرفوع الصحابي بسند ظاهره الاتصال، وقد يكون في الباطن غير متصل، فإذا قيل مثلاً: ألف فلان المسند، فاعلم أن الأحاديث الموجودة فيه من هذا الباب، ويشمل ذلك ما فيه علة خفية أو انقطاع غير ظاهر وما في سنده رجل ضعيف.

    أما المعنعن: فهو ما رواه الراوي بالعنعنة كأن قال: عن فلان، و(أنّ) كـ(عن) في الحكم.

    وإذا كان الراوي مدلساً فهل تُقبل عنعنته؟ كلا.

    ثم النوع الثالث: وهو الموضوع: فهو الحديث المكذوب المختلق على الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد مر بلفظ الزور، ولا يجوز ذكره إلا على سبيل التحذير منه.

    علامات الوضع في الحديث

    ويُعرف الوضع بأشياء كثيرة ذكرها ابن القيم رحمه الله وغيره من أهل العلم:

    منها: ركاكة اللفظ.

    ومنها: ذكر الأجور العظيمة المستغربة.

    ومنها: ما يعترف به واضعه.

    وقال سفيان رحمه الله: ما ستر الله أحداً بكذبٍ في الحديث.

    وقال عبد الرحمن بن مهدي : لو أن رجلاً هم أن يكذب في الحديث لأسقطه الله.

    وقال عبد الله بن المبارك : لو هم رجل في السحر -أي: قبيل الفجر- أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون: فلان كذاب.

    وقيل له: هذه الأحاديث الموضوعة ماذا نفعل بالأحاديث الموضوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]. وبما أن السنة شرح للقرآن فحفظ القرآن يقتضي حفظ السنة، ولذلك هيأ الله من أفذاذ الأمة من قام بالواجب، نقح وصحح وبين وكشف الكذب وهكذا.

    قال ابن الجوزي رحمه الله: كل حديث ناقض الأصول، وخالف المنقول، وباين المعقول؛ فهو مردود.

    وكانوا يقولون: لكلام النبوة نور يدركه كل إمامٍ محدث.

    أصناف الوضاعين

    ثم إن الواضعين أصناف:

    فمنهم الزنادقة الذين وضعوا الأحاديث لإضلال الناس كما روى بعضهم: (إن الله لما أراد أن يخلق نفسه أجرى الخيل فعرقت فخلق نفسه) فهذا الوضاع زنديق يريد بهذا الحديث الذي اختلقه العيب والذم لذات الله عز وجل، فضرب عنقه محمد بن سليمان بن علي وبيان بن سمعان الآخر قتله خالد القسري .

    وجاء عن حماد بن زيد أنه قال: وضعت الزنادقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر ألف حديثٍ، ومنهم من وضعه انتصاراً لمذهبه كـالرافضة وغيرهم، ومنهم من وضعه إرضاء للأمراء كما فعل غياث بن إبراهيم روى للمهدي حديث: (لا سبق إلا في نصل، أو خفٍ، أو حافر). هذا الحديث، ثم زاد فيه: (أو جناح) لما رأى المهدي يحب اللعب بالحمام دخل عليه وأعطاه الحديث وقال له: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا سبْق إلا في نصل -التي هي السهام- أو خفٍ -وهو سباق الجمال- أو حافر -الخيل) وهذه التي يجوز فيها المسابقات وبالجوائز، ولما كان المهدي يلعب بالحمام ويحب اللعب بالحمام قال: (أو جناح) حتى يبيح له المسابقة في الحمام.

    1.   

    ذكر معنى الإبهام في الحديث وبيان معنى الاعتبار

    وذي نبذٌ من مبهم الحب فاعتبر     وغامضه إن رمت شرحاً أطول

    س: ماذا ذكر في هذا؟

    ج: ذكر المبهم، والغامض، والاعتبار.

    والمبهم هو الراوي الذي لا يسمى كقول الراوي: أخبرني رجل، حدثني شيخ، حدثني فلان، دون أن يذكر اسمه؛ فهذا لا يُقبل حتى يُسمى لأن من شروط القبول العدالة، وإذا لم نعرف من هو الشخص، فكيف نعرف هل هو عدل أم لا؟

    ولو أبهمه بلفظ التعديل: كأن قال: أخبرني الثقة لم يُقبل، لأنه قد يكون ثقة عنده ليس بثقة عند غيره، إلا إذا عرفنا أنه لا يقول أخبرني الثقة إلا وهو يريد به شخصاً معيناً، مثلاً: الشافعي لا يقول: أخبرني الثقة إلا إذا كان الثقة هذا هو أحمد ، ويعرف هذا بالتجربة وبالخبرة وبكلام الأئمة فإذا نصوا على ذلك كانت هذه حالة خاصة.

    وكذلك لو أبهم الصحابي في أي سند؛ مثلاً التابعي الثقة قال: حدثني رجل من الصحابة، فلا يضُر ولا يهُم؛ لأن الصحابة كلهم عدول.

    أما الاعتبار فهو أن يُنظر هل الراوي تُوبع على روايته أم لا فإذا روى حماد بن سلمة -مثلاً- حديثاً لم يتابع عليه عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة فنظرنا هل رواه ثقة آخر عن أيوب عن ابن سيرين غير حماد بن سلمة ، فهذه العملية (عملية النظر هل روى عن شيخ الراوي راوٍ آخر) هي عملية الاعتبار، ثم إذا لم نجد ننتقل للشيخ الذي بعده، هل وجد أحد روى الحديث عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لم نجد عن ابن سيرين ننظر هل هناك أحد آخر روى الحديث عن أبي هريرة غير هؤلاء، فهذه عملية الاعتبار.

    أما الغامض: فهو الألفاظ المشكلة التي يخفى معناها فتحتاج إلى شرح لبيان الغريب والمشكل، ومن أحسن ما صُنف في هذا الباب كتاب: النهاية لـابن الأثير رحمه الله.

    1.   

    تعريف العزيز والمشهور

    عزيز بكم صبٌ ذليل لعـزكم     ومشهور أوصاف المحب التذلل

    س: ماذا انطوى عليه هذا البيت؟

    ج: العزيز، المشهور.

    أما بالنسبة للعزيز: فهو ألا يرويه أقل من اثنين عن اثنين عن اثنين إلى منتهاه، وسمي عزيزاً إما لأنه عز برواية هذا وهذا فقوي، أو لأنه نادر أن يكون بهذه الطريقة أي: لا يرويه أقل من اثنين عن اثنين إلى منتهاه، في كل طبقة من طبقات السند يوجد اثنان فأكثر.

    أما المشهور: فهو ما رواه أكثر من اثنين، وسمي بذلك لوضوحه.

    وبعضهم يقول: إنه المستفيض من فاض الماء، وسمي بذلك لانتشاره.

    وبعضهم يقول: إن المشهور ما زادت رواته عن ثلاثة.

    ولا يشترط في الحديث الصحيح أن يكون مشهوراً ولا عزيزاً، فقد يكون الحديث الصحيح غريباً فرداً، خلافاً لمن يشترط أن يكون في كل طبقة من طبقات السند اثنان فأكثر، فتسقط أحاديث كثيرة جداً، ونحن عندنا حديث: (إنما الأعمال بالنيات). رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم صحابي واحد فقط وهو عمر بن الخطاب ، ما عرفنا الحديث إلا من طريق عمر ، ورواه عن عمر بن الخطاب تابعي واحد فقط؛ وهو علقمة بن وقاص الليثي ، وما رواه عن علقمة إلا واحد وهو محمد بن إبراهيم التيمي .

    ولم يروه عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري ، ومن يحيى بن سعيد الأنصاري انتشر الحديث، حتى إنه يقال: إنه سمعه منه مائتي شخص، لكن الحديث بصحابيه ومن بعده ومن بعده ومن بعده واحد واحد واحد واحد في طبقات السند، ومع ذلك فالحديث صحيح، فالحديث الغريب إذا كان رواته ثقات صحيح مقبول.

    1.   

    تعريف الغريب

    غريب يقاسي البعد عنكم وما له     وحقك عن دار القلى متحول

    وذكر في هذا البيت الغريب، وهو ما انفرد بروايته شخص واحد في أي موضع وقع التفرد به من السند، فهذا هو الغريب.

    السفاريني رحمه الله قال: إن المتحول هنا يمكن أن يقصد بها التحويل الذي في السند، التي تكتب أحياناً (ح) أي: تحويلة، وتعني: انتقال الراوي من سند إلى سند آخر، يلتقي بعد ذلك مع هذا السند وقد لا يلتقي ويكون الإسنادان منفصلين.

    يقول: إنني لم أر فيمن شرح من قبل القصيدة ذكر هذا، لكن يُحتمل أنه أراد الإشارة إلى التحويل الذي في السند.

    1.   

    تعريف المقطوع

    فرفقاً بمقطوع الوسائل مـا له     إليك سبيل لا ولا عنك معدل

    س: ماذا أورد هنا؟

    ج: المقطوع، وهو ما أضيف إلى التابعي من قول أو فعل، وجمعه مقاطيع، ما ينتهي إلى التابعي وحتى من دونه من أتباع التابعين يسمى مقطوعاً؛ وهذا غير المنقطع بطبيعة الحال.

    1.   

    العالي والنازل من الأسانيد

    فلا زلت في عزٍ منيعٍ ورفعـة     ولا زلت تعلو بالتجني فأنزل

    س: ماذا ذكر هنا؟

    ج: العالي والنازل من فنون المصطلح، والسند العالي لا شك أنه نعمة إذا كان صحيحاً، والسند العالي ما قلت فيه الوسائط، وإذا كان بين صاحب الكتاب والنبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة كان ذلك أشرف من أن يكون بينهما أربعة، وأشرف من أن يكون خمسة وهكذا، وكلما قلّ الرجال في السند تقل مئونة البحث فيه وفي ضعفه، واحتمالات الخطأ فيه، فهذا العالي والنازل.

    فالإسناد العالي يعتبر محموداً إذا كان نظيفاً من المجروحين، وقد أحسن ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله لما قال:

    إذا أحببت تخريج العوالي     على الراوين حقق ما أقول

    نزول عن ثقاتهم علوٌ     علوٌ من ضعافهم نزول

    فإذا ذهبت تروي الإسناد العالي عن طريق ضعفاء ففي الحقيقة أنت ما علوت، وإنما نزلت.

    والمقصود بالعلو: العلو إلى النبي صلى الله عليه وسلم في السند؛ فالراوي مثلاً يذهب إلى شيخ شيخه ويسمع منه لكي يعلو إسناده، وقد يكون العلو إلى إمام مشهور، أو إلى كتاب من الكتب الستة، ولا شك أن أفضلها في العلو العلو للنبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    المقصود بقصيدة ابن فرح

    أوري بسعدى والرباب وزينب     وأنت الذي تُعنى وأنت المؤمل

    يقول الناظم: إنني استخدمت التورية وأتيت بأبيات ظاهرها الغزل، أو ذكر الحب ونحو ذلك، وما يُذكر في أشعار الغزل من سعدى والرباب وزينب وليلى ولبنى وعزة وبثينة ونحو ذلك، ولكنني أقصد شيئاً آخر، قال:

    فخذ أولاً من آخر ثم أولاً     من النصف منه فهو فيه مكمل

    هذا لغز حله في البيت الذي بعده:

    أبرُّ إذا أقسمت أني بحبه     أهيمُ وقلبي بالصبابة مشعل

    فما هو حل اللغز؟

    فهو يلغز إلى كلمة واحدة؛ والكلمة هذه علم على شخص.

    لأنه في البيت الأخير قال:

    أبر إذا أقسمت أني بحبه     أهيم وقلبي بالصبابة مشعل

    وكان قد قال قبلها:

    فخذ أولاً من آخر

    أي: خذ أول كلمة من آخر بيت، وما هي أول كلمة من آخر بيت: (أبر)

    ثم أولاً من النصف

    التي هي كلمة (أهيم).

    منه فهو فيه مكمل

    فهذه الكلمة هي ( إبراهيم ).

    وبهذا نكون قد انتهينا من المرور على منظومة ابن فرح الإشبيلي بشرح العلامة السفاريني رحمه الله تعالى.

    1.   

    ترجمة ابن فرح ناظم القصيدة والسفاريني شارحها :

    أما بالنسبة لناظم هذه القصيدة فهو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن فرح بن أحمد بن محمد بن فرح اللخمي الإشبيلي الحافظ المحدث الفقيه الشافعي المولود سنة 624هـ بـأشبيلية وهو نزيل دمشق ، وقد أسره الفرنج سنة (646هـ) ثم نجاه الله تعالى وحج، وسمع بـمصر من شيخ الشيوخ عبد العزيز الأنصاري وابن عبد السلام وطبقتهما ثم استوطن في دمشق ، وسمع من ابن عبد الدائم والكرماني وخلق سواهم، وسمع منه قصيدة (غرامي صحيح) -وهي التي ذكرنها- الدمياطي واليونيني والبرزالي ، وهو من كبار الحفاظ، وكان له حلقة في جامع دمشق ، وعرضت عليه مشيخة دار الحديث النورية، فامتنع ولعل ذلك تواضع منه رحمه الله تعالى، وله هذه المنظومة وشرح الأربعين النووية ومختصر خلافيات البيهقي ، لأن البيهقي جمع المسائل الخلافية بين الحنفية والشافعية فاختصر الكتاب ابن فرح الأشبيلي رحمه الله، وعاش خمساً وسبعين سنة وتوفي في منزله بتربة أم الصالح مبطوناً؛ أي: بداء البطن، سنة (699هـ)، وهي سنة قازان التي أخذ فيها التتار بلاد الشام ، ومات في هذه السنة خلق كثير من أهل العلم رحمه الله وشيعه جمٌ غفير.

    نظم هذه القصيدة، وشرحها بعض أهل العلم منهم: الإمام عز الدين محمد بن أحمد بن جماعة وسماه: زوال الترح بشرح منظومة ابن فرح ، وكذلك شرحها يحيى بن عبد الرحمن القرافي ، وأول الشرح: الحمد لله الذي قبل بصحيح النية .. إلى آخره، وشرحها العلامة السفاريني رحمه الله، فمن هو هذا العلامة؟ وأين عاش؟ وفي أي زمن؟ لأن له مؤلفات مشهورة وموجودة. &

    ترجمة السفاريني ونبذة عن حياته

    أما بالنسبة لهذا العلامة فإنه سمي بـالسفاريني نسبة إلى سفارين وهي من أعمال بلدة نابلس في فلسطين فك الله أسرها من أيدي اليهود، فبلدة السفاريني قريبة من نابلس التي بأيدي اليهود اليوم، وكان الوقت الذي عاش فيه السفاريني رحمه الله في القرن الثاني عشر، فهو من العلماء المتأخرين نسبياً في بلاد الشام من عام (1114هـ) إلى عام (1188هـ) وكان العثمانيون يحكمون في تلك الفترة بلاد الشام ، ولكن كانت فترة ضعف في الخلافة العثمانية، فقد تآلبت عليها دول أوروبا ، وانتزعت منها كثيراً من ممتلكاتها والبلدان التي كانت تحت حكمها، واشتغل كثيرٌ من سلاطينها في أواخر عمرها باللهو والعبث، حتى حكّم بعضهم شريعة غير شريعة الله، واستورد القوانين وأخذ بها دون القوانين الإسلامية.

    فالمهم أنه صار الوضع في آخر الدولة العثمانية حال استبداد وفوضى، وخرج عليها كثير من الولاة، وتكونت دويلات مستبدة وضعيفة، وعم السلب والنهب وفقد الأمن.

    يقول العلامة محمد كرد علي مؤرخ الشام متحدثاً عن حالة الشام في القرن الثاني عشر: وسكان هذا القُطر -أي: بلاد الشام- كسائر الأقطار العثمانية لا عمل لهم إلا إرضاء شهوات حكامهم، فلم يحدث شيء مما يقال له الإصلاح؛ لأن أحداً لم يأخذ بأسبابه ولا توسل بطرقه، فصار التخلف والاستبداد وإرهاق الرعية بالضرائب والإتاوات، وعم الفقر والبؤس.

    ولما عمت الإتاوات والضرائب والفقر والبؤس كان من دور الشيخ السفاريني مقاومة ذلك، فكان محارباً للظلم والطغيان، ومما يذكر من شجاعته أنه قال لأمير نابلس لما تولى بعد أبيه الأمير، وجاء أهل العلم لتهنئته وطلبوا منه إلغاء الضرائب الزائدة عن الزكاة الشرعية؛ لأن المزارعين لا يشبعون من غلة أراضيهم لكثرة الضرائب، فقال الأمير: لا أغير شيئاً مما كان عليه والدي المرحوم، فقال له الشيخ السفاريني : وما أدراك أنه مرحوم؟ أزل الضرائب والناس يدعون لك، فاستجاب له وأزال كثيراً من الضرائب، وأخذوا منه كتابة لإزالة الضرائب، ودعوا له بالتوفيق.

    أما بالنسبة للحالة الدينية في ذلك الوقت فإن الجمود والانحطاط أثر بلا شك في الحالة العلمية فمثلاً: انتشار التصوف وظهور البدع والخرافات كان واضحاً في ذلك العصر، حتى قال الكاتب الأمريكي لوثرب استيوارت في كتابه: حاضر العالم الإسلامي ، فيقول عن هذه الفترة: وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة للناس -وهو النبي صلى الله عليه وسلم- سجفاً من الخرافات وقشور الصوفية ، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عدد الأدعياء الجهلاء، وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبونهم بالحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور وغابت عن الناس فضائل القرآن .. إلى آخر كلامه.

    السفاريني رحمه الله في كتابه غذاء الألباب نقل صوراً مخزية عن الحال التي كانت في عصره، وكذلك ابن مفلح من أهل زمانهم أيضاً قال: فما بالك بعصرنا هذا الذي نحن فيه -وكان طبعاً في المائة الثانية عشرة من الهجرة- وقد انطمست معالم الدين وطفئت إلا من بقايا حفظت الدين، فصارت السنة بدعة والبدعة شرعة، والعبادة عادة والعادة عبادة، فعالمهم عاكف على شهواته، وحاكمهم متمادٍ في غفلاته، وغنيهم لا رأفة عنده ولا رحمة بالمساكين، وفقيرهم متكبر وغنيهم متجبر.

    ثم حكى عن الصوفية الذين في عصره فقال: فلو رأيت جموع صوفية زماننا وقد أوقدوا النيران وأحضروا آلات المعازف كالدفوف المجلجلة والطبول والنايات والشبابات -وهي جمع شبَّابة وهو نوع من المزامير- وقاموا على أقدامهم يرقصون ويتمايلون لقضيت بأنهم فرقة من بقية أصحاب السامري، وهم على عبادة عجلهم يعكفون، أو حضرت مجمعاً وقد حضره العلماء بعمائمهم الكبار، والفراء المثمنة، والهيئات المستحسنة، ينشدون الأشعار المهيجة في وصف الخدود والنهود والقدود، وقد أرخى القوم رءوسهم ونكسوها، واستمعوا للنغمة واستأنسوها، لقلت وهم لذلك مطرقون: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    في خضم هذا الفساد الاعتقادي والابتعاد عن الكتاب والسنة، نشأ وحمل لواء الإصلاح أئمة في ذلك الوقت، منهم الشيخ محمد السفاريني رحمه الله في بلاد الشام ، ولا شك أن تآليف الشيخ في العقيدة تدل على أنه كان سلفياً في الجملة، كما في كتابه: لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية في شرح قصيدة أبي داود الحائية ، وكذلك كتابه: لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية .

    وكذلك كتابه: البحور الزاخرة في علوم الآخرة ، فإنه يظهر منها في الجملة أن الرجل كان سلفي المعتقد، والعصر الذي وجد فيه كان عصر جمود وعدم ابتكار، وحتى لو كان هناك مؤلفات فكثير منها حواشٍ على مؤلفات قديمة، أو اختصارات، أو جمع، أما من جهة التأليف المبتكر الذي يدل على اجتهاد أو قوة علم وعمق فنادراً ما كنت تجده في مؤلفات ذلك الوقت، لكن كما قلنا وجد أئمة كبار مثل الشيخ محمد حياة السندي رحمه الله، ومن محدثي ذلك الزمان، وكان من شيوخ السفاريني رحمه الله.

    وقال السفاريني في كتابه: شرح ثلاثيات مسند أحمد ، فيقول عن الحالة العلمية في عصره: لم يبق من آثار ذهاب البيان إلا حكايات تتزين بها الطروس ككان وكان، والعلم قد أفلت شموسه، وتقوضت محافله ودروسه، وربعه المأهول أمسى خالياً، وواديه المأنوس أضحى موحشاً داوياً، وغصنه الرطيب غدا ذاوياً، وبرده القشيب صار بالياً، فالعالم الآن قلت مضاربه، وضاقت مطالبه، وسدت مذاهبه، فليس له في هذا الزمان إلا التجاء إلى عالم السر والإعلان، هذا بالنسبة للحالة التي كان موجوداً فيها السفاريني رحمه الله تعالى.

    أما اسمه: فهو محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني أبو العون شمس الدين ، ونسبته إلى سفارين ، قال مرتضى الزبيدي : وهي كجبارين أي: في النطق، قرية من قرى نابلس ؛ ونابلس بضم الباء والميم كما قلنا وكما ضبطها السمعاني في كتابه: الأنساب، وهي البلدة المعروفة في جنوب شرق طولكرم بـفلسطين على مسافة عشرين كيلو متر، وينسب إليها العالم محمد السفاريني رحمه الله.

    مولده كما قلنا: سنة (1114هـ)، وأسرته قيل: إنها كانت من الحجاز حيث نزح بعض أفرادها وسكنوا طولكرم ويافا ، ومنهم الشيخ سعيد بن أسعد السفاريني كان إماماً في المذهب الحنبلي.

    وللشيخ محمد الذي نحن بصدده ابنان من أبنائه يوسف ومصطفى ، ومن أحفاده عبد الرحمن بن يوسف وعبد القادر بن مصطفى ، وكانا من أهل العلم.

    وأما بالنسبة لسيرته رحمه الله: فإنه كان عالماً جليلاً جميلاً صاحب سمت ووقار ومهابة واعتبار، جمع بين الإمامة والفقه، والديانة والصيانة، والصدق وحُسن السمت والخلق، والتعبد وطول الصمت عما لا يعنيه، وكان محمود السيرة نافذ الكلمة رفيع المنزلة سخي النفس، كريماً بما يملك مهاباً معظماً، وكان كثير العبادة ملازماً على قيام الليل يحث الناس عليه، وكانت مجالسه لا تخلو من فائدة، ويشغل جميع أوقاته بالإفادة والاستفادة، يطرح المسائل على الطلاب والأقران، ويدير بينهم المحاورة، وكان صادعاً بالحق لا يبالي فيه جميع أعيان البلد، وكان أمراؤها يهابونه، كان آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، ناصراً للسنة، قامعاً للبدعة، خيراً جواداً.

    ومع حرصه على الكتب العلمية وجمعه كثيراً منها كان يقول من تواضعه: أنا فقير للكتب العلمية، وكل ما يدخل في يده من الدنيا ينفقه، وعاش مدة عمره في بلده عزيزاً موقراً محتشماً، كانت وفاته رحمه الله سنة (1188هـ)، قال الجبرتي في تاريخه ؛ وتاريخ الجبرتي من التواريخ المهمة في العصور المتأخرة، وهذا التاريخ مهم وجيد، ومن نوادر الذين أرخوا تاريخاً فيه نزاهة وعدل في الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الجبرتي رحمه الله، قال الجبرتي عن الشيخ السفاريني : لا يزال يملي ويفيد ويجيز من سنة (1148هـ) إلى أن توفي يوم الاثنين الثامن من شوال من هذه السنة بـنابلس وجهز وصلي عليه بالجامع الكبير، ودفن بالمقبرة الزراكينية وكثر الأسف عليه.

    ولا شك أن هذا الرجل ما دام بلغ هذا المبلغ من العلم فلا بد أن يكون في أول أمره حريصاً عليه من السن المبكرة، فهو قد قال: وقد منّ الله علي بقراءة القرآن سنة (1131هـ) فانتهى منه حفظاً واشتغل بالعلم، ورحل إلى دمشق في سنة (1133هـ) ومكث خمس سنين يأخذ عن علمائها، ورزقه الله قوة حفظ وملكة في الاستيعاب، ولذلك فقد استوعب علوماً كثيرة وأخذ عن مشايخ كبار وعلماء وأجازه غير واحد، فلما صار عمره تسع عشرة سنة كان قد فقه وأتقن مسائل المذهب يذاكر بها شيوخه، حتى قال عن شيخه عبد القادر التغلبي : ذاكرته في عدة مباحث من شرحه على الدليل ؛ وهو دليل الطالب المعروف الذي شرحه ابن ضويان في منار السبيل ، فمنها ما رجع عنها؛ أي: شيخه رجع عن مسائل لما ناقشه الطالب السفاريني رحمه الله ومنها ما لم يرجع لوجود الأصول التي نقل منها، وكان إجازة الشيخ المذكور سنة (1185هـ) كما يقول عن نفسه.

    وكان الشيخ أحمد الغزي يقدمه ويجله، وكان للشيخ الغزي درس أسبوعي يحضره العلماء والمدرسون من سائر المذاهب، وكان يجلس السفاريني مع صغر سنه ومع أنه من الطلبة يجلسه مع أشياخه مع مجموعة الأشياخ، وإذا بدأ يسأل في المذهب الحنبلي سأل السفاريني مع حضور أشياخ السفاريني في المذهب، ومع ذلك فيجيب ثم يعتذر بعد انفضاض المجلس فيقول شيخه: هذا من مفاخر أن يجيب تلميذي مثل هذه المحافل.

    حج السفاريني رحمه الله في سنة (1148هـ) وزار المدينة المنورة والتقى فيها الشيخ الحافظ محمد حياة السندي ؛ وهو من أشهر الحفاظ في ذلك الوقت، وسمع منه الحديث المسلسل بالأولية، وحصل عدداً من المشايخ وقرأ العلم في الجامع الأموي، وسمع من مشايخ ونبلاء منهم: أحمد بن عبد الكريم بن سعود العامري الغزي وأحمد بن علي الحنفي الطرابلسي وإسماعيل بن محمد العجلوني وغير هؤلاء.

    وكان لبعضهم ولا شك أثر كبير فيه كشيخه التغلبي وشيخه الغزي المشار إليهما، وقد خلف هذا العالم تلاميذ من العلماء أيضاً منهم: كمال الدين بن محمد العامري صاحب كتاب: النعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد بن حنبل ؛ ترجم فيه ترجمة وافية لشيخه، وكذلك من تلاميذ السفاريني محمد مرتضى الحسيني الزبيدي العلامة اللغوي صاحب كتاب: تاج العروس في شرح القاموس ، ولما جاء في مادة (سفر) قال: سفارين كجبارين قرية من أعمال نابلس ، منها شيخنا العلامة محمد بن أحمد السفاريني كتب إلي مروياته وأجازني بها، ومنهم أيضاً: شاكر بن علي العقاد من شيوخ علماء الحنفية بـدمشق ، وعبد الله بن شحاذة السفاريني ومصطفى بن سعد السيوطي مفتي الحنابلة في دمشق ، ومحمد بن أحمد بن صفي الدين الحسيني من المحدثين والفقهاء وغيرهم.

    وهذا العالم قد احتل مكانة عالية بين علماء عصره، وأثنوا عليه، ونعتوه بأوصاف كبيرة كالشيخ الإمام، والحبر، البحر، النحرير، صاحب التآليف الكثيرة والتصانيف الشهيرة؛ لأن مصنفات السفاريني رحمه الله كانت كثيرة متنوعة منها: البحور الزاخرة في علوم الآخرة ، وهذا مطبوع في مجلدين تحبير الوفاء في سيرة المصطفى ، تحفة النساك في فضل السواك ، وكذلك تعزية اللبيب بأحب حبيب ، وتفاضل الأعمال بشرح حديث فضائل الأعمال ، والدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية ، والدراري المصنوعات في اختصار الموضوعات ، ورسالة في حكم تارك الصلاة ، ورسالة في بيان الثلاث والسبعين فرقة والكلام عليها، ورسالة في ذم الوسواس ، ورسالة في أحكام الصلاة على الميت ، وشرح دليل الطالب في الفقه الحنبلي، وشرح نونية ابن القيم ، وكتابه العظيم المشهور المرجع في بابه: غذاء الألباب شرح منظومة الآداب شرح فيها منظومة محمد بن عبد القوي المرداوي في شرح نفيس للغاية.

    وكذلك له كتاب: قرع السياط في قمع أهل اللواط ، وكذلك: كشف اللثام في شرح عمدة الأحكام ، ولوائح الأنوار السنية في شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية ، واللمعة في فضل الجمعة ، ولوامع الأنوار البهية في شرح الدرة المضية ؛ وهذا كتاب مشهور وقع له فيه أشياء مخالفة لطريقة السلف، تأثر فيها ببعض عبارات المتكلمين، تعقبه فيها العلامة ابن بابطين رحمه الله وابن سحمان من علماء نجد ، وطبعت تعقباتهما على السفاريني في رسالة مستقلة، وطبعت في لوامع الأنوار بهامشه في بعض الطبعات كطبعة المكتب الإسلامي وفي بعضها لم تطبع.

    ومن المؤاخذات: أنه نفى صفة الجسم، وأنه ذكر من أسماء الله القديم وليس كذلك، أي أن له تأثرات ببعض كلام المتكلمين، ومنها قوله في عقيدته:

    ليس ربنا بجوهـر ولا     عرض ولا جسم تعالى بالعلا

    وهذا من المآخذ كما ذكر ذلك شيخ الإسلام وأقصد من نقد هذه العبارات أنه لا يجوز أن تطلق على الله عزوجل ولا بد من الاستفصال من قائلها.

    فهناك بعض الملاحظات في بعض الأشياء تعقبها ابن بابطين رحمه الله وابن سحمان من علماء الدعوة، ومنها كتاب: الملح الغرامية ، ونتائج الأفكار شرح حديث سيد الاستغفار ، وهو مطبوع حديثاً أي: في السنة الماضية، وشرح ثلاثيات مسند أحمد ، وهو كتاب عظيم شرح فيه الأحاديث التي في مسند أحمد والتي رجال أسانيدها ثلاثة رجال، وهو سلفي في الجملة كما قلنا، وقد ذكر في كتابه: لوامع الأنوار البهية تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام.