إسلام ويب

شرح عمدة الفقه كتاب البيوع [6]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشركة هي عقد بين شخصين ولها صور عدة، فمنها شركة العنان والتي يشتركان فيها ببدنيهما وما ليهما، وشركة الوجوه والتي يشتركان فيها بالذمة، وشركة المضاربة والتي يشترك فيها أحدهما بماله والآخر بعمله، وشركة الأبدان والتي يشتركان فيها ببدنيهما، وشركة المفاوضة والتي يفوض فيها أحدهما الآخر في المال والبدن والذمة وكل شيء.

    1.   

    ما جاء في الشركة

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب الشركة.

    وهي على أربعة أضرب: شركة العنان، وهي: أن يشتركا بماليهما وبدنيهما، وشركة الوجوه: وهي أن يشتركا فيما يشتريان بجاهيهما، والمضاربة، وهي: أن يدفع أحدهما إلى الآخر مالاً يتجر فيه، ويشتركان في ربحه، وشركة الأبدان وهي: أن يشتركا فيما يكسبان لأبدانهما من المباح، إما بصناعة أو احتشاش أو اصطياد ونحوه؛ لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر فجاء سعد بأسيرين ولم آت أنا وعمار ].

    الشركة دل عليها الكتاب والسنة قال الله تعالى: وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [ص:24] أي: الشركاء. وفي الحديث القدسي كما يقول الله تعالى: (أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما الآخر، فإذا خانه خرجت من بينهما)، أو كما جاء.

    فالشركة جائزة وهي كما ذكر المؤلف رحمه الله أربعة أنواع: شركة العنان, وشركة الوجوه, وشركة المضاربة, وشركة الأبدان وهناك نوع خامس وهو: شركة المفاوضة.

    شركة العنان

    النوع الأول: شركة العنان هي: أن يشتركا بماليهما وبدنيهما فيكون من كل واحد منهما المال والعمل كأن يضع أحدهما مثلاً خمسة آلاف والآخر مثله، وكل منهما يشتغل بماله ومال صاحبه، فأما اشتغاله بماله فمن أجل ملكه له، ويشتغل كذلك بمال صاحبه بالوكالة عنه.

    يعني: أن كلاً منهما قد وكل صاحبه، فمثلاً: هذا يشتري سيارات وهذا يشتري عقارات ويشغلها، وقد يربحون أو يخسرون، وقد يربح أحدهما ويخسر الآخر، فإن خسرا جبرت الخسارة من رأس المال، وإن ربحا كان الربح بينهما على حسب الشرط.

    ولابد أن يكون المال من النقدين أو أحدهما ولا يكون عروضاً.

    ولابد أن يكون الربح جزءاً مشاعاً فإن كان الربح مجهولاً أو اشترطا لكل واحد منهما دراهم معينة، أو شرط أحدهما أن ربح هذه السيارة لي دون ربح القمار فلا يصح، بل لابد أن يكون الربح جزءاً مشاعاً، يعني: أن لكل واحد منهما نصف الربح، أو لأحدهما الثلث وللآخر الثلثان، فيتقاسمان الربح حسب الاتفاق.

    شركة الوجوه

    النوع الثاني: شركة الوجوه، وهي أن يشتركا فيما يشتريانه بالذمة وليس بينهما مال، وإنما هو في الذمة مثل أن يشتري أحدهما سيارات ديناً والآخر يشتري عقاراً ديناً، والربح بينهما نصفان، أو ثلاثة أرباع، ثم يبيع كل منهما ويسدد ما عليه وهكذا. فإذا مضى مدة تقاسما الربح بينهما وقد سميت هذه الشركة شركة الوجوه؛ لأن كلاً منهما يشتري بوجهه وبذمته؛ لأنه ليس عندهما مالاً.

    شركة المضاربة

    النوع الثالث: شركة المضاربة، وهي: أن يكون من أحدهما المال والآخر منه العمل قال تعالى: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل:20] فدل القرآن على شركة المضاربة، وأن أحدهما منه المال والآخر منه العمل، مثل: أن يدفع شخص عشرة آلاف لآخر يشتغل بها، فإن خسر فالخسارة تكون على صاحب المال، وإن لم يبق إلا رأس المال فليس له شيء، وإن ربح كان الربح على حسب الشرط الذي بينهما، فمثلاً: إذا قال أحدهما للآخر: أعطيك مائة ألف تشتري بها سيارات أو أرضاً أو عقارات ويكون لك الربع من الربح ولي ثلاثة أرباع، فإذا مضت سنة أو سنتان اقتسما الربح على حسب الشرط الذي بينهما، فإن خسر كانت الخسارة على صاحب المال وليس على العامل شيء فإن لم يوجد إلا رأس المال فليس للعامل منه شيء.

    شركة الأبدان

    النوع الرابع: شركة الأبدان، وهي: أن يشتغل كل واحد منهما ببدنه. مثل: أن يشتغل أحدهما بالنجارة والآخر بالحدادة ويتقاسمان الربح بينهما على حسب الاتفاق أو مثلاً: يشتغل أحدهما في الاحتشاش والآخر في الاحتطاب وقد جاء أنه اشترك عبد الله بن مسعود وسعد وعمار في غزوة بدر فجاء سعد بأسيرين ولم يجئ عبد الله وعمار بشيء فاشتركوا في ربح الأسيرين. فإذا اشتركا في الصناعة أو التجارة أو الاحتطاب أو الصيد فما ربحاه كان بينهما على حسب الشرط، ولابد أن يكون الربح جزءاً مشاعاً، سواء كان ربعاً أو نصفاً أو ثلثاً على حسب الاتفاق بينهما.

    شركة المفاوضة

    النوع الخامس: وشركة المفاوضة، شركة المفاوضة هذه عامة تشمل المال والبدن والذمة وكل شيء، وهي: أن يفوض كل منهما صاحبه في كل شيء، كأن يضعان مالاً ويشتغلان ببدنهما، ويشتريان في ذمتهما،فإذا رأى أحدهما مثلاً بيعة مناسبة اشتراها بالمال الذي عنده، وإذا رأى أيضاً كسباً بالبدن كسبه ببدنه، وإن رأى شيئاً يُشترى في الذمة اشتراه في الذمة أيضاً، وهكذا: ويكون الربح بينهما على حسب ما اتفقا عليه.

    قوله: ( باب الشركة:

    وهي على أربعة أضرب: شركة العنان، وهي: أن يشتركا بماليهما وبدنيهما).

    أي: أن يضع كل واحد ماله وبدنه ويشتغلان معاً ويتصرف كل منهما بالمال، أما تصرفه بماله فلأنه ملكه، وأما تصرفه بمال شريكه فلأنه فوضه ووكله.

    (وشركة الوجوه، وهي: أن يشتركا فيما يشتريان بجاهيهما).

    أي: أن كل واحد منهما يشتري في الذمة، ولا يوجد فيها مال ولا بدن، وما حصل من الربح كان بينهما على حسب الشرط.

    قوله: (والمضاربة، وهي: أن يدفع أحدهما إلى الآخر مالاً يتجر فيه، ويشتركان في ربحه).

    وهي مثل القراض فأحدهما منه المال والآخر منه العمل، ويكون الربح بينهما على حسب الشرط، فإن خسر فليس على العامل شيء، وإن بقي رأس المال فليس له شيء، وإن ربح كان الربح بينهما على حسب الشرط.

    قوله: (وشركة الأبدان، وهي: أن يشتركا فيما يكسبان بأبدانهما من المباح إما بصناعة أو احتشاش أو اصطياد ونحوه).

    وهذه ليس فيها إلا العمل بالبدن، وليس فيها مال، وإنما كل منهما يشتغل ببدنه، كأن يشتغل أحدهما في السيارات والآخر نجاراً، أو كأن يكون أحدهما مصلحاً للساعات والآخر بناءً أو دهاناً أو سباكاً، وما ربحاه جمعاه واقتسماه بينهما.

    قوله: (وشركة الأبدان، وهي: أن يشتركا فيما يكسبان بأبدانهما من المباح إما بصناعة أو احتشاش أو اصطياد ونحوه؛ لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر فجاء سعد بأسيرين ولم آت أنا وعمار بشيء).

    والمعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك. وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة عن عبد الله بن مسعود وفيه علة قال ابن حجر : أبو عبيدة لم يسمع من أبيه.

    وقد كان من قتل قتيلاً أو أتى بأسير فله سلبه، وهذا من باب التشجيع، وهو من غير الغنائم؛ لأنه في الغنائم يشارك الغانمين، وأما هذا فهو شيء خاص.

    كيفية تحمل الخسارة في الشركة

    قال المؤلف رحمه الله: [ والربح في جميع ذلك على ما شرطاه، والوضيعة على قدر المال ].

    والوضيعة: الخسارة فإذا خسرا مثلاً في شركة العنان فتكون الخسارة على قدر المال، فإذا دفع أحدهما مثلاً خمسة آلاف ودفع الآخر عشرة آلاف ثم خسرا فتكون الخسارة على صاحب العشرة آلالاف أكثر وهكذا.

    وفي المضاربة تكون الخسارة على رب المال؛ لأن أحدهما منه العمل والآخر منه المال، وليس فيها مال من الطرفين. فإذا كان فيها مال من الطرفين فهي شركة العنان فإذا دفع أحدهما مثلاً ستين ودفع الآخر أربعين ثم خسراً مائة كانت الخسارة على صاحب الستين ستين فقط وعلى صاحب الأربعين أربعين، وهكذا بالنسبة، فإذا دفع أحدهما ستمائة ألف ودفع الآخر أربعمائة ألف ثم خسرا ألفاً كانت الخسارة على الذي دفع الستمائة ألف ستمائة، وعلى الذي دفع الأربعمائة ألف أربعمائة وهكذا.

    وإذا فسخ أحدهما العقد بطلت الشركة مثل عقد المساقاة والمزارعة، فهي عقد جائز، متى ما فسخها أحدهما فسخت وبطلت، وكذلك تبطل الشركة بموت أحد الشريكين أو بالحجر عليه.

    حكم اشتراط أحد الشريكين شرطاً زائداً على نسبة الربح أو تصرفه في الشركة دون إذن الآخر

    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا يجوز أن يجعل لأحدهما دراهم معينة ].

    لأن فيها غرراً فلا يقول أحدهما مثلاً: أنا أشترك معك على أن لي من الربح عشرة آلاف؛ لأنهما قد لا يكسبان عشرة آلاف وقد يكسبانها هي فقط، فيأخذها صاحب الشرط، ويبقى الآخر ليس له شيء، فلا يجوز التحديد في الشركة، وإنما يجوز فيها النسبة.

    قال: [ ولا يجوز أن يجعل لأحدهما دراهم معينة ولا ربح بشيء معين والحكم في المساقاة والمزارعة كذلك ].

    والمساقاة على الشجر، والمزارعة على الأرض، والمساقاة هي: أن يدفع شخص شجر النخيل لشخص آخر يشتغل فيها بالعمل أو السقي، وتكون الثمرة على حسب ما يخرج منها.

    والمزارعة هي: أن يعطيه الأرض ليزرعها وسواء كان البذر من العامل أو من رب المال وما خرج يكون بينهما بجزء مشاع من الربح، والأصل في هذا: (أن النبي صلى الله علية وسلم عامل أهل خيبر لما فتحها بشرط ما يخرج منها من ثمر أو زرع، فدفع النبي صلى الله علية وسلم لهم الأرض والشجر يعملون فيها بالنصف) أي: لهم نصف الثمار ولليهود النصف، وذلك لأن الصحابة كانوا مشغولين بالجهاد ولا يستطيعون العمل في النخيل، فلهذا أبقى اليهود وعاملهم عليها.

    قال: [ والحكم في المساقاة والمزارعة كذلك وتجبر الوضيعة من الربح ].

    أي: تجبر الخسارة من الربح، فيكمل رأس المال من الربح حتى ولو لم يبق منه شيء.

    قال: [ وليس لأحدهما البيع بنسيئة ولا أخذ شيء من الربح إلا بإذن الآخر ].

    أي: ليس له أن يبيع بشيء مؤجل إلا إذا أذن له صاحبه، ولا يأخذ شيئاً من الربح إلا إذا أذن له.

    1.   

    ما جاء في المساقاة والمرابحة

    قال: [ باب المساقاة والمزارعة.

    يجوز المساقاة في كل شجر له ثمر بجزء من ثمره مشاع معلوم. والمزارعة في الأرض بجزء من زرعها ].

    وتكون المساقاة على الشجر، والمزارعة على الأرض، والمساقاة هي: أن يدفع ما عنده من أشجار النخيل أو أشجار العنب أو البرتقال أو التفاح إلى شخص آخر يشتغل فيها بالسقي والحراسة وغيرها، والربح بينهما, فإذا خرج التمر أو العنب أو التفاح أو البرتقال باعه والربح بينهما على النصف أو على الربع, والمزارعة هي: أن يدفع أحدهما أرضه لشخص يسقيها ويحرسها ويبذرها ويزرعها وما تحصل من الحبوب يكون بينهما بالنصف أو بالربع أو بالثلث على حسب الاتفاق, سواء كان البذر من رب الأرض أو من العامل.

    قال: [ تجوز المساقاة في كل شجر له ثمر بجزء من ثمره مشاع معلوم والمزارعة في الأرض بجزء من زرعها، سواء كان البذر منهما أو من أحدهما؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما: (عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع وثمر) ].

    والشطر يعني: النصف، وجاء في بعض الروايات: (أنه لما فتحت خيبر قال اليهود: أنتم مشغولون لو تركتموها في أيدينا نعمل لكم فتركهم النبي يعملون، وساقاهم على الشجر وعلى الأرض جميعاً وزارعهم على الأرض).

    قال المؤلف رحمه الله: [ وفي لفظ: (على أن يعمروهما من أموالهم) وعلى العامل ما جرت العادة بعمله ].

    وعلى العامل أن يعمل ما جرت العادة بعمله وكان معروفاً أن على العامل عمله، مثل: أن يحرث ويسقي ويبذر ويأتي بالبذر من عنده، وعليه أن يسمدها، ويقوم بما جرت العادة به، فيأتي بالسماد وبغيره في كل وقت.

    قال: [ وعلى العامل ما جرت العادة بعمله ولو دفع إلى رجل دابة يعمل عليها وما حصل بينهما جاز على قياس ذلك ].

    فلو أعطاه الفرس أو الحمار أو البعير وقال له: اشتغل عليه وما حصل بيننا نصفين فلا بأس، أو قال له: جر عليه عربة واحمل البضائع للناس وما ربحت يكون على النصف أو الربع فلا بأس.

    حكم تأجير السيارات على أن يدفع السائق لصاحبها كل يوم مبلغاً معيناً

    ومثله الآن تأجير السيارة على النصف أو الربع أو الثلث وأما ما يفعله بعض الناس الآن من كونه يعطيه سيارته ويقول له: كل يوم تعطيني أربعة آلاف أو خمسة آلاف فهذا غرر وفيه مخاطرة، فقد لا يربح المستأجر هذا المبلغ، ولذلك تجد السائقين يتهورون ويسرعون ويخاطرون من أجل أن يحصل على ما يسدد به لصاحب السيارة وعلى ربحه، فتجده يسهر ويتعب، فالتحديد غرر ولا يصح وهو غلط؛ لأنه قد لا يحصل شيئاً في بعض الأيام. وهذا غرر وظلم وطريقة الخروج منه أن يشتغل بالسيارة بأحد أمرين: إما بالراتب، فيعطيه راتباً شهرياً ويكون الباقي لصاحب السيارة وإما أن يعطيه نسبة مما يكسب، فيعطيه الربع أو الخمس أو السدس أو عشرة في المائة أو عشرين في المائة أو خمسة وعشرين في المائة أو ثلاثين في المائة، والباقي لصاحب السيارة، فهذا لا بأس به فأما أن يفرض عليه أن يأتيه كل يوم بمبلغ معين فهذا غرر وظلم ويترتب عليه مشاكل متعددة كما هو الواقع، ولكن بعض الناس لا يبالي والعياذ بالله.

    وقد يقال: إنه إذا أجر له السيارة مثل إيجار البيت يشتغل عليها فلا بأس بهذا الإيجار، فيكون مثلاً شهرياً أو يومياً والدليل على هذا ما أخرجه البخاري أن الزبير كان له كذا وكذا من العبيد وكان يطلب من كل أحد منهم كل يوم ديناراً وقد كان هؤلاء العبيد أصحاب صناعات ومهن، وكان منهم أبو لؤلؤة المجوسي الذي قتل عمر رضي الله عنه فجاء إلى عمر يشتكي المغيرة ويقول: إنه يطلب مني كل يوم درهمين أو كذا، فسأله عمر عن الصناعة التي في يده وقال له: أنت تصنع كذا وكذا وكذا والدرهمان ليست كثيرة عليك فحنق عليه وتوعده.

    وإذا أعطى شخصاً -مثلاً- خمسين وقال: إن كسبت هذه التجارة فلي ثلاثين في المائة وإن لم تكسب تكون سلفة عليك فلا يصح هذا؛ لأنه عقدين في عقد، وهذا عقد غرر، وإذا أراد أن يعطيه سلفة فليعطه من غير أن يشترط عليه جزءاً من الربح.

    والفرق بين أن يعطيه السيارة على أن يعطيه كل يوم مبلغاً معيناً وبين الإجارة: أن شرطه هذا ليس عن رضا العامل، وإنما هو مجبر على القبول وإلا فُصل. ولو كان راضياً فهو أيضاً مضطر إلى هذا العمل.

    1.   

    ما جاء في الجعالة

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب الجعالة.

    وهي أن يقول: من رد لقطتي أو ضالتي أو بنى لي هذا الحائط فله كذا، فمن فعل ذلك استحق الجعل ].

    والجعل هو: شيء يخرجه الإنسان يتبرع به لمن عمل عملاً, مثل: من يضيع عليه شيء فيقول: من رد لقطتي فله كذا وكذا، فإذا أتى بها إنسان فيستحق الجعل أو يقول: ضاع مني بعير فمن يأتي به فله كذا فإن أتى به إنسان استحق الجعل. أو يقول: من بنى لي هذا الجدار أو هذا البيت فله كذا وكذا فجاء إنسان وبناه فله الجعل؛ لقول الله تعالى: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف:72] في قصة إخوة يوسف قال تعالى: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف:70-72] يعني: كفيل.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وهو أن يقول: من رد لقطتي أو ضالتي أو بنى لي هذا الحائط فله كذا، فمن فعل ذلك استحق الجعل؛ لما روى أبو سعيد : (أن قوماً لدغ رجل منهم فأتوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل فيكم من راق؟ فقالوا: لا، حتى تجعلوا لنا شيئاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الغنم، فجعل رجل منهم يقرأ بفاتحة الكتاب ويرقي ويتفل حتى برأ فأخذوا الغنم وسألوا عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: وما يدريك أنها رقية؟ خذوا واضربوا لي معكم بسهم) ].

    وهذا دليل أيضاً من السنة على جواز الجعالة، فالدليل الأول قوله تعالى: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ [يوسف:72].

    والدليل الثاني: حديث أبي سعيد وهو في الصحيحين في قصة اللديغ وذلك أن قوماً من الصحابة استضافوا حياً من العرب فلم يضيفوهم ولم يقروهم، فلما ذهبوا عنهم لدغ سيدهم فجعلوا ينادونهم ويقولون: إن سيدنا لدغ وإنا فعلنا الأسباب ولم يستفد منها، فهل فيكم من راق؟ أو هل عندكم أحد يرقي؟ فقالوا: نعم، ولكن لا نعطيكم إلا بجعل؛ لأنكم لم تقرونا، فاجعلوا لنا جعلاً فاتفقوا معهم على قطيع من الغنم فجاء أحدهم وأخذ بيده أو برجله وجعل يقرأ الفاتحة ويتفل ويقرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] فجعل السم يسيل ويخرج. وقد كان الصحابة يظنون أنه ليس قارئاً، فقالوا: يا فلان! ما نعلم وما نعرفك قارئاً. قال: والله ما رقيت إلا بأم الكتاب. فساقوا القطيع من الغنم، ثم تحرجوا وقالوا: كيف نأخذها ولم نسأل النبي صلى الله عليه وسلم؟ فلما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وما يدريك أنها رقية، خذوها واضربوا لي معكم بسهم) من باب تطييب نفوسهم. وكأنه: يقول: أنا شريك لكم فاجعلوا لي سهماً منها؛ حتى يطيب نفوسهم ويطمأنوا أنها لا شبهة فيها.

    ولمن يرقي بالفاتحة أن يقرأ دون تحديد فيكررها مرتين وثلاثاً.

    والحديث فيه دليل على: أنه لا بأس بأخذ الأجرة على الرقية، ولكن لا يستغل الناس, مثل بعض الناس الآن الذين يستغلون حاجة الفقير؛ لأنهم قد لا يتمكنون مثلاً من الكسب وكذلك أخذ الأجرة على تعليم القرآن لا بأس بها. ويجوز أن يقرأ معها آية الكرسي والمعوذتين وقل هو الله أحد ويأتي بالتعوذات المسنونة، مثل: (اللهم رب الناس مذهب البأس..).

    الفرق بين الجعالة والأجرة

    والفرق بين الجعالة والأجرة: أن الفاعل في الجعالة غير محدد، بخلاف الأجرة فإنها اتفاق مع شخص على أن يعمل عملاً معيناً بأجرة معينة، وأما الجعالة فيكون العامل غير معين.

    قال المؤلف رحمه الله: [ ولو التقط اللقطة قبل أن يبلغه الجعل لم يستحقه ].

    فلو أتى بالبعير وسلمه قبل الجعل أو قبل أن يسلمه فلا يستحق الجعل إلا إذا التقطه بعد أن يجعل له.

    1.   

    ما جاء في اللقطة

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب اللقطة

    وهي على ثلاثة أضرب:

    أحدها: ما تقل قيمته فيجوز أخذه والانتفاع به من غير تعريف؛ لقول جابر : (رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا والسوط وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به).

    الثاني: الحيوان الذي يمتنع بنفسه من صغار السباع كالإبل والخيل ونحوهما فلا يجوز أخذها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ضالة الإبل فقال: (ما لك ولها؟ دعها، معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يأتيها ربها) ومن أخذ هذا لم يملكه ولزمه ضمانه ولم يبرأ إلا بدفعه إلى نائب الإمام.

    الثالث: ما تكثر قيمته من الأثمان والمتاع والحيوان الذي لا يمتنع من صغار السباع فيجوز أخذه، ويجب تعريفه حولاً في مجامع الناس، كالأسواق وأبواب المساجد، فمتى جاء طالبه فوصفه دفعه إليه بغير بينة، ولا يتصرف فيه حتى يعرف وعاءه ووكاءه وصفته، فمتى جاء طالبه فوصفه دفع إليه أو مثله إن كان قد هلك ].

    اللقطة هي: المال الضائع الذي لا يعرف صاحبه. فإذا وجد إنسان مالاً ضائعاً لا يعرف صاحبه فهو على أحوال ثلاث:

    الحالة الأولى: أن يكون هذا الملتقط شيئاً حقيراً لا قيمة له، كالسوط والعصا والحبل والريال والخمسة الريالات مثلاً، فهذه يلتقطها وينتفع بها ولا شيء فيها.

    الحالة الثانية: أن يكون الملتقط حيواناً يمتنع من صغار السباع كالإبل والبقر والخيل، فهذه يتركها ولا يأخذها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: (لما سئل عن لقطة الإبل احمر وجهه وقال: دعها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر) أي: لا يضرها شيء، وتستطيع أن تصبر فالبعير يصبر على الماء مدة طويلة وينفر عن صغار السباع كالذئب وغيره، اللهم في حالة الإرهاق كأن يكون في أرض مسبعة ولا يستطيع الامتناع لكثرة السباع، فينقله من المسبعة إلى مكان آخر ولا يأخذه فإذا التقطه في هذه الحالة فإنه يضمنه ولا تبرأ ذمته إلا بأن يسلمه إلى نائب الإمام.

    الحالة الثالثة: الأثمان والأمتعة التي لها قيمة في همة أوساط الناس، كأن يجد دراهم كثيرة، وكذلك الحيوان الذي لا يمتنع من صغار السباع كالشاة والماعز التي لا تستطيع أن تقاوم السباع، فإنه يلتقطها في هذه الحالة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لما سئل عن لقطة الشاة قال: خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب) يعني: أن تأخذها أو يأكلها الذئب، فهذه يعرفها سنة في مجامع الناس في الأسواق ويعلن عنها أو يوكل شخصاً يعلن عنها في مجامع الناس في الأسواق وعند أبواب المساجد وعليه أن يعرف صفتها ويضبطها ويسجل عنده أوصافها ولا بد أن يعرف عددها وعفاصها، وهو: الوعاء التي هي فيه ويعرف وكاءها، وهو: الرباط المربوطة فيه فإذا جاء طالبها وعرف عددها وصفتها ووكاءها دفعها إليه، وإلا فلا يعطيه، فإن جاء طالبها قبل تمام الحول فيدفعها إليه وإن انتهى الحول فإنه يملكها بعد ضبط أوصافها، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر ولو بعد سنة أو سنتين فيدفعها إليه، وإن لم يأت أحد فهي له وينتهي تعريفها بانتهاء الحول، وأما لقطة الحرم فلا يزال يعرفها مدى الدهر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لما خطب الناس: (ولا تلتقط لقطتها إلا لمنشد)، وإذا كان هذا الملتقط يحتاج إلى نفقة كالشاة التي يخشى عليها أن تهلك أو تحتاج إلى علف، والتي ربما ينفق عليها أكثر من ثمنها فإن الملتقط بين أحد أمرين: إما أن يسجل أوصافها ثم يبيعها ويحفظ الثمن، وله أن يذبحها ويأكلها ويسجل ثمنها، فإذا جاء طالبها دفع إليه ثمنها؛ لأنه إن رباها وأنفق عليها فإنه يتضرر. فإذا جاء صاحبها وعرفها ففليس هناك حاجة إلى تحليفه، فإن لم يعرفها فلا يدفعها إليه.

    وإن لم يستطع أن هو يعرفها فوكل أحداً يعرفها، ويضبطها وإذا تم الحول فهي له. وإذا كانت اللقطة لا قيمة لها في أوساط الناس فلا بأس أن يتصدق بها وإن جاء طالبها يوماً خيره.

    ولو وجد اللقطة في عرفة فعليه أن يعرفها في السنة في عرفة وفي المشاعر وفي مكة؛ لأن الحاج يأتي عرفة، وينتقل بين المناسك فإن لم يجد صاحبها عرفها في السنة القادمة، والآن هناك لجان للاهتمام باللقطة فيدفعها إليها.

    قال المؤلف رحمه الله: [ فمتى جاء طالبه فوصفه دفعه إليه بغير بينة، وإن لم يعرف فهو كسائر ماله ولا يتصرف فيه حتى يعرف وعاءه ووكاءه وصفته، فمتى جاء طالبه فوصفه دفع إليه أو مثله إن كان قد هلك، وإن كان حيواناً يحتاج إلى مؤنة أو شيئاً يخشى تلفه فله أكله قبل التعريف أو بيعه ].

    ويحفظ الثمن لصاحبه.

    قال: [ ثم يعرفه؛ لما روى زيد بن خالد عنه قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقطة الذهب والورق؟ فقال: اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه) ].

    فإن لم يأت فتكون له بعد السنة.

    قال: [ (وسأله عن الشاة؟ فقال: خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب) وإن هلكت اللقطة في حول التعريف من غير تعد فلا ضمان فيها ].

    لأنه مؤتمن فإذا تلفت وهو لم يتعد ولم يفرط فلا يضمنها، فإن كان متعدياً أو مفرطاً فيضمنها.

    ما جاء في اللقيط

    قال المؤلف رحمه الله: [ فصل في اللقيط.

    هو الطفل المنبوذ وهو محكوم بحريته وإسلامه، وما وجد عنده من المال فهو له ].

    اللقيط هو: الطفل المنبوذ كأن يكون نبذ في المسجد أو في الشارع، فيحكم له بأنه حر وبأنه مسلم، وأحياناً يكون معه مال فينفق عليه منه، وإن لم يكن معه شيء فينفق عليه من بيت المال فإن جاء أحد يدعيه فيما بعد فينسب إليه وإن كان كافراً، ولا يلحق به من جهة الدين.

    قال: [ وولايته لملتقطه إذا كان مسلماً عدلاً، ونفقته في بيت المال إن لم يكن معه ما ينفق عليه وما خلفه فهو فيء ].

    أي: إذا كبر وصار رجلاً وخلف مالاً وليس له وارث ولا يعرف له أب ولا أم فيكون ماله في بيت مال المسلمين وقيل: تكون ولايته لمن التقطه، وهو ضعيف.

    قال: [ ومن ادعى نسبه ألحق به، إلا إن كان كافراً ألحق به نسباً لا ديناً، ولم يسلم إليه ].

    فيلحق به نسباً من باب حفظ النسب، ولكنه لا يسلم إليه؛ لأنه ليس بمسلم وقد اختار شيخ الإسلام أن ميراث اللقيط لملتقطه؛ لما روى سعيد عن سفيان عن الزهري أنه سمع شبيباً أبا جميلة فقال: وجدت ملقوطاً فأتيت به عمر رضي الله عنه فقال: عريفي يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، فقال عمر : أكذلك هو؟ قال: نعم، قال: اذهب فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته، أو: قال رضاعه. وهذا الحديث ضعيف لا يثبت عن عمر ، والصواب هو ما قال الجمهور: أن ولاءه لبيت المال.