إسلام ويب

الكذبللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الكذب آفة تفتك بالمجتمع، تتسلل إلى نقلة الأخبار، وحملة الأفكار، فتؤدي إلى إشكالات كثيرة. لذلك كان التثبت عند سماع الخبر ونقله واجبا، وكاد أن يكون غير المتثبت كاذبا. وفي هذه الخطبة نفي لأي مصلحة مدعاة تأتي من وراء الكذب، وفيها حصر جواز الكذب على ما ورد في الشريعة. كما اشتملت الخطبة الثانية على بعض ما يجب على من حضر مجالس القيل والقال.

    1.   

    محذورات نقل الأخبار

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    معاشر المؤمنين! لقد من الله على أمة الإسلام بصحوة ويقظة بعد غفوة وغفلة، ومن أبرز ملامح تلك الصحوة هذا الجيل العائد إلى الله من كل جهات الدنيا ومجالاتها، وفي شتى وظائفها وتخصصاتها، ولكن ما أحوج هذا الجيل إلى التفكير قبل العمل، وإلى التثبت قبل النقل، وإلى المناصحة عند الزلل: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا [سبأ:46].

    واعلموا يا عباد الله! أنه إن لم يتناصح المؤمنون فيما بينهم، فلينتقدنهم العدو، وليشمتن بهم الحاسد، وليجدن المرجف إلى عقر دارهم سبيلا، وإن مما ابتلي به كثيرٌ من المسلمين، الفرح والعجلة بنقل الأخبار، ونشرها في المجالس، وجعلها محور الحديث بين القاعدين، ثم لا تسل بعد ذلك عن الزيادات والحواشي والشروح، والدخول في المقاصد والنيات التي لا يعلمها إلا الله عز وجل.

    عباد الله! لقد تعددت وتنوعت وسائل نقل الأخبار والأقوال، فضلاً عن سرعة وصولها، وبات الخبر الذي يصبح في شرق الدنيا، يضحي في مغربها، والمهم في حديثنا اليوم هو ما الذي يصح، وما الذي يثبت من هذا الكم الهائل من المعلومات، وما تتناقله الألسنة، وقديماً قال العلامة ابن خلدون يرحمه الله: فالتحقيق قليل، وطرف التنقيح في الغالب كليل، والوهم نسيب للأخبار وخليل، والتقليد عريق في الآدميين وسليل.

    ولما فشا نقل الكلام، ومرض نقل الأخبار، لما فشا هذا الداء العضال في صفوف كثيرٍ من المسلمين إلا من عصم الله ورحم، بتنا نسمع كلاماً ينقل، تثور له ضغائن النفوس، وتتمزق له أواصر الأخوة والمحبة ، ومن قدر على العفو، لم يقدر على حفظ المودة من المنغصات، أو تصدع جدرانها.

    فيا أخي:

    احرص على حفظ القلوب من الأذى     فرجوعها بعد التنافر يصعب

    إن النفوس إذا تنافر ودها     مثل الزجاجة كسرها لا يشعب

    واجب التثبت عند نقل الأخبار وسماعها

    لقد بلغ الداء في فريق من المسلمين، أن بات تصديقهم للقيل والقال في الرجال والأحوال، أسرع من تسلميهم للأمر عن الله ورسوله، ولو أنهم قالوا للناقل والساعي، ولمن جاء يتملق بالحديث أو يتشدق أو يتفيهق به، لو أنهم قالوا للناقل: من أين لك هذا؟ وما مصدر الخبر؟ لأسقط في يد الناقل، ولرأيت كثيراً من الناس يعتمد في نقله على مثل فعله من القيل والقال، أو يعتمد على الشائعات والمنشورات، أو الاستنتاج والقول باللوازم.

    وبعضهم إذا قيل له: من أين لك هذا؟ وما مصدر كلامك؟ وما أصل نقله؟ قال: أخبرني فلان عن فلان عن فلان، ثم لم تلبث أن تسمع وترى سنداً يروي فيه الكذوب عن المدلس، عن صاحب الهوى، عن سيئ الحفظ، عن الصدوق، فلا يبلغ الخبر إلا بعد الزيادة والحذف والاضطراب والخلل والتأويل، ثم يتناقله السرعان من الناس، وما أرسلوا على الناس حافظين، ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به من الكف عن القيل والقال، لكان خيراً لهم وأقوم وأشد تثبيتا.

    إن كثيراً من الأخبار التي يتناقلها البعض عن إخوانهم أو أترابهم، وربما هم عند الله خيرٌ منهم، علتها الكذب الصريح الذي لا مكان لمروءة الناقل الكاذب بعده، وحسبك أن الكذب دالةٌ في ضعف الدين، ودليلٌ على خسة الطباع، يقول الله عز وجل: إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النحل:105]، وروى الإمام أحمد في مسنده عن ابن أبي مليكة، أن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كان خلق أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب، ولقد كان الرجل يكذب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذبة فما يزال في نفسه صلى الله عليه وسلم عليه، حتى يعلم أنه قد أحدث منها توبة.

    تناقض الكذب مع المصلحة

    ولا غرابة يا عباد الله! فمن يحدث في الحديث كذبا، أو يحدث بكذب الحديث، يحتاج إلى كذبٍ آخر، ليؤكد به الكذب الأول، إذ لا يعقل أن يكون مصداق الكذب حقاً وصدقا، وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذابا) رواه الإمام مسلم وغيره.

    وحسبكم يا عباد الله! أن الكذب من علامات النفاق، قال صلى الله عليه وسلم: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) متفق عليه. ومن أنجس الحماقات وأخبثها، من يدعي أنه يكذب لمصلحة الدعوة، أو من يدعي أنه يكذب للإصلاح، أو لإصلاح الأوضاع الفاسدة، وهل عقم الدليل؟ وهل شح النص؟ وهل ضعفت النصوص الصحيحة الصريحة؟ هل عجزت عن الإصلاح حتى نصلح أحوالنا بالكذب؟

    نعم. ليس من الكذب الكلام في إصلاح ذات البين وما استثني بالنص، ولكن أن نظن أن الكذب أو التحريف سوف يجر خيراً ومصلحة وحقاً، فهيهات هيهات إنك لا ترجو من الشوك العنب، واليوم ظهرت سرية من أعوان الكذابين والكاذبين، تمارس حرباً نفسية على كل من لم يوافق هؤلاء المفترين، أو على الأقل يسكت عن الحق الذي يعلمه، حتى أصبح بعض العقلاء يعلم في نفسه، كذب بعض ما يدور ويتناقله الغوغاء على الألسنة، ولكن بعض هؤلاء العقلاء يخشى من أعوان المفترين، أن يصنفوه أو ينالوه بكذبة تجعله في عداد المكذوب عليهم، ولذا تراه يتردد عن القول بالحق والنطق به، فيقول: إن سكت سلمت من ألسنتهم وشائعاتهم وأقوالهم، وإن تكلمت لم أنج حتى من الشائعة أو التهمة بأدنى باقعة.

    ونقول لكل عاقل: لا تدع الصدق لأنهم يكذبون، ولا تدع الأمانة لأنهم يخونون، ولا تدع الوفاء لأنهم يغدرون، ولا تدع الأمر بالمعروف لأنهم عن المنكر يسكتون، والله المستعان!

    ضروب أخرى من الكذب

    ومن ضروب الكذب وخبيث أنواعه، تلك الكلمات التي يطلقها الكاذبون غير جريئين على الصراحة، ورمي المكذوب عليه صراحة، ولكن يلجئون إلى إثارة الشبهات والشكوك حول هذا الذي يكذب عليه، حتى تجتمع من الأحوال، ومختلف المواقف المرتبة على نسقٍ معين، ما يجعلون السامع ينطق به -أي: ينطق بالكذب- أو يعقد على الكذبة التي هابوا وخافوا من النطق بها صراحة.

    إنه لا يجوز أن نكذب على أحد، حتى على أعدائنا من ذوي المذاهب الضالة والملل المنحرفة، ولو كان عدواً إلا ما استثني بالدليل، من الكذب حال الحرب والمعركة، أما الكذب والافتراء حتى على ذوي الأهواء والمذاهب الضالة فإنه لا يجوز، فما بالك بمن يشاركوننا في الإسلام والإيمان والإصلاح، إنه لا يجوز أن نكذب، ولماذا نكذب وعندنا من الحق والدليل ما يكفي لهتك أستار الأعداء ونبذ أخبارهم، دون اللجوء إلى الافتراء.

    ومن أنواع الكذب الذي يسري على عقول كثير من المسلمين، ذكر بعض الحقائق وإخفاء بعضها الآخر، فترى الكذوب يسمعك من الرواية فصولاً لا تدع للسامع مجالاً ينجو فيه من تغير حاله ورأيه على المكذوب عليه، ولو أن السامع أسمع الواقعة كلها، لانقلب السامع مؤيداً ونصيراً ومعيناً، وللكاذب عدواً.

    ولكن يا عباد الله! إذا زلت العقول عن المنهج، وعن الدليل، وعن الحق، ومالت إلى الهوى، فلا تسأل عن الهلكة: فإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ [القصص:50] إن كثيراً من الذين يكذب عليهم، لو أسمعوا الحقائق على جملتها وتفاصيلها، لانقلب السامع مؤيداً ونصيراً للمكذوب عليه، بل وانقلب السامع معيناً لمن جاء الكاذب يتزلف بعرضه، أو يسعى في إفساد سمعته، أو كما يقال إحراق أوراقه.

    روى الإمام أحمد وأبو داود بسندٍ صحيح، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال: قال صلى الله عليه وسلم: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضاد الله في أمره، ومن مات وعليه دين، فليس بالدينار والدرهم، ولكن بالحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطل وهو يعلمه، لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه، أسكنه الله ردغة الخبال، حتى يخرج مما قال وليس بخارج).. إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:15-16].

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    واجب من حضر مجالس القيل والقال

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، عضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.

    أيها الأحبة في الله! إننا بحاجة إلى أن نرفع شعاراً وراية في مجالسنا ولقاءاتنا، وأماكن تزاورنا، هي أن نسأل عن المصادر والأصول والمرجع، فلا يقبل عاقلٌ أن يجعل عقله زجاجة أو إناء يصب فيه من خليط الكلام ورديء القول وساقط الافتراء، إن عاقلاً لا يرضى أن يقدم جوفه وعقله وقلبه إناءً ليصب فيه المتكلمون ما يشاءون، فكل كلمة أسعفها الدليل، وأيدها النص، وظهرت عليها علامات الصدق، فحيهلا بها وبقبولها، ومن لم يسعفه الدليل فلا مكان له ولا منزلة، في قلوب وعقول العقلاء، ذوي الحجا والألباب.

    أيها الأحبة: إذا دار الحديث في مجالسنا عن القيل والقال، وأعراض الرجال، فعلينا أن نعلم الأمور التالية:

    أولاً أننا لا نتكلم في معروف، ولا نجمع حسنات، وإنما نتكلم في منكر، ونسدي إلى المتحدث عنهم حسناتنا، ونكسب زيادة على ذلك آثاماً وسيئات.

    الأمر الثاني: أننا لم نرسل على الناس حافظين، نحصي عليهم أعمالهم وأقوالهم.

    الأمر الثالث: أن واجبنا إذا جلسنا مجلساً وسمعنا فيه القيل والقال، أن نقول للمتحدث: كف لسانك عن هذا، أعطنا أية من كلام الله، وحديثاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تجعل صناديق ساعاتنا نلقى بها يوم القيامة غيبة وفرية وشائعة ونميمة.

    الأمر الرابع: يشرع لمن تكلم في عرض مسلم في مجلسه، أن يذب عن عرضه، فمن ذب عن عرض أخيه ذب الله عن عرضه النار يوم القيامة، حتى ولو تكلم المتكلمون في مجلسك عن رجلٍ أنت تخالفه في منهجه، أو في أسلوبه وطريقته، فالخلاف قديم ومعروف بين طلبة العلم والعلماء والفقهاء، ولكن الخلاف لا يبيح الكلام في الأعراض، ولا يجيز الغيبة، ولا يبيح النميمة، ولا يسقط الحقوق، ولا يسقط الواجب علينا تجاه أعراض إخواننا، حتى لو اختلفنا معهم، فضلاً عمن اتفقنا معهم.

    الأمر الخامس: أن من واجبنا إذا علمنا أن أحداً لا هم له إلا النقل والقيل والقال، والسعي بالشائعة والكلام، علينا أن نطرده من مجالسنا، وألا يبقى معنا، إلا إن يخوض في حديثٍ غيره، بعد أن يتوب إلى الله ويعلن التوبة والمناصحة.

    إننا بحاجة إلى أن نصلح سلوكنا، إننا لسنا بحاجةٍ أن نصلح أوضاعنا الاقتصادية فحسب، أو نصلح أوضاعنا السياسية فحسب، أو نصلح أوضاعنا الإعلامية أو التربوية أو الاجتماعية والتعليمية فحسب، بل نحن بأمس الحاجة أن نصلح سلوكنا، وأخلاقنا، وطبائعنا، وأموراً ترددت في مجالسنا، وتعوَّد البعض على نقلها في كلامه، وأصبحت أمراً يغض البعض فيه عن البعض طرفاً.

    وذلك من السكوت عن المنكر، وما هكذا يكون المؤمنون، بل إن الله وصف المؤمنين بأنهم الذين يؤمنون ويعملون الصالحات، ويتواصون بالحق ويتواصون بالصبر، فأين التواصي بالحق في المجالس؟ هل فينا جرأة إذا تكلم أحد في عرض أن نقول له: اسكت أو اخرج؟ هل فينا جرأة إذا وجدنا المجلس قد أطبق على الكلام في عرض غافلٍ، أو عرض مبتلى، أو مسكين، أن نقول: اسكتوا أو نخرج؟

    هذا هو واجبنا، وأن نبرأ إلى الله من أن نحضر أو نجلس، وإخواننا تشرَّح أعراضهم أو يتكلم فيهم أياً كانوا، حتى ولو كان المتكلم فيهم على طرفي نقيض في الوسائل والأساليب، أليسوا يجمعهم بنا، ويجمع بعضهم مع بعض الإسلام والإيمان والدعوة والغيرة والإصلاح؟ فلماذا الحديث في الأعراض؟ لماذا القيل والقال؟ لماذا نقل الكلام؟ نعم. لما خلت العقول عن النافع المفيد، وخلت القلوب عن الخوف والوجل والخشية، ما بقي في العقول بعد زوال النافع إلا الضار، وبعد زوال المفيد إلا المضل، وبعد زوال الهدى إلا الضلالة.

    هذا شأن كثير من الناس، الذين يتكلمون بساقط القول ورديء الكلام، وإن الألسنة مغارف القلوب، فمن كان قلبه إناءً لكلام الله ورسوله، أول ما يخرج من لسانه قول الله وقول رسوله، ومن كان قلبه إناءً للأعراض والقيل والقال والشائعات، أول ما يخرج من لسانه: قيل في فلان، وروي عن فلان، وحدث عن فلان، وسئل فلان عن فلان، فقال في فلان ما قال.

    وما لهذا خلقنا، وما بهذا وكلنا، ولكن إن الإنسان إذا ضل عن الهداية، تفنن وأمعن في الغواية.

    يقضى على المرء في أيام محنته     حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن

    اللهم سلم أعيننا من الخيانة، وألسنتنا من الكذب، وقلوبنا من النفاق، اللهم ارحم إخواننا المسلمين في كل مكان، اللهم ارحم إخواننا المستضعفين في كل مكان، اللهم فرج لإخواننا المكروبين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم من نقل الكلام بيننا بغفلةٍ أو بجهل أو بخطيئة لا يعلم بها، اللهم فتجاوز عنه ولو تكلم في أعراضنا، اللهم سامحه ولو تكلم في ذواتنا، اللهم اجعل سيئاته حسنات ولو تكلم عنا، اللهم ومن تكلم فينا وفي إخواننا يريد إفساد مجتمعنا، ويريد إحداث الفتنة بين الولاة والدعاة والعلماء والعامة، اللهم فأخرس لسانه، وعطل أركانه، واهتك أستاره، وافضح أسراره، وأرنا فيه عجائب قدرتك يا رب العالمين.

    اللهم اكشف منكره وباطله بين الخلائق حتى يتجنبوه، وحتى يشيروا إليه فلا يقبلوه بقدرتك يا رب العالمين! اللهم أمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجمع شملنا وحكامنا وعلماءنا ودعاتنا، والجميع فينا على الهدى والحق يا رب العالمين، اللهم لا تفرح علينا عدوا، ولا تشمت بنا حاسداً يا رب العالمين، اللهم أبرم لأمتنا أمر رشد يؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، ويعز فيه أهل الدعوة والطاعة، ويذل فيه أهل المعصية يا رب العالمين.

    اللهم ولِّ علينا خيارنا، واكفنا شرارنا، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا أسيراً إلا فككته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا أيماً إلا زوجته، وذرية صالحة وهبته، بمنك وكرمك يا رب العالمين! اللهم انصر إخواننا المستضعفين في البوسنة والشيشان ، اللهم أيدهم بتأييدك، اللهم انصرهم بنصرك، اللهم أنزل جنودك من السماء، التي لا يعلمها إلا أنت تقاتل معهم، وتدفع بأمرك وقدرك عنهم كيد عدوهم، اللهم ثبت أقدامهم، ووحد كلمتهم وصفهم، وسدد رصاصهم ورميهم، وأقم على الدين دولتهم، واطرد المنافقين من صفوفهم، اللهم عليك بالصرب والروس واليهود ومن شايعهم، اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، اللهم اجعل سلاحهم في نحورهم، واجعل كيدهم على صدورهم، وخالف بين قلوبهم، واجعلهم غنيمة للمسلمين.

    إلهنا لا ترفع لهم راية، إلهنا اجعلهم لمن خلفهم آية، إلهنا لا تجعلهم يدركوا من المسلمين غاية بقدرتك يا رب العالمين، اللهم صلِّ وسلم على محمد، اللهم صلِّ وسلم على نبينا وحبيبنا وإمامنا وقدوتنا في الخير كله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه وعلى أزواجه ومن اقتفى أثره، واستن بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.