إسلام ويب

شرح جامع الترمذي أبواب الطهارة [14]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تعم أحكام الشريعة كل أحوال المكلفين، ولا يخرج عن حكمها حال من أحوالهم، فهي التي جاءت بما يتصل بدم الحيض والنفاس من الأحكام، كما جاءت بما يتصل بشهوة الرجل حال إرادته العود في الجماع والدوران على نسائه، كما جاءت بما يتصل بواجد ألم مدافعة الأخبثين حال قصده الصلاة، كما جاءت بما يتصل بطين الشوارع وأقذارها حين تصيب الثياب، وغير ذلك في سائر الأحوال.

    1.   

    باب ما جاء في غسل دم الحيض من الثوب

    شرح حديث: (حتيه ثم أقرصيه بالماء ثم رشيه ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: ما جاء في غسل دم الحيض من الثوب.

    حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر : (أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الثوب يصيبه الدم من الحيضة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حتيه ثم اقرصيه بالماء ثم رشيه وصلي فيه).

    قال: وفي الباب عن أبي هريرة وأم قيس بنت محصن .

    قال أبو عيسى : حديث أسماء في غسل الدم حديث حسن صحيح، وقد اختلف أهل العلم في الدم يكون على الثوب فيصلي فيه قبل أن يغسله، قال بعض أهل العلم من التابعين: إذا كان الدم مقدار الدرهم فلم يغسله وصلى فيه أعاد الصلاة، وقال بعضهم: إذا كان الدم أكثر من قدر الدرهم أعاد الصلاة، وهو قول سفيان وابن المبارك ، ولم يوجب بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم عليه الإعادة وإن كان أكثر من قدر الدرهم، وبه يقول أحمد وإسحاق ، وقال الشافعي : يجب عليه الغسل وإن كان أقل من قدر الدرهم وشدد في ذلك ].

    هذا الحديث الذي ذكره المؤلف في هذا الباب فيه دليل على جوب غسل دم الحيض وأنه نجس، وقوله: (حتيه) يعني: حكيه، أي: تحكه بعود أو بغيره حتى تزيل عين النجاسة.

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (ثم اقرصيه بالماء ثم رشيه) فيه دليل على أن دم الحيض نجس، وهذا بالإجماع، أما غير دم الحيض ففيه خلاف، وقد نقل النووي الإجماع على أن الدم نجس، فأما الدم المسفوح من الذبيحة وقت الذبح فلا إشكال فيه، وأما ما يكون في العروق فهذا معفو عنه في اللحم.

    فالدم الذي يصيب الشخص إذا كان دم حيض فلا شك في نجاسته، أما إذا كان غير دم الحيض فالأحوط الغسل، والتحديد بدرهم أو بأقل من درهم ليس عليه دليل، ولكن الشيء اليسير يعفى عنه، وهذا يرجع إلى العرف، وما زاد على ذلك يغسل.

    قال صاحب كتاب (تحفة الأحوذي) رحمه الله: قوله: (فقال بعض أهل العلم من التابعين إذا كان الدم مقدار الدرهم فلم يغسل وصلى فيه أعاد الصلاة) جاء فيه حديث أخرجه الدارقطني في سننه عن روح بن غطيف عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم).، وفي لفظ: (إذا كان في الثوب قدر الدرهم من الدم غسل الثوب، وأعيدت الصلاة)، قال البخاري : حديث باطل، وروح هذا منكر الحديث. وقال ابن حبان : هذا حديث موضوع لا شك فيه، لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن اخترعه أهل الكوفة، وكان روح بن غطيف يروي الموضوعات عن الثقات، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وذكره -أيضاً- من حديث نوح بن أبي مريم عن يزيد الهاشمي عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه، وأغلظ في نوح بن أبي مريم، كذا في تخريج الزيعلي .

    (وقال بعضهم: إذا كان الدم أكثر من قدر الدرهم أعاد الصلاة، وهو قول سفيان وابن المبارك ) وهو قول الحنفية.

    وقال صاحب الهداية: قدر الدرهم وما دونه من النجاسة المغلظة -كالدم والبول والخمر وخرء الدجاج وبول الحمار- جازت الصلاة معه، وإن زاد لم يجز، قال لنا: إن القليل لم يمكن التحرز عنه، فيجعل معفواً، وقدرناه بقدر الدرهم أخذاً عن موضع الاستنجاء. انتهى.

    قال العيني في شرح البخاري : وأما تقدير أصحابنا القليل بقدر الدرهم فلما ذكره صاحب الأسرار عن علي وابن مسعود أنهما قدرا النجاسة بالدرهم، وكفى بهما حجة في الاقتداء.

    وروي عن عمر -أيضاً- أنه قدره بظفره، وفي المحيط: وكان ظفره قريباً من كفنا، فدل على أن ما دون الدرهم لا يمنع. انتهى.

    قلت: لا بد للحنفية أن يثبتوا صحة آثار علي وابن مسعود وعمر رضي الله عنهم المذكورة، وبمجرد ذكر صاحب الأسرار هذه الآثار لا يصح الاستدلال بها، وإني قد فتشت كثيراً لكن لم أقف على أسانيدها ولا على مخرجيها، فالله تعالى أعلم كيف حالها.

    وأما قول الحنفية: إن ظفر عمر كان قريباً من كفنا، فهذا ادعاء محض لم يثبت بدليل صحيح، نعم ثبت أنه رضي الله عنه كان طويل القامة، قال الحافظ ابن الجوزي في كتابه (التلقيح) ما لفظه: تسمية الطوال عمر بن الخطاب والزبير بن العوام وقيس بن سعد وحبيب بن مسلمة وعلي بن عبد الله بن عباس . انتهى، ومن المعلوم أن كون عمر من طوال الصحابة لا يستلزم أن يكون ظفره قريباً من كفنا.

    وأما تقديرهم أخذاً عن موضع الاستنجاء فيه -أيضاً- كلام لا يخفى على المتأمل).

    هذا القول يحتاج إلى دليل، وقد ذكرنا أن تقدير اليسير يرجع إلى العرف، فدم الحيض لا شك في نجاسته، ويجب غسل قليله وكثيره.

    1.   

    ما جاء في كم تمكث النفساء

    شرح حديث: (كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله أربعين يوماً ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في كم تمكث النفساء.

    حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا شجاع بن الوليد أبو بدر عن علي بن عبد الأعلى عن أبي سهل عن مسة الأزدية عن أم سلمة قالت: (كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً، فكنا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف).

    قال أبو عيسى : هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبي سهل عن مسة الأزدية عن أم سلمة .

    واسم أبي سهل : كثير بن زياد قال محمد بن إسماعيل : علي بن عبد الأعلى ثقة، وأبو سهل ثقة، ولم يعرف محمد هذا الحديث إلا من حديث أبي سهل ، وقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوماً، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فإنها تغتسل وتصلي، فإذا رأت الدم بعد الأربعين فإن أكثر أهل العلم قالوا: لا تدع الصلاة بعد الأربعين، وهو قول أكثر الفقهاء، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق ، ويروى عن الحسن البصري أنه قال: إنها تدع الصلاة خمسين يوماً إذا لم تطهر.

    ويروى عن عطاء بن أبي رباح والشعبي ستين يوماً ].

    قال صاحب كتاب (تحفة الأحوذي) رحمه الله: (قوله: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي سهل ... إلخ). قال الحافظ في التلخيص: أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني والحاكم .

    و أبو سهل وثقه البخاري وابن معين ، وضعفه ابن حبان .

    و مسة مجهولة الحال، قال الدارقطني : لا تقوم بها حجة، وقال ابن القطان : لا يعرف حالها، وأغرب ابن حبان فضعفه في كثير بن زياد ولم يصب.

    وقال النووي : قول جماعة من مصنفي الفقهاء: إن هذا الحديث ضعيف مردود عليهم، وله شاهد أخرجه ابن ماجه من طريق سلام عن حميد عن أنس : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت للنفساء أربعين يوماً، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك) قال: لم يروه عن حميد غير سلام وهو ضعيف، ورواه عبد الرزاق من وجه آخر عن أنس مرفوعاً.

    وروى الحاكم من حديث الحسن عن عثمان بن أبي العاص قال: (وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء في نفاسهن أربعين يوماً)، وقال: صحيح إن سلم من أبي هلال .

    قلت: وقد ضعفه الدارقطني ، والحسن عن عثمان بن أبي العاص منقطع، والمشهور عن عثمان موقوف عليه.انتهى ما في التلخيص.

    وقد ذكر الحافظ حديث الباب في (بلوغ المرام) وقال: صححه الحاكم وأقر تصحيحه ولم ينكر عليه، وقد قال في (التقريب) في ترجمة مسة الأزدية : إنها مقبولة كما عرفت.

    وقال صاحب (عون المعبود): وأجاب في (البدر المنير) عن القول بجهالة مسة فقال: ولا نسلم جهالة عينها، وجهالة حالها مرتفعة، فإنه روى عنها جماعة: كثير بن زياد والحكم بن عتيبة وزيد بن علي بن الحسين ، ورواه محمد بن عبيد الله العزرمي عن الحسن عن مسة أيضاً، فهؤلاء رووا عنها، وقد أثنى على حديثها البخاري ، وصحح الحاكم إسناده، فأقل أحواله أن يكون حسناً، انتهى.

    هذا الحديث في سنده مسة ، ومسة هذه فيها كلام من حيث الجهالة، لكنه قد روى عنها عدد فارتفعت جهالتها، ثم إن الحديث له شواهد، وهو معتمد عند أهل العلم في مكث النفساء أربعين يوماً، فهذا هو المعتمد عند الجماهير، وهو أنها تمكث أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر، أي: إذا انقطع الدم قبل الأربعين فإنه يلزمها أن تغتسل وتصوم وتصلي، ثم إذا عاد الدم في الأربعين فإنها تجلس ولا تعيد صيامها في الأيام التي مضت وقد رأت الطهر، وإذا تمت الأربعين فإنها تغتسل وتصوم وتصلي، وإن جاءها الدم بعد الأربعين فينظر، فإن كان وافق عادتها قبل النفاس؛ فإنها تجلس وقت عادتها، ويكون هذا حيض جاءها، وأما إذا لم يوافق العادة فإنها تغسل الدم، وتصوم وتصلي، هذا هو المعتمد الذي عليه الفتوى، والذي اعتمده بعض أهل العلم.

    وقال بعض العلماء: إن أكثر مدة النفاس خمسون يوماً.

    وقال بعضهم: ستون يوماً.

    والصواب: أن أكثر مدة النفاس أربعون يوماً إذا لم تر الطهر قبل ذلك، وهذا الحديث هو العمدة، أعني حديث أم سلمة الذي فيه مسة ، وهي مقبولة الحال، لكن الحديث له شواهد كما قلنا، وقال أحمد شاكر : وقد زعم ابن حزم في (المحلى) أن أكثر النفاس سبعة أيام فقط، وهذا من الغرائب، وقد قاس ذلك على أيام الحيض، وإن لم يعترف بأنه قياس، بل أغرب فزعم أن دم النفاس دم حيض، وهذا الذي قاله لم نجد مثله عن أحد من العلماء.

    وهذا من أغرب الأقوال؛ فإن دم الحيض ليس سبعة أيام، وإنما غالبه سبعة أيام، لكنه قد يكون عشرة أيام إلى خمسة عشر يوماً.

    1.   

    باب ما جاء في الرجل يطوف على نسائه بغسل واحد

    شرح حديث: (كان يطوف على نسائه بغسل واحد)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: ما جاء في الرجل يطوف على نسائه بغسل واحد.

    قال: حدثنا بندار محمد بن بشار حدثنا أبو أحمد حدثنا سفيان عن معمر عن قتادة عن أنس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه بغسل واحد).

    قال: وفي الباب عن أبي رافع .

    قال أبو عيسى : حديث أنس حديث صحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه بغسل واحد)، وهو قول غير واحد من أهل العلم، منهم الحسن البصري ، أن لا بأس أن يعود قبل أن يتوضأ.

    وقد روى محمد بن يوسف هذا عن سفيان فقال: عن أبي عروة عن أبي الخطاب عن أنس وأبو عروة هو معمر بن راشد وأبو الخطاب : قتادة بن دعامة .

    قال أبو عيسى : ورواه بعضهم عن محمد بن يوسف عن سفيان عن ابن أبي عروة عن أبي الخطاب ، وهو خطأ، والصحيح عن أبي عروة ].

    قال صاحب كتاب (تحفة الأحوذي) رحمه الله: حديث أنس حديث صحيح أخرجه الجماعة إلا البخاري، كذا في المنتقى.

    وقال في (النيل): الحديث أخرجه البخاري -أيضاً- من حديث قتادة عن أنس بلفظ: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة، قال: قلت: لـأنس بن مالك : أوكان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين) ولم يذكر فيه الغسل. انتهى ].

    يعني: قوة ثلاثين رجلاً، وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، فإنه مع قلة الطعام والشراب، ومع انشغاله أعطاه الله هذه القوة، وهي قوة ثلاثين رجلاً.

    ثم قال صاحب كتاب (تحفة الأحوذي) رحمه الله: قوله: (وهو قول غير واحد من أهل العلم، منهم الحسن البصري، أن لا بأس أن يعود قبل أن يتوضأ) في كلام الترمذي هذا شيء، فإن حديث الباب لا يدل على هذا، بل يدل على أن لا بأس أن يعود قبل أن يغتسل، فتفكر، وأما مسألة العود قبل أن يتوضأ فتأتي في الباب الآتي).

    فهذا الحديث - كما ذكر المؤلف - رواه الجماعة - أصحاب الكتب الستة - : البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ، وهو دليل على أنه لا بأس بأن يطوف الرجل على نسائه بغسل واحد إذا كان هناك عدد من النساء، ولا يعتبر هذا من الجور، لكن عليه أن يتوضأ بعد كل جماع، ويكره في حقه أن يعود بدون وضوء، وكذلك إذا أراد أن ينام، كما جاء في الصحيح أن عمر رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ) ، يعني: لا بد من أن يتوضأ، وكذلك إذا أراد أن يأكل أو يشرب، وإذا كان يريد جماع زوجة أخرى فيتأكد الوضوء.

    أما قول الحسن هذا فليس بشيء، فالصواب أنه لا بد من الوضوء بعد كل جماع، ومعلوم أن الإنسان يضعف بعد الجماع، لكن الأنبياء أعطاهم الله هذه القوة الكبيرة، وسليمان عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيح- دار على تسعين امرأة في ليلة واحدة، فقد ورد أنه قال: (لأطوفن الليلة على تسعين امرأة -وفي لفظ: على سبعين- فتلد كل واحدة غلاماً يجاهد في سبيل الله) فانظر إلى الهمة العالية (فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل - وفي لفظ: - فلم يقل ونسي) ، وذلك لحكمة بالغة، (فطاف عليهن فلم تلد إلا واحدة أتت بشق إنسان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو قال (إن شاء الله) لكان دركاً لحاجته، ولقاتلوا في سبيل الله فرساناً أجمعين) ، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    والحديث رواه البخاري ومسلم ، فهذه قوة عظيمة، فإنه دار على تسعين امرأة في ليلة واحدة؛ لأن الأنبياء لهم خصائص خصهم الله بها.

    1.   

    باب ما جاء في الجنب إذا أراد أن يعود توضأ

    شرح حديث: (إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ ...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب: ما جاء في الجنب إذا أراد أن يعود توضأ.

    حدثنا هناد حدثنا حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءاً). قال: وفي الباب عن عمر .

    قال أبو عيسى : حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح، وهو قول عمر بن الخطاب ، وقال به غير واحد من أهل العلم، قالوا: إذا جامع الرجل امرأته ثم أراد أن يعود فليتوضأ قبل أن يعود، وأبو المتوكل اسمه علي بن داود ، وأبو سعيد الخدري اسمه: سعد بن مالك بن سنان ].

    قال صاحب كتاب (تحفة الأحوذي) رحمه الله: قوله: (فليتوضأ بينهما) أي: بين الإتيانين (وضوءاً) أي: كوضوء الصلاة، وحمله بعض أهل العلم على الوضوء اللغوي، وقال: المراد به غسل الفرج، ورد عليه ابن خزيمة بما رواه في هذا الحديث فقال: (فليتوضأ وضوءه للصلاة).

    واختلف العلماء في الوضوء بينهما، فقال أبو يوسف : لا يستحب، وقال الجمهور يستحب.

    وقال ابن حبيب المالكي وأهل الظاهر: يجب، واحتجوا بحديث الباب، وقال الجمهور: إن الأمر بالوضوء في هذا الحديث للاستحباب لا للوجوب، واستدلوا على ذلك بما رواه الطحاوي عن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يجامع ثم يعود ولا يتوضأ).

    واستدل ابن خزيمة على أن الأمر فيه بالوضوء للندب بما رواه في هذا الحديث فقال: (فإنه أنشط للعود)، فدل على أن الأمر للإرشاد أو الندب، وحديث الباب حجة على أبي يوسف .

    والذي أراه أن القول بالوجوب قول قوي، مع أن الجمهور على أنه للاستحباب، لكن نقول بالوجوب لأن الأصل في الأوامر الوجوب.

    1.   

    ما جاء إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء

    شرح حديث: (إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: ما جاء إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء.

    حدثنا هناد بن السري حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الأرقم قال: (أقيمت الصلاة فأخذ بيد رجل فقدمه، وكان إمام قومه، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء).

    قال: وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة وثوبان وأبي أمامة .

    قال أبو عيسى : حديث عبد الله بن الأرقم حديث حسن صحيح، هكذا روى مالك بن أنس ويحيى بن سعيد القطان وغير واحد من الحفاظ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الأرقم .

    وروى وهيب وغيره عن هشام بن عروة عن أبيه عن رجل عن عبد الله بن الأرقم ، وهو قول غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين، وبه يقول أحمد وإسحاق ، قالا: لا يقوم إلى الصلاة وهو يجد شيئاً من الغائط والبول، وقالا: إن دخل في الصلاة فوجد شيئاً من ذلك فلا ينصرف ما لم يشغله، وقال بعض أهل العلم: لا بأس أن يصلي وبه غائط أو بول ما لم يشغله ذلك عن الصلاة ].

    قال صاحب كتاب (تحفة الأحوذي) رحمه الله: قوله: (هكذا روى مالك بن أنس ويحيى بن سعيد القطان وغير واحد من الحفاظ) كـزهير بن معاوية وسفيان بن عيينة وحفص بن غياث وغيرهم (عن هشام بن عروة عن أبيه) عن عبد الله بن الأرقم ، فلم يزيدوا بين عروة وعبد الله بن الأرقم رجلاً.

    (وروى وهيب وغيره) كـأنس بن عياض وشعيب بن إسحاق (عن هشام بن عروة عن رجل عن عبد الله بن الأرقم) فزاد هؤلاء بين عروة وعبد الله بن الأرقم رجلاً. ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن أيوب بن موسى .

    وقال: قوله: (حديث عبد الله بن الأرقم حديث حسن صحيح، وأخرج مالك وأبو داود والنسائي نحوه.

    وعن الصحابي راوي الحديث قال ابن حجر في (الإصابة): عبد الله بن الأرقم بن أبي الأرقم واسمه عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري قال البخاري : عبد يغوث جده، وكان خال النبي صلى الله عليه وسلم، أسلم يوم الفتح، وكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ولـأبي بكر وعمر، وكان على بيت المال أيام عمر، وكان أميراً عنده، حدثت حفصة أنه قال لها: لولا أن ينكر علي قومك لاستخلفت عبد الله بن الأرقم، وقال السائب بن يزيد : ما رأيت أخشى لله منه.

    وأخرج البغوي من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن الزبير أن النبي صلى الله عليه وآله سلم استكتب عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث وكان يجيب عنه الملوك، وبلغ من أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك.

    و عبد الله بن الأرقم هو شقيق زيد بن الأرقم.

    قال صاحب كتاب (تحفة الأحوذي) رحمه الله: قال عروة : (فأخذ) أي: عبد الله بن الأرقم ، (فقدمه) أي: فقدم الرجل ليؤم القوم، (وكان) أي: عبد الله بن الأرقم ، (ووجد أحدكم الخلاء) أي: الحاجة إلى الخلاء.

    وفي رواية الشافعي : (ووجد أحدكم الغائط فليبدأ بالغائط)، (فليبدأ بالخلاء) وجاز له ترك الجماعة بهذا العذر، وفي رواية مالك : (إذا أراد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة).

    قوله: (وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة وثوبان وأبي أمامة ) أما حديث عائشة فأخرجه مسلم عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان) ).

    أي: إذا كان يدافع الأخبثين - البول والغائط - فلا صلاة، قيل: لا صلاة كاملة، وقيل: لا صلاة صحيحة.

    وعلى هذا فإذا صلى وهو يدافع الأخبثين فلا تصح صلاته على أحد الأقوال.

    والقول الثاني: أنها صحيحة إذا لم تشغله مع الكراهة؛ لما فيه من التشويش، وكذلك إذا كانت حرارة الطعام فيه شديدة، وتتوق نفسه إليه، فلا بد من أن يأكل، وفي هاتين الحالتين هو معذور، فله ترك صلاة الجماعة.

    قال الشارح: ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن أيوب بن موسى عن هشام عن عروة قال: خرجنا في حج أو عمرة مع عبد الله بن الأرقم الزهري فأقام الصلاة ثم قال: صلوا وذهب لحاجته، فلما رجع قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أقيمت الصلاة وأراد أحدكم الغائط فليبدأ بالغائط).

    فهذا الإسناد يشهد بأن رواية مالك ومن تابعه متصلة بتصريحه بأن عروة سمعه من عبد الله بن الأرقم ، وابن جريج وأيوب ثقتان حافظان، ذكره الزرقاني نقلاً عن ابن عبد البر .

    إذاً: لا يدخل الشخص الصلاة وهو حاقن أو حاقب أو حاسر، والحاقن: مدافع البول، والحاقب: مدافع الغائط، والحاسر: مدافع الريح.

    1.   

    ما جاء في الوضوء من الموطئ

    شرح حديث أم سلمة في تطهير ذيل الثوب

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: ما جاء في الوضوء من الموطئ.

    حدثنا أبو رجاء قتيبة حدثنا مالك بن أنس عن محمد بن عمارة عن محمد بن إبراهيم عن أم ولد لـعبد الرحمن بن عوف قالت: قلت لـأم سلمة : (إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر، فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يطهره ما بعده).

    قال: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نتوضأ من الموطئ.

    قال أبو عيسى : وهو قول غير واحد من أهل العلم، قالوا: إذا وطئ الرجل على المكان القذر أنه لا يجب عليه غسل القدم إلا أن يكون رطباً فيغسل ما أصابه.

    قال أبو عيسى : وروى عبد الله بن المبارك هذا الحديث عن مالك بن أنس عن محمد بن عمارة عن محمد بن إبراهيم عن أم ولد لــهود بن عبد الرحمن بن عوف عن أم سلمة وهو وهم، وليس لـعبد الرحمن بن عوف ابن يقال له: هود ، وإنما هو عن أم ولد لـإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أم سلمة ، وهذا الصحيح ].

    يعني أن الرجل إذا كانت رطبة فلا بد من غسلها، أما اليابس فإنه يتسامح فيه، والخف كذلك، إذا كان يابساً فحكمه مثل ذيل المرأة، فإنه يمر على أرض وسخة ثم يرد على أرض طاهرة فيطهر.

    قال صاحب كتاب (تحفة الأحوذي) رحمه الله: وحديث الباب أخرجه مالك في الموطأ وأحمد والدارمي وأبو داود وسكت عنه هو والمنذري ، ورواه الشافعي وابن أبي شيبة أيضاً.

    وفي الباب عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت (قلت: يا رسول الله، إن لنا طريقاً إلى المسجد منتنة، فكيف نفعل إذا مطرنا؟ قالت: فقال: أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ قلت: بلى. قال: فهذه بهذه). أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري ، والمرأة من بني عبد الأشهل هذه صحابية، ذكره ابن الأثير في (أسد الغابة) وقد تقدم أن جهالة اسم الصحابي لا تضر.

    قال القاضي أبو بكر بن العربي : هذا الحديث مما رواه مالك فصح، وإن كان غيره لم يره صحيحاً، والعلة فيه جهالة (أم ولد) هذه. قال الذهبي في الميزان: حميدة سألت أم سلمة ، هي أم ولد لـإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف تفرد عنها محمد بن إبراهيم التيمي .

    وأما ابن حجر في التهذيب فإنه لم يجزم بأن حميدة هي أم الولد، بل جوز ذلك فقط، قال في التقريب: إنها مقبولة، وهذا هو الراجح، فإن جهالة الحال في مثل هذه التابعية لا يضر، وخصوصاً مع اختيار مالك حديثها وإخراجه في موطئه، وهو أعرف الناس بأهل المدينة وأشدهم احتياطاً في الرواية عنهم.

    تنبيه: قال علي القارئ في المرقاة - بعد ذكر تأويل الإمام أحمد والإمام مالك - ما لفظه: وما قال أحمد ومالك من التأويل لا يشفي الغليل، ولو حمل أنه من باب طين الشارع وأنه طاهر أو معفو لعموم البلوى لكان له وجه وجيه، لكن لا يلائمه قوله: (أليس بعدها ... ألخ) .

    فالمخلص ما قاله الخطابي من أن في إسناد الحديثين معاً مقالاً؛ لأن أم ولد إبراهيم وامرأة من بني عبد الأشهل مجهولتان لا يعرف حالهما في الثقة والعدالة، فلا يصح الاستدلال بهما. انتهى.

    وقال أيضاً: لو ثبت أن المرأة التي من بني عبد الأشهل صحابية لما قيل: إنها مجهولة.

    وفي الباب عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: (قلت: يا رسول الله...) كأن شيخ الإسلام رحمه الله اعتمد هذا الحديث.

    وحديث أم سلمة (وأن الذيل) أي: ذيل المرأة إذا مرت في أرض وسخة ثم أرض طاهرة طهرت، وكذلك الخف يتسامح فيه، أما الرجل إذا أصابتها نجاسة فلا بد من غسلها.

    قال الخطابي : كان الشافعي يقول: إنما هو فيما جر على ما كان يابساً لا يعلق بالثوب منه شيء، فأما إذا جر على رطب فلا يطهره إلا بالغسل.

    وقال أحمد : ليس معناه إذا أصابه بول ثم مر بعده على الأرض أنها تطهره، ولكنه يمر بالمكان فيقذره ثم يمر بمكان أطيب منه فيكون هذا بذاك، ليس على أنه يصيبه منه شيء.

    وقال مالك فيما روي عنه: إن الأرض يطهر بعضها بعضاً، إنما هو أن يطأ الأرض القذرة ثم يطأ الأرض اليابسة النظيفة، فإن بعضها يطهر بعضاً، فأما النجاسة -مثل البول ونحوه يصيب الثوب أو بعض الجسد- فإن ذلك لا يطهره إلا الغسل، قال: وهذا إجماع الأمة.

    وقال الزرقاني : وذهب بعض العلماء إلى حمل القذر في الحديث على النجاسة ولو رطبة، وقالوا: يطهر بالأرض اليابسة؛ لأن الذيل للمرأة كالخف والنعل للرجل، ويؤيده ما في ابن ماجه عن أبي هريرة قيل: (يا رسول الله! إنا نريد المسجد فنطأ الطريق النجسة، فقال صلى الله عليه وسلم: الأرض يطهر بعضها بعضاً) لكنه حديث ضعيف كما قاله البيهقي وغيره.

    وقال الشيخ الأجل ولي الله الدهلوي تحت حديث أم سلمة : إن أصاب الذيل نجاسة الطريق، ثم مر بمكان آخر واختلط به طين الطريق وغبار الأرض وتراب ذلك المكان ويبست النجاسة المتعلقة؛ فيطهر الذيل النجس بالتناثر أو الفرك، وذلك معفو عنه عند الشارع بسبب الحرج والضيق، كما أن غسل العضو والثوب من دم الجراحة معفو عنه عند المالكية، وكما أن النجاسة الرطبة التي أصابت الخف تزول بالدلك، ويطهر الخف عند الحنفية والمالكية بسبب الحرج، وكما أن الماء المستنقع الواقع في الطريق وإن وقع فيه النجاسة معفو عنه عند المالكية بسبب الحرج، وإني لا أجد الفرق بين الثوب الذي أصابه دم الجراحة والثوب الذي أصابه الماء المستنقع وبين الذيل الذي تعلقت به نجاسة رطبة ثم اختلط به غبار الأرض وترابها وطين الطريق فتناثرت به النجاسة أو زالت بالفرك، فإن حكمها واحد، وما قاله البغوي : إن هذا الحديث محمول على النجاسة اليابسة التي أصابت الثوب ثم تناثرت بعد ذلك ففيه نظر؛ لأن النجاسة التي تتعلق بالذيل في المشي في المكان القذر تكون رطبة في غالب الأحوال، وهو معلوم بالقطع في عادة الناس، فإخراج الشيء الذي تحقق وجوده قطعاً أو غالباً عن حالته الأصلية بعيد، وأما طين الشارع يطهره ما بعده ففيه نوع من التوسع في الكلام؛ لأن المقام يقتضي أن يقال: هو معفو عنه أو لا بأس به، لكن عدل عنه بإسناد التطهير إلى شيء لا يصلح أن يكون مطهراً للنجاسة، فعلم أنه معفو عنه، وهذا أبلغ من الأول. انتهى.

    وعلى كل حال فإنه لو صح الحديث فلا إشكال، ولكن يؤيده الأدلة التي فيها دفع الحرج ودفع المشقة، مثل قوله عز وجل: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78] وقوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    1.   

    الأسئلة

    حكم من وجد في ثيابه رطوبة بعد قيامه من النوم

    السؤال: هل على من وجد في ثيابه رطوبة بعد قيامه من النوم أن يغتسل؟ مع العلم أن هذه الرطوبة ليس فيها رائحة مني، ولا أثر لاحتلام في النوم، فهي كالبرودة؟

    الجواب: إذا تأكد أنه مني أو احتلام فيجب عليه الاغتسال، أما إذا لم يتأكد، وشك في أن يكون مذياً أو غير ذلك؛ فإنه يغسل ما أصابت الرطوبة وما حولها.

    حكم نزول القطرة والقطرتين قبل موعد الحيض

    السؤال: امرأة يأتيها الدم قبل موعد حيضتها بيوم أو يومين، وهو قليل، كنقطة أو نقطتين في اليوم الواحد، فهل تترك الصلاة؟

    الجواب: لا؛ لأنه لا يعتبر دم حيض ما دام أنه نقطة أو نقطتان فقط.

    حكم من تركت الصلاة بعد أن أسقطت جنيناً لم يتخلق

    السؤال: امرأة أسقطت قبل أن يتخلق الجنين، ولم تصلِّ بعد السقط، ظانة أنه ليس عليها صلاة، وما حكم فعلها؟ وكيف تقضي الصلاة؟

    الجواب: عليها أن تقضي الصلاة ما دام أنه لم يتبين خلق الجنين، فلا تعتبر نفساء، فتقضي الصلوات الماضية بأن تسردها سرداً، فإذا قطعتها لمدة تبلغ أكثر من يوم فإنها تصلي بالترتيب: الفجر، فالظهر، فالعصر، فالمغرب، فالعشاء، ثم تصلي اليوم الثاني والثالث، وهكذا في وقت واحد، أو تستريح إذا تعبت، ثم تصلي ما بقي بعد ذلك، وذلك خلال يوم أو يومين أو ثلاثة، على حسب فراغها ووقتها.