إسلام ويب

العبادة الميسرةللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن لكل مادة ما يحركها؛ فللسيارة وقودها المناسب، وللأبدان غذاؤها المناسب، وكذا للقلوب غذاؤها المناسب وهو الذكر. وقد تحدث الشيخ هنا عن فضل الذكر وأنه حياة القلوب وقد ذكر جملة من فوائد الذكر في الدنيا والآخرة، واستعرض مظاهر غفلة الناس عنه رغم أهميته لكل عبد، وهو رغم سهولته الأجر فيه عظيم والجزاء له جزيل، وقد تكلم أيضاً عن أنواع من الذكر وحثَّ السلف عليه ...

    1.   

    الذكر حياة القلوب

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه وعن الند وعن المثيل وعن النظير، ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: يا معاشر المؤمنين! اتقوا الله تعالى حق التقوى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    معاشر المؤمنين: يقول الله جل وعلا: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الأحزاب:35] ويقول جل شأنه: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

    أيها الأحبة في الله: لكل متحركٍ في هذا الزمان مادته ووقوده الذي يحركه، فمن رامَ تحريك الطائرات بالأحجار ما تحركت قيد أنملة، ومن رام تحريك السيارات بالرمال ما تحركت خطوة، ومن رامَ تحريك السفن بالأطعمة ما تحركت ميلاً، وكذلك الأبدان لو أراد رجلٌ أن يملأ البطون بالحجر أو بالرمل ما تحركت؛ لأن لها وقوداً ومادةً تحركها، فكذلك القلوب، لها مادةٌ لا تتحرك إلا بها؛ فإن وجدت تلك المادة تحركت هذه القلوب يقظةً وإنابةً وخوفاً وخشيةً ومراقبةً واستجابةً لأمر الله، وهي الملوك على الجوارح، فتكسب تلك الجوارح خضوعاً وطاعةً وامتثالاً لأوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا غذيت القلوب أو رامَ عبدٌ سقي قلبه بغير المادة التي يحيا بها القلب لم يفد ذلك الطعام، أو لم تزد تلك المادة القلب إلا خموداً ومرضاً وموتاً وهلاكاً.

    إن حياة القلوب ليست بالطعام، وليست بالشراب، وليست بالقيل والقال، وليست كما يظن بعض المنحرفين في هذا الزمان بالغناء والموسيقى بأنواعها الصاخبة والراقصة والهادئة، وإنما حياة القلوب ذكر الله جل وعلا، الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) [الرعد:28]. حياة القلوب، أن تذكر في ملأ الله الأعلى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152].. حياة القلوب أن تغشاها الملائكة، أن تحفها الملائكة، أن تغشاها السكينة، أن تتنزل عليها الرحمة (ما جلس قومٌ مجلساً يذكرون الله فيه، إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم السكينة، ونزلت عليهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده) حياة القلوب ذكر الله جل وعلا، أن يلهج اللسان بالذكر، وأن يستحضر القلب هذه المعاني، فلا تسل بعد ذلك عن إشراقة الوجه، وطمأنينة القلب، وهدوء البال، ولذة الحياة؛ لأن العبد بهذا يوافق مخلوقات الله في توجهها إلى الله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ الإسراء:44].

    أيها الأحبة في الله: ربما وقفنا موقفاً رأينا رجلاً يسمى: (بلبل) -يعني يتحدث بلغاتٍ عديدة- يجيد لغة الألمان والإنجليز والروس وغيرهم، فنعجب به وننظر إليه، وتشتد غبطتنا له؛ فيما استطاع لسانه أن يجمع من ألوان مفردات هذه اللغة، ومعانيها وجملها وتراكيبها، لكن ما أقل ما غبطنا الذاكرين، إن الغبطة كل الغبطة أن تغبط ذاكراً لله في كل أحواله، أن تغبط عبداً يلهج لسانه بذكر الله جل وعلا، ولا يعني ذلك أن نحتقر من وجدناه يجيد لغاتٍ شتى، فذلك علم، وذلك فهم، وتلك منحة، ولكن غبطتنا بمن اشتغل لسانه بذكر الله، ينبغي أن تكون أضعاف أضعاف ما نحن عليه، يوم أن نغبط متحدثاً بمعلوماتٍ سياسيةٍ أو اقتصادية، أو مفرداتٍ لغوية، من لغاتِ شتى، فما هو الذكر يا عباد الله؟

    المراد بالذكر الشرعي

    الذكر زاد المؤمنين وحياة الصالحين، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: والمراد بالذكر الإتيان بالألفاظ التي وردت ترغيباً في قولها والإكثار منها مثل الباقيات الصالحات، وهي: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وما يلتحق بها من الحوقلة والبسملة والحسبلة، يعني: من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وبسم الله، وحسبنا الله، والاستغفار، -يعني وأستغفر الله- قال: ويطلق ذكر الله ويراد به المواظبة على العمل، بما أوجبه الله أو ندب إليه كتلاوة القرآن وقراءة الحديث ومدارسة العلم والتنفل بالصلاة.

    وقال معاذ بن جبل : [مذاكرة العلم تسبيح] وقال ابن مسعود رضي الله عنه: [ما دمت تذكر الله، فأنت في صلاةٍ وإن كنتَ في السوق]وقال سعيد بن جبير : [كل عاملٍ لله بطاعة، فهو ذاكرٌ لله] وقال عطاء رحمه الله: [مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيع وتصلي وتصوم وتنكح وتطلق، وتحج وأشباه هذا].

    إذا تقرر هذا، أدركنا أن ذكر الله بألفاظٍ مخصوصة، ويدخل في ذكر الله الاشتغال بمعرفة الأحكام، والحلال والحرام، ومعرفة التفسير، ومعرفة السند والمتن والجرح والتعديل والرواية، فذلك داخلٌ في ذكر الله سبحانه وتعالى.

    الذكر عند الصوفية

    أما الصوفية الذين ضلوا في هذا الباب ضلالاً بعيداً فلم يفقهوا أن الذكر داخلٌ في هذا، بل وعدوا الأذكار نوعين: ذكرٌ يفهمه العوام، وذكرٌ يختص بعلمه الخواص، فأما ذكر العوام فهو سائر الأذكار المشروعة، التي وردت في الكتاب والسنة، كقول: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، إلى غير ذلك يقولون: هذه أذكار العوام.

    أما أذكار الخواص فهي: إشراقاتٌ تتجلى على القلوب بنطق بعض عبارات الذكر يدرك الذاكر منها معانيَ لا يفهمه العوام، وهذا الكلام كله هرطقةٌ وخزعبلات، يظنون ويقولون ويجزمون بأن ذكر الخواص بدلاً من أن يقول الذاكر: لا إله إلا الله، أي يقول: وهو يهز برأسه يمنةً ويسرةً ويقدم ويؤخر برأسه أن يقول: الله الله الله، ويظن أن هذا من أعلى درجات الذكر!!

    عجباً لحثالةٍ في دبر هذا الزمان تظن أنها أدرى بالذكر ممن جاء به من ربه جل وعلا!

    عجباً لحثالةً في دبر القرون المتأخرة، تظن أنها أعلم بحقائق الذكر من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي !

    عجباً لحثالة الصوفية الذين اختصوا أنفسهم بما لم يختص به، أو بما لم يكن وليس في ذلك شرفٌ يخصون به، ولكنهم ادعوه بما لم يكن لأنبياء الله ورسله وأفضل خلقه من الصحابة والقرون المفضلة!!

    ذكر أن في أيام ولاية الأتراك على الحجاز أن الشريف عون كان في زمنه يجلس الصوفية في الحرم المكي الشريف، فيذكرون الله بهذه الأذكار، يذكرون ذكراً مبتدعاً وذكراً ممنوعاً لا مشروعاً، يقولون: الله.. الله.. الله.. هو.. هو.. هو.. فنهاهم شيخٌ من علماء نجد رحمه الله رحمةً واسعة، فلما شق نهيه عليهم، وكثر إنكاره على فعلهم، شكوه إلى الشريف عون ، فاستدعاه وطلبه، ولما مثل بين يديه قال: لماذا تنهى الناس أن يذكروا ربهم في بيت الله؟ فقال ذلك العالم الجليل: يا أيها الشريف ! لو أن رجالاً جاءوا بين يديك واسمك عون ، فقالوا: عو.. عو.. عو.. أترضى أن تنادى أو تذكر بهذا، قال: لا. قال: فكذلك الله، قد شرع لنا أن نذكره بأن نقول: لا إله إلا الله، فكيف نرضى أن يذكر ربنا بقولهم: هو.. هو.. ونحو ذلك؟!!

    فاقتنع الشريف بعد هذا، ومنع القوم من هذا النوع من الذكر، صدق الله العظيم: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف:180].

    أكمل حالات الذكر

    الذكر أيها الأحبة: أكمل أحوال الذاكر فيه أن يكون العبد ذاكراً لله بلسانه، مستحضراً معنى الذكر بقلبه، فإذا انضاف إلى ذلك وقوع الذكر في عبادة، كصلاةٍ وجهادٍ وحجٍ وصيامٍ واعتكاف، كان الذكر في هذه الأحوال أكمل، ولو أن عامياً من العوام ذكر الله ذكراً لم يفقه معناه، فهو على أجرٍ عظيم، وخيرٍ عميم؛ لأن فضل الله واسع: ومن ذا يتحجر رحمة الله التي وسعت كل شيء.

    أيها الأحبة في الله: عجباً لنا كيف نحرم حظاً ورزقاً وفضلاً عظيماً من هذا الذكر وهو عبادةٌ أجرها عظيم، ومؤنتها يسيرة؟!

    الذاكر يذكر ربه باللسان، لو أردت أن تحرك يدك بعدد حركات لسانك في يومٍ وليلة لكلت وملت وسقطت يدك في نصف نهار أو نصف ليلة، أكثر أعضاء البدن حركةً هو اللسان، فلو أردت أن تذكر الله بيدك، أو تمشي بخطىً تمضي إليها، أو تفعل أفعالاً ببدنك لقصرت همتك وقوتك دون ذلك، أما حركات اللسان فكثيرةٌ كثيرةٌ جداً، فسبحان من يحصيها: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] وبإمكانك أن تذكر الله هذا الذكر العظيم، بأخف جارحة تحركها، وهي جارحة اللسان.

    كم يفوتنا من الأجر؟ -والله- لو عدت كلماتنا في القيل والقال، والمال والسؤال، والعيال والأحوال، لوجدناها ملايين الكلمات، ولو نسبنا مقدار ذكرنا لله إلى اشتغالنا بتلك الأحوال لما وجدنا الذكر بالنسبة لها إلا شيئاً يسيراً يسيراً، كم فاتنا من الأجر؟ كم فاتنا من الخير؟ كم فاتنا من الفضل؟ وسنقدم جميعاً حال نزع الروح ثم فراقها إلى دار جزاءٍ وليست بدار عمل، نتمنى لو ينشق القبر عنا لحظة، لنقول: لا إله إلا الله، لنقول: سبحان الله، أو نقول: الحمد لله.

    فالذكر من أيسر العبادات، وأجلها وأفضلها، وحركة اللسان أخف حركات الجوارح، ولو تحرك عضواً من أعضاء البدن في اليوم والليلة بقدر حركات اللسان لشق على البدن ذلك غاية المشقة، بل لا يستطيع ذلك ألبتة، فالذكر يسير، ومن دلائل يسره: أن كثيراً من العبادات لا تستطيع أداءها إلا على هيئة مخصوصةٍ وحالٍ مخصوصة، أما الذكر فلك أن تذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً وعلى جنبك وذاهباً وآيباً، وراكباً وغادياً، وراحلاً وحالاً، ومتنقلاً ومسافراً، الذكر عبادة، تستطيع أن تؤديها وأن تقوم بها في كل آنائك وفي كل أحوالك وذلك فضل الله، وذلك خيرٌ من الله لهذه الأمة وهو مشروعٌ لسائر الأمم قبلنا، ولكن كثيراً من الناس عن فضل الله غافلون.

    دلائل فضل الذكر

    أيها الأحبة في الله: ومن دلائل فضل الله بهذا الذكر، وأن الله يعطي الثواب الجزيل على العمل القليل: عبادة الأذكار، فأنت تقول: الحمد لله، فتكتب لك ثلاثون حسنة، أي جهدٍ أي مشقة؟ أي كلمة؟ أي عناءٍ تعبت فيه وأنت تقول: الحمد لله؟

    هذا فيه دلالة على أن الله جواد كريم مفضال، وأن الله ليس بحاجة إلى أعمال العباد، فلو كان الله بحاجة أعمالهم لكان أعلى العبادات أجراً أعلاها كلفة ومشقة ومئونة، فأنت ترى الذكر عبادةً يسيرة عليها فضلٌ عظيم.

    قال العز بن عبد السلام رحمه الله: وفي هذا أن الثواب لا يترتب على شكل العمل أو هيئته، قال ربنا جل وعلا: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الأحزاب:35].

    فمن هم الذاكرون؟ علنا أن نكون منهم! ومن هنّ الذاكرات؟ علّ بناتنا ونساءنا وأزواجنا يكنّ منهن، قال ابن عباس رضي الله عنهما: [يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً وفي المضاجع، وكلما استيقظ من نومه وغدا أو راح من منـزله ذكر الله] وقال مجاهد : [حتى يذكر الله قائماً وقاعداً] وقال ابن الصلاح : إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساءً في الأوقات والأحوال المختلفة ليلاً ونهاراً، كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.

    ولكن اعلم أنك تنال هذا الأجر بعبادةٍ يسيرةٍ أيضاً، ففي الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم (إذا أيقظ الرجل أهله، فصليا من الليل جميعاً، كتبا في الذاكرين الله كثيراً والذاكرات) رواه أبو داود والنسائي والحديث صحيح.

    والذكر أيها الأحبة! فضله عظيمٌ عظيم جداً، ففي هذا الحديث تعلمون قيمة ما تذكرون بألسنتكم من فضل الله ونعم الله وآلاء الله، وقيمة ما تسألون به الله جل وعلا.

    عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: قال صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند ملككم وأرفعها في درجاتكم، وخيرٌ لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخيرٌ لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: ذكر الله) رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة ، والحديث صحيح.

    وفي هذا الذكر -كما مر معنا-: أن يكون العبد دائماً في ملأ الله الأعلى، يدل عليه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على حلقةٍ من أصحابه، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنّ به علينا، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟! قالوا: -والله- ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمةً لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم ملائكته) رواه الإمام مسلم .

    وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما عمل ابن آدم عملاً أنجى له من عذاب الله، من ذكر الله جل وعلا) رواه الإمام أحمد والحديث صحيح.

    عظم منزلة الذكر في الشرع

    أيها الأحبة: وحسبكم دلالةً وبياناً على أن الذكر عبادةٌ عظيمة: أن كل عبادةٍ مربوطةٌ بالذكر بعد الفراغ منها، فالصلاة ذكرٌ وعبادة ثم يشرع بعدها ذكر الله، والحج توحيدٌ وذكر، ثم بعده يشرع ذكر الله، والصيام عبادة، ويشرع بعده ذكر الله، قال تعالى: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ [البقرة:200] وقال: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ [النساء:103] وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ [الأنفال:45]..وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ [البقرة:185].

    فمن دلائل أن هذا الذكر عظيم: أن العبادة ذات العبادة تختم بعد ذلك وتتوج بذكر الله جل وعلا، وحسبكم يا معاشر المؤمنين! في ذكر الله علواً وعبادةً جليلةً أن كل عبادةٍ تنقطع في الجنة إلا عبادة الذكر فهي باقية!!

    ليس في الجنة صيام، وليس في الجنة صلاة، وليس في الجنة جهاد، ولكن في الجنة ذكرٌ لله؛ فالتكاليف الشرعية في الدنيا تنقطع عن العباد في الآخرة، إلا ذكر الله فهي باقية، ولكنها باقيةٌ على وجه الكرامة والتشريف، وليست على وجه التكليف.

    قال العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح : فصلٌ في ارتفاع العبادات في الجنة إلا عبادة الذكر فإنها دائمة: دل على ذلك حديث مسلم في صحيحه ، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (قال صلى الله عليه وسلم: يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتمخطون، ولا يتغوطون، ولا يبولون، ويكون طعامهم ذلك جشاءً ورشحاً كرشح المسك، يلهمون التسبيح والحمد كما يلهمون النَّفس) وفي رواية: (يلهمون التسبيح والتكبير، كما تلهمون أنتم هذه الأنفاس) أي: يلهمون تسبيحهم وتحميدهم يجري مع الأنفاس.

    الله أكبر: كل عبادةٍ في الجنة ترتفع إلا عبادة ذكر الله، ما ذاك إلا لفضلها، وعظمها وشرفها وعلو منزلتها، فهنيئاً للذاكرين:

    عطايانا سحائب مرسلاتٍ          ولكن ما وجدنا السائلينا

    وكل طريقنا نورٌ ونورٌ     ولكن ما رأينا السالكينا

    ما يتركه الذكر من أثر في قلب الذاكر

    وذكر الله أيها الأحبة! يكسبُ العبد خوفاً وإنابةً وخشيةً ورجوعاً إلى الله، فأنت حينما تقول لرجلٍ غافل: اتق الله، أخوفك بالله، أدعو عليك، أفعل بك، فإنه لا يأبه بك، ولكن يوم أن تقول لرجلٍ ذكّارٍ شكار ذاكرٍ شاكر: اتق الله يوم تلقى الله؛ يضطرب ويهتز ويراجع نفسه ألف مرة حتى وإن لم يظهر على لسانه علامات الرجوع أو التراجع.

    هذا كان جلياً واضحاً في سلف الأمة، وخلفائها الراشدين، والمقامُ يضيق بالأمثلة، وحسبكم مثالاً واحداً على أن الذكر يكسب أصحابه الخوف والخشية من الله.

    جاء أعرابيٌ إلى عمر بن الخطاب رضي الله، وكان ذلك الأعرابي فقيراً ذا متربة، مسكيناً لا يجد شيئاً، فلما قدم الأعرابي على عمر ، قال:

    يا عمر الخير جزيت الجنه     اكسو بنياتي وأمهنه

    وكن لنا في الزمان جنـة     أقسم بالله لتفعلنه

    فقال عمر رضي الله عنه: [وإن لم أفعل يا أعرابي يكون ماذا؟!] فقال الأعرابي:

    إذاً أبا حفص لأمضينه

    فقال عمر: وإن مضيت فماذا يكون؟ فالتفت الأعرابي إلى عمر رضي الله وقال:

    يا عمر:

    إذاً والله عنهنّ لتسألـنه     يوم تكون الأعطيات مِنه

    وموقف المسئول بينهـنه     إما إلى نارٍ وإما جنه

    فبكى عمر حتى بلَّ دمعه لحيته، واضطرب من هذا الكلام، خوف بالآخرة، فدخل داره يصول ويجول، يبحث عن طعام أو صدقةٍ يعطيها هذا الأعرابي فلم يجد، فعاد إليه ونزع رداءه وقميصه وقال يا إعرابي! خذ:

    هذا ليومٍ تكون الأعطيات فيه منة

    وموقف المسئول بينهـنه     إما إلى نارٍ وإما جنه

    لو قيل هذا الكلام لمن لا يذكر الله، أو ليس لله في قلبه وقار: مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً [نوح:13]

    لقال: اذهب، ولو خوف بالسؤال لقال: أنا مستعدٌ للجواب، ولو قيل له ما قيل، لرد بكل إجابةً باردة، أما الذين يخافون الله جل وعلا، فإذا خوفوا بالله خافوا.

    كان عمر: إذا قيل له اتق الله، اضطرب وبكى وعرفت الخشية في وجهه رضوان الله عليه.

    1.   

    فوائد الذكر

    ذكر الله مرضاة لله جل وعلا، مطردةٌ للشيطان؛ لأن الشيطان خناسٌ عند ذكر الله، وذكر الله مزيلٌ للهموم والغموم، وذكر الله سببٌ للفرج: فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات:143-144]. وذكر الله يحط من الخطايا وينجي من عذاب الله، وهو غراس الجنة، وذكر الله اشتغالٌ اللسان بالطاعة عن المعصية، وسببٌ لنـزول السكينة وغشيان الرحمة، وأمانٌ للعبد من الحسرة يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: (ما جلس قومٌ مجلساً لم يذكروا الله فيه؛ إلا كان عليهم ترة يوم القيامة).

    والذاكر يعطى باشتغاله بالذكر أكثر مما يعطاه السائل باشتغاله في المسألة، والذكر يعطي قوة بإذن الله، وفيه الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الذكر يعطي قوة في البدن

    أما أن الذكر يعطي قوة فيدل عليه هذا الحديث: فلقد علم علي بن أبي طالب وفاطمة رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، جيء إليه بأعبد -بسبي- فقال علي: يا فاطمة! قد تعب صدري من نزح الماء من البئر، قالت فاطمة: -والله- يا علي ! وأنا مجلت يداي من الرحى، فقال علي: هلا ذهبتِ إلى أبيك فسألتيه لنا خادماً فإني سمعتُ أن أعبداً أو سبياً جيء به إليه صلى الله عليه وسلم، فذهبت فاطمة، فلما دخلت على أبيها وحبيبنا صلى الله عليه وسلم خجلت واستحت -يعيش المرء ما استحيا بخيرٍ- ثم عادت أدراجها.

    فلما عادت إلى علي رضي الله عنه قال علي : ما فعلتِ يا فاطمة ؟ قالت هبتُ واستحيت أن أسأل أبي، فذكر لها مثل ما ذكر الأولى، فعادت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما جاءت بين يديه، قالت: يا رسول الله! علي يشكو ما به من نزح الماء من البئر -يسني على صدره- وأنا مجلت يداي من الرحى وقد سمعنا أن أعبداً جيء بهم إليك، فأخدمنا خادماً يا رسول الله! فالتفت صلى الله عليه وسلم، قال: يا فاطمة ! والله لا أعطيكِ وفقراء الصفة جياع، ولكن أبيع هؤلاء الأعبد، فأنفق على جياع أهل الصفة، فإن فضل من المال شيء أعطيتكم وأعطيتُ غيركم.

    فعادت فاطمة مرةً أخرى أدراجها تمشي القهقري إلى بيتها، فلما قدمت إلى علي يظن أن الخادم يتبعها أو في إثرها، فلم يرَ شيئاً، فانضم الحبيبان إلى بعضهما وأويا إلى فراشهما، ولما جن الليل خرج صلى الله عليه وسلم يمشي إليهما، وفي نفسه صلى الله عليه وسلم من الأثر أبلغ مما في نفس فاطمة كيف لا وهي حبيبته وسيدة نساء أهل الجنة؟ فدخل عليهما فوجدهما ملتحفين في فراشٍ واحدٍ قد بدت رجلاهما من قصر الفراش، وقد غطيا رأسيهما وبدت رجلاهما.

    فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وجلس بينهما، قال علي: فوجدت برد يدي النبي صلى الله عليه وسلم على بطني أو فخذي، فقال صلى الله عليه وسلم: (أفلا أدلكما على ما هو خيرٌ لكما من خادمٍ وخادمة؟ تسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمدا الله ثلاثاً وثلاثين، وتكبرا الله أربعا وثلاثين، فذلك خيرٌ لكما من خادمٍ وخادمة).

    قال علي: [فكنت أجد فيها قوة وما تركتها أبداً].

    قيل للإمام علي رضي الله عنه: حتى ليلة صفين ؟ قال: [حتى ليلة صفين ما تركتها وما شغلت عنها].

    حث السلف على الذكر

    كان السلف رضوان الله عليهم يعلمون أن الذكر سبب قوتهم، يعلمون أن الذكر سبب صمودهم بعد رحمة الله وتثبيته.

    قال ابن القيم: وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية: مرةً صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب انتصاف النهار، ثم التفت إليّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد هذا الغداء لسقطت قوتي.

    وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [عليكم بذكر الله، فإنه شفاء، ذكر الله دواء، ذكر الله قوة].

    قال عمر: [وإياكم وذكر الناس فإن ذكر الناس داء].

    وقال عبيد بن عمير: [إن أعظمكم هذا الليل -يعني إن عجزتم وقصِرتُم وقصَّرتم دون اغتنام هذا الليل وما فيه من البركات في الأسحار- إن أعظمكم هذا الليل أن تكابدوه، وبخلتم على المال أن تنفقوه وجبنتم عن العدو أن تقاتلوه، فأكثروا من ذكر الله عز وجل].

    وقال الربيع بن أنس عن بعض أصحابه: [علامة حب الله كثرة ذكره، فإنك لم تحب شيئاً إلا أكثرت ذكره] وهذا مشاهدٌ في بشر هذا الزمان وفي كل زمان، فإن من أحب شيئاً أكثر ذكره.

    من أحب الأسهم والسندات أشغل الناس في المجالس بالحديث عنها، ومن أحب العملة أشغل الناس بالحديث عن الدولار والين، ومن أحب العقار أشغل الناس في المجالس بالحديث عن الأسعار والأمتار، ومن أحب المزارع أشغل الناس عن الأدوات الزراعية والسؤال عنها، ومن أحب ربه يقين المحبة لم يفتر لسانه وقلبه عن ذكر الله جل وعلا.

    أيها الأحبة في الله: ولا يقولنّ عبدٌ ليتذرع أو يترك الذكر في حالٍ ليظن أن الذكر لا يكون إلا على طهارة، فللعبد أن يذكر الله جل وعلا كما قال النووي رحمه الله: أجمع العلماء على جواز الذكر بالقلب واللسان للمحدث والجنب والحائض والنفساء.

    فإن بعض الناس إذا أجنب لم يذكر الله، وبعض النساء إذا كانت في حيضٍ لم تذكر الله، وذلك جهلٌ وخطأ، فللعبد أن يذكر الله سواء إن كان محدثاً وجنباً أو كانت المرأة حائضاً ونفساء، وذلك في التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قراءة القرآن، وقال رحمه الله: يجوز للجنب والحائض أن يقول عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون، لا يقصد بها القرآن، ويقول عند ركوب الدابة: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، أو يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة إذا لم يقصد القرآن، وإذا سلم على الذاكر استحب له الرد، وإذا عطس عنده أحدٌ شمته، ثم عاد إلى ذكره، وإذا سمع المؤذن قطع ذكره وعاد إلى إجابة المؤذن.

    أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الذاكرين الله كثيراً، وأن يجعل أهلينا من الذاكرات، نسأله سبحانه أن يهدي قلوبنا وألسنتنا إلى الاشتغال بذكره.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    ذكر طرف من أنواع الذكر

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلاله، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ؛ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.

    قول العبد: (الحمد لله)

    أيها الأحبة: اسمعوا طرفاً وشيئاً من الأذكار السهلة الهينة اليسيرة على الألسنة، والتي رتب عليها الأجور العظيمة بإذن الله وفضله ومنَّه، فكلمة (الحمد لله) قال صلى الله عليه وسلم: (الحمد لله تملأ الميزان) وقال صلى الله عليه وسلم: (من قال: الحمد لله رب العالمين من قبل نفسه كتبت له ثلاثون حسنة، وحط عنه ثلاثون خطيئة) وكذلك كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها) رواه مسلم .

    وفي الحديث: (أفضل عباد الله يوم القيامة الحمادون) أي: الذين يكثرون حمد الله جل وعلا.

    وإن مما ينبغي أن نتوقف عنده قليلاً عند حديث: (إن الله ليرضى على العبد) أي يأكل الأكلة فيحمده عليها، في مناسبات الأفراح وفي قصور الأفراح إذا دُعي الزوار إلى صالة الطعام أول ما يضعون أيديهم على صحون الأطعمة يسمعون صوت الغناء من النساء بالمكبرات، فكيف يجتمع شكر الله على هذه النعم والموائد الطويلة، وكيف يليق بالقوم أن يتقلبوا في نعم الله بألوان المآكل والمشارب وهم أول ما يضعون أيديهم بعضهم يقول: باسم الله! وفي الصالة المجاورة بصوتٍ مسموع يسمع صوت الغناء، وبعض النساء يستخدمن مكبرات الصوت، ولا تكف الدفوف عن الضرب، ناهيك عما قد يدخل من أجهزةٍ ومسجلاتٍ وموسيقى وغير ذلك!!

    فهل يليق أن يكون المدعوون مشتغلين على هذه النعم يأكلون منها وواجبهم حالها أن يشكروا الله ويحمدوه في الوقت الذي يسمع فيه صوت النساء بالمكبرات؟! هل هذا من شكر الله؟! هل هذا من الثناء على الله بنعمه؟! هل هذا من القيام بشكر الله؟!

    لذا فإننا نوصي أنفسنا حال ما نكون مسئولين عن أي مناسبةٍ أو دعوة، أن نمنع النساء من ضرب الدفّ إلا بعد خروج الرجال من صالة الطعام!

    ونقول: الدف المشروع منه والمسموح منه بنص الشرع، أما ما يحصل في كثيرٍ من الصالات من سماعات ومكبرات وآلات أو موسيقى أو أغانٍ فيها غزل وفيها تشبيب، وفيها ما فيها من الكلام الذي يهيج النساء بعضهن على شهوة، وبعضهم على فاحشة، وبعضهن على فتنة، فهذا لا يجوز ألبتة، حتى لو لم يكن معه إلا الدف وحده هذا أولاًّّ!!

    الثاني: أن نتناصح: فإذا نزلنا مقاماً أن نتناصح فيه، ونقول لصاحب الوليمة: نحن على نعمةٍ من نعم الله، وموائدٍ لا يحدها البصر، فواجبك أن تمنع النساء من الدف ورفع الأصوات حتى ننتهي من نعمة الله، حتى نسمي الله، ونأكل ونحمد الله، ونقوم عن هذه المائدة، وقد شكرنا الله جل وعلا، ثم حينئذٍ يضربن ما شرع أو سمح لهن من الدف.

    الثالثة: نوجهها إلى هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي سلطةٌ قادرة أن تعمم على جميع قصور الأفراح ألا يبدأ بالدف حال وجود الرجال في صالة الطعام، وألا ترتفع أصوات النساء بالأهازيج أو بالدف أو النشيد إلا إذا خرج القوم وقد انتهوا من الأكل والشرب؛ حتى لا نتهاون بالنعم فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ [النحل:112] تهاونت، وبطرت، وعبثت، لم ترع للنعمة حقها؛ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف وذكر الجوع والخوف بصيغة اللباس، فُصل الجوع كما تفصل الملابس، وفُصل الخوف كما تفصل الملابس، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون، نحنُ على خطر إن لم نشكر هذه النعمة:

    إذا كنتَ في نعمةٍ فارعها     فإن المعاصي تزيل النعم

    وداوم عليها بشكر الإله     فإن الإله سريع النقم

    قول العبد: (سبحان الله)

    وأما كلمة (سبحان الله) ففضلها عظيم، وأمر الله بها فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [الأحزاب:41] وقال تعالى: وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً [الأحزاب:42] وقال تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِبْكَارِ [غافر:55] وقال صلى الله عليه وسلم: (من قال: سبحان الله وبحمده في يومٍ مائة مرة، حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) متفقٌ عليه، وقال صلى الله عليه وسلم: (أيعجز أحدكم أن يكسب كل يومٍ ألف حسنة، فقال سائلٌ من الجلساء كيف يكسب أحدنا ألف حسنة، قال: يسبح مائة تسبيحه فتكتب له ألف حسنة، أو يحطّ عنه ألف خطيئة) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم).

    والله ربما جلسنا في الجدال والمراء والحوار والأخذ والرد والقصص والحكايات والروايات ساعاتٍ طوال، فإذا قيل لأحدنا نمكث نذكر الله بعد الصلاة ربع ساعة، أو عشر دقائق، قال: إني مشغول.

    لا تذكر الأشغال إلا دبر الصلاة، لا تذكر الأعمال إلا حال استحضار الذكر أو عند هم العبد به، أما يوم أن تغفل النفس فلكثيرٍ من الناس قدرة أن يملأ أشرطة مئات الساعات قيلاً وقالاً دون ذكر الله جل وعلا.

    فضل الاستغفار

    وأما الاستغفار فمن ذكر الله وفضله عظيم، قال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً [النساء:110].

    ما أكثر ما نذنب، وما أكثر ما نزِل، وما أكثر ما نخطئ، فهل نلحق كل ذنبٍ استغفاراً، وهل نلحق كل سيئةٍ حسنة، وهل نتبع كل خطيئة صالحة، إذاً والله بمنٍ من الله، نقدم على الله من الذنوب على خفةٍ من غير ثقل.

    قال صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان قال: يا رب! وعزتك لا أبرح أغوي عبادك، ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال ربنا جل وعلا، وعزتي وجلالي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني) وقال صلى الله عليه وسلم: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب) رواه أبو داود وابن ماجة.

    الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام

    الباقيات الصالحات

    والأذكار أيها الأحبة كثيرةٌ، فمنها: الباقيات الصالحات: سبحان الله وبحمده، سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وهي ذكرٌ عظيمٌ قال فيه صلى الله عليه وسلم: (إن الله اصطفى من الكلام أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فمن قال: سبحان الله، كتبت له عشرون حسنة، وحطت عنه عشرون سيئة، ومن قال: الله أكبر، كتب له مثل ذلك، ومن قال: لا إله إلا الله، كتب له مثل ذلك، ومن قال: الحمد لله رب العالمين، من قبل نفسه، كتب له ثلاثون حسنة، وحط عنه ثلاثون خطيئة) حديثٌ صحيح.

    وقال صلى الله عليه وسلم: (خذوا جنتكم -خذوا دروعاً.. خذوا وقايةً.. خذوا حصانةً من النار- خذوا جنتكم من النار.. قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ فإنهن يأتين يوم القيامة مقدماتٍ ومعقباتٍ ومجنبات وهن الباقيات الصالحات) حديثٌ صحيح.

    وفضل التهليل والتكبير كثير، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيٍ قدير، في يومٍ مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب -يعني كأنما أعتق عشرة أعبد- وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت حرزاً من الشيطان يومه ذلك، حتى يمسي ولم يأتِ أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا رجلٌ عمل أكثر من ذلك) متفق عليه.

    الذكر في كل وقت وحين

    قال سماحة الإمام العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله: ويشرع لكل مسلمٍ ومسلمة أن يقول هذا في صباح كل يوم؛ حتى يكون حرزاً له من الشيطان، فلنداوم على الأذكار، ولنحرص عليها ولا نعرضها بتهاونٍ أو بأعمالٍ أو أشغال.

    قال النووي رحمه الله: ينبغي لمن كان له وظيفةٌ من الذكر في وقتٍ من ليلٍ أو نهار، أو عقب صلاةٍ أو حالةٍ من الأحوال، ففاتته أين يتداركها، وأن يأتي بها إذا تمكن منها ولا يهملها، فإنه إذا اعتاد الملازمة عليها لم يعرضها للتفويت، وإذا تساهل في قضائها سهل عليه تضييعها في وقتها، والاقتصار على الوارد المأثور الثابت الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه غنيةٌ وبركة.

    قال ابن سعدي رحمه الله:

    وكن ذاكراً لله في كل حالـةٍ     فليس لذكر الله وقتٌ مقيدٌ

    فقد أخبر المختار يوماً لصحبه     بأن كثير الذكر في السبق مفردُ

    وأخبر أن الذكر غرسٌ لأهلـه     بجناتٍ عدنٍ والمساكن تمهدُ

    وأخبر أن الذكر يبقـى بجنةٍ     وينقطع التكليف حين يخلدُ

    وينهى الفتى عن غيبةٍ ونميمـةٍ     وعن كل قولٍ للديانة مفسدُ

    ولكننا من جهلنا قل ذكرنـا     كما قلّ منا للإله التعبدُ

    أسأل الله جل وعلا أن يمنّ علينا بذكره، وأن يكرمنا بشكره، وأن يجعلنا من الذاكرين الله كثيراً، وأن يجعل أهلينا من الذاكرات.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء!

    اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمامنا، اللهم اهد إمامنا اللهم أصلح بطانته واجمع شمله وإخوانه وأعوانه على ما يرضيك يا رب العالمين! اللهم سدد أهل الشورى، وارزقهم مراقبتك في القول وفي السر وفي العلن، اللهم سدد أهل الشورى، وارزقهم مراقبتك وخشيتك، اللهم اهد ضالهم، وثبت صالحهم، وأعن عالمهم، ووفق مجتهدهم، وأخلص أقوالهم، وسدد رأيهم يا رب العالمين، اللهم اجعلهم عوناً للإسلام والمسلمين، اللهم اجعلهم عوناً على ما ينفع الأمة في دينها ودنياها، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين!

    اللهم احفظ علماءنا ودعاتنا وحكامنا واجمع شملنا ولا تفرح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسداً يا رب العالمين! اللهم انصر المسلمين في البوسنة والهرسك، اللهم انصر المسلمين في أورومو والفليبين وفلسطين ، اللهم رد المبعدين إلى فلسطين، اللهم انصر المسلمين في كل مكان، اللهم ارحم المستضعفين في كشمير ، اللهم عليك بالصرب والهندوس واليهود ومن وافقهم وشايعهم، اللهم أحصهم عدداً واجعلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم أرسل عليهم طيراً أبابيل، وانتقم للأطفال الرضع والعجائز والشيوخ والأبرياء العزل، اللهم انتقم لهؤلاء منهم يا رب العالمين!

    اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته يا كريم الفضل! اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته يا قديم الإحسان! اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا حاجةً إلا قضيتها، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا متزوجاً إلا ذريةً صالحة وهبته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا ضالاً إلا هديته، اللهم اهد شبابنا، واستر بناتنا، وأصلح زوجاتنا، وثبتنا على طاعتك إلى أن نلقاك، اللهم نشكو إليك كثرة الذنوب والمعاصي وقسوة القلوب، وهوىً مطاعاً، وشحاً متبعاً، ودنياً مُؤْثرة، اللهم حبب إلينا طاعتك وبغض في نفوسنا معصيتك، واهدنا إلى ما يرضيك يا رب العالمين!

    اللهم صلِّ على محمدٍ وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2734123766

    عدد مرات الحفظ

    684421717