إسلام ويب

المساجد آداب وأحكامللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للمسجد أثره العظيم في الإسلام، وقد حث الله على عمارة المساجد بالبناء والذكر، ورتب على ذلك عظيم الأجر. والمسلمون حين يعمرون المساجد حساً أو معنى قد يقع منهم أخطاء ومنكرات، وقد ينزلقون في بدع محدثة، وفي هذه المادة تجد طائفة من هذه المنكرات لتحذر منها وتحذر غيرك، كما تجد بعض آداب المساجد لترشد نفسك ومن تحب.

    1.   

    فضل بناء المساجد

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعــد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.

    إخواني: إن الله سبحانه وتعالى قد أمر بإقامة المساجد ليعبد فيها ويذكر اسمه سبحانه وتعالى، أمر ببناء المساجد لأسباب وأهداف، وجاء الحث على بناء المساجد في الإسلام، وقال أهل العلم: يجب بناء المساجد في الأمصار والقرى بحسب الحاجة، وهي من فروض الكفاية، وقال صلى الله عليه وسلم: (من بنى لله مسجداً يبتغي به وجه الله، يذكر الله فيه ولو كمفحص قطاةٍ لبيضها، أو أصغر، بنى له الله بيتاً مثله في الجنة) هذا مجموع روايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوضح فيها عليه الصلاة والسلام الشروط التي إذا توفرت في باني المسجد، فإنه يبنى له بيت مثله في الجنة: أن يبتغي به وجه الله، وأن يبنيه ليذكر الله فيه.

    وجوب الإخلاص في بناء المساجد

    وقوله صلى الله عليه وسلم: ( من بنى لله مسجداً ) لفظة (لله) تعني أنه ليس لباني المسجد فيه شيء، ولذا قال بعض أهل العلم: من كتب اسمه على مسجد بناه فهو بعيدٌ عن الإخلاص، وينبغي أن يكون المال الذي يبنى منه حلالاً ليتقرب به إلى الله عز وجل، وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً نشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقةً أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته).

    النهي عن تشييد المساجد وزخرفتها

    وأما النهي عن زخرفة المساجد وتزيينها، وكثرة الإنفاق عليها وتضخيمها، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (ما أمرت بتشييد المساجد) والفرق بين التشييد والبناء كبير:

    فإن التشييد: هو رفع المبنى ليجعل ذلك ذريعة إلى الزخرفة والتزيين الذي هو من صفات أهل الكتاب في كنائسهم وبيعهم، وفي الحديث نوع توبيخ وتأنيب، قال البغوي رحمه الله: التشييد: رفع البناء وتطويله، وإنما زخرفت اليهود والنصارى معابدها حين حرفوا كتبهم، وقال ابن بطال رحمه الله: فيه دلالة على أن السنة في بنيان المساجد القصد وترك الغلو في تحسينه، وقد كان عمر مع كثرة الفتوح في أيامه وسعة المال عنده لم يغير المسجد.

    وأول من زخرف المساجد الوليد ، وسكت عنه بعض أهل العلم خوف الفتنة، وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الحسن: (إذا زخرفتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم، فالدمار عليكم) يعني: إذا حسنتموها بالنقش والتزويق والزخرفة، ولو بكتابة الآيات، لأنها تشغل المصلي وتلهيه عن الخشوع والتدبر والحضور مع الله عز وجل، قال بعض أهل العلم: إن تزويق المسجد ولو الكعبة بذهب أو فضة حرام مطلقاً، وروى البخاري أن عمر رضي الله عنه وأرضاه أمر ببناء المسجد وقال: [أكِنَّ الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر].

    وقال عليه الصلاة والسلام: (من أشراط الساعة، وفي رواية: لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد) يعني: يتفاخرون بتشييدها، ويراءون بتزيينها، كما فعل أهل الكتاب.

    ولقد كان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنياً من لبن وسقفه الجريد، وعمده جذوع النخل، ونهى عليه السلام في الحديث الصحيح أن يتباهى الناس في المساجد، يعني: أن يتفاخروا بها بأن يقول الرجل: مسجدي أحسن، ويقول الآخر: مسجدي.

    1.   

    بعض سنن المساجد وآداب دخولها

    وعند بنائه يسن أن يترك باباً خاصاً بالنساء لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لو تركنا هذا الباب للنساء حتى لا يحدث الاختلاط).

    وعلى المسلم الاجتهاد في الصلاة في المسجد الخالي من البدع، المعمول فيه بالسنة، فإن لم يجد، فليبحث عن أبعدها عن البدع فليصلِّ فيه، وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (من أتى المسجد لشيء، فهو حظه) يعني: من قصده لشيء، فهذا القصد هو نصيبه، فإذا أتاه لصلاة حصل له أجرها مثلاً، أو لزيارة بيت الله حصلا له معاً، ومن أتاه لهما مع تعلم علم أو إرشاد جاهل حصل له ما أتى لأجله، أو أتاه للتفرج أو إنشاد الضالة فهذا حظه من إتيان المساجد.

    دعاء دخول المسجد

    الصلاة في المسجد لمن دخله

    وإذا دخل فيه، فإنه ينبغي عليه أن يصلي ركعتين لحديثه عليه السلام: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (من أشراط الساعة أن يمر الرجل بالمسجد لا يصلي فيه ركعتين، وألا يسلم الرجل إلا على من يعرف) يصبح السلام للمعرفة، وأما من لا يعرفه فلا يسلم عليه، هذا من أشراط الساعة المذمومة، وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (إذا أذن المؤذن فلا يخرج أحد حتى يصلي) ولما رأى أبو هريرة رجلاً خرج من المسجد بعد الأذان لغير حاجة، فقال: [أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم] وأما الخروج للحاجة وللمصلحة الراجحة، فلا بأس به.

    النهي عن تشبيك الأصابع

    وقال عليه السلام: (إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامداً إلى المسجد، فلا يشبكن بين يديه فإنه في صلاة) وقال في الحديث الصحيح الآخر: (إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم أتى المسجد، كان في صلاة حتى يرجع لا يقل هكذا، وشبك بين أصابعه) ولعل النهي عن التشبيك بين الأصابع لما فيه من إيماء إلى ملابسة الخصومات والخوض فيها، أو دلالة على تشبك الأحوال وتعسيرها وهو ينافي الفأل الحسن، ولا يدخل في هذا النهي التشبيك بقصد التمثيل وتصوير المعنى كما وقع له عليه الصلاة والسلام، وفي هذا الحديث أيضاً: كراهة تشبيك الأصابع لمن خرج إلى المسجد للصلاة سواءً كان في الطريق، أو في المسجد، أو في الصلاة، وأما تشبيكه بيد صاحبه لنحو مودة أو ألفة فإنه لا يكره.

    أخطاء أخرى يقع فيها المصلون

    ومن الأخطاء التي تقع من بعض أهل المساجد: أنهم يحافظون على مكان معين في المسجد لا يغيرونه، وقد نهى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أن يوطن الرجل في المكان بالمسجد كما يوطن البعير، يعني: يألف مكاناً معلوماً مخصوصاً به يصلي فيه لا يغيره.

    ومن الآداب أيضاً: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك! وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالةً، فقولوا: لا رد الله عليك ضالتك!) زاد مسلم رحمه الله: (فإن المساجد لم تبن لهذا) ونهى عليه السلام في الحديث الحسن عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه الشعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة؛ وأما إنشاد الشعر، فإن المقصود به الشعر المذموم جمعاً بين النصوص، والنهي عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة لعللٍ:

    منها: عدم قطع الصفوف، لأن الناس قد أمروا بالتبكير والتراص فيها.

    وقيل: حتى لا تذهب هيئة الخطبة إذا اشتغل الناس في هذه الحلق بالحديث.

    الجلوس لحديث الدنيا مخالفة لأدب المسجد

    ومما يخالف أدب المسجد: جلوس الناس فيه للحديث في أمر الدنيا لحديث أنس مرفوعاً وابن مسعود كذلك: (يأتي على الناس زمانٌ يحلقون في مساجدهم، وليس همهم إلا الدنيا، وليس لله فيهم حاجة، فلا تجالسوهم) وفي لفظ آخر: (سيكون في آخر الزمان قومٌ يجلسون في المساجد حلقاً حلقاً، أمامهم الدنيا فلا تجالسوهم، فإنه ليس لله فيهم حاجة) وهذه الأحاديث حسنة بمجموع طرقها.

    قال شيخ الإسلام رحمه الله: وأما الكلام الذي يحبه الله ورسوله في المسجد فحسن، وأما المحرم فهو في المسجد أشد تحريماً.

    ومما يقع من المنكرات في المساجد: إعراض بعض الناس عن حلق العلم للكلام في أمور الدنيا، والحديث يقول: (وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه) وبعضهم يعرض عن سماع خطبة العيد بحجة أنها ليست واجبة.

    من الآداب عدم إزعاج المصلين

    ومن آداب المسجد: ألا ترفع فيه الأصوات إلا في المواضع التي جاء رفع الصوت فيها مثل: رفع الإمام صوته لإعلام المأمومين بالقراءة والتكبير، ومثل الجهر بالذكر عقيب المكتوبة دون صياح كما ورد في صحيح البخاري.

    ولا يجهر المصلون بعضهم على بعض بقراءة القرآن، وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يصلون ويجهرون بالقراءة، فقال: (أيها الناس! كلكم يناجي ربه، فلا يجهر بعضكم على بعض) قال الإمام مالك رحمه الله: ويخرج من المسجد من يفعل ذلك.

    وسئل شيخ الإسلام عن مسجد يقرأ فيه القرآن بكرة وعشياً، ثم على باب المسجد شهودٌ يكثرون الكلام، ويقع التشويش على القراء، فهل يجوز ذلك؟

    فأجاب: الحمد لله، ليس لأحدٍ أن يؤذي أهل المسجد؛ أهل الصلاة، أو القراءة، أو الذكر، أو الدعاء ونحو ذلك مما بنيت المساجد له، فليس لأحد أن يفعل في المسجد، ولا على باب المسجد، ولا قريباً منه ما يشوش على هؤلاء، فإذا كان عليه السلام نهى المصلي أن يجهر على المصلي، فكيف بغيره، ومن فعل ما يشوش به على أهل المسجد، أو فعل ما يفضي إلى ذلك منع من ذلك. والله أعلم.

    تعليقٌ: وعلى أرباب الأعمال من المقاولين وغيرهم لمن كانت لهم أعمال بجانب المسجد الانتباه إلى إيقاف الآلات والعمال وآلات الحفر عند إقامة الصلاة على الأقل؛ لعدم التشويش على المصلين، وكذلك لا ترش المبيدات الحشرية أثناء الصلاة لما فيها من إيذاء للمصلين، قال شيخ الإسلام رحمه الله: يصان المسجد عما يؤذيه ويؤذي المصلين، حتى رفع الصبيان أصواتهم فيه، وكذلك توسيخهم لحصره ونحو ذلك، لا سيما إن كان وقت الصلاة، فهذا من عظيم المنكرات.

    1.   

    آداب أخرى تراعى في المسجد

    .

    ما يفعله من نعس في المسجد

    وقال عليه الصلاة والسلام مرشداً وموجهاً: (إذا نعس أحدكم وهو في المسجد، فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره) وهذا الأمر للندب؛ لأن الحركة تذهب الفتور الذي يؤدي إلى النوم، فإن لم يكن في الصف مكان يتحول له، فإنه يقوم ويجلس ليأتي ببعض الحركة التي تذهب النوم، قال الشافعي رحمه الله في الأم : ولو ثبت في مجلسه، وتحفظ من النعاس وقاومه، لم أكرهه.

    استحباب التجمل للصلاة وتنظيف المساجد

    وقال الله عز وجل: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31] قال المفسرون: ولهذه الآية يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم العيد ويوم الجمعة، ومن ذلك الغسل، والطيب، والسواك، ولبس الثياب الحسنة، وخصوصاً الثياب البيضاء للحث الوارد فيه: (البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم) قال ابن كثير : إسناده جيد.

    وقال عليه الصلاة والسلام حاثاً الأمة على تنظيف المساجد وإبعاد الأوساخ عنها: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من القذر والبول والخلاء، إنما هي لقراءة القرآن وذكر الله والصلاة) حديث صحيح.

    ويستحب تنظيفها وتطييبها خصوصاً يوم الجمعة، وأن تصان عن كل وسخ، وقذر، ومخاط، وتقليم أظفار، وشعر، ورائحة كريهة، وتجب إزالة الزخرفة والنقوش والكتابة وكل ما يلهي المصلي.

    كراهة دخول المسجد بالروائح الكريهة

    وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (من أكل من هذه البقلة -الثوم والبصل والكراث- فلا يقربن مساجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئاً، فلا يقربن المسجد، وفي رواية: حتى يذهب ريحها) (يا أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله، ولكنها شجرةٌ أكره ريحها) وقال عليه الصلاة والسلام: (من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته) والمقصود: الثوم والبصل أو الكراث النيئ، وأما إذا أميتت طبخاً بحيث ذهبت رائحتها فلا حرج.

    ويدخل في ذلك كل ما يؤذي الناس من روائح العرق والوخم ونحوها، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن إتيان المسجد لآكل الثوم أو البصل، والثوم والبصل حلالٌ، فكيف بشارب الدخان والدخان محرم؟!

    مخالفة النخامة والبصاق لآداب المسجد

    وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (تبعث النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجه صاحبها) والنخامة هي ما يكون مثل البلغم الذي يلفظه الإنسان من حلقه، وقال عليه الصلاة والسلام: (من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة تفله بين عينيه) وقال عليه السلام في الحديث الصحيح الآخر: (ما بال أحدكم يكون مستقبل ربه فيتنخع أمامه، أيحب أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟ فإن تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره، فإن لم يجد فليفعل هكذا، يعني في ثوبه إذا ما وجد) وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (عرضت عليَّ أمتي بأعمالها حسنها وسيئها، فرأيت في محاسن أعمالها إماطة الأذى عن الطريق، ورأيت في سيئ أعمالها النخاعة في المسجد لم تدفن) والنخاعة مثل النخامة، وقال بعضهم: المقصود به البصاق، قال النووي رحمه الله: وظاهر هذا الحديث أن الذم لا يختص بصاحب النخامة الذي تنخمها فقط، بل يدخل فيه كل من رآها ولم يزلها، وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها) هذا في المساجد التي أرضها ترابٌ أو رملٌ كفارتها أن تدفن، ومعنى تدفن: تدخل في باطن الأرض، فلا يكفي تغطيتها؛ لأنه قد يقعد عليها من تؤذيه، وأما المساجد المبلطة، أو المفروشة، فإنه لا يصلح فيها التفل ولا التنخم نهائياً، وبعض الناس يتفل ويتنخم، ثم يمسح النخامة على البلاط بحذائه أو برجله، فيزيدها انتشاراً، فيزداد تقذر المسجد وتوسخه.

    عدم اتخاذ المساجد طرقاً أو حجز الأماكن فيها

    ومن الآداب كذلك: ما ورد في الحديث الحسن: (لا تتخذوا المساجد طرقاً إلا لذكر أو صلاة) قال شيخ الإسلام رحمه الله: ليس للمسلم أن يتخذ المسجد طريقاً يعبر منه، فكيف إذا اتخذه الكافر طريقاً، فإن هذا يمنع بلا ريب، وخصص بعض العلماء منه الحاجة مثل: المشقة عليه في طول المسافة جداً.

    وأما بالنسبة لحجز الأماكن في المسجد، فقال شيخ الإسلام رحمه الله: ليس لأحدٍ أن يتحجر من المسجد شيئاً، لا سجادة يفرشها قبل حضوره ولا بساطاً ولا غير ذلك -كما يقع لبعض الجهال في الحرم- وليس لغيره أن يصلي عليها بغير إذنه، ولكن يرفعها ويصلي مكانها في أصح قولي العلماء، وقال: ومن المنكرات وضع السجاجيد في المساجد لحجز الأمكنة، ويأتي أصحابها يتخطون رقاب الناس، وكذلك ما يقع من البعض ممن اشتروا الضلالة بالهدى أن يجلس فيحجز المكان حتى إذا جاء أحد الأثرياء يتنازل له عن المكان في الصف الأول مقابل مبلغٍ من المال، وهذا حادثٌ مع الأسف في أطهر بقاع الله.

    ومن البدع كذلك: تخصيص أناس لحفظ النعال يدفع إليهم الأجرة لا يحضرون الصلاة مع الجماعة.

    حكم النوم في المسجد أو دخوله بالنعال أو بالسلاح

    وأما النوم في المسجد: فإن كان لمحتاج كالغريب الذي لا أهل له، أو الفقير الذي لا بيت له كما ورد أن ابن عمر لما كان أعزب، كان يبيت في المسجد لأنه لم يكن له بيت، فلما تزوج وصار له بيت لم يعد إلى ذلك، ويبيت فيه بقدر الحاجة ثم ينتقل.

    وأما اتخاذ المسجد مبيتاً ومقيلاً، فلا يجوز ذلك كما قال شيخ الإسلام ، وقال في موضع آخر: ويجوز النوم في المسجد للحاجة كما وقع لأهل الصفة، ومثل المسكينة التي كانت تأوي إلى المسجد وكانت تقمه، يعني: تنظفه، قال رحمه الله: فيجب التفريق بين الأمر اليسير وذوي الحاجات، وبين ما يصير عادةً، وما يكون لغير ذوي الحاجات، وأما اتخاذ المساجد للسكنى والمبيت وحفظ القماش والمتاع، فما علمت مسلماً ترخص في ذلك، فإن هذا يجعل المسجد بمنزلة الفنادق التي فيها مساكن محجرة، والمسجد لا بد أن يكون مشتركاً بين المسلمين، فمن سبق إلى مكان لذكر، أو قراءة، أو صلاة، أو اعتكاف، فهو أحق به حتى يقضي ذلك العمل، فإذا قضى العمل، زال حقه عن ذلك المكان.

    ومن الأمور المكروهة المنهي عنها: رفع الصوت لغير حاجة كما يكره لمن يبلغ خلف الإمام بغير حاجة، كما ذكر بعض أهل العلم أن ذلك بدعة منكرة، وأما سؤال الناس كما يفعل الشحاذون في المساجد، فقد سئل شيخ الإسلام رحمه الله عن ذلك، فقال: الحمد لله، أصل السؤال محرمٌ في المسجد وخارج المسجد إلا لضرورة، فإن كان به ضرورة وسأل في المسجد ولم يؤذ أحداً بتخطيه رقاب الناس ولا بغير تخطيه، ولم يكذب فيما يرويه، ويذكر عن حاله -كما يقع من الكثيرين- ولم يجهر جهراً يضر بالناس -كما يفعله أكثر الشحاذين- جاز والله أعلم بهذه الشروط.

    وأما المشي بالنعال في المسجد فهو جائزٌ إذا كانت النعال نظيفة، والصلاة في النعال من سنن النبيين مخالفة لأهل الكتاب.

    أما الآن عند فرش المساجد، فلا يدخل إنسان بحذائه نهائياً إلا إذا كان نظيفاً جداً، لأن في دخوله بحذائه الذي يمشي به في الشارع توسيخ للسجاد الذي يصلي عليه المصلون.

    وإذا اضطر إنسان للدخول إلى المسجد بالسلاح كما يقع لبعض رجال الأمن، فإنه ينبغي أن يكون السلاح مغمداً، يقول عليه الصلاة والسلام: (إذا مر أحدكم في مسجدنا، أو في سوقنا ومعه نبل، فليمسك على نصالها بكفه حتى لا يعقر مسلماً) فيجوز عند الحاجة مع كونه مغمداً حتى لا يحصل الأذى.

    ويجوز لمن به عذرٌ دائمٌ كسلس البول المكث في المسجد إذا أمن تلويث المسجد.

    ويسن الإذن للنساء إلى المساجد على ألا تمس طيباً، وإن كان بها فلتغتسل منه.

    هذه أيها الإخوة طائفةٌ من الأحكام المتعلقة بالمساجد التي يخالفها كثيرٌ من المصلين.

    وفقنا الله وإياكم لأن نحل حلاله وأن نحرم حرامه، وأن نعمل بآداب الإسلام، وصلى الله على نبينا محمد.

    1.   

    بعض البدع والمنكرات التي تقع في المساجد

    الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين المتقين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعـــد:

    فإن من المنكرات أيضاً أيها الإخوة: تخطي رقاب الناس وإيذاؤهم.

    دخول الكافر إلى المسجد

    وإن سأل سائل عن مسألة: هل يجوز للكافر دخول المسجد؟

    فنقول: إذا ترتب على ذلك مصلحة شرعية، مثل أن يرى المصلين، فيتأثر بهم فيعجب بالإسلام فيكون سبباً لدخوله فيه، فإن ذلك جائز كما ورد في حديث ربط ثمامة المشرك في المسجد، فكانت رؤيته لواقع المسلمين سبباً في إسلامه، بشرط ألا يؤذي المسلمين، أو يوسخ المسجد، أما دخول الكفار لتصوير المساجد، أو الفرجة بالملابس السياحية فمن أكبر المنكرات.

    بناء المساجد على القبور

    ومن أشنع البدع على الإطلاق بناء المساجد على القبور، وأسوؤها ما يجعل في جهة القبلة حتى يضطر المصلي لاستقباله، وقد ورد النهي عن الصلاة في المساجد المبنية على القبور، والحكم فيها: أنه إذا كان القبر سابقاً على المسجد وبني المسجد على القبر، يهدم المسجد، وأما إذا كان المسجد أولاً وكان القبر بعد ذلك، فينبش القبر وتنقل الرفات إلى مكان آخر، وإن أمكن عزله عن المسجد وفصله بجدار أو بشارع، فلا بأس بذلك.

    ومن البدع: وضع أغطية للرأس عند باب المسجد ليلبسها كل داخل لتغطية رأسه.

    أخذ الكتب الموقوفة من المساجد

    وكذلك من المنكرات: استعارة الكتب الموقوفة من بعض المساجد وعدم إرجاعها، أو ما يفعله بعض الطلاب السفهاء من أخذ المصاحف من المساجد وعدم إرجاعها، أو حجزها فترةً طويلة ليوفروا على أنفسهم ثمن الشراء كما يزعمون.

    ومن البدع: زيادة إنارتها في المناسبات كرمضان ورجب، أو ضحى يوم العيد.

    بناء المقاصير للخاصة والضرب بالدفوف

    وكذلك من البدع: إعداد أمكنة مرتفعة عن أرض المسجد للخاصة من الناس تسمى بالمقاصير، تقطع الصفوف وتفرق المسلمين إلى طبقات، أو كما يقع في بعض المساجد في البلدان الأخرى من وضع كرسي خاص يقرأ عليه القارئ قبل صلاة الجمعة وغيرها. ورقص الصوفية في المساجد وما قد يصحبه من آلات الطرب وتلحين القصائد والمدائح، أو قراءة المولد النبوي.

    كذلك من البدع المنكرة: اتخاذ التكايا أو الزوايا لـأهل التصوف كما يقع في بعض البلدان، وأنا أذكر هذا أيها الإخوة، وإن كنتم لا ترونه الآن في واقعكم، فإن بعض الحاضرين من أهل تلك البلاد يهمهم هذا الأمر.

    وكذلك فإن كثيراً من المسلمين يسافر، فيدخل تلك المساجد فيهمه أن يعرف ما هو المنكر وما هو المعروف.

    ومن المنكرات: قيام بعض القصاص والمذكرين بتذكير الناس بأحاديث مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتوسل بالمخلوقين.

    وبعض الناس يحتجون بواقع معين على صحة هذه المنكرات، قال العلامة القاسمي رحمه الله في إصلاح المساجد من البدع والعوائد : يحتج بعض الناس في دمشق على جواز هذه البدع واستحسانها بكونها موجودة في جامع بني أمية وهو شيخ الجوامع في الشام ، وبكون مدرسيه الماضين سكتوا عليها، وهذه حجة فاشية في كثير من الأمور التي تساهل بها أهل النفوذ الماضون، فترى العامي إذا ليم على بدعة وأرشد إلى الصواب فيها، يستدل بفعل شيخه، أو العالم الفلاني، أو المكان الفلاني، أو البلدة الفلانية، ويزعم أنها مشروعة أو حسنة بسبب ذلك، وكل ذلك غرور، فإن فعل الناس ليس بحجة، إلا الكتاب والسنة هي الحجة ولو خالف الجميع.

    بدع الحجز في المسجد ومنكراته

    وفي بعض المساجد أيها الإخوة جماعة يلازمون من الأمكنة ما كان وراء الإمام قبالة المحراب، وما يسميه بعض العامة بالروضة، فيأتي هؤلاء للمسجد قبل الصلاة، ويأخذون أمكنتهم المعينة، وإذا خصصوا هذه الأمكنة، لم يتراجعوا عنها، فقد يدخل ذلك في النهي عن التوطين كتوطين البعير، ولكن المصيبة أن بعض هؤلاء يرى أن ذلك المكان خاصٌ به ولو جاء متأخراً، وإذا رأى أحداً من الغرباء ونحوهم، فإنه لا يتورع أن يبعده من مجلسه، ويبلغ الجهل ببعضهم أنه إذا رأى أحداً في مكانه الذي اعتاد أن يجلس فيه، فإنه يحرج ويذهب إلى آخر الصف وهو ممتلئ غيظاً، فيجلس فيه ويظل يرمق ذلك الرجل الجالس في مكانه المعتاد على حد زعمه، وبعضهم إذا كان جالساً في ذلك المكان، وكان هناك فرجة، ورأى رجلاً غريباً عن هذا المكان يريد أن يجلس فيه، جلس متربعاً حتى يحجز المكان ليطرد ذلك، فإذا جاء صاحبه ليجلس أفسح له، صارت الأمكنة في المساجد بالواسطة عند بعض الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    كذلك قد يجهل بعضهم، فإذا رأى واحداً جالساً في مكانه الذي اعتاد أن يجلس فيه من قبل، قال: يا فلان أتظننا أولاد البارحة أو اليوم في هذا الجامع، نحن من أربعين سنة نصلي في هذا المكان، فأين الذوق؟ ونحن نقول له: ذوقك أنت؟ إن من سبق إلى مباح فهو أحق به.

    بعض ما يباح في المسجد

    وتجوز المناظرة في مسائل العلم دون المراء والجدل العقيم، ويباح عقد النكاح في المسجد، والقضاء والحكم، ويباح قتل البراغيث والقمل وكل ما هو مؤذٍ على أن يلقى خارج المسجد، ويباح الاستلقاء في المسجد لمن أمن انكشاف عورته.

    هذه طائفة من الآداب والأحكام، أو المنكرات الموجودة في المساجد.

    والأهم من هذا الكلام كله: لماذا بني المسجد؟ وما هي وظيفته في الإسلام؟ وكيف أسس رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد؟ وما هو الفرق بين مساجد الضرار والمساجد التي بنيت على تقوى من الله ورضوان؟ وما هو الأثر الإسلامي والاجتماعي الشرعي من وجود المسجد؟ ما هي الفائدة منه؟ لعل الفرصة تتاح للكلام عن هذا الموضوع المهم في خطبة قادمة إن شاء الله.

    ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجنبنا وإياكم الفتن والهوى، وأن يجنبنا وإياكم الزيغ والبدع والضلال والمنكرات، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2741956215

    عدد مرات الحفظ

    684653847