إسلام ويب

فقيد الجهاد عبد الله عزامللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن للإسلام رجالاً ضحوا بدنياهم وملذاتها لإعلاء كلمة الله، وجعلوا أوقاتهم وجهودهم وقفاً لله، والزمان وإن كان يفجع بموت الأبطال إلا أن العزاء جنات وجنات، وفي هذه المادة تجد عزاء للمسلمين في فقيد الأمة وأبي الجهاد في هذا العصر الشيخ عبد الله عزام رحمه الله وغفر له، وبوأه الفردوس الأعلى في الجنة.

    1.   

    اغتيال الشيخ عزام رحمه الله

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].معاشر المؤمنين: عقيدتنا وعقيدة كل مسلم على وجه هذه البسيطة ألا يموت أحد قبل أن يستوفي رزقه وأجله، والأرزاق والآجال بيد الله جل وعلا، لو اجتمع الجن والإنس وكان بعضهم لبعض ظهيراً، على أن يؤخروا أجل مسلم ولو يوماً واحداً، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً .

    ولو اجتمع الجن والإنس وكان بعضهم لبعض ظهيراً على أن يخطفوا دقيقة واحدة من أجل المسلم لم يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً.

    عباد الله: يقول الله جل وعلا: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران:154] فلو أن عبداً من عباد الله قدر موته في بلدة بعيدة، لتهيأت له أسباب السفر إلى أن يبلغ برجله وإرادته البلاد التي تخطف روحه فيها.

    فيا عباد الله: الموت أمر سهل هينٌ ميسور بالنسبة لفهمه، وبالنسبة لميعاده وأجله، لكن الأمر كل الأمر في الاستعداد للموت ولما بعد الموت.

    عباد الله: يقول الله جل وعلا: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34] واعلموا أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : (حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: وإن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يؤمر الملك فتنفح فيه الروح ويؤمر الملك بكتب أربع كلمات، بكتب رزقه وأجله وشقي أم سعيد) فالرزق والأجل محدود معدود معلوم مقسوم وكل واحد منا جنين في بطن أمه.

    أحبتي في الله: أسوق هذه المقدمة الطيبة من كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم لأذكر لكم واقعة كلكم عرفها وتلقاها بواسع الرضا بقدر الله جل وعلا، ألا وهي استشهاد أمير المجاهدين العرب عبد الله عزام رحمه الله رحمة واسعة وجمعنا به في مستقر رحمته، وخلف أهله وذريته بخير منه، وخلف المجاهدين بخير منه.

    عباد الله: منذ جمع ماضية وليست الجمعة الماضية كانت محاولة باءت بالفشل دبرت لاغتياله رحمه الله حيث وضعت مادة متفجرة تحت المنبر الذي يخطب عليه، وقبل وصوله إلى المسجد بدقائق معدودة اكتشفها عامل النظافة فأخرجها مع مشاركة رجال البوليس والأمن، ونجاه الله جل وعلا حيث لم تكن ساعته، ولم تحن منيته.

    ثم بعد ذلك تعرض لمحاولة أخرى كانت خاتمة الشهادة بالنسبة له، كان ماضياً بسيارته إلى المسجد ليخطب الجمعة في المصلين والمجاهدين، وبينما السيارة في طريقها إذ مرت على عبوة ناسفة شديدة الانفجار وضعت في أنبوب مد عرضاً تحت السيارة، فما أن قاربته السيارة إلا وانفجرت شطرين، انفجرت القنبلة وتلك المادة الشديدة الانفجار، وانشطرت السيارة التي كانت تقله رحمه الله، وكان معه ولداه، تناثرت الأشلاء، وتطايرت الدماء، وسالت على الأرض لتشهد كل بقعة من البقع التي وقعت عليها قطرات الدماء بأنهم ماتوا وهم في طريقهم إلى توحيد الله وكلام الله، وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، بأنهم ماتوا وهم في طريقهم للركوع والسجود، بأنهم ماتوا وهم في طريقهم ليشهدوا جماعة الملائكة، وجماعة المصلين، فرحمك الله يا عزام رحمة واسعة.

    واعلموا -يا عباد الله- أن هذه الحادثة لا تجعلنا نظن أنه لو لم يسلك هذه الطريق لنجا، بل في علمنا أنه لو كان في بيته لمات في تلك اللحظة التي انفجرت فيها سيارته، ولو كان في بر أو في بحر أو في طائرة أو في سفينة أو في قصر مشيد لمات في لحظته التي انفجرت بها السيارة أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78] يموت الإنسان ولو كان في بروج مشيدة، يوم أن تدق الساعة الأخيرة من عمر الإنسان.

    لكن -يا عباد الله- قفوا وتأملوا هذه الحادثة، هذه الحادثة الشنيعة التي تنم عن حقد دفين على الجهاد والمجاهدين، وهل بعد هذا وقبله يبقى مسلم ساجد يجهل العداء بين الصهيونية والإسلام، أو يجهل العداء بين الشيوعية والإسلام، أو يجهل العداء بين النصارى والمسلمين، أو يجهل العداء بين ذوي الأفكار المنحرفة، والتيارات الهدامة، والمذاهب المفسدة، مع الإسلام والمسلمين.

    أسلوب التصفية الجسدية، أسلوب قديم، حاول الكفار واليهود أن يغتالوا نبينا صلى الله عليه وسلم، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يحفظه وأن الله يعصمه: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67].

    مات صلى الله عليه وسلم ثم خلفه أبو بكر الصديق ، ثم خلفه عمر وانتهت بتصفية جسدية، طعن رضي الله عنه وهو في المحراب شهيداً يصلي بالمسلمين صلاة الفجر، ثم خلفه عثمان فتسور القتلة بيته وقتلوه في قعر داره، ثم خلفه علي بن أبي طالب ومات بالتصفية والاغتيال، ذلك شهادة لهم من الله في منازل الأنبياء والشهداء، ولا يزال التاريخ يعيد نفسه جيلاً بعد جيل وقرناً بعد قرن.

    عمر بن عبد العزيز مات مسموماً رضي الله عنه، وهكذا مات كثير من سلاطين الإسلام وأئمة الدين وعلماء الشريعة بهذا النوع من التصفية، وهذا الأسلوب الوحشي الهمجي، حتى جاء عصر فيه إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله رحمة واسعة، ولما خرج من العيينة أرسل وراءه من يشيعه، فإذا بلغ مكاناً معلوماً أمر بان يسل السيف عليه، ويبين رأسه من جسده، فلما رفع السيف وهم أن يقتله عصمه الله، وجمدت يد القاتل وجمد السيف في يده، فعلم ذلك الذي وكل بقتله أن هذا ولي من أولياء الله، عصمه الله بعصمته، فولى أدباره وعاد منكسراً، وحفظ الله إمام الدعوة، وبعد ذلك توالى العداء إلى أن بلغ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، حفيد إمام الدعوة، لما أعلن شرك ووثنية الذين يطوفون بالقبور ويدعون من دون الله، ويستغيثون بالموتى وينذرون لأضرحتهم ويذبحون لها، ضايق ذلك الشياطين، فأسروه وأخذوه ووضعوه في فوهة المدفع.

    وقبل أن يضعوه فيه عزفوا الموسيقى تبكيتاً وعناداً له، يعلمون أنه رباني بوحي الله، رباني بكلام الله، يغيظه مزمار الشيطان وكلام الشياطين، فعزفوها أمامه ثم كتفوه وربطوه، ووضعوه في فوهة المدفع ثم ألقوا المدفعية، لتنطلق كلمة التوحيد، وتنطلق أشلاؤه متناثرة في ذلك المكان، وماذا بعد ذلك؟ أنشر فكره وانتشر علمه، ذلك المحدث الجليل حفيد إمام الدعوة، الشيخ سليمان الذي كان يقول: إني لأعرف رجال الحديث أكثر من معرفتي بأهل الدرعية يوم أن كان ساكناً فيها، يعرف الأسانيد والمتون والرجال، بتلاميذهم ومشايخهم، علماً أعظم من علمه برجال الدرعية .

    الله أكبر يا عبد الله! كانت نهايته تصفية جسدية، وها هو التاريخ يعيد نفسه، منذ سنتين أو ثلاث فجرت طائرة تقل رجلاً كان نعم العون للمجاهدين وهو ضياء الحق رحمه الله رحمة واسعة، وعفا عنا وعنه، والآن تفجر سيارة عزام، بأولاده ومن معه، وهكذا يستمر أعداء الإسلام، يستمرون في أسلوب التصفية الجسدية، ظناً منهم أن هذا يكبت صوت الحق، ويكتم أفواه رجاله، ولكنهم جهلوا أن موت الرجال انتشار للفكر، وأن موت الأرواح وأرواح الشهداء لا تنتهي، وأن موت الأجساد انتشار للدعوات والمبادئ، قتلوه قتلهم الله، وانتقم منهم، وفضحهم على رءوس الخلائق.

    1.   

    ورع الشيخ عبد الله عزام رحمه الله

    أيها الأحبة في الله: كان رحمه الله جسراً متيناً بيننا وبين الجهاد، كنا لا نعرف أخبار الجهاد والمجاهدين، وولايات أفغانستان وأخبارها العسكرية، والتموينية، والدعوة في تلك الصفوف إلا عبر مجلته الجهاد، وعبر المجلات التي كانت على نفس الصف والمنوال، البنيان المرصوص، والمجاهد، ولهيب المعركة، والملتقى، كان له دور عاطر واضح فيها، نسأل الله أن يجعل ذلك في موازين أعماله: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف:8].

    يريدون أن يقتلوا الجهاد بقتل عزام ، وما علموا أن أماً أنجبت عزام مثلها مئات الأمهات تنجب الأبطال والرجال والأجيال، هنيئاً لمن مات هذه الميتة.

    وإذا لم يكن من الموت بدٌ      فمن العجز أن تموت جباناً

    وإذا كانت النفوس كباراً      تعبت في مرادها الأجسام

    كان رحمه الله أستاذاً في الجامعة الأردنية، كان بوسعه أن يكون يوماً ما رئيساً أو ذا منصب مرموق في تلك الجامعة أو ذا منصب في تلك الدولة، ولكنه ترك المراتب والمناصب، والمراكب والمفارش وهاجر بنفسه وبزوجته وبأولاده ووالده وبناته إلى أرض الجهاد، وعاش في بيت متواضع في مكان متواضع، والله -يا عباد الله- كان بوسعه رغم الملايين المتدفقة عليه من أنحاء العالم كي يبذلها في الجهاد، وكفالة الأيتام، وكفالة المجاهدين والشهداء والأرامل، والمعوقين كان بوسعه أن يفتي لنفسه أو يتأول لنفسه ليشتري بيتاً فاخراً فارهاً عامراً أو سيارة مريحة، لكنه سكن بيتاً متواضعاً، سكن داراً صغيرة متواضعة، وركب سيارة صحراوية، سيارة كان بوسعه أن يركب ما هو أفخر وأفضل منها؛ لكنه كان يحاسب نفسه محاسبة الشريك الشحيح لشريكه، كل ذلك ألا يدخل ماله وجيبه، قرشاً واحداً من أموال المجاهدين، في بقعة هاجر إليها وترك تلك البلاد، هاجر إلى أرض قد تكون من دول العالم المتخلفة، أو دول العالم النامية، تنقصها كثير من الخدمات، رضي بأن يعيش هناك وترك عيشة الترف وعيشة الرفاهية، ليختار شظف العيش وخشونته.

    كان رحمه الله صديقاً للشيخ تميم العدناني رحم الله تميماً رحمة واسعة، كان مثله يشهد هذه المشاهد والمعارك والغزوات واللقاءات ضد أعداء الإسلام، في يوم واحد، في المأسدة، في لهيب المعركة، لم يشعر المسلمون المجاهدون إلا وسحب الطائرات تحلق على مواقعهم ومعسكراتهم ثم أمطرت نيرانها وقذائفها، والشيخ تميم كان مستظلاً بظل شجرة، لم يستطع أن يتجاوز مكانه؛ لأنه لو جاوز شبراً واحداً من ماطر القنابل والقذائف لنالته، كان جالساً تحت شجرة يقرأ كتاب الله، قرأ خمسة أجزاء من القرآن تحت تلك الشجرة التي تناثرت أغصانها وجذوعها وهو قاعد مكانه، وكل يناديه، تعال يا شيخ! تعال هنا، انج بنفسك، فيقول: أبقى هنا، اسأل الله أن أكون شهيداً، وإن بقي لي حياة تقدمت لأرمي أعداء الإسلام الشيوعيين، كان يريد الشهادة في سبيل الله، لكن نسأل الله أن يؤتيه أجر الشهداء، مات بنوبة قلبية، يوم أن كان مسافراً إلى أمريكا رحمه الله رحمة واسعة، فحزن عزام حزناً بليغاً على فراق صاحبه تميم وكتب في رثائه، ما وهي إلا أسابيع معدودة، فمات عزام شهيداً بعده، فمن الذي يرثيك يا عزام ؟ ومن الذي لك إلا الله جل وعلا.

    نسأله أن يجعلك من الشهداء، نسأله أن يجعل روحك في الجنة، وأرواح شباب المسلمين المجاهدين، وأن يجمعك بجميع المسلمين في دار كرامته، الله أكبر يا عباد الله! وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169].

    هاجر رحمه الله والله جل وعلا يقول: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الحج:58] .. وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ [البقرة:154] رحمك الله يا عزام .

    عرفناك حراً طوال السنين     تبيع الحياة لرب ودين

    فإن كنت فارقت دار اختبـار     فأنت شهيد مع الخالدين

    نسأل الله أن نكون وإياك مع الشهداء في صحبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قدمت النساء يعزين زوجته جبر الله مصيبتها وخلفها خيراً من ذلك، قدمت النساء يعزين زوجته فخرجت إليهن وقالت بروح الأم المسلمة الصامدة: أتعزونني والله إنها لمفخرة لي أن أقدم زوجي واثنين من أولادي في سبيل الله، أمٌّ لا كالأمهات، أين الأم التي كان ولدها يسافر إلى مانلا وإلى بانكوك وهي تحزم أمتعته وملابسه وتودعه، ولما من الله عليه بالهداية وقال: يا أمي! أريد أن أذهب إلى الجهاد في سبيل الله قالت: لا. لا يا ولدي، إني أخاف عليك، أتخافين أن يموت ؟! يوم أن كنت تحزمين أمتعته وتعدين ملابسة وتعدين متاعه يسافر إلى تلك الدول ما قلت: أخاف عليك أن تموت موتة سيئة، أو أن يختم لك بسوء الخاتمة، ويوم أن أراد الجهاد تقفين له وتقولين: لا يجوز الجهاد إلا برضى الوالدين، نعم. نحن نقر وندين الله جل وعلا أنه لا يجوز الجهاد إلا برضى الوالدين، ولكن كيف تأذنين له وترضين بسفره هناك، والآن تمنعينه وتقفين أمامه يوم أن أراد أن يموت شهيداً في سبيل الله؟ إذا مات شهيداً كان شافعاً لك عند الله جل وعلا.

    عباد الله: اعلموا أنها سنة الله في الحياة، واعلموا أن جثة الشيخ بقيت سليمة لم تتناثر ولم تتجزأ، انشطرت السيارة وتناثرت أشلاء من معه، إلا جثته وحده رحمه الله، فبقيت سليمة صحيحة، ما تناثر منها شيء، ومات ولفظ أنفاسه الأخيرة، وهو يشهد أن لا إله إلا الله، ويشهد أن محمداً رسول الله في الطريق إلى المستشفى رحمه الله رحمة واسعة، هكذا تحيا الدعوات، وهكذا ينتشر الحق، وهكذا يظهر النور.

    1.   

    الجهاد وأهميته في نشر الدين

    إن الإسلام -أيها الإخوة- انتشر يوم أن أُريقت دماء أصحابه على أرض الجهاد، وإن الفتوحات الإسلامية توسعت يوم أن سالت دماء الصحابة، ودماء التابعين، وجنود المسلمين على أرض المشرق والمغرب، وهي سنة الله، والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة.

    لن ينتشر هذا الدين إلا بالجهاد في سبيل الله، شريعة الأمة، شريعة الخلود، شريعة البقاء، فإن كنت حياً فمن السعداء، وإن مت في الأرض، في أرض الجهاد فمع الشهداء، هكذا يعيش المسلمون.

    عباد الله: كم من شخص لم يُعرف فكره وصدقُ نيته وصلاحه إلا بعد أن واراه التراب، انتشر وعرف وعلم شأنه وقدره، سيد قطب رحمه الله كان معلوماً لديكم، وقع أن قدم للإعدام في المشنقة، وطلب منه أن يعتذر أو أن يقول كلاماً ليرضي به من حوله، ولكي يخفف عنه الإعدام إلى السجن المؤبد، أو نحو ذلك، فماذا قال؟ إن إصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في كل يوم خمس مرات، يرفض أن يعتذر للطغاة، الله أكبر يا عبد الله! هكذا تنتشر الأديان، هكذا ينتشر الدين وتنتشر العقائد، وبدون ذلك لا تنتشر فكرة ما لم يروها أبناؤها بدمائهم.

    وقال رحمه الله في تفسيره في ظلال القرآن حول كلامه عن قول الله جل علا : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر:51] قال رحمه الله: وكم من شهيد بلغت دعوته مبلغاً بعيداً، لو قدر له أن يعيش آلاف السنين لم تبلغ دعوته عشر ما بلغت، فهذا عزام مثله، وقبله أئمة الدعوة في نجد، وفي سائر أنحاء المعمورة يوم أن قدموا دماءهم لله انتشر التوحيد، وانتشرت الدعوة، وانتشر فكرهم، الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! على هذه الخاتمة الحسنة وهذه الخاتمة الطيبة، وإنها والله تدفع آلاف الشباب، أن يعلنوا ثباتهم وصمودهم واستمرارهم في لقاء العدو ومواجهة الأعداء، إلى أن يأذن الله لهم أو يفتح الله للمؤمنين أجمعين:

    تالله ما الدعوات تهـزم بالأذى     أبداً وفي التاريخ بر يميني

    ضع في يدي القيد ألهب أضلعي     بالسوط ضع عنقي على السكين

    لن تستطيع حصار فكري ساعة     أو رد إيماني ونور يقيني

    فالنور في قلبي وقلبي في يدي     ربي وربي حافظي ومعيني

    الله يحفظ عباده، والله يحفظ دينه، والله يحفظ شريعته، الله متكفل بحفظ دينه وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38] .. مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54].

    بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    الجهاد لا ينتهي بموت أحد

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.

    أيها الأحبة في الله: هل انتهى الجهاد بموت عزام؟ أو هل انتهى الجهاد بمقتل ضياء الحق ؟ ولو استشهد قادة الجهاد، لو استشهد سياف أو جميل الرحمن، أو رباني أو حكمتيار أو أي من قادة الجهاد، لو استشهدوا جميعاً في لحظة واحدة، أو في يوم واحد -يا عباد الله- لو استشهد هؤلاء هل ينتهي الجهاد؟

    لا والله، الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، وإن الذي بعث للجهاد عبد الله عزام لهو بأمره ومشيئته ورحمته قادر على أن يبعث ألف عزام مثله، فنسألك اللهم أن تظهر من شباب المسلمين من يكون على مستوى هذا الرجل أو أفضل منه، لكي يقدم ما يجب عليه تجاه المجاهدين، وإن أرحام النساء ما عقمت أن تنجب مثله.

    إن الله جل وعلا علمنا شريعة ماضية وسنة كونية، يوم أن تكلم الصحابة رضوان الله عليهم، وأشيع في معركة أحد أن النبي مات، كان لذلك أثر في قلوب بعض الصحابة، فقال الله جل وعلا: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران:144] لا والله، لم ولن ينقلب الصحابة والمؤمنون على أعقابهم، ثم لا والله لم ولن ينقلب الشباب على أعقابهم بعد استشهاد عزام، أو بعد استشهاد قادة الجهاد، فكل ماضٍ إلى ما يرضي الله جل وعلا، وكلٌ سائر بأمر الله جل وعلا، ولكن -يا عباد الله- الأمر الذي بقي هو أن عزاماً مات ودفن في قبره، ومازالت صحائف حسناته مفتوحة، تكتب ملائكة الحسنات أعماله، والله إن آلاف المسلمين لم يعرفوا كفالة الأيتام إلا منه، ولم يعرفوا كفالة الشهداء إلا منه، ولم يعرفوا كفالة المعوقين إلا منه، وما التزموا وتحمسوا للبذل والجهاد إلا بفضل الله ثم بفضل خطبه، كل ذلك بفضل الله ثم بخطبه ورسائله ومجلة الجهاد التي كان ملفها في جيبه، مصبحاً وممسياً ماضياً آيباً، مرتحلاً مقيماً في كل مكان ترى معه ملف هذه المجلة، لكي يكتب لي ولك وللخامس والعاشر، ليكتب للمسلمين أجمعين، عن أخبار إخوانه المجاهدين، فهذا رجل مات، ولكن لا زالت حسناته ماضية، وشتان بين رجل يموت كهذا وآخر لا دور له في الجهاد ولا في الدعوة ولا في النفع.

    وميت ضجت الدنيا عليه     وآخر لا تحس له أنيناً

    والناس ألف منهم كواحدٍ     وواحد كالألف إن أمر عنا

    كان رحمه الله عن أمة، كان رحمه الله عن ألف وآلاف مؤلفة، لا أقول هذا غلواً فيه، ولا أقول هذا مبالغة، ولا أقول هذا إطراءً في المديح، فإن الرجل أفضى إلى ربه ولو كان حياً ما تكلمت فيه على منبر، لكنه أفضى إلى ربه، وإذا كان ولا بد فالكلام في الأحياء فتنة، لكن الكلام في الأموات إظهار لمآثرهم ومناقبهم ومحاسنهم، وأقول: قفوا يا أيها المستمعون، قفوا، وأنصتوا إن أناساً تكلموا في عرضه، وإن أناساً نالوا من سمعته، وإن أناساً لفقوا عليه الأقاويل، وتكلموا في صاحبه الشيخ تميم العدناني، إما بشريط، أو بمقالة، أو بكتيب، أو برسالة، فأقول: إن كان هدفهم النصيحة فما هكذا تورد الإبل -أيها الإخوة في الله- هلا ذهبتم إليه في بيته ونصحتموه إن كنتم ترون شيئاً يستحق النصيحة، لكن الرجل أفضى إلى ربه، فأين لكم أن تقفوا معه أو تجلسوا معه لتقولوا: سامحنا وحللنا وأبحنا فيما نشرناه عنك ؟! أو سجلناه عليك، أو قلناه فيك ؟! أيستطيع أحد أن يناجيه أو يكلمه عند قبره، لا والله سيقف من تكلم فيه مع عزام رحمه الله في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، سيقفون عند رب لا يجور، وعند رب لا يظلم، وميزان لا شطط فيه، ليكون القصاص وليكون القضاء فمن الحسنات أو السيئات.

    لكني أقول لمن وقع في عرض هذا الرجل أكثروا من الاستغفار له، واسألوا الله له العفو والمغفرة، فلعل ذلك أن يكون سبباً للمغفرة والتوبة عليكم.

    أيها الأحبة في الله: ينبغي أن يكون من شباب أمة الإسلام من يسد هذا الثغر، ينبغي أن يكون من بينكم يا شباب الإسلام من يقوم بهذه المنزلة، وهذه المكانة، فلا تحتقروا أنفسكم أنتم أبناء فطرة، من أرض هي مهبط الرسالة، ومكان تجديد العقيدة، فالله الله لا يثبطنكم الشيطان، أو يحقر من شأنكم، فو الله ثم والله -بمشيئة الله وفضله ومنه- ليكونن على أيديكم خير عظيم في الجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم تكون بعد ذلك في سجل الخالدين المرموقين الذين يموتون ومازالت معالمهم شامخة، وقممهم باسقة، وشخصياتهم قائمة:

    إذا ما مات ذو علم وتقوى     فقد ثلمت من الإسلام ثلمه

    وموت الحاكم العدل المولى     بحكم الأرض منقصة ونقمه

    وموت فتىً كثير الجود محل      فإن بقاءه خصب ونعمه

    وموت العابد القوام ليلاً      يناجي ربه في كل ظلمه

    وموت الفارس الضرغام هدم      فكم شهدت له بالنصر عزمه

    فحسبك خمسة يبكى عليهم      وباقي الناس تخفيف ورحمه

    وباقي الخلق هم همج رعاع      وفي إيجادهم لله حكمه

    فكونوا من الذين يبكى عليكم بعد موتهم، كونوا من الذين يذكرون بالخير، كونوا ممن تبقى صحائف حسناتهم مفتوحة تنورها الملائكة بالحسنات، تنورها الملائكة بالصالحات ولو كنتم في قبوركم.

    أسأل الله أن يعفو عنا وعنه، وأن يجمعنا به في جنته، وأن يعفو عمن نال من عرضه، وأن يتجاوز عنهم، وأن يوفق الجميع إلى ما يحبه ويرضاه، ونسأله بحفظه وبعزته التي لا تضام، وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يحفظنا ويحفظ ولاة أمرنا، وعلماءنا وقادة الجهاد في كل مكان.

    اللهم أحينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم اهد شباب المسلمين، اللهم اهد شباب المسلمين، اللهم ردهم إليك رداً جميلاً، اللهم تب عليهم توبة صادقة، اللهم وفقهم للتوبة النصوح، اللهم اجعلهم خير الشباب لأمتهم، وخير الرجال لأوطانهم، وخير النفوس لأهلهم وزوجاتهم ووالديهم وأولادهم، برحمتك يا رب العالمين!

    اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً سحاً غدقاً طبقاً مجللاً نافعاً غير ضار، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغث قلوبنا، اللهم أغث قلوبنا، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد برحمتك يا رب العالمين!

    اللهم استعملنا بطاعتك، اللهم استعملنا بطاعتك، اللهم استعملنا في طاعتك، وثبتنا على دينك وتوفنا على ما يرضيك، اللهم لا تقبضنا على خزي، اللهم لا تقبضنا على معصية، اللهم توفنا ركعاً سجداً، مجاهدين مصلين، آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، اللهم صل وسلم على محمد وآله وصحبه.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2737506914

    عدد مرات الحفظ

    684514962