إسلام ويب

فضل الصدقةللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن للصدقة فضلاً عظيماً وأهمية كبيرة في حياة المسلم، فلقد حث الإسلام على الصدقة، ورغب فيها، وذم البخل والشح، وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما نقص مال من صدقة، فالصدقة تنمي المال وتباركه وتزكيه. وللصدقة فوائد عظيمة، وحسبك أنها تطفئ غضب الرب سبحانه وتعالى، وعندما فرطنا في هذا الأمر العظيم انحرف كثير من الناس عن طريق الإيمان، نتيجة للعوز والفاقة؛ لأنهم لم يجدوا من يعطيهم ويتصدق عليهم.

    1.   

    فضل الصدقة والحث عليها

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

    فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (بينما رجلٌ يمشي في أرض فلاة إذ سمع صوتاً في سحابة يقول: اسق أرض فلان. فأفرغ السحاب ماءه في شرجة من شراج ذلك الوادي، فذهب ذلك الرجل الذي كان يمشي إلى المكان الذي أفرغ السحاب ماءه فيه، فرأى رجلاً معه مسحاة يُمهد مجرى للماء حتى يذهب إلى بستانه أو إلى أرضه، حتى استوعب الماء كله، فذهب إليه وقال: السلام عليك يا فلان -باسمه الذي سمعه في السحاب- فقال: وعليك السلام، من أين عرفت اسمي؟ قال: إني سمعتُ صوتاً في سحابة يقول: اسق أرض فلان، فأفرغ السحاب ماءه عندك.. فماذا تصنع؟ قال: أما قد قلت لي ذلك فإني أنتظر ما يخرج من الأرض فأقسمه إلى ثلاثة أقسام: قسمٌ أتصدق به، وقسمٌ آكله أنا وعيالي، وقسمٌ أرده في بطنها) -أي: بذراً في باطن الأرض حتى يخرج مرةً أخرى-.

    هذا الحديث من الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي قصها علينا النبي عليه الصلاة والسلام من قصص الأقدمين، وهو يشتمل على ثلاث فوائد، وكل فائدة تشتمل أيضاً على فوائد:

    الفائدة الأولى: فضل الصدقة.

    الفائدة الثانية: فضل النفقة على العيال.

    الفائدة الثالثة: الأخذ بالأسباب وعمارة الأرض.

    أما الفائدة الأولى فقد قال الرجل: (فإني أتصدق بثلثها).

    وقد وردت في فضل الصدقة أحاديث كثيرة نقتصر على بعضها. وأصل الصدقة مأخوذة من الصدق، ولهذا يلزم المتصدق أن يكون صادقاً، فإن كان كذلك فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الله يقبل الصدقة بيمينه، ثم يربيها للعبد كما يربي أحدكم فلوه)، والفلو: هو المهر، فكما أنك تربي فرسك فيكبر على عينك -ولله المثل الأعلى- فإن الله عز وجل يأخذ الصدقة بيمينه فيربيها للعبد حتى تصير كأمثال الجبال!

    وهناك كثير من العباد يفاجئون بمثل هذه الحسنات التي ما كانوا يتوقعونها، يتصدق بصدقة وهو مخلص فيها ثم نسيها، فيفاجأ هذا الرجل بجبال من الحسنات.. من أين هذه الجبال؟!

    إنها من الصدقة التي وضعها يوماً ما في يد مسكينٍ أو فقيرٍ أو معول ونسيها: وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [النمل:75]، في كتابٍ عند الله تبارك وتعالى.

    ما نقص مال من صدقة

    لقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يعلم الشح الذي يحمل بني آدم على منع الصدقة، برغم أنهم لو تصدقوا لكان خيراً لهم، ولذلك أقسم النبي عليه الصلاة والسلام -مع أنه قلما يقسم في الأحاديث- فقال كما رواه الترمذي وغيره: (ثلاثٌ أقسم عليهن: ما نقص مالٌ من صدقة...)، فإذا كان معك مائة جنيه، فتصدقت منها بعشرة جنيهات، فلا تظن أنه بقي معك تسعون جنيهاً؛ لأن مالك لم ينقص بل ازداد، ولكن العبد يريد أن يرى كل شيءٍ بعينه، وينسى أن صحته أغلى من ذلك، بدليل أنه لو أصابك مرض لأنفقت أموالك في العلاج.

    فكونك صحيحاً هذا مال.. وكون ولدك صحيحاً مال.. وكونك في عافية هذا مال.. تصفو أملاكك كما هي هذا مال.. بيتك كما هو هذا مال.. وقس على ذلك، ولكن الناس لا يحسون إلا بالنعمة الظاهرة؛ ولذلك قلما يحمد الله تبارك وتعالى من ينظر هذه النظرة.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام يقسم على هذا ويقول: ما نقص مالٌ من صدقة) ، والله عز وجل أقسم كذلك، ومن المعلوم أن العباد في شك من الأشياء المقسم عليها؛ ولذلك فإن الخطاب الشاذ في الشيء يحتاج إلى نوع تأكيد، قال تعالى: فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ [الذاريات:23] ما هو؟ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ [الذاريات:22-23].

    لأن كثيراً من العباد لا يتصورون أن رزقهم في السماء، ولماذا جعل الرزق في السماء؟

    حتى تطمئن أنه لن يستطيع مخلوقٌ أن يقطع رزقك: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [الذاريات:22]، فإن كنت لا تصدق أن رزقك في السماء: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ) أي: إن هذا الكلام حق، (مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ).

    أأنت تتكلم؟! فإن كنت لا تشك في أنك تتكلم الآن فإياك أن تشك أن رزقك في السماء.

    وقد كان بعض السلف إذا تلا هذه الآية بكى، وقال: من أغضب الجليل حتى حلف على هذا، ونحن نصدقه بلا حلف.

    فالأشياء التي يلتبس على العباد معناها تؤّكد، كقول إبراهيم عليه السلام لما أراد أن يعدد مناقب إلهه وإلهنا العظيم تبارك وتعالى، في مقابل هؤلاء الكفرة الذين يعظمون الأحجار، قال: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء:77-78]، تأمل في النظرة! وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشعراء:79-81].

    وقد جيء في الآيات الثلاث الأول بضمير الرفع المنفصل (هو) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:78-80] (وَالَّذِي يُمِيتُنِي) ولم يقل: (فهو يحيين) إنما قال: وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشعراء:81]، فلماذا جيء بضمير الرفع المنفصل على سبيل التأسيس في الثلاث الأول دون الرابعة؟

    لأن الثلاث الأول فيها لبس عند العباد: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ، فكثير من الناس الذين تداركتهم عناية الله تبارك وتعالى، يقول: لقد كنت ضالاً فهداني فلان. فيخطئ بعض الناس فيجعل ما لله تبارك وتعالى للعبد، مع أن الذي هداه في الحقيقة هو الله عز وجل، وما هذا إلا سبب، فلما التبس على العباد معنى الهداية ومن الذي هدى العبد أم الرب تبارك وتعالى؟ فنحتاج أن نؤكد بضمير الرفع المنفصل أن الذي يهدي هو الله فقط؛ ولذلك أُكّد هذا المعنى بضمير الرفع الذي لا محل له من الإعراب: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء:78].

    وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [الشعراء:79]، يقول بعض الناس: فلان أطعمني وسقاني. وهذا منتشر كثيراً، فأراد إبراهيم عليه السلام أن يؤكد أن الذي يطعم ويسقي هو الله تبارك وتعالى لا غيره، وهذا موجود -كما قلت- في كلام العباد، فأكد بضمير الرفع المنفصل: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [الشعراء:79].

    وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80] لأن كثيراً من الناس ينسبون الشفاء للطبيب، ولا ينسبونه إلى الله تبارك وتعالى.. صحيح أنهم يعتقدون أن الله هو الشافي؛ ولكن الكلام الذي يخرج من أفواههم: إن الطبيب هو الذي أزال العلة.

    وتأمل الأدب في قوله عليه السلام: (وَإِذَا مَرِضْتُ)، فقد في الأول: (الَّذِي خَلَقَنِي)، (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي)، ولم يقل: والذي أمرضني، أو وإذا أمرضني فهو يشفين.. وإنما نسب المرض لنفسه، كقول الخضر عليه السلام لما خرق السفينة: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف:79]، مع أنه قال في نهاية المطاف: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:82]، فأنا مأمورٌ بهذا من قبل رب العالمين، لكن عندما جاء ذكر العيب نسبه إلى نفسه تأدُباً، ولما جاء ذكر الرحمة في قصة الجدار قال: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الكهف:82]، فنسبها إلى الله تبارك وتعالى.

    فكل هذه المعاني قد تلتبس على العبد، ولذلك أُكدت بهذا الضمير الذي يفيد أن الفاعل هو الله عز وجل، لكن عندما أتى إلى الصفة الأخيرة لم يحتج إلى هذا الضمير؛ لأنه لا يختلف اثنان في الأرض أن الذي يخلق ويميت هو الله عز وجل، ولذلك قال: وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشعراء:81]، فلا يشك أحد أن الذي يميت ويحيي هو الله تبارك وتعالى؛ ولذلك لم يحتج إلى ضمير الرفع.

    إذاً: المسائل التي فيها بعض اللبس تؤكد، لكن لا يلتفت إلى هذه المؤكدات إلا قليل من الناس.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (ما نقص مالٌ من صدقة)؛ لأنك عندما تتصدق -مثلاً- بجنيه، فالحسنة بعشر أمثالها، ويزيد الله تبارك وتعالى تفضلاً منه إلى سبعمائة ضعف، فكم سيكون لك من جبال الحسنات عند الله عز وجل!! فهل نقص مالك؟ لم ينقص.

    وقد ورد في بعض الأحاديث أن الصدقة تدفع الضر عن العبد، وكل هذا مكتوب ومقدر عند الله تبارك وتعالى.

    لا تحقرن من المعروف شيئاً

    (لا تحقرن من المعروف شيئاً)، تصدق وإن كان المال قليلاً وأخرج ما عندك، فالله تبارك وتعالى يربيها لك، وقد كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يتصدق على من يقابله بالسكر، كان يحمل قطعة سكر في جيبه ويتصدق بها، فسُئِلَ عن ذلك فقال: قال الله عز وجل: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92]، وأنا أحب السكر.

    وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتصدق بحبات العنب، فَيُسأل: وما تغني حبة عنب، فإنها لا تشبع ولا تروي ظمأ ظامئ؟ فيقول: ( إن فيها مثاقيل كثيرة، قال الله عز وجل: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه [الزلزلة:7]) والذرة لا ترى بالعين المجردة، فلو فعلت مثقال ذرة خيراً لوجدته، فما بالك بحبة عنب! فإن فيها مثاقيل كثيرة.

    ويروى أن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تعطر الدنانير والدراهم قبل أن تتصدق بها، فتسأل عن ذلك؟ فتقول: إنني أضعها في يد الله تبارك وتعالى قبل أن تصل إلى يد المسكين.

    لا تنفق إلا مما تحب

    لقد أدبنا الله تبارك وتعالى أدباً آخر، فقال تعالى: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ [البقرة:267]، فإذا كان لديك تمر، أو أي شيء تريد أن تتصدق به، فإياك أن تتصدق بالرديء منه، مثلاً: بعض الناس لديه قميص ثمنه تسعون جنيهاً، ثم وهو يكويه كانت المكواة حارة فخرقته، فجاءني وقال: خذ هذا وتصدق به على مسكين، مع أنه لو لم يحرق هذا القميص لما خطر على باله أن يتصدق به، إذاً وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ [البقرة:267]، فإنك لو كنت في مكان ذلك المسكين وجاءك رجلٌ بمثل هذا الرديء لما أخذته إلا على إغماض، لأنه رديء، قال تعالى: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ [البقرة:267].

    فلا يجوز للمرء أن يعمد إلى الشيء الرديء ثم يتصدق به، إنما يتصدق بأجود ما عنده.. لماذا؟ لأنه يضع هذه الصدقة في يد الله تبارك وتعالى قبل أن تصل إلى يد المسكين.

    فائدة التصدق على أهل المعاصي

    وهناك أمر آخر، وهو: أن مهمتك أن تخرج الصدقة من عندك، وليست مهمتك أن تصل الصدقة إلى موضعها المرجو، فأنت مثلاً تنظر إلى بعض الجيران وهم يدخنون مثلاً، أو لا يهتمون بالأحكام الشرعية، وبعضهم يقصر في الصلاة، ولكنه فقير، فتقول: هذا الرجل لا يستحق الصدقة، سوف أعطيها لرجل ملتزم أفضل منه. قولك هذا صحيح، ونحن لا ننازعك فيه، ولكن نلفت نظرك إلى شيءٍ هام، وهو: أنك إن أعطيت بعض أهل المعاصي مثل هذه الصدقات فقد يرق قلبه، بالذات -مثلاً- الإخوة الملتحين، فإن كثيراً منهم متهم بغير جريرة، فبعض الناس يأخذ عنه فكرة أنه متشدد، ومتزمت، وأنه يكفر المجتمع، وهذا كله كذب؛ بسبب الدعاية المغرضة لأجهزة الإعلام الكاذبة الفاجرة، التي نسأل الله تبارك وتعالى أن يعامل القائمين عليها بعدله.

    فهؤلاء أسهموا بدورٍ فعالٍ جداً في تشويه صورة هؤلاء، وللإنصاف نقول: إن بعض هؤلاء الملتحين يسيئون إلى الإسلام ببعض الأحكام التي يتبنونها بحسن نية ولكن بجهل، وبعضهم يغلظ في النصيحة إغلاظاً شديداً حتى في غير موضعها؛ فيسبب نفرة في القلوب.

    وهناك عوارض كثيرة مجتمعة ليس المجال الآن مجال معالجتها وإفرادها بالذكر، ولكن نقول: إن هناك بعض العوام يخافون من الرجل الملتزم، فأنت إذا أعطيت ذلك الرجل هذه الصدقة فلعل قلبه يرق.

    وهناك قصة أخرى معروفة في الإسكندرية: فقد كان هناك رجل يؤذي السنيين -أو الانتساب إلى السنة شرف؛ وقد رأيت بعض الناس وشخص يناديه: يا سني، فاعتبرها سبة، والتفت إليه وكاد أن يقتله! فالانتساب إلى السنة شرف عظيم، بغض النظر عن هل يقولها سخريةً أو يقولها بجد- فكان يكرههم كثيراً، وبعد مدة حدث عنده حادث ولادة، فحصل لامرأته نزيف حاد واحتاجوا إلى دم، ولا يوجد دم في المستشفى، وهو قد تعرض لأهل السنة بالأذى كثيراً، حتى صار معروفاً لديهم من شدة ما يؤذيهم بلسانه، فقال له بعض الناس: لن يعطيك الدم إلا السنيون، فأنصحك بالذهاب إلى المسجد.

    ونحن لا نرى التبرع بالدم إلا في مساجدهم، ولن تجده في مساجد الأوقاف؛ لأنهم يريدون إذناً رسمياً من وزير الأوقاف حتى يطلبوا التبرع بالدم في مساجدهم.

    فقال الرجل: لو تكلمت لسخروا مني؛ لأنني أتعرض لهم بالأذى.

    فقال له: اذهب.

    فذهب الرجل على استحياء، وكان ذلك في صلاة الفجر، فقام وقال: إن امرأتي جاء لها نزيف حاد، فهل يعطيني أحد دماً لننقذها؟ فقام كل من كان في المسجد وذهبوا يتسابقون.. فماذا كانت النتيجة؟ لقد أصبح هذا الرجل من أشد المتعصبين الآن لهؤلاء!

    انظر إلى الإحسان! هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:60]، فإياك أن تتصور أنك تقدم معروفاً ولا تلقاه .. قد تقابل ببعض الجحود، لكن لابد أن ترى هذه الثمرة يوماً ما، ولو أن هذا الرجل ذهب وقال: أريد دماً. فقالوا له: بعد هذا السب وهذا الأذى تريد دماً؟! فكيف سيكون حال الرجل؟ سيتحول إلى مقاتل شرس ضد هؤلاء.

    إننا نفتقر إلى هذه النماذج للدعوة، فانظر إلى الإحسان إلى أهل المعاصي كيف يحول قلوبهم بإذن الله، فلا تقل: لن أعطي لأحد من أهل المعاصي، بل إن المهتدين أولى.. أنا معك، لكن ألا يسرك أن تضم إلى ركب المؤمنين رجلاً آخر؟! هب أنك أعطيت هذا الرجل وظل على عناده، وأعطيته وظل على عناده، فلا تيأس، وانظر إلى حال نفسك: فقد كنت يوماً ما من المخرفين عن طريق الإيمان، فكم من رجالٍ هم الآن صفوة الرجال كانوا من ألد أعداء هذه الدعوة.

    وانظر إلى جيل الصحابة حين كانوا كفرة في الجاهلية كـعمر بن الخطاب مثلاً، كيف حول الله عز وجل قلوبهم بعد ذلك! ولا تتعجل النتائج، واتل قول الله عز وجل: كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [النساء:94]، ألم تكن من قبل كهذا الرجل فمن الله عليك وهداك إلى الإيمان؟!

    روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال رجلٌ: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج في الليل يخفي صدقته، فوجد امرأة في الطريق فأعطاها الصدقة، فأصبح الناس يقولون: تُصدِّق الليلة على زانية! فبلغ الرجل هذا القول، فقال: الحمد لله على زانية -كأنه رأى أنه لا أجر له طالما أنها لم تقع في موقعها الصحيح، وكان يريد أن تقع في يد مسكينٍ فقير حتى يؤجر، واستاء الرجل وأحس أن صدقته لم تقبل- لأتصدقن الليلة بصدقة -سأتصدق مرةً أخرى لعلها تقع في يد من يستحقها- فوجد رجلاً في الظلام فوضع الصدقة في يده، فأصبح الناس يقولون: تُصدق الليلة على سارق! فقال الرجل: الحمد لله على سارق، لأتصدقن الليلة بصدقة -فرأى أن الصدقة لم تقبل ولم تقع في موقعها في المرة الثانية، فأراد أن يتصدق في المرة الثالثة عساها أن تقع في يد من يستحقها- فخرج فرأى رجلاً في الظلام فأعطاه الصدقة، فأصبح الناس يقولون: تُصدق الليلة على غني -ليس محتاجاً للصدقة، إذاً للمرة الثالثة لم تقع الصدقة في موقعها الذي يريده- فجاءه ملكٌ في صورة رجل فقال له: أما صدقتك فقبلت، أما الزانية فلعلها تتوب، وأما السارق فلعله يستعف، وأما الغني فلعله ينظر فيخرج الذي عنده)، انظر إلى فائدة التصدق على أهل المعاصي!

    وكم من النساء انحرفت بسبب أنها ذهبت إلى بعض الرجال ليقرضها فلم تجد، فتتاجر بعرضها، ونحن نحفظ عشرات القصص في ذلك، وكثيرٌ منكم عنده في جعبته الكثير!

    إن بداية الانحراف لكثير من النساء سببه أنها لم تجد أحداً يعطيها، فتاجرت بعرضها، وتمرست على ذلك، ومع ذلك تسمعها تقول: أتمنى أن أتوب.

    فالمتاجرة بالعرض شيء سخيف جداً، وبشع للغاية، والمرأة البغي لا تشعر بأي متعة في هذا.. أي متعة تستمتعها المرأة؟! تتمنى أن تتوب، لكن من يكفلها؟!

    فالصدقة والزكاة طهرة للعبد، قال تعالى: : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103]، وقد قاتل أبو بكر الصديق الذين منعوا الزكاة، وسموهم بالمرتدين لأنهم منعوها.

    إن ضياع بيت مال المسلمين سبب في وجود كل هؤلاء المجرمين في المجتمع، ولو أن أي رجل عاطل لا يجد عملاً يعطى جزءاً من المال -ولو قرضاً- من بيت المال، ليستعين به في حياته؛ فلن يسلك طريق الإجرام أبداً.

    فهذه المرأة أو هذا الرجل الذي يسرق لعله ما بدأ طريق الإجرام إلا بسبب أنه لم يجد يداً حانية تعطيه.

    فانظر إلى قصة أصحاب الغار الثلاثة الذين انحدرت عليهم الصخرة، فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي ابنة عم، وكانت من أحب الناس إليّ، فألمت بها سنة -أي: مجاعة وحاجة- فجاءت تطلب مالاً، فراودتها عن نفسها فأبت، ولكن اشتد عليها الكرب، فرجعت إليه تضحي بعرضها في سبيل أن تؤكل أولادها -هذا مثل واقع، امتنعت في السابق رجاء أن تجد يداً رحيمة، ولكنها لم تجد، فماذا تفعل؟ تموت هي وأولادها؟ لا، فتذهب تضحي بعرضها لهذا الرجل وتأخذ منه مالاً- قال: فلما قعدت منها مقعد الرجل من امرأته، قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه -إلا بالزواج الشرعي- فقمت عنها وهي أحب الناس إلي.

    فهذا الحديث الصحيح يدل على أن كثيراً من أهل المعاصي لم يبدءوا في هذا الإجرام إلا بسبب عدم وجود اليد الحانية.

    فإياك أن تحتقر أهل المعاصي، لا تشدد عليهم، وارحمهم، وأنت إنما تفعل ذلك رجاء وجه الله تبارك وتعالى، وهذا الحديث حجة في هذا الباب: فيجوز أن تعطي الزكاة -فضلاً عن الصدقة- لأهل المعاصي، وكم يحصل الإنسان من الأجر إذا سلك طريق الصدقة مع أنها لا تضره!

    فإذا جاء إليك السائل فلا ترده، وأعطه من مال الله الذي أعطاك، فإن بعض الناس قد يرد السائل وتجده في المقابل قد ينفق (مائة جنيه) في وجبة غداء، ويعزم جماعة ويقول: هذا من كرم الضيافة، وهذا من أدب الإسلام.. مع أنه بخل أن يخرج عشرة قروش..! هذه طبيعة في بني آدم؛ ولذلك قال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9].

    إن استطعت أن تتقي شح نفسك التي بين جنبيك (فأولئك هم المفلحون).

    1.   

    وجوب النفقة على الأهل

    لقد أرسل الله تبارك وتعالى لهذا الرجل الصالح سحابة أفرغت ماءها في بستانه؛ وما ذلك إلا لأنه قائمٌ بالقسط والعدل، فقد قال:

    (أما ثلثها فأتصدق به، والثلث الآخر آكله أنا وعيالي)، وفي هذا وجوب النفقة على الأهل، قال صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) ، وفي رواية: (أن يضيع من يعول)، وفي مسلم: (كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته) وكلمة (كفى إثماً) تدل على عظم هذا الإثم، أي: يكفيه من الإثم أن يضيع زوجته وأولاده، أن يضيع من يقوت، فلا يجوز أن تحبس النفقة عن الأولاد.. لأن الأولاد ليست لهم زكاة.. لماذا منعك الشارع أن تعطي الزكاة لأولادك أو لأبيك وأمك؟ فلا يجوز أن تعطي الزكاة للأصول ولا للفروع، فوالدك لا يجوز لك أن تعطي له الزكاة؛ لأن له نفقةً واجبة عليك، وكذلك أولادك لهم عليك نفقةٌ واجبة، فلا يجوز أن تضيع أولاك، بل إنك تتعبد الله تبارك وتعالى بإطعام أولادك.

    إن كثيراً من الناس يبخل على أهله وأولاده، ولا أدري الذي يبخل على أهله وأولاده سيكرم من؟ فإذا كان أخص الناس به يعانون من المجاعة وهو حاتم الطائي خارج بيته!!

    هناك رجلٌ يدخن أكثر من مائة سيجارة في اليوم الواحد، وكان يأخذ الدقيق من بيته فيبيعه ويشتري به شاياً وسكراً، ويأخذ الرز ويبيعه، والزوجة تخرج وتعمل في البيوت، وتتكفف الناس.. إن باطن الأرض أولى بهذا الرجل من ظاهرها، وحين مات ولده والله لم يوجد في بيته ثمن الكفن!! فانظر إلى أين وصلت التعاسة؟!

    فكفى بهذا الرجل إثماً أن يضيع من يعول، فضلاً عن الموبقات التي يرتكبها.

    فأنت بإنفاقك على أولادك تتعبد الله تبارك وتعالى بذلك، وقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة أن تأخذ من مال زوجها بغير إذنه إذا كان بخيلاً، ولا ينفق على البيت.

    ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: (جاءت هند بنت عتبة -امرأة أبي سفيان- رضي الله عنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجلٌ شحيح، فهل علي جناحٌ أن آخذ من ماله بغير إذنه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)، فانظر إلى هذا الحكم (إن أبا سفيان رجلٌ شحيح) أي: لا يقوم بالنفقة الواجبة، فهل علي جناحٌ أو إثم أو حرج أن آخذ من ماله بغير إذنه؟ فلم يقل لها: لا، إن هذه خيانة.. لأن أبا سفيان قصر في الواجب الذي عليه، بل قال لها: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)، وكلمة (بالمعروف) حتى لا تتمادى الزوجة وتأخذ أكثر من حاجتها، ولو أخذت أكثر من حاجتها فإنها تعتبر خائنة آثمة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال لها: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)، والمرأة ربما تجد لها سبباً فتقول: أنا أتمسك بظاهر الحديث (خذي ما يكفيك)، وأنا لا يكفيني مرتبه ولا مرتب عشرة مثله، أنا محتاجة دائماً، والحديث يقول: (ما يكفيك).

    إن بعض الأزواج -هداهم الله- يترك بيته وأهله بدون نفقة ويخرج، فتقول له المرأة: إلى أين أنت ذاهبٌ وتتركنا؟ وماذا أبقيت لنا؟

    - فيقول لها: أبقيت لكم الله ورسوله.

    - فتقول: نريد مالاً.

    - فيقول لها: يا امرأة! هذا قول أبو بكر الصديق حين أعطى كل ماله للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: (ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله).

    إن هذه كلمة حقٍ لا يراد بها الحق، لا أقول: يراد بها باطل؛ إنما أقول: لا يراد بها الحق، فقد وضعت في غير موضعها.

    فإن هذا الرجل لا يذهب بماله إلى شيء واجب ولا مستحب ولا مباح، بل قد يكون شيئاً محرماً، أما أبو بكر الصديق فإلى أين لما أخذ ماله؟ أليس لتأسيس اللبنة الأولى من هذا الدين؟ فأين هذا الإنفاق من ذاك؟ إن الفرق كبير بين إنفاق أبي بكر وإنفاق هذا الرجل.

    إن هذا يتركهم ويذهب، يجلس في المسجد يأكل ويشرب ويطبخ ويرجع، مع أن الله تبارك وتعالى قال: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته) ، فليت هؤلاء أول ما يتجهون بالدعوة يتوجهون إلى بيوتهم، وإلى أولادهم، وإلى زوجاتهم، لكنه يدعو في الخارج ويترك أهل بيته يفعلون ما يشاءون، ويظن أن هذه قربة، إنها ليست قربة (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت)، ويتركهم أكثر من أربعين يوماً، وقد تكون له رحلة ستة أشهر -مثلاً- إلى بريطانيا أو إلى غيرها، ويدخل البلاد ويدعو إلى الله.. ادع في بلدك إن كنت من الصادقين، لكنه يقول: انظر إلى الآثار المترتبة على الدعوة هناك، عشرات الذين يؤمنون ويسلمون، فيقال: إن هذا ليس من خصائص المسلمين وحدهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي رواه البخاري وغيره: (إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر)، فلا تتصور أن المؤمنين فقط هم الذين يسعون لنصرة هذا الدين، بل إن بعض الفجار مرغمون ومسخرون لنصرته.

    فقد يأتي عالم مثلاً ويكتب كتاباً علمياً يهز العالم، ثم تجد له أصلاً في الكتاب والسنة! فكثير من الناس يؤمنون بسبب هذا الحديث أو بسبب تلك الآية، فنصر الله تبارك وتعالى وهذا الدين بهذا الرجل الفاجر.

    فالشاهد: أنه لا يجوز للمسلم أن يضيع من يقوت، بل عليه أن يتقرب إلى الله تبارك وتعالى بالنفقة على الأولاد والزوجة.

    وهذا الرجل الصالح: كان ينفق الثلث الثاني على أولاده.

    1.   

    الإسلام يحث على استثمار وزراعة الأرض

    بقي الثلث الأخير: قال: (وأرد فيها ثلثه)، أي: في الأرض. وهذا دليل على أن الإسلام يحث على استثمار الأرض، ويحث على استيعاب الطاقات والاستفادة من الجهود المبعثرة، بخلاف بعض الناس الذي يظنون أن الإسلام دين الكسل والتواكل، وهذه فرية بلا مرية، لكن -بكل أسف!- وجد من بيننا من يلوك هذا الكلام، وهم من العلمانيين ذوي الوجوه القبيحة الذين يحاربون الله ورسوله.

    والشيء العجيب: أنهم يحتجون علينا بالأحاديث، وهم لا يحتجون بها، وإنما يرددونها حتى يزعموا أنها مكذوبة، برغم أنها في صحيح البخاري، فماذا يريد هؤلاء؟ يريدون أن يقولوا: إن صحيح البخاري فيه أحاديث موضوعة، لكي يزيل هيبة هذا الكتاب من نفوس المسلمين؛ لأنه يعلم أن المسلمين يبجلون صحيح البخاري، برغم أنهم لا يعرفون من هو البخاري ولا حتى اسم البخاري.

    وهذا بسبب كلام العلماء عن ثقة هذا الكتاب وثقله ومكانته ومكانة صاحبه رحمه الله.

    فيأتي أحدهم ويقول إن: البخاري ليس معصوماً، وهو بشر، وهذا حديث موضوع في البخاري.. ثم يذكر حديث: (أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل داراً فوجد فيها محراثاً -والمحراث: ما يحرث به الأرض- فأشار إليه صلى الله عليه وسلم وقال: ما دخل هذا بيت رجلٍ إلا أدخل الله الذل عليه)، أي: أن هذا المحراث لا يدخل بيت رجل إلا ودخل الذل معه، فيقول: معنى هذا أن الناس لا يحرثون الأرض، ولكيلا يذلوا لا يقتنون المحراث ويحرثون الأرض، أي: لا يزرعون، فقالوا: إذاً هذا الحديث مكذوب باطل، وهذا البخاري الذي تتشدقون بصحته و.. و.. إلخ.

    مع أنهم لو ردوه إلى أهل العلم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، وهكذا يعمل الجهل في أهله، ولو سكت من لا يعلم لقل الخلاف.

    إن هذا الحديث صحيح، ولا مرية في صحته؛ بل نحن نقسم على صحته، قال إمام الحرمين: (لو حلف رجلٌ بالطلاق أن كل ما في البخاري صحيح ما ألزمته الطلاق؛ لصحة كل أحاديث الكتاب). هذا اعتداد بصحة الكتاب. إذاً ما وجه هذا الحديث؟

    لقد حمله العلماء على وجهين:

    الوجه الأول: إذا انشغل الرجل بالزرع عن طاعة الله أذله الله؛ لأن المحراث هذا يكون سبب الذل، وهل هناك ذل أشد من أن يدخل الإنسان الأرض؟ إذاً الذي يعمل بهذا المحراث ويزرع وينسى الله تبارك وتعالى وينسى التكاليف الشرعية، فيكون المحراث هذا سبباً لذله.

    الوجه الثاني -وهو المشاهد الآن تماماً-: أن هذا المحراث سبب في ذل الفلاحين الآن.. لماذا؟ لأن عليهم جباية، وضرائب، وتحصيلاً إجبارياً على المحاصيل.. أليس هذا من الذل؟

    إذاً: المحراث هو سبب الذل، بسبب الجبايات التي تثقل كواهل الناس.

    فيكون هذا المحراث سبباً للذل الواقع على كاهل هذا الإنسان، إذاً فما يدخل هذا المحراث بيت رجل إلا أدخل الله الذل معه.

    فهذا الحديث له وجه جميل ومحمل رائق، فهل يقال: إنه مكذوب؟! وقد علمنا أن هذه الأحاديث لا تحثنا على الكسل، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال في حديث آخر: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها)، فلو أن أحداً يزرع نخلة وقامت الساعة فإياه أن يقول: لن أزرعها، ولمن أزرعها؟ فالقيامة قد قامت؟! وهل هناك حث أكثر من قوله صلى الله عليه وسلم (ما من عبدٍ يزرع زرعاً أو يغرسُ غرساً، فيأكل منه إنسان أو حيوان أو طائرٌ إلا كان له به أجر) ، هل هناك أكثر من هذا في الحث على زراعة الأرض واستثمارها؟ إلخ، وهناك أحاديث كثيرة في ذلك.

    ولكن الإسلام محاصر من جهتين:

    الجهة الأولى: جهل أبنائه فيهدمونه من الداخل.

    والجهة الثانية: كيد أعدائه من الخارج، فالإسلام ما بين كيد الخارج وعجز الداخل.

    فصار المسلمون بذلك من أسوأ الأمم على هذه الحياة الآن!

    العمل بالأسباب من دين الإسلام

    إن بعض المسلمين يتعبد بترك العمل، ويزعمون أن العمل من الشرك، وفيهم من يزعم أن من ذهب إلى الطبيب فهو كافر.. وهذه كلمة خطيرة جداً أن يكفر أحد المسلمين ما لم يقم دليل قاطع وبرهانٌ ساطع على كُفره.. وهل الأخذ بالأسباب كفر؟

    إن هؤلاء الجهلة يكفرون النبي صلى الله عليه وسلم من حيث لا يشعرون؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخذ بالأسباب، وقال: (تداووا عباد الله، فإن الله ما جعل داءً إلا جعل له دواءً) .

    والنبي صلى الله عليه وسلم أليس هو سيد المتوكلين؟ أليس هو غرة في جبين المؤمنين؟ أليس هو سيد ولد آدم ولا فخر؟ فلم اختبأ في الغار لما أراد أن يهاجر؟ هل كان خائفاً من المشركين؟ إن بعض الناس من قصار النظر يزعمون أن عمر بن الخطاب كان أشجع من النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة، يقول: لأن عمر خرج وقال: إني مهاجر، فمن أراد أن ييتم ولده وترمل امرأته فليتبعني خلف هذا الوادي. فما تبعه أحد؛ لأنهم خائفون منه، فـعمر رضي الله عنه هاجر علناً والنبي صلى الله عليه وسلم هاجر مستتراً! وأبو بكر لما رأى رجلاً ينظر أسفل الغار قال: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر ! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟).

    والسبب في أن النبي عليه الصلاة والسلام اختبأ في الغار، بينما هاجر عمر رضي الله عنه علانية: أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم تشريع، وفعل عمر ليس تشريعاً.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام إذاً يقول لك: اختبئ من عدوك إن خفت منه؛ لأن فعله حجة، ونحن نأخذ التشريع من أقواله وأفعاله وتقريره صلى الله عليه وسلم، وقد كان يرسل عبد الله بن أبي بكر الصديق وعامر بن فهيرة إلى المشركين ليأتوهم بالأخبار، وهذا فيه مشروعية التجسس على الأعداء والتخفي منهم، وإلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما وصفه أنس رضي الله عنه، وورد عن علي بن أبي طالب أيضاً قال: (كنا إذا حمي الوطيس -وكانت الحرب على قدمٍ وساق، والرقاب تطير- احتمينا بالنبي صلى الله عليه وسلم)، يختبئون وراءه وذلك لشجاعته صلى الله عليه وسلم وثباته وثبات جنانه وقلبه.

    فهذا ليس خوفاً؛ إنما لأن فعله عليه الصلاة والسلام تشريع.

    فكيف يقول بعض الناس: إن موقف عمر أشجع، والنبي صلى الله عليه وسلم خرج من بين ظهرانيهم وهم وقوف على البيت مدججون بالسلاح، وخرج من بين ظهرانيهم ثابت القلب، رابط الجأش..؟!

    إذاً النبي عليه الصلاة والسلام أخذ بالأسباب المتاحة.

    ويزعم هؤلاء الجهلة -الذين يزعمون أن التوكل شرك- أن النبي عليه الصلاة والسلام وصف السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب بأوصاف تدل على خلع الأسباب، وذلك في الحديث الذي رواه مسلم عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة ؟ قلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت، قال: فماذا صنعت؟ قلت: استرقيت، قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي، فقال: وما حدثكم الشعبي قلت: حدثنا عن بريدة بن حصيب الأسلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا رقية إلا من عين أو حمة، فقال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: عرضت عليَّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه، فقال: هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة ).

    فهؤلاء الجهلة قالوا: قوله: (يسترقون) هذا ضد التوكل، ولكن هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون.

    إذاً: فمن استرقى أو اكتوى أو تطير فهو غير متوكل.

    وهذا الحديث مفهومه بخلاف ذلك، فهو صفة لهؤلاء الناس، وليس معناه: أن من لم يفعل ذلك يكون من السبعين ألفاً، فإنهم سبعون ألفاً قدرهم الله عز وجل، ومن صفاتهم: أنهم لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أريت نساءً كاسيات عاريات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يرحن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) ففهم بعض الناس من هذا الحديث: أن المرأة إذا أرادت أن تسرح شعرها وتعمل هكذا مثل سنام الجمل، أنه لا يجوز؛ اعتماداً على هذا الحديث، وهذا خطأ، فإن هذا الحديث وصفٌ لنساءٍ لا يرحن ريح الجنة؛ لا أن من تفعل هكذا لا تجد ريح الجنة، هذا منطق مكذوب، وهذه فتوى خاطئة.. امرأة مؤمنة رجلت شعرها هكذا إذاً تدخل في هذا الحديث؟ لا، فهن صنف من النساء هذه صفاتهن.

    وكقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (يكون أقوامٌ -في آخر الزمان- يخضبون بالسواد، لا يجدون ريح الجنة) .

    فقوله: (يخضبون بالسواد) ليس معناه: أن الذي يخضب بالسواد لا يجد ريح الجنة، فالحديث واضح، أن هؤلاء أقوام كتب الله عليهم أنهم لا يجدون ريح الجنة، وهذه من صفاتهم، لا أن من وجدت فيه هذه الصفة يكون من هؤلاء الناس، وإلا فـسعد بن أبي وقاص -وهو من العشرة المبشرين بالجنة- كان يخضب بالسواد، وعقبة بن عامر روي عنه بسند لا بأسه به عند الطبراني في الكبير أنه كان يخضب بالسواد، وكانت لحيته بيضاء، وكان رجلاً شاعراً يقول:

    أخضب أعلاها وتأبى أصولها

    فلا يقال: إن هذا لا يشم رائحة الجنة.

    إذاً: هذا الحديث -حديث السبعين ألفاً الذي يدخلون الجنة بغير حساب- وإن كان بعض العلماء أخذ منه المعنى المتبادر، ولكن المعنى الذي ذكرته هو أقرب المعاني عندي لهذا الحديث: أنه صفة لهؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب.

    الحاصل: أن الإسلام كره الكسل، وحض أتباعه على استثمار الأرض، وعلى الأخذ بكل جديد جيد فيها، وإلا فمعروف أن الدين لا يرتقي إلا بقبضة قوية من المال والعتاد؛ لأن الحق إذا لم يكن معه قوة يداس بالأقدام، فلا بد أن يكون للحق قوة تدفعه.

    فهذا الرجل الصالح الذي ذكر اسمه في هذه السحابة يقول: (وأرد فيها ثلثه) يستثمر الأرض ويزرعها؛ لأنك لا تستطيع أن تتصدق وأنت فقير، وكلما كنت غنياً وتصدقت كان لك فضل، واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، ونسأل الله عز وجل أن يبارك لنا في علمنا وأن ينفعنا به، وأن يأخذ بأيدينا ونواصينا إلى الخير.

    1.   

    الأسئلة

    معنى قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ

    السؤال: بعض الصوفية يقولون أن بعض مشايخهم هو الإمام المجدد، ويستدل بقوله تبارك وتعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:71]، فما المقصود بالإمام الذي ورد في الآية؟ وما الرد عليهم؟

    الجواب: المقصود المتبادر من هذه الآية: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:71]، أن الإمام هو النبي، أي: نبي هؤلاء الناس.

    ولفظ الآية يحتمل أكثر من هذا المعنى، فلو أن رجلاً ضالاً أضل الناس وسن سنةً سيئة، فسوف يدعى هذا الرجل ويدعى الذين أضلهم ويحتجون أمام الله تبارك وتعالى، وهناك عشرات المناظرات في القرآن الكريم بين الكبراء وبين المستضعفين، فإذا كان هؤلاء يحتجون أن شيخهم هو الإمام المجدد، فلكل قوم شيخ، فلماذا حصروا الآية على شيخهم فقط إذا كانت المسألة مجزأة هكذا؟

    والحقيقة أن هؤلاء المشايخ ليسوا مجددين، ونسأل الله تبارك وتعالى العفو والعافية من تجديدهم، ويصدق عليهم قول الأديب الراحل سامي الجيلاني -وقد كان متخصصاً في كتب الأطفال-.

    فيما نقل عنه الشيخ أحمد شاكر محدث مصر رحمه الله، قال: ونعوذ بالله من هؤلاء (المجددينات)، وهذا ليس بجمع، إنما يقال: (المجددين)، فقال: نعوذ بالله من هؤلاء (المجددينات). فقال له سائله: وما (المجددينات؟) قال: هذا جمع مخنث سالم! فقال وصدق؛ فإن أغلب الذين يزعمون التجديد من هذا النوع.

    وقد التقينا بأحد هؤلاء وهو فرماوي فؤاد المضل، وقد بلغ التسعين سنة، التقينا به في سجن طره، وكان يزعم أنه يوحى إليه، قال الله تعالى: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ [الأنعام:121].

    فهؤلاء (المجددينات) إنما يجددون البدع، فهذا يدعى يوم القيامة وعليه وزر تجديد هذه البدع والخرافات والضلالات المضافة لتوحيد الخالق، إلا من عصمه الله تبارك وتعالى، والسعيد من اتبع الكتاب والسنة.

    شبهات حول نقاب المرأة

    السؤال: بعض الناس يسخرون من المرأة المنتقبة، ويقولون: إن المرأة المتبرجة أقرب إلى الله من المنتقبة؟

    الجواب: لم يقل هذا الرأي إلا رجلٌ مرذول، وهو الدكتور إسماعيل مقطور المبتدع الضال في كتابه (تذكير الأصحاب بتحريم النقاب) يقول: إن المرأة المتبرجة -هكذا يقول- أقرب إلى الله من المرأة المنتقبة!!

    لماذا يا دكتور؟

    يقول: لأن النقاب حرام، والمرأة تنتقب بدعوى التقرب إلى الله، بينما المتبرجة تعلم أنها على حرام، فيمكن أن تتوب من هذا الحرام يوماً ما، ولكن المرأة التي تعتقد أن النقاب فرض تتقرب إلى الله به.. فهل هذه ستتوب؟ كيف وهي تظن أنها بالانتقاب هذا تتقرب إلى الله؟! لذلك المرأة المتبرجة أقرب إلى الله من المرأة المنتقبة..!!

    انظر إلى هذا الضلال المبين! ويطبعون كتبه رغماً عن الأزهر النائم، ونسأل الله عز وجل ألا يكون قد مات؛ وكل الخرافات تنشر، ويسب هذا الدين بدعوى حرية الرأي.. وإذا تكلمت يقولون: لماذا تحجر على آراء الناس؟ هل تزعم أنك أنت على الإيمان وهم على الكفر؟

    لا، أنا لا أزعم هذا.

    إذاً: دع الناس يتكلمون، وكل شيءٍ يبيحونه بدعوى حرية الرأي، مع أن شيخ الأزهر اشتكى على صفحات الجرائد الرسمية أنه يرسل للرد على بعض أهل البدع في الجرائد ولا ينشرونه، فانظر كيف يتصرفون مع شيخ الأزهر!

    فسخرية الفاسق لا تعدل شيئاً: وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ [الروم:60]، فإن كنت تعتقد أنك على الحق فلماذا تكون خفيف الوزن؟ كلما ألصق بعض الناس شبهة ذهبت يميناً وشمالاً، بل كن كالجبل الأشم.

    وهذا يذكرني بذبابة نزلت فوق نخلة -انظر: الذبابة لا وزن لها، أما النخلة فإنها راسخة- فقالت الذبابة للنخلة: أيتها النخلة استمسكي، فإني طائرةٌ عنك، فقالت لها النخلة: وهل أحسست بك نازلةً حتى أحس بك طائرة؟!

    يعني: نزلت وصعدت والنخلة لم تشعر بشيء أبداً، فهؤلاء لا يزنون شيئاً في الحقيقة.

    المهم أن تعتقد أنك على الحق المبين، كونك أنت الذي تتأرجح.

    انظر في نفسك!

    ستجد أنك غير متأكد من الحق الذي تحمله؟ بدليل أن أي شبهة تهزك، فاستوثق من الحق الذي معك.