إسلام ويب

الزواج بلا منكراتللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حث الإسلام الشباب على تحصين أنفسهم بالزواج، وبين المصالح من هذا الارتباط للفرد والمجتمع، ولأن عقد الزواج يعتبر عقداً مقدساً فقد جعلت له الشريعة شروطاً عظيمة كرضا الزوجين واشتراط الولي في النكاح، ولقد ركز الشيخ -حفظه الله- في هذا الدرس على ذكر بعض الأحكام المتعلقة بالنكاح، وحذر من المفاسد المتعلقة بالزفاف ووليمة العرس، وذلك ليرشد الناس إلى الزواج الإسلامي السعيد الخالي من المنكرات.

    1.   

    أهمية الزواج في الإسلام

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعــد:

    فالحمد لله الذي جعل لنا من أنفسنا أزواجاً لنسكن إليها، وجعل بيننا مودة ورحمة وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]، وهذا النكاح الذي شرعه الله تعالى للمسلمين يطلق على أمرين: على عقد النكاح وعلى الوطء، فإذا قالوا: نكح فلان فلانة أو بنت فلان أرادوا عقد التزويج، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته لم يريدوا إلا الجماع، وهذا التعاقد المقدس الشرعي بين الرجل والمرأة ضرورة فطرية دال على أن الخلقة سوية، قال الله عز وجل: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:21]، وقال سبحانه: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا [الأعراف:189].

    الترغيب والحث على الزواج

    فالحمد لله على هذه النعمة وهذا الدين الذي يوافق الفطرة، حيث أمر به سبحانه وتعالى الرجال والنساء، وأمر به الأولياء، فقال عز وجل: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32].

    تأمل يا عبد الله! كيف جاء لفت النظر في هذه الآية إلى الصالحين، وأن قضية الفقر ليست مشكلة كبيرة، وإنما الصلاح هو القضية الأعظم قال تعالى: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32] أما قضية المال فإنها تأتي بإذن الله قال تعالى: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32] فإن يكن فقيراً، أو عليه دين، أو ليس ذا عمل ولا وظيفة؛ يرزقه الله سبحانه وتعالى.

    وقد أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (ومن كان ذا طول فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء) وقد أمر الله تعالى بالاستعفاف عند عدم القدرة، والاستعفاف يكون بغض البصر وعدم الاختلاط بما حرم الله، وعدم ملابسة المعاصي ولا غشيان الأماكن التي تثور الشهوات بسبب غشيانها، فلا مناظر ولا أماكن؛ لأن هذه هي قاعدة الاستعفاف قال تعالى: وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً [النور:33] أي: يتركون الحرام ويبتعدون عنه، ويتعففون حتى يأتي الفَرَج من الله عز وجل.

    وقال سعيد بن جبير : قال لي ابن عباس رضي الله عنهما: [هل تزوجت؟ قلت: لا، قال: تزوج.. فإن خير هذه الأمة أكثرهم نساء] وهذا النكاح هو شرع مؤكد من سنن المرسلين قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً [الرعد:38] وقال عليه الصلاة والسلام: (إني أتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني)؛ ولذلك قال العلماء: إن التزوج مع الشهوة أفضل من نوافل العبادة لما يترتب عليه من المصالح الكثيرة والآثار الحميدة؛ بل إنه يكون واجباً في بعض الأحيان، وخصوصاً في هذا الزمان، فإذا خاف على نفسه الحرام أو وقع فيه، أو أوشك أن يقع فيه، وكان في العنت وجب عليه الزواج وجوباً يأثم بتركه.

    مصالح الزواج على الفرد والمجتمع

    إن الزواج ليس وسيلة لحفظ النوع الإنساني فحسب، بل هو وسيلة للاطمئنان النفسي والهدوء القلبي والسكون الوجداني، إنه سكن للنفس ومتاع لها، وطمأنينة للقلب وإحصان للجوارح، ونعمة وراحة، وسنة وستر وصيانة، وهو سبب لحصول الذرية التي تنفع الإنسان في الحياة وبعد الممات، وهو عقد لازم، وميثاق غليظ، وواجب اجتماعي، وسبيل مودة ورحمة بين الرجال والنساء؛ يزول به سبب من أعظم أسباب اضطراب النفس البشرية التي لا ترتاح إلا بزواله، فيكون هذا الزواج راحة للنفس وطمأنينة، فالمرأة سكن للرجل وكرامة ونعمة تجلب إليه بصلاحها الأنس والسرور، والغبطة والحبور، وتقاسمه الغموم والهموم، ويكون بوجودها بمثابة السيد المخدوم والملك المحشوم، فمسكين رجل بلا امرأة، ومسكينة امرأة بلا رجل.

    ولو لم يكن في النكاح إلا سرور النبي صلى الله عليه وسلم يوم يباهي كل نبي بأمته، ولو لم يكن منه إلا هذا التكاثر الذي يترتب عليه سرور محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة بهذه الأمة لكان ذلك كافياً في الرغبة فيه، ولو لم يكن منه إلا ألاَّ ينقطع عمل الإنسان بعد موته بهذا الولد الصالح الذي يدعو له بعد وفاته لكان سبباً في الرغبة فيه، ولو لم يكن فيه إلا أن يخرج من صلبه من يشهد لله بالوحدانية، ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة لكان ذلك كافياً، ولو لم يكن فيه إلا غض بصره وإحصان فرجه عن التفاته إلى ما حرم الله، ولو لم يكن فيه إلا تحصين امرأة يعفها الله به ويثيبه على قضاء وطره ووطرها لكان ذلك كافياً، ولو لم يكن فيه إلا احتساب الأجر في النفقة على المرأة في كسوتها ومسكنها؛ ورفع اللقمة إلى فيها لكان ذلك كافياً، ولو لم يكن فيه إلا إغاظة أعداء الإسلام لتكثير أبناء الإسلام لكان ذلك كافياً، ولو لم يكن فيه إلا إعفاف النفس عن الحرام وقطع السبيل على من يروج الحرام لكان ذلك كافياً، فكيف لو اجتمعت هذه الأسباب في رجل صالح؟!

    1.   

    شروط النكاح

    يا عباد الله! نظراً لأن هذا العقد مقدس جعلت له الشريعة شروطاً عظيمة منها:

    الرضا بين الزوجين

    فلا يصح إجبار الرجل على نكاح من لا يريد، كما لا يجوز إجبار المرأة على نكاح من لا تريد؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن) فجعل الرضا في ذلك شرطاً، وإذا امتنعت عن الزواج، فلا يجوز لوليها أن يجبرها على أحد لا تريده كما جاءت بذلك السنة، وأرادت المرأة الأولى أن تبين لمن بعدها أنه لا يجوز للأب إجبار زوج ابنته على من لا تريد، ولا للولي أن يجبر موليته على من لا تريد، فإذا خطبها شخصان، وقالت: أريد هذا ولا أريد الآخر، فيزوجها أبوها بمن تريد إلا إذا لم يكن لها كفؤاً، فعند ذلك يمتنع الولي ولا إثم عليه في منعها لأنها لم تعرف مصلحة نفسها في هذه الحالة، فإذا كان الولي عاضلاً يمنع الكفء المتقدم، فإن القاضي يزيحه عن موقع الولاية، وينصب الولي الذي بعده لكي يوافق على زواجها بمن لا ضير عليها من الزواج به.

    وجود الولي في النكاح

    فالولي مهم لابد منه، ولا نكاح إلا بولي، فلا تزوج المرأة نفسها، ومن زوجت نفسها فنكاحها باطل، وإن ورد ذلك في بعض المذاهب فإن السنة تقضي على كل شيء، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، وهذه الأدلة قاضية وملزمة، والنص متبوع ونحن تابعون، ولا رأي لأحدٍ مع نص رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    مسائل متفرقة في النكاح

    عباد الله: إن هذا الاستخلاف في الأرض الذي يقتضي كثرة تناسل الجنس الإنساني، وحصول المقصود يتحقق بالزواج، والزواج المبكر أفضل وأكمل من تأخيره، ولو لأجل اكتمال الاستعدادات امتثالاً لقوله تعالى: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3] ولقوله تعالى: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ [النور:32] ولقوله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج).

    التوكيل الشرعي في النكاح

    وبعض الناس يقولون: نريد الزواج من فتاة في بلد الغربة، ولكن الولي غير حاضر، فنقول: المسألة سهلة؛ يرسل الولي توكيلاً شرعياً من بلده إلى شخص في ذلك البلد، ويقوم مقامه في تزويج البنت، فيذهب هذا الموكل إلى القاضي، ويقوم مقام الولي، ولا حاجة إلى نكاح سر مخترم ليس فيه شروط شرعية متحققة، فلا بد -إذاً- من اكتمال الشروط الشرعية يا عباد الله.

    حرمة إجبار البنت على الزواج

    بعض الناس يريد إجبار ابنته على الزواج بصاحب مال حتى يغنم من ورائه، وكذلك بعضهم يضيع ابنته، فلا يبحث لها عن الكفء؛ حتى إنه ربما يريد التخلص منها بأي طريقة، ولقد عرض رجل ابنته على شخص غير كفء، فقال: خذها بخمسة آلاف بالتقسيط! فهل رأيتم -يا عباد الله- مثل تضييع هذا الرجل؟! ويضيع ابنته مع غير الكفء ويريد الخلاص منها؛ لأنه طلق زوجته وعنده بنات منها، ويريد أن يتخلص منهن بأي طريقة، فيوافق على كل أحد مضيعاً لبناته اللاتي جعله الله مؤتمناً عليهن، ولقد خان الأمانة وضيع المسئولية، والله سائله عما استرعاه أحفظ أم ضيع؟

    هروب البنات مع العشاق

    وكذلك هؤلاء البنات اللاتي يهربن مع العشاق -بزعمهن- ويردن الحرام أو الزواج بمن تريد بأي طريقة ولو لم يوافق الولي، وتشاهد المسلسلات وما أدراك ما هي المسلسلات؟! جهاز الحرام المنتشر الذي يشجع البنات على مثل هذه الحركات السيئة، فيشجعها على أن تهرب مع عشيقها ومحبوبها الذي لم يرض به الأب، وذلك حرام ولا يجوز.

    الحيل غير الشرعية في النكاح

    وبعضهم يأتي بحيل لإجبار طرف من الأطراف على إيقاع النكاح، فيقع الفأس في الرأس، وكل ذلك مما ينكشف يوم القيامة ويكون وبالاً على صاحبه، ويعقد لكل صاحب غدرٍ لواء يوم القيامة عند استه يفضحه الله به بين الأولين والآخرين.

    أهمية البحث عن أصحاب الدِّين من الرجال والنساء

    عباد الله: لما كانت الشريعة تريد إقامة البيوت على أساس الدين رغبت الشاب في البحث عن ذات الدين، وكذلك الولي أن يبحث عن الصالحين فجاءت بالطرفين من هنا ومن هناك، فمن هنا: وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ [النور:32] أي: أنكحوا الصالحين، ومن هناك: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، وإذا قال إنسان: فكيف أعرفها والمصائب نسمعها تترى وتتابع في هذا الزمان من بنت من عائلة نعرفها بأنها محافظة، ثم نفاجأ بالقصص العجيبة عنها؟!

    فنقول: إن ذلك من سوء الاستقصاء ولا شك، فهلاَّ اكتمل بحثك -يا عبد الله- ويا أيها الشاب! وهلا استقصيت في السؤال لكي تعرف عن حالها؟ وهناك سبل مشروعة من استخدام محارمك من النساء للبحث عن حال هذه الفتاة، أليست في مدرسة يوجد فيها من يعرف حالها؟

    أو في حي يوجد فيه جيران يعرفون حالها؟

    أو أقارب يعرفون حالها؟

    وكذلك إذا أردنا أن نبحث عن الرجل الصالح التمسناه في المسجد، هل هو يواظب على الصلاة فيه أم لا؟

    فكذلك المرأة الطيبة تغشى الأماكن الطيبة، وقد صار -ولله الحمد- من مدارس تحفيظ القرآن وغيرها من الأماكن الطيبة ما هو مظان وجود الفتيات الطيبات؛ ولذلك فإن الاستقصاء والبحث والسؤال أمر في غاية الأهمية، والتماس مثل هذه الفتاة في مظان الصالحات أمر في غاية الأهمية، ولما كانت المرأة عاجزة أو ضعيفة، وقليلة الحيلة في السؤال والاستقصاء عن الرجل لم يجعل الشارع الأمر إليها، وإنما جعله إلى ولي رجل، ولما كانت الفتاة المتقدم إليها عاجزة أو قليلة الحيلة في الاستقصاء عن حال هذا الرجل، فلا تستطيع أن تذهب إلى مكان عمله ولا إلى حيه، ولا أن تسأل معارفه؛ جعل الشارع الأمر بيد ولي رجل مؤتمن يقوم عليها، فيسأل لها عن المتقدم إليها ويعرف حاله، وهذه أمانة عظيمة من لم يقم بها فقد خان، والخيانة إثمها كبير وذنبها شديد عظيم، فليتق الله تعالى من استؤمن، وليتق الله من سئل، ومن أشار على أخيه المسلم أو على أخته المسلمة بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه، فويل للذين يكتمون العيوب التي تمنع من النكاح، وويل للذين يكتمون حال الأزواج أو حال الشباب أو الفتيات عند السؤال، وهم يعلمون أن هذا الأمر مهم بيانه، وأن هذه الأمانة التي إذا ضيعت حصل خلل كبير في الزواج، وكان الإنسان الخائن سبباً في عقد نكاح لا يرضى أحد الطرفين به لو كان يعلم الحقيقة، ومن غش المسلمين فليس منهم كما قال صلى الله عليه وسلم : (من غشنا فليس منا).

    الصداق والمغالاة في المهور

    عباد الله: إن الصداق حق للمرأة؛ لأنه مقابل ما استحل من فرجها كما بين النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أصدق النبي صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية) رواه الخمسة وصححه الترمذي .

    ولما اشتط الناس في أمر الصداق، وبالغوا في المغالاة فيه؛ جعلوا بأيديهم عواقب الهلكة التي أحاطت بشبابهم وبناتهم يخربون البيوت بأيديهم، بل يمنعون قيامها بأيديهم بما جعلوا من المغالاة في الصداق والحفلات وغيرها من المتطلبات، والتي ليس عليها في هذه التكاليف العظيمة دليل ولا أثارة من علم، وجعلوا المطالب الشكلية هي الأساس الذي يدور عليه إمضاء الزواج من عدمه، مع أن شريعة الإسلام تريد إمضاءه أولاً، وهذه الأمور الشكلية تيسر على الإنسان المسلم، فكيف -يا عباد الله- تجعل هذه الأمور الشكلية مانعاً من تحقيق المقصود الأصلي؟

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا شر أنفسنا، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يتوب علينا، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    حرمة زواج المتعة

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدر فهدى، وأشهد أن محمداً رسول الهدى، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى.

    عباد الله! إن الأصل في النكاح البقاء والدوام والاستمرار؛ لأنه إقامة أسرة وبيت، ومن هنا كان زواج المتعة حراماً في الإسلام؛ لأنه زواج مؤقت محدد بوقت معين يعلن فيه العقد، ويتفق عليه الطرفان، ويكون معلوماً لكل منهما، فإذا انتهى الأجل انتهى النكاح -بزعمهم- فهذا استئجار على الزنى وليس من شرع الله في شيء، وزواج المتعة يكون على أربع وعشرين ساعة أو على ثلاثة أيام أو على أسبوع أو على شهر، فهذا استئجار على الزنى ومهر بغي لا يفعله إلا الديوثين؛ فأهل البدع الذين لا عقل ولا دين، ولا غيرة لهم يفعلونه، وأهل السنة يقومون بما جاءت به السنة.

    حكم من تزوج وهو مبيت لنية الطلاق

    وبعض الناس يسأل عن الزواج الذي يكون في نية صاحبه أن يطلق بعد مدة، ولكنه لا يجعل ذلك في العقد ولا هو مشروط بين الطرفين، فهذا الزواج إن تكاملت شروطه الشرعية من رضا الطرفين والولي والإيجاب والقبول، وانتفاء الموانع من المحرمية والنسب والرضاع ونحو ذلك، فإذا انتفت الموانع فإن العقد صحيح في الأصل لتكامل شروطه وعدم النص المانع له؛ ولأن نيته قد تتغير فيتعلق بزوجته أو يكسبه الله منها أولاداً فتبقى عنده، ولكن بعض أهل العلم كرهه لأجل ما فيه من النية المبيتة التي لو علم بها الطرف الآخر ربما لم يوافق عليها.

    ولكن ينبغي أن يعلم الفرق بين هذا النكاح وبين نكاح المتعة الذي يكون الطرفان على علم بالمدة المحددة التي إذا انقضت انتهى العقد بينهما، وأما الذي أشير إليه قبل قليل من نية عند الزوج أو عند المتقدم كالمسافر للخارج ونحوه؛ فإنها ليست معلنة بين الطرفين، ولا متفق عليها، ولا ينتهي النكاح إذا انتهت المدة التي في ذهنه بل هو مستمر.

    حكم الزواج المشروط بنفقة المرأة على نفسها

    وكذلك فإن بعض الناس يكثر الكلام عن النكاح الذي يقول فيه الرجل للمرأة: أتزوجكِ، ولكن لا تشترطي علي مبيتاً ولا تطالبيني بنفقة متى ما جئتك، وعليك أن تنفقي على البيت، فإذا رضيت بذلك المرأة -وهي صاحبة القرار في الطرف الآخر- واكتملت الشروط الشرعية للعقد فإن هذا صحيح، كما أفتى بذلك شيخنا الشيخ: عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه وأسكنه فسيح جناته.

    أيها الإخوة! فإذا ما طالبت المرأة بحقها في النفقة بعد الزواج، وقالت: أطالب بحقي في النفقة، قيل له: إما أن تنفق وإما أن تطلق، وأما ما دامت راضية ساكتة، وتنفق هي ولا تطالبه بمبيت؛ فإن الزواج على ما هو عليه، وهو على صحته باق، ولكن ينبغي أن يعلم أهل الحكمة أن مثل هذا الزواج غير مرشح للنجاح؛ لأنه كالشيء الذي لا يريد فيه صاحبه استقراراً، وربما وافقت عليه المرأة تحت الحاجة، فقالت: أنا برجل يأتيني في الأسبوع مرةً خيرٌ من أن أبقى بقية الدهر عانسة، فهذا في الغالب ليس مرشحاً للاستمرار، ولكن لابد أن نعلم الحكم الشرعي فيه، ثم بعد ذلك هل يقدم عليه الشخص أم لا؟ إن ذلك راجع إليه، وإلى ما يرى فيه المصلحة.

    مفاسد وليمة العرس والزفاف في العصر الحاضر

    عباد الله: إن وليمة العرس سنة، ولكن الناس اشتطوا فيها حتى صارت حملاً ثقيلاً ينوء به الزوج وبتكاليفه، وربما يبقى سنوات وهو يسدد تكاليف الزواج ولما خالف الناس هذه الشريعة التي جاءت بالتيسير صارت أمورهم معسرة وشديدة، ثم لم يرضوا بذلك حتى ملئوا الوليمة والزفاف بالمنكرات مثل: اختلاط النساء بالرجال، والغناء المحرم وآلات الموسيقى، والفرق الغنائية التي تستأجر بكذا وكذا، ويدخل الزوج وبعض أقاربه في كثير من الأحيان على النساء، وتعمل الكاميرات وآلات التصوير عملها لأولئك المصورين والمصورات، وتصوير ذوات الأرواح ملعون من فعله كما جاء ذلك في الحديث، وابتدعوا بدعاً كثيرة فقالوا: نعرض فلماً وثائقياً للزوج من صغره وللزوجة كذلك، وفيها عرض لوقت الخطوبة وإتيانه إليها، والحديث الذي دار بينهما، ويراه الحاضرون أو الحاضرات، فتباً لهذه الأفكار الوخيمة والابتكارات السيئة، وتنطلق الأبخرة والدخان والألوان الحمراء والخضراء وغيرها مركزة على هذه البنت عند دخولها، والكاميرات تعمل عملها، وقد أخبر العارفون بأن هذه الأنوار، وهذه الأبخرة وربما رافق ذلك موسيقى صاخبة بأن ذلك كله من فعل أهل الديسكو وأهل الانحراف وأهل الفسق، ومعلوم أن التشبه بالفسقة حرام، فكيف إذا كان الفعل في ذاته محرماً! فكيف إذا كانت تهدر في ذلك الأموال، ويقع الإسراف الذي لايرضاه الله ولا رسوله!

    عباد الله: نمص وتزيين بالحرام من كوافيرات كافرات أو فاسقات، وذلك شعار يستعمل في الزفاف وحفلاته، ووضعاً للشعر فوق الرأس كأسنمة البخت المائلة، وهذا صنف من أهل النار حدثنا عنه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وصل ووشم ونمص وتفلج إلى آخر ذلك من الأفعال التي لعنها النبي صلى الله عليه وسلم ولعن من فعلها، وتختم بالذهب للرجال، ووضع لآنية الذهب والفضة وأطباقهما في الحفلات، وأطباق الكرستوفل وغيرها من الفضة، والتي من أكل أو شرب بها فكأنما يجرجر في بطنه نار جهنم، ورفع لصوت النساء بالغناء، وهن نساء كبيرات في السن بالغات، يصل الصوت عبر هذه المكبرات إلى الرجال في الصالة، أليس في ذلك فتنة؟ هل هذا هو الدف الذي أباحه الشارع؟

    كلا والله بل أباح الشارع الدف واستثناه من سائر المعازف، ولم يبح الآلات الموسيقية الكبرى، ولا أصوات النساء الكبيرات اللاتي يصل صوتهن إلى الرجال عبر المكبرات، فهذا كله لم يبح في الشرع؛ ولذلك كان فاعله آثماً، فلا تبدءوا أيامكم الأولى في هذا العقد المقدس -يا معشر الشباب- بمعصية الله، فإنه -والله- لا خير في زواج يبدأ بمعصية الله، ويدوم على معصية الله.

    اللهم ارزقنا العفة والعفاف، اللهم ارزقنا الأمن والإيمان، اللهم ارزقنا الطهر والنظافة واليقين يا رب العالمين!

    اللهم إنا نسألك الأمن يوم الوعيد، وأن تجعلنا من الركع السجود، اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور! وآمنا في الأوطان والدور، وأرشد الأئمة وولاة الأمور إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.