إسلام ويب

مجمل أصول أهل السنة - الإيمانللشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، والأعمال داخلة في مسمى الإيمان، والاستثناء في الإيمان من المسائل الحادثة التي يسوغ فيها الخلاف، وللإيمان نواقض إذا ارتكبها المسلم أو ارتكب واحداً منها بطل إيمانه، ولابد في تكفيره من توافر شروط وانتفاء موانع؛ فإنه لا يكفر كل من ارتكب ناقضاً من نواقض الإيمان إلا بذلك.

    1.   

    قواعد في الإيمان والكفر

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وآله، ورضي الله عن صحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

    يقول المؤلف حفظه الله تعالى: [ رابعاً: الإيمان:

    أولاً: الإيمان لغة: التصديق، وفي الشرع: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فهو قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، فقول القلب اعتقاده وتصديقه، وقول اللسان إقراره، وعمل القلب تسليمه وإخلاصه وإذعانه وحبه وإرادته للأعمال الصالحة، وعمل الجوارح: فعل المأمورات وترك المنهيات ].

    موضوع الإيمان من أهم المواضيع التي يجب أن يعنى بها كل مسلم؛ لأنه ينبني عليها دينه، والإيمان له مفهوم لغوي عام، وله مفهوم شرعي اصطلاحي، وهو المقصود بإطلاق الإيمان في الكتاب والسنة.

    مفهوم الإيمان

    لفظ الإيمان من الألفاظ المجملة التي إذا جاء الشرع بتحديدها أو بوصفها على هيئة معينة فإنه يجب التزام هذا الوصف كسائر المصطلحات الشرعية، لأن الأمر لا يخص الإيمان فقط، بل أكثر المصطلحات الشرعية جاء الشرع في التوسع بدلالتها أو بتحديدها، وذلك بوضع مصطلح شرعي إما أن يكون أوسع من المصطلح اللغوي أو يحدده.

    مثال ذلك: الصلاة، فالصلاة لغة هي عموم الصلة، ويدخل فيها الدعاء، والتقرب إلى الله بأي عمل، ويدخل فيها كثير من الأعمال اللسانية والقلبية، وعمل الجوارح، وتسمى صلاة لغة، لكن حدد الشرع مفهوم الصلاة بركن الإسلام المعروف، فبين لنا في النصوص الشرعية لأنه يقصد بالصلاة هذه العبادة التي جاءت على هيئة معينة، بركوعها وسجودها ووقتها وشروطها وواجباتها.

    إذاً: الشرع حدد معنى الصلاة، فمن هنا إذا أطلق معنى الصلاة في الدين فإنه يعني ركن الإسلام المعروف، الذي جاء الشرع بتحديد هيئته وشروطه.

    وكذلك الإيمان له معنى لغوي عام، وهو: التصديق، لكن الشرع وضع للإيمان مفهوماً اصطلاحياً عظيماً يشمل الدين كله، فالإيمان في الشرع هو الدين بمجمله، كما قلنا: إن الإسلام هو الدين بمجمله، والسنة هي الدين بمجمله.

    ولكن نظراً لأن مفهوم الدين وردت فيه مصطلحات شرعية، تترادف أحياناً وتختلف أحياناً في بعض معانيها، وتجتمع في أمور، وتختلف في أمور، فالله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم سميا الدين الإسلام والإيمان .. إلى آخره.

    فالإيمان بالمصطلح الشرعي هو اعتقادات وأقوال وأعمال حددها الشرع، وهذا يشمل عامة الدين.

    والإيمان له تعريف موجز كما عبر عنه السلف وهو: قول وعمل.

    وتعريف مفصل وهو: اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الأركان والجوارح، والجوارح هي الأعضاء.

    وليس بين التعريفين تعارض، بل الأول المجمل يعتبر تعريفاً حدياً أقرب أو أدق في المعنى اللغوي، لكن نظراً لأن اللغة ضعفت في أذهان الناس، اضطر السلف للتفصيل، وإلا فإن الإيمان في أصل تعريفه هو قول وعمل، والقول يشمل قول اللسان، وقول القلب؛ لأن القلب يعبر عن قوله باللسان.

    كما أنه يشمل عمل القلوب الذي هو الأمور الإيمانية من التقوى والصلاح والاستقامة والإنابة والخوف والرجاء والمحبة، وكل هذا يسمى عمل القلب، وعمل القلب وعمل الجوارح هي الأعضاء التي تتمثل بأركان الإسلام الخمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ لأنها قول اللسان وهي عمل اللسان، ثم الصلاة والزكاة والحج وسائر أعمال الإسلام هي إيمان، ومن هنا تدخل في جزء من حقيقة الإيمان، وهي أنها عمل.

    وعلى هذا فحقيقة الإيمان الشرعية تشمل الأمرين: الأمور القلبية، والأمور العملية التي هي أعمال الجوارح كما جاء به الشرع، وعلى هذا فيمكن أن نحدد هذا المفهوم بلغة أبسط، وهي: أن الإيمان التزام شرع الله اعتقاداً وعملاً.

    إذاً: الإيمان أدخل فيه الاعتقاد والأعمال وهما لا ينفكان، ولا يجوز حصر الإيمان في نوع واحد كالأمور الاعتقادية فقط؛ لأن هذا يخرج الأعمال التي هي جزء من الإيمان، ولا تحصر أيضاً في الأمور العملية؛ لأن هذا يخرج الأمور القلبية من الإيمان، فعلى هذا فالإيمان لا يكتمل تعريفه وحقيقته شرعاً إلا بأن نجمع بين الاعتقاد والقول والعمل.

    ولذا فإن الإيمان يزيد وينقص، وهذه تسمى مسائل الإيمان؛ لأن الإيمان يتمثل بأركان هي أركان الإيمان الستة المعروفة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره من الله عز وجل، ويتمثل الإيمان كذلك بالأعمال التي هي أمور الإسلام.

    وينقسم الإيمان من حيث حقيقته إلى: أركان الإيمان وإلى مسائل الإيمان، فأركان الإيمان هي الستة المعروفة، وأما مسائل الإيمان فهي: أولاً: أن الإيمان قول وعمل، أو أن الإيمان اعتقاد القلب، ونطق اللسان بالحق، وكذلك عمل الجوارح على مقتضى شرع الله.

    ثانياً: أن الإيمان يزيد وينقص.

    ثالثاً: أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان.

    رابعاً: جواز الاستثناء في الإيمان؛ لأنه راجع إلى أعمال المكلفين، وأعمال المكلفين ليست معصومة، فالمسلم عندما يُسأل: هل أنت مؤمن؟ يجوز أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، مع أنه لا يشرع السؤال أصلاً، ولا ينبغي الجواب أيضاً، لكن إذا ابتلي المؤمن بمثل هذا السؤال فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله، لا لأنه متشكك في تصديقه؛ لكن لأنه لا يدري عن مصيره، لأن المصير عند الله عز وجل، فهو يرجو ويعلق الأمر بمشيئة الله تفاؤلاً وتبركاً، ويعلق الأمر بمشيئة الله؛ لأن الأمر بيد الله من قبل ومن بعد، فلا يجوز التألي على الله.

    دخول الأعمال في مسمى الإيمان

    المسألة الثانية: أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، وهذا في الحقيقة أمر بدهي، على مقتضى قطعيات النصوص، من الآيات وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأعمال الإسلام، وأعمال المسلمين كلها تدل دلالة قطعية على أن الأعمال من الإيمان، وأن الإيمان لا يمكن أن يتم ويكتمل إلا بالأعمال.

    وعلى هذا فإن هذه الحقيقة لم تكن محل خلاف في عهد الصحابة والتابعين إلى وقت تابعي التابعين نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني حين ظهرت فرقة يقال لها: المرجئة، وزعموا أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، وإن كانت الأعمال مطلوبة منهم شرعاً، فالأوائل منهم كانوا أهل ورع، ولا يستهينون بالأعمال، لكنهم لا يرون أنها تدخل في مسمى الإيمان.

    وهذه المقالة ناتجة عن عقدة فلسفية، وراجعة إلى خطأ في الاستدلال، وخطأ في الفهم أيضاً، وتجاوز منهج السلف، وحينما زعمت المرجئة بأن الإيمان هو التصديق، وأن التصديق لا يدخل فيه العمل، بمعنى أنهم أعادوا المصطلح الشرعي إلى المعنى اللغوي فقط، وما من أحد يحصر المصطلح الشرعي في المعنى اللغوي في أي أمر من أمور الشرع إلا ويقع في خطأ فادح، لأن الشرع جاء بإطلاق الألفاظ الشرعية على معانٍ شرعية محددة، ومنها الإيمان، ولو أخذنا الإيمان بمجرد معناه الذي هو التصديق، لأدى هذا إلى كارثة في الدين لأننا حصرنا الدين في مجرد التصديق وأخرجنا المعاني الأخرى من الإيمان، فاستهان الناس بالأعمال.

    وعلى هذا فالسلف اضطروا إلى أن يقرروا هذه القاعدة مع أنها بدهية، لأن هناك من شكك فيها.

    وأما الأدلة على ذلك فأنا أحصر هذا في دليلين:

    الدليل الأول من القرآن: فإن الصحابة رضي الله عنهم لما صرفت القبلة إلى الكعبة بعد بيت المقدس، خاف الذين صلوا من المسلمين في التاريخ الأول وماتوا قبل أن يدركوا صرف القبلة ألا تقبل أعمالهم، ولا إيمانهم، ولا دينهم، فقال الله عز وجل: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143] يعني: صلاتكم، والصلاة عمل، وسماها الله عز وجل إيماناً.

    أما الدليل الثاني: فهو دليلٌ قاطعٌ وواضحٌ جداً عن النبي صلى الله عليه وسلم وصريح لا يستطيع أحد أن يرده وهو يدل على أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: {الإيمان بضع وستون -وفي رواية: بضع وسبعون- شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله} وشهادة أن لا إله إلا الله هي قول وعمل يعني: عمل اللسان، وعمل القلب، ثم قال: {وأدناها إماطة الأذى عن الطريق} وإماطة الأذى عن الطريق عمل، وسماها إيماناً، وعدها من شعب الإيمان.

    فالأحاديث في هذا الباب متواترة، وهي تقرر صراحةً بأن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان بل لا تكاد تحصر، وتصل إلى حد التواتر، والمتواتر لابد من قبوله.

    إذاً: الأعمال تدخل في مسمى الإيمان؛ لأنها جزء من الدين، فالإيمان هو التزام شرع الله، عقيدة وقولاً وعملاً.

    زيادة الإيمان ونقصانه

    المسألة الثانية: أن الإيمان يزيد وينقص، فإذا قلنا: إن الأعمال من الإيمان، فمن الطبيعي أن الإيمان يزيد وينقص، فهو يزيد الإيمان بزيادة فعل الخيرات، وبزيادة التقرب إلى الله عز وجل، سواء بالأحوال القلبية، أو بالذكر اللساني، أو بأعمال الجوارح والأعضاء، كما يزيد بالصلوات، وبالنوافل، وبالإحسان إلى الناس وبالبر، ويزيد بزيادة الصيام، إلى آخر الأعمال المشروعة.

    وينقص بنقص ذلك، كما ينقص نقصاً في الأعمال القلبية، فكلما ضعف إيمان الإنسان، وضعف يقينه ضعف إيمانه، وكلما ضعفت أحواله القلبية من المحبة والرجاء والخشية والتوكل والإنابة واليقين... ضعف الإيمان، وكلما زاد ذلك زاد الإيمان.

    وكذلك الأعمال الظاهرة كلما كثر فعل الطاعات من المسلم زاد إيمانه إذا توفر عنده الإخلاص والاتباع؛ لأن زيادة الإيمان مشروطة بشرطين: الإخلاص لله عز وجل والنية الصالحة، واتباع السنة، وإلا فإن بعض الناس قد يتعب في عمل خيرات لا يريد بها وجه الله فيحبط إيمانه، بعكس ما يتصور، فعلى ذلك فإن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالأعمال القلبية وينقص بها، ويزيد بأعمال الأعضاء وينقص بها، فالإنسان إذا توفر عنده الإخلاص واتباع النبي صلى الله عليه وسلم واتباع السنة زاد إيمانه.

    الاستثناء في الإيمان

    المسألة الثالثة: يجوز الاستثناء في الإيمان، وهل يعني ذلك أن الإنسان يلزمه دائماً أن يقول: إن شاء الله في كل قربة يعملها؟ لا يلزمه، والأصل في الاستثناء في الإيمان وسؤال الناس عن الإيمان أنه من الأمور الحادثة، ولذلك فإن السلف لما بدأت ظاهرة سؤال الناس عن الإيمان اعتبروه بدعة؛ لأن هذه من الأمور المحدثة في الدين، والناس يتركون على ظواهرهم، ويحمل المؤمنون والمسلمون على مجملات الدين وعلى ما هم عليه، ولا يجوز امتحانهم، ولكن إذا وقع السؤال بأن سُئلت أو سئل غيرك: هل أنت مؤمن؟ فالأولى أن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو تقول: آمنت بالله وعليه توكلت، ونحو ذلك.

    فيجوز أن تقول: إن شاء الله، لكنها غير ملزمة، لكن يجب أن تعتقد أن حقيقة الإيمان مرتبطة بمشيئة الله عز وجل، وبتوفيق الله، فتحقق الإيمان في المؤمن راجع إلى توفيق الله له، فعلى هذا لابد أن يستثني، لا لأنه يشك، إنما يستثني لأنه لا يدري عن المصير؛ ولأنه يقول: إن شاء الله تفاؤلاً، واستعانة بالله، وتوكلاً على الله.

    وقوله: (فقول القلب اعتقاده وتصديقه) ويضاف إلى ذلك جميع الأحوال القلبية التي يكون بها الإيمان، مثل: محبة الله ورجائه وخوفه واليقين والإنابة والتوكل، إلى غير ذلك من الأعمال القلبية. والاعتقاد بأن يجزم المسلم بكل ما ثبت في الكتاب والسنة من أصول الدين وثوابته وأحكامه، ويدخل في هذا القلب.

    لكن لا بد أن يتعدى ذلك إلى قول اللسان، بأن يعترف الإنسان بلسانه بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبمعاني الإيمان والإسلام، وأيضاً يلتزم شرع الله فيما يجب من الذكر اللساني، والذكر اللساني في الصلوات وغيرها، وفي التلبية بل لا يكاد يحصر الذكر اللساني، وكله تعبير عن الإيمان باللسان.

    ثم قول اللسان يدخل فيه الإقرار، ويدخل فيه أيضاً الذكر، وعمل القلب كذلك تسليمه وإخلاصه، فمن عمل القلب: التسليم والرضا بشرع الله وحكمه، فهو داخل، بل هذا ثمرة الإيمان، التسليم والرضا والاستعداد للعمل أمر قلبي، لا بد أن تنتج عنه أعمال، ولذلك فإن الله عز وجل جعل العمل امتحاناً لحقيقة الدعوى قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31]. فالاتباع هو اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما جاء به من الدين، ومحبة الله هي حقيقة الإيمان، وهي أول أركان العبادة، فمن ادعى أن حب الله هو مجرد دعوى في القلب، فلابد أن يظهر ذلك على أثر أعماله، ومن هنا يتبين لنا حقيقة الإيمان، وأنه قول وعمل، وأنه يدخل في أعمال القلب وأعمال الجوارح.

    قوله: (وإخلاصه) أي: صدق النية مع الله، والإخلاص هو صدق التوجه إلى الله، وأن لا يشرك مع الله أحداً في التوجه، والإخلاص هو إخلاص العبادة، وإخلاص الإذعان، وإخلاص اليقين، وإخلاص النية؛ لأن النية تدخل في الأمور القلبية وأمور الأعمال، وكذلك حبه وإرادته للأعمال الصالحة.

    وعمل الجوارح هي: أعضاء الإنسان ومنها القلب فهو يدخل مع الجوارح، لكن القلب قد يكون عمله باطنياً، بمعنى أعمال قلبية غير ظاهرة، لكن من البدهي أن الأعمال القلبية لا تصدق ولا تصح إلا إذا أثمرت أعمالاً، والتي هي مجموع الاستقامة على الدين.

    فعمل الجوارح هو فعل المأمورات وترك المنهيات، فعل ما أمر الله به من الصلاة وما دونها من جميع الأعمال إلى أقل الأعمال، ثم ترك المنهيات، وهي كل المحرمات والمكروهات وما دون ذلك من المشتبهات.

    1.   

    إخراج العمل عن الإيمان وإدخال ما ليس منه فيه

    قال المؤلف حفظه الله تعالى:[ ثانياً: من أخرج العمل عن الإيمان فهو مرجئ، ومن أدخل فيه ما ليس منه فهو مبتدع ].

    هذه قاعدة فرعية تابعة للقاعدة الأولى، فإذا عرفنا أن الإيمان قول وعمل، وأن الإيمان يشمل الأمور القلبية والاعتقادية والمعرفية وغيرها، كما يشمل الأعمال الظاهرة، فإن من ادعى أن العمل لا يدخل في الإيمان كما قالت المرجئة وهم أصناف، منهم: المرجئة الغلاة الذين أعرضوا عن شرع الله عز وجل واستهانوا به، وزعموا أن مجرد المعرفة تكفي، وهذه فلسفة قد تصل بالإنسان إلى الخروج من الدين، إذا أعرض عن الدين بالكلية بدعوى أنه يكفيه المعرفة.

    والصنف الثاني قد لا يخرج من مقتضى الدين لكنه خرج عن السنة، وهم الذين ادعوا أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، فكل من ادعى أن الأعمال ليست من الإيمان فهو مرجئ.

    والمرجئ هو: من يعتقد أن الأعمال لا تدخل في الإيمان، وسمي مرجئاً؛ لأنه أخر الأعمال عن الإيمان، وهذا تسميه العرب في لغتها إرجاء؛ لأنهم جعلوا الأعمال متأخرة، وهذا هو الأصل في التسمية، أنهم أرجئوا الأعمال وأخروها وأبعدوها عن الإيمان وفصلوها عن حقيقته.

    إذاً: كل من أخرج الأعمال المطلوبة شرعاً من الإيمان وقال: إنها ليست من الإيمان فهو مرجئ، وكذلك العكس: من أدخل في الإيمان ما ليس منه فهو مبتدع.

    وهذا ينطبق على البدع التي أحدثها الناس وزعموا أنها من الدين، وزعموا أنها من الإيمان، فهذه لا تدخل في الإيمان، فكل ما أحدث باسم الدين من المحدثات فهو لا يدخل في مسمى الإيمان، وإن قصد به فاعله زيادة الإيمان.

    مثال ذلك: الاحتفالات البدعية التي يتدين بها الناس، ويقصدون بها أموراً إيمانية: محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو محبة الصالحين، أو محبة الأولياء، ولا شك أن هذا من أعظم الإيمان؛ لكن نظراً لأن هذا غير مشروع فإدخالهم هذا العمل في مسمى الدين والإيمان خطأ بل هو بدعة.

    فمن أدخل في الدين أو في الإيمان ما ليس منه فهو مبتدع؛ لأنه شرع ما لم يشرعه الله عز وجل، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) و(أمره) أي: أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهو هذا الدين الذي يشمله مسمى الإيمان، (ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وهو أمر النبي صلى الله عليه وسلم، الذي هو هذا الدين الذي تمثل فيه الإيمان، كل من عمل عملاً ليس مشروعاً فلا يدخل عمله في مسمى الإيمان، فهو مردود، ثم تاج ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة).

    الأحكام المترتبة على من لم يقر بالشهادتين

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ ثالثاً: من لم يقر بالشهادتين لا يثبت له اسم الإيمان ولا حكمه لا في الدنيا ولا في الآخرة ].

    الشرح: المقصود بهذا أن من لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، سواء من لم يكن مسلماً أصلاً، أو نشأ بين المسلمين، ثم لما بلغ وقامت عليه الحجة، لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله عمداً، لا غفلة؛ لأنه قد يغفل، لكن إذا لم يقر بالشهادتين، أو كان غير مسلم، ثم لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فلا يثبت له اسم الإيمان -أي: لا يقال: إنه مؤمن- ولا حكم الإيمان من حيث ما يترتب عليه الإيمان من الثواب في الدنيا والآخرة، فعلى هذا يبقى تحت مسمى غير المسلم أو مسمى الكافر.

    وقوله: (لا في الدنيا) بمعنى أنه لا يستحق أحكام المؤمنين؛ لأن أحكام المؤمنين معروفة في التعامل في جميع شئون الحياة، وفي الممات من حيث الصلاة عليه وميراثه وغير ذلك مما هو معلوم.

    وفي الآخرة ما بعد الموت: أي حسابه عند الله عز وجل كما ثبت في قطعيات النصوص، أن من لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهو من أهل النار، وليس له حكم الإسلام.

    والنبي صلى الله عليه وسلم أكد ذلك كما في صحيح مسلم وغيره بقوله: (والله لا يسمع بي رجلٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار)، وإذا كان هذا في أهل الكتاب، فغيره من باب أولى، وهذا الحديث من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: هذا يدخل فيه؛ لأن هؤلاء لم يقروا بالشهادتين، فلا يثبت لهم اسم الإيمان ولا حكمه، لا في الدنيا ولا في الآخرة.

    بين الإسلام والإيمان عموم وخصوص

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ رابعاً: الإسلام والإيمان اسمان شرعيان بينهما عموم وخصوص من وجه، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن، ويسمى أهل القبلة مسلمين ].

    الشرح: المقصود بهذا أن الإسلام والإيمان من الألفاظ الشرعية التي تطلق على الدين، وتطلق على أفراد المسلمين، يقال: مسلم ومؤمن، لكن هذه الكلمات تشترك من وجه وتختلف من وجه، وهذا في عموم المصطلحات الشرعية، مثل الإسلام والإيمان، عبارات تتناوب، بأن تشترك في معانٍ وتختلف في معانٍ، فمثلاً: الإسلام في الأصل يطلق على أعمال الدين الظاهرة، وعلى ما يبدو من المسلم من تسليمه للدين، حينما يعترف بالإسلام، ويقيم شعائر الإسلام، فهذا يوصف بأنه مسلم، وحكمه أنه على الإسلام.

    والإيمان المقصود به: القطع واليقين في القضايا العقدية العلمية التي هي في القلب، ولذلك عد النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل الإيمان بأركانه الستة، والأركان الستة كلها عقائد وليس فيها أعمال، بل كلها تصديق ويقين، لكن لا بد أن يثمر عنها العمل، ثم لما ذكر الإسلام في الحديث ذكره بأركان الإسلام الظاهرة، فهل يعني هذا -كما يظهر لبعض الناس الذين لا يأخذون بعموم الأدلة- أن الإيمان هو الأمور الاعتقادية فحسب ولا تدخل الأعمال؟

    الجواب: لا، لكن إذا اجتمع الوصفان، الإسلام والإيمان في عبارة واحدة وفي مقطع واحد وحديث واحد، فإن الإسلام غالباً يطلق على الأعمال الظاهرة، والإيمان يطلق على الأعمال العلمية اليقينية الاعتقادية الباطنة، وإذا انفرد كل واحد منهما شمل المعنى الآخر، فإذا قلنا: الإيمان من غير أن نذكر الإسلام فلابد أن يشمل الإسلام، وإذا قلنا: المؤمن فالأصل أن يكون مسلماً، وإذا قلنا: الإسلام فلابد أن يشمل الإيمان، والمسلم الأصل أن يكون مؤمناً، ولكنه غير لازم.

    فالإسلام والإيمان وصفان شرعيان بينهما عموم؛ لأنهما يشملان الدين، وبينهما خصوص إذا اجتمعا في سياق واحد، فكل واحد منهما يختص بمعنى، ويقترن مع معنى اللفظ الآخر بمعانٍ، والدليل على هذا: هل تصح أركان الإيمان من المسلم بلا أركان الإسلام؟ وهل تصح أركان الإسلام من المسلم بلا أركان الإيمان؟

    فهما يلتقيان من وجوه ويختلفان من بعض الوجوه، فإذا انفردت كل لفظة لوحدها شملت اللفظة الأخرى، وإذا اجتمعت مع أختها فكل واحدة لها معنى يختص بها.

    أما مسمى الأشخاص: المسلم والمؤمن، فهذه تسمى الأسماء والأحكام، وهي تابعة للإيمان، فما نطلقه على الناس: مؤمن، مسلم، كافر، فاسق، فاجر، ظالم، منافق، هذه تسمى الأسماء والأحكام، وهي داخلة في مسميات الإسلام والإيمان، وكل مصطلح له معنى، والذي يهمنا هنا هو ما بين المسلم والمؤمن من وجوه الافتراق والاختلاف.

    فمثلاً: كل مؤمن لابد أن يكون مسلماً؛ لأنه لا يتصور أن أحداً يدعي الإيمان ثم لا يعمل بمقتضى الإسلام، بل لا يصح شرعاً أن نصف أحداً بأنه مؤمن ما لم يلتزم شرائع الإسلام، وليس كل مسلم مؤمن؛ لأن الإسلام هو الأمر الظاهر الذي نراه، والإيمان هو أمر قلبي، فقد يكون الإنسان يدعي الإسلام وفيما بينه وبين ربه لا يؤمن بحقائق الدين، كالمنافق الخالص.

    والمنافق الخالص يظهر الإسلام خوفاً على نفسه، لكن يكون في قلبه غير معترف بالله عز وجل، ولا بأركان الإيمان أو ببعضها، فهذا نسميه مسلماً، لكن لا نستطيع أن نجزم له بالإيمان.

    فمن توفر عنده وصف الإيمان فلابد أن يكون مسلماً، ولكن من توفر عنده وصف الإسلام فقد لا يكون مؤمناً عند الله عز وجل، وهذا فيما يتعلق بحقيقة الأمر وليس لنا إلا الظاهر.

    وأهل القبلة الذين يدعون الإسلام كلهم مسلمون، حتى من ارتكب معاص وفجوراً وفواحش وبدعاً، ما دامت أعماله لا تخرجه من الملة، فلا يزال له مسمى الإسلام، فهو من أهل القبلة، والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن المسلم هو (من صلى إلى قبلتنا، وأكل ذبيحتن) فهذا له حقوق المسلم، وإن احتاج إلى شيء من التأديب، أو التعزير، أو الهجر، أو الردع، فهذه أمور أخرى هي من مقتضيات التناصح بين المسلمين، وإقامة حدود الله وشرعه، ولا تعني إخراج الأفراد من الملة، أو من مسمى الإسلام.

    فمن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهو مسلم، لكن لا نستطيع أن نجزم أنه مؤمن؛ لأن أمر الإيمان بينه وبين ربه، لكن إن تحققت له حقيقة الإيمان عند الله فلابد أن يكون مسلماً، ويسمى أهل القبلة جميعهم مسلمين.

    وليس كل مسلم في الظاهر يكون مؤمناً في الباطن؛ لأن الباطن لا يعلمه إلا الله عز وجل، وقد يدعي الإسلام وهو منافق.

    حكم مرتكب الكبيرة في الدنيا والآخرة

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ خامساً: مرتكب الكبيرة التي دون الكفر والشرك لا يخرج من الإيمان، فهو في الدنيا مؤمن ناقص الإيمان، وفي الآخرة تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، والموحدون كلهم مصيرهم إلى الجنة وإن عذب منهم بالنار من عذب، ولا يخلد أحد منهم فيها قط ].

    الشرح: هذه القاعدة الحقيقة تضمنت مسائل عملية عظيمة في الدين يحتاجها المسلمون في حياتهم وفي تعاملهم مع الآخرين، ولاسيما في هذا الوقت الذي كثر فيه الخلط والالتباس، وكثرت فيه الشبهات والتشكيك في المسلمات، مما أدى إلى كثير من الفتن بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين المخالفين لهم.

    مسألة مرتكب الكبيرة متفرعة عن مسائل الإيمان، وتتعلق بما يسمى بالأسماء والأحكام، وأعني بذلك أن من يرتكب كبيرة، والكبائر هي أعظم المعاصي، وما دونها من باب أولى أن يكون حكم صاحبه حكم الإسلام والإيمان، فمن ارتكب كبيرة ولم يصل إلى الردة والشرك كأكل الربا أو الغيبة أو النميمة أو الكذب أو غيرها من كبائر الذنوب، فهذا المسلم يسمى مرتكب الكبيرة، يعني استهان بالدين وركب المعصية، وعمل الكبيرة التي دون الكفر والشرك، والكفر هنا هو الكفر المخرج من الملة، كل كبيرة لا تخرج من الملة ولا توقع في الشرك الأكبر أو الكفر الأكبر؛ فإن صاحبها يبقى مسلماً، ويبقى مؤمناً، ولا يخرج من مسمى الإيمان.

    والنبي صلى الله عليه وسلم أثبت ذلك حين ذكر أن المسلم يبقى على مسمى الإيمان، وإن زنى وإن سرق، وكان أبو ذر رضي الله عنه عنده فكأنه استغرب مثل هذا الحكم، فقال: (يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق) فكررها مما يدل على أنه يبقى له مسمى الإيمان والإسلام وإن ارتكب كبيرة.

    ويشكل على هذا أحاديث أخرى مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) وهذا نفي للإيمان، وذاك السابق إثبات للإيمان، فيجب هنا أن نجمع بين النصوص؛ لأنها صحيحة كلها، والجمع بين النصوص أن يقال: هذا الذي ارتكب الكبيرة بقي على أصل إيمانه؛ لأنه ارتكبها ولم ينقض نواقض الدين الأخرى، وفي الحديث الآخر نفى عنه الإيمان، أي: نفي عنه كمال الإيمان لا أصل الإيمان، وهذا مثل الصلاة، فيها جزء مجزء وفيها جزء يؤجر عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم نفى أن تقبل الصلاة من الإنسان الذي يسهو في صلاته وليس له منها شيء، ولا يعني ذلك أنه لم يؤد الفرض لكن لا يعني ذلك أنه لا يقبل عمله قبولاً يكون له فيه أجر.

    ومثله الإيمان، فإنه ينفى عن بعض من يفعل الكبائر مقتضى الإيمان، وأقصد بمقتضى الإيمان؛ أن الإيمان لابد له من ثمرة، وهذا لم تتحقق عنده ثمرة الإيمان في هذه الجزئية.

    وربما يكون نفي الإيمان في أمر محدد تلك اللحظة ولا يعني نفي الإيمان مطلقاً، وأيضاً فإن من توجيه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى الإيمان عن فاعل هذه الكبيرة حين يفعلها واختل إيمانه في هذه الجزئية لا في الدين كله، ولم يخرج عن مقتضى التصديق، وإنما أخل بالعمل.

    فعلى هذا فإن مرتكب الكبيرة التي هي دون الكفر والشرك لا يخرج صاحبها من الإيمان ولا الإسلام، فهو في الدنيا مؤمن ناقص الإيمان بقدر أفعاله التي اقتضته أو ذنوبه التي اقتضت النقص.

    وقوله: (وفي الآخرة) لأن المؤمن صاحب الكبيرة في الدنيا نقول: إنه مؤمن ناقص الإيمان، فإن تاب قبل موته تاب الله عليه إذا توفرت فيه شروط التوبة، لكن إذا مات وهو مصر على المعصية والكبيرة، فإن مصيره في الآخرة فيه تفصيل:

    أولاً: قبل أن يحكم على العباد بجنة أو نار هو تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له فيدخل الجنة والله غفور رحيم، ورحمته سبقت عذابه، ونرجو للمؤمنين الذين وقعوا في الكبائر أن يغفر الله لهم، وأيضاً قد لا يغفر الله له، ويستحق النار، بأن يعذب فيها بقدر كبيرته، ولابد أن يخرج من كان أصله مسلماً إذا مات على كبيرته، وقدر الله عز وجل عليه أن يعذب في النار لابد أن يخرج منها.

    وخروجه يكون بعدة أسباب شرعية، منها: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمته، وشفاعات الأنبياء لأهل الكبائر من أممهم، وشفاعة الملائكة، وشفاعة المؤمنين والصالحين، وشفاعة القرآن، وشفاعات كثيرة.

    ومنها: رحمة الله عز وجل، حينما تنتهي الشفاعات فإن الله عز وجل يتولى -رحمة بعباده- إخراج من يشاء من النار.

    ففي الآخرة العاصي تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، والموحدون كلهم مصيرهم إلى الجنة، وإن عذب منهم في النار من عذب، ولا يخلد أحد منهم فيها قط ومن كان عنده أدنى ذرة من إيمان فلن يخلد في النار.

    1.   

    القطع للمعين بالجنة أو النار

    قال المؤلف حفظه الله: [ سادساً: لا يجوز القطع لمعين من أهل القبلة بالجنة أو النار إلا من ثبت النص في حقه ].

    هذه قاعدة متفرعة عن مسألة الإيمان، ويغلط فيها كثير من الناس قديماً وحديثاً، لأنها تحتاج إلى تفصيل:

    أولاً: نرجو لكل مسلم مؤمن أن يكون من أهل الجنة، وغير المسلم الأصل أنه من أهل النار، هذا هو الأصل.

    ثانياً: عموم المؤمنين هم من أجل الجنة، وعموم الكافرين هم من أهل النار، ومع ذلك فإن الإنسان المعين لا نستطيع أن نجزم له بأنه من أهل الجنة، وإن كان ظاهره الصلاح، ولا نجزم بأنه من أهل النار، وإن كان ظاهره الفساد؛ لأننا لا ندري ما يختم له، ولذلك فإن من قواعد السلف وتقريراتهم أننا لا ندري عن مصير الإنسان، ولا نجزم لأحد بعينه إلا ما جاء النص بأنه من أهل الجنة، أو جاء النص بأنه من أهل النار.

    أما بقية الخلق الذين يموتون فلا نستطيع أن نجزم لأحد منهم بأنه من أهل الجنة، وإن كان صالحاً مسلماً تقياً ورعاً ولا أنه من أهل النار؛ لأننا لا ندري على أي حال سبق عليه الكتاب، وهناك دليل واضح يبين هذه القاعدة وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في الحديث الصحيح: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يظهر للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يظهر للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيدخل الجنة).

    والذراع ربما يكون في حساب الزمن لحظات والله أعلم، وهذا النص مجمل ومبهم، لكنه يدل على قصر المدة الزمنية التي يكون فيها تحول الشخص لحظة الموت عند الوفاة من حال إلى حال.

    فهذا أمر قلبي، والإنسان قد يكون فيما يظهر لنا على حال أهل النار، ولكن ربما يجدد الله له توبة لم يستطع أن يفصح عنها أو يبينها، أو لم يتمكن، ويموت على هذه التوبة، فما يدرينا وأحوال العباد عند الله عز وجل، والعكس كذلك قد يكون الإنسان فيما يظهر لنا من أخلص العباد، لكن ربما يحول الله حاله، والله عز وجل هو مقلب القلوب، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، وهكذا ينبغي للمؤمن دائماً أن يلجأ إلى الله عز وجل، وأن يثبته على الإيمان والإسلام حتى آخر لحظة.

    فينبغي أن نعتقد ونجزم أن مصائر العباد غيبية، فهذا الشخص الذي ظهر صلاحه، ربما يكون في آخر لحظة سبق عليه الكتاب فوقع في أمر يقتضي أن يكون من أهل النار، ومات على هذه الحال ونحن لا ندري، أليس هذا محتملاً؟

    فالأمر لله من قبل ومن بعد، ومصائر العباد بيد الله، فلا نتألى على الله، ولكن نحسن الظن بالله، ونحسن الظن بالمسلمين، ونرجو للمحسنين ونخاف على المسيئين.

    ولذلك فإن من الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أنهم يجزمون على بعض المعينين بأنهم من أهل الجنة، أو يجزمون لهم بالشهادة، حتى وإن قتل في معركة مشروعة، ونحن لا نستطيع أن نجزم له بالشهادة، ولكن نرجو له الشهادة، حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم شهد الصحابة لأحد المقاتلين بأنه من أهل الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا، هو من أهل النار)، فانقلبت الأمور عما يتصورون؛ لأنه أبلى بلاءً حسناً، وجاهد جهاداً عظيماً، وفتك في العدو فتكاً يدل ظاهره على أنه مأجور أعظم الأجر، وأنه من أعظم الشهداء، ومع ذلك فوجئوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنه من أهل النار)؛ لأنه غل، وتعلق قلبه بدنيا.

    فالمصائر بيد الله، فلا يجوز القطع لمعين لأن مصائر العباد بيد الله، لكن مع ذلك نثق بوعد الله ونحسن الظن، ونرجو للمحسنين، ونخاف على المسيئين.

    1.   

    قواعد في التكفير

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ سابعاً: الكفر الوارد ذكره في الألفاظ الشرعية قسمان: أكبر مخرج من الملة، وأصغر غير مخرج من الملة، ويسمى أحياناً بالكفر العملي.

    ثامناً: التكفير من الأحكام الشرعية التي مردها إلى الكتاب والسنة، فلا يجوز تكفير مسلم بقول أو فعل، ما لم يدل دليل شرعي على ذلك، ولا يلزم من إطلاق حكم الكفر على قول أو فعل ثبوت موجبه في حق المعين إلا إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع، والتكفير من أخطر الأحكام فيجب التثبت والحذر من تكفير المسلم ].

    أولاً: الكفر حكم إلهي من الله عز وجل وليس إلى العباد.

    ثانياً: الكفر نوعان:

    النوع الأول: الكفر الخالص، وهذا ليس لنا فيه خيار، ولا يجوز لنا أن نخوض فيه، فمن لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهذا كفره متقرر بالكتاب والسنة، ولا يجوز أن يخوض الناس في مفردات هذه الأمور، بل الخوض فيها بدعة وإثم عظيم في الدين؛ لأن هذا حكم الله الذي لا يتبدل ولا يتغير وليس لنا فيه اجتهاد.

    النوع الثاني: وهو الذي يكون فيه الخطورة، ويخوض فيه الناس بشكل أدى إلى كثير من الأهواء والبدع قديماً وحديثاً، وهو الكفر دون كفر، أو الكفر الأصغر، أو تكفير المسلم، مع أننا نعلم أن في الشك في تكفير من كفرهم الله عز وجل من الكفار الخلّص إثمٌ عظيم، وربما يكون ردة أو كفراً، لكن ومع ذلك قل من المسلمين من يقع في ذلك، إلا في الآونة الأخيرة عندما كثرت الشبهات، ومع ذلك نعتبر هذا لا يزال من البدهيات عند عامة المسلمين.

    فالأمر الذي يحتاج إلى تقعيد هو ما يقع فيه المسلم من الكفريات، وهو نوعان: كفر مخرج، وكفر لا يخرج من الملة، وهو الأكثر، وهذا يحتاج إلى قواعد مهمة:

    أولاً: الكفر هو حكم الله عز وجل في العباد، وعلى هذا فإن أي قول فيه بلا دليل بين من الله وبدون برهان من الله عز وجل، فهو قول خطير على صاحبه.

    ثانياً: أن التكفير ورد فيه الوعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما)، فولوج واقتحام الناس في التكفير خطر عليهم، وبعض الناس يظن أن هذا واجب عليه، وأنه ينظر في الخلق ماذا عملوا، وفي الناس ماذا ارتكبوا من الأقوال والاعتقادات والمواقف الكفرية فيحكم عليهم، ويظن أن هذا واجبه، مع أن المسألة عكسية، فيجب عليك أن تتورع، والله عز وجل يقول: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قد حذّر وجعل الكفر حكماً إلهياً، إذا لم يقع على من تكفره وقع عليك، وكيف تجزم بأنه يقع على من تكفره، فالأمر خطير.

    ثالثاً: أن تكفير الناس بأفعالهم من اختصاص الراسخين في العلم؛ لأنه خطير، وهو من قضايا الدين الكبرى؛ ولأنه حكم على العباد أشبه بالحكم القضائي الذي لا يصدر ألا من قاضٍ، تتوافر فيه شروط القضاء، بل التكفير أشد من الحكم القضائي؛ لأنه حكم بحكم الله على العباد، وهذا لا يمكن أن يتأتى إلا لعالم راسخ في العلم مستوعب لشروط التكفير وضوابطه وموانعه، ويكون ممن عنده القدرة على التثبت وإقامة الحجة على الأفراد والجماعات والهيئات التي يكفرها الناس، وأنى يتهيأ هذا إلا لقلة، وبعض الناس يظن أن التكفير في ذمته، فيجازف ويبدأ يحكم على الخلق.

    رابعاً: أن أغلب ما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم من أعمال المسلمين بالكفر هو الكفر الذي لا يخرج من الملة، بل يندر أن يكون مما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم من أعمال الكفر التي تقع من المسلمين من الكفر المخرج.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم وصف أشياء كثيرة بأنها كفر، أقوالاً وأفعالاً، وممارسات ومواقف، لكنها كلها -إلا النادر والنادر لا حكم له- من الكفر الذي لا يخرج من الملة.

    فمثلاً: الطعن في الأنساب سماه النبي صلى الله عليه وسلم كفراً، والنياحة على الميت سماه كفراً، وقتال المسلم سماه كفراً، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، فهل هذا كفر مخرج من الملة؟ وإتيان الكاهن سماه كفراً، وأشياء كثيرة من الأعمال سماها كفراً.

    بل نفى الإيمان أحياناً (لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه)، (من تشبه بقوم فهو منهم)، (من غشنا فليس منا)، نصوص عظيمة لو أخذنا بظاهرها لأخرجنا كثيراً من المسلمين من الملة، بل هذا الذي يكفر هو يقع في مكفرات لو هو حاسب نفسه.

    خامساً: أن التكفير له شروط ويقابلها الموانع، وهذه الشروط لو وعاها كثير من الذين وقعوا في غوائر التكفير لأحجموا، ولما اقتحموا هذا الباب الخطير، ولذلك فإن الذين اقتحموا هذا الباب الخطير بغير فقه، ولا علم، وما تورعوا، أوقعوا أنفسهم قبل غيرهم في حرج شديد في الدين، وكثير منهم يستبيح قتل نفسه؛ لأنه حينما كفر الآخر بنى على هذا أحكاماً في تعامله مع الآخر، وأراد أن يتخلص من هذه الأحكام بأن يقتل نفسه، لئلا يقع في غوائل التعامل ما يحدث من خصومه.

    وما يعمله المسلمون أفراداً أو جماعات من الكفريات، فإنه لا يجوز تكفير المعين بها إلا بعد هذه الشروط.

    إن كثيراً من المسلمين خصوصاً في العصور الحديثة وسواء كانوا أفراداً أو جماعات أو هيئات أو تيارات أو أحزاباً أو فرقاً أو دولاً، فإنهم يقعون في مكفرات، وبعضها في ظاهره مخرج، وبعضها من نواقض الإسلام، وحينما يقع هؤلاء الناس -أفراداً أو جماعات- في الكفر هل يعني ذلك أن نكفره بعينه، بمجرد أن يقع في مكفر، بل أغلب من وقعوا في الكفريات قديماً وحديثاً لا يكفرون بأعيانهم، وكان السلف الصالح طيلة التاريخ إلى يومنا هذا، واجهوا مما وقعوا فيه من الأنواع التي ظاهرها الكفر والردة أشياء عظيمة وكثيرة جداً، ومع ذلك يندر من السلف تكفير الأعيان.

    فليس كل من وقع في مكفر يكفر بعينه حتى تطبق عليه الشروط، وهذه الشروط بإيجاز هي:

    أولاً: أن لا يكون من وقع في هذا المكفر مكرهاً، والإكراه وارد.

    ثانياً: أن لا يكون جاهلاً، والجهل يصرف عن المسلم الكفر.

    ثالثاً: أن لا يكون متأولاً، والتأول بأن يظن أن الدليل معه، أو يظن أن هذا حلال وهذا جائز.

    رابعاً: أن نأمن وجود الالتباس.

    خامساً: أن نعلم أن هذه الكفريات شعب، حتى نواقض الإسلام، سواء سميناها عشرة أو عشرين أو مائة أو ألفاً؛ فمثلاً: مظاهرة المشركين ضد المسلمين، منها ما هو من صغائر الذنوب، ومنها ما هو من كبائر الذنوب، ومنها ما هو كفر دون كفر، ومنها ما هو كفر مخرجٌ من الملة، ولو وقع مسلم أو جماعة أو دولة في هذا النوع من الكفر المخرج فلابد من تطبيق الشروط عليه، وأحوال الإكراه اليوم والجهل والتأول كثيرة في الأمة.

    فعلى المسلم أن يتق الله عز وجل في أمر دينه وأمر المسلمين، وأن يحذر ويتورع عن أن يقع في تكفير المسلم؛ لأن ذلك يعود عليه بالضرر.

    1.   

    الأسئلة

    الشكوك في الإيمان والاعتقاد

    السؤال: هل من لديه شكوك في الإيمان والاعتقاد هل يدخل في مسألة النفاق أو أنه يكون منافقاً؟

    الجواب: مسألة الشكوك في الإيمان هذه لا بد أنه يفصل فيها، فالشكوك التي تستقر في القلب مرض يجب علاجه، لكن لا يعني أن الإنسان خرج من الإيمان، لأن الشكوك ابتلاء من الله عز وجل، فالشك العارض دليل قوة الإيمان إذا اندفع بما عند الإنسان من إيمان.

    فالخواطر التي ترد، والشبهات العارضة التي بمجرد ما ترد الإنسان ينكرها قلبه، ويجد النفور منها، ويجد أن الإيمان قوي يدفعها، فهذه شكوك عارضة لا تضر، لكن الشك الذي يستقر يكون على شكل خواطر مستمرة، أو بوادر وسواس، وهذا أمر يحتاج إلى علاج بالأسباب الشرعية، من كثرة التفقه في الدين، وحضور مجالس الذكر، وكثرة تلاوة القرآن، والأوراد ومجالسة الصالحين، ومع ذلك فإذا استمر الأمر فإنه يمكن أن يأخذ الإنسان علاجاً نفسياً.

    ولكن مهما بلغت الشكوك إلا أنها لا تعني أن الإنسان يخرج من الإيمان أبداً فليبق إن شاء الله متفائلاً، وربما يؤجر على مثل هذا الدفاع الذي دافع به عن نفسه وعن يقينه وعن إيمانه.

    الإيمان المطلق ومطلق الإيمان

    السؤال: ما حكم استخدام مصطلح الإيمان المطلق ومطلق الإيمان؟

    الجواب: مثل هذه الألفاظ الإيمان المطلق ومطلق الإيمان من الألفاظ الفلسفية التي لا طائل من ورائها، ولم يرد فيها الشرع، فبينها عموم وخصوص، فبعضها يتعلق في العمل، وبعضها يتعلق بالعمل والتصديق، فالإيمان المطلق أو مطلق الإيمان كله له لوازم، وكله يلزم منه العمل، فعلى هذا فإن العمل لا ينفك من الإيمان.

    فعلى هذا فإن الارتقاء في درجات الإيمان هو في الحقيقة سهل من جانب وصعب من جانب آخر، فهو سهل من حيث أنه يتناسب مع ما فطر الله عليه الإنسان، ويتناسب مع التركيبة النفسية والعقلية والقلبية لبني آدم، فإذا صدق الإنسان وصدق قلبه للارتقاء بالأعمال وجد ذلك سهلاً، لكن مع ذلك ونظراً إلى أن القلب والنفس والعقل يعتريها الأهواء والشبهات والعوارض والموانع والقواطع وما أكثرها، من وساوس الشيطان وجلساء السوء والبيئة والواقع الذي يدفع الإنسان إلى ما يضعف إيمانه، فهذه أمور تحتاج إلى جهاد، وفعلاً فإن الارتقاء بدرجة الإيمان ليس سهلاً.

    وهناك حكمة أقرها السلف وتنسب للحسن البصري يقول: (الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل) وهذه ليست مجرد دعوى، فإن ظهر العمل مصدقاً للدعوى، فإن الدعوى تكون صحيحة، وإلا فإنها تبقى مجرد دعوى.

    ومن هنا فهناك دعوى لبعض الناس وهي: أنه إذا قيل له: لم تفعل ولم لا تفعل، إذا أمر بمعروف أو نهى عن منكر، ضرب صدره بيده، وقال: التقوى هاهنا، وهذه مقولة خطيرة، ودعوى أن التقوى هاهنا تحتاج إلى تطبيق، والله عز وجل يحاسبك على العمل، فماذا عملت تجاه هذه الدعوى، وإلا فتبقى مجرد خدعة، إما أن يخدع بها الإنسان نفسه، أو يخدعه الشيطان ويخدع الآخرين.

    اتفاق وافتراق الإسلام والإيمان

    السؤال: متى يكون الإسلام والإيمان بمعنى واحد ومتى يكونان مختلفان؟

    الجواب: يكون الإسلام والإيمان بمعنى واحد إذا وجدا في لفظ واحد، فإذا جئنا بإطلاق الإسلام فإنه يعني الإيمان والإسلام في وقت واحد، وكذلك الإيمان إذا جاءت وحدها فإنها تعني الإسلام والإيمان في وقت واحد، أما إذا اقترنت اللفظتان في سياق واحد، فكل واحدة لها معنى مع وجود المعنى المشترك.

    أثر الأعمال على الإيمان

    السؤال: ثبت في الحديث: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) فيقول: هل من الأعمال ما ينقض الإيمان بالكلية؟

    الجواب: نعم، خاصة ترك الصلاة، وإلا فالإعراض عن الدين بالكلية ينقض الإيمان بالكلية، وأيضاً الأعمال التي فيها شرك، لأن نواقض الإسلام العملية تخرج من الملة، وعلى هذا فإن الإسلام لابد أن يكون له حقيقة كما أن الإيمان لابد أن يكون له حقيقة، والإسلام والإيمان لابد أن تكون لهما حقيقة، وقد تنقض هذه الحقيقة بعض الأعمال.

    وعلى هذا فإن الذين يزعمون أنه يتحقق الإيمان الكامل بمفصل عن الأعمال، هم الذين قالوا: إنه ليس هناك من الأعمال ما يخرج من الملة، وهذه مناقضة لقطعيات النصوص، فإن الأعمال الشركية إذا توافرت فيها الشروط على الشخص بأن وقعت في شرك خالص؛ فإنها تخرج من الملة وهي عمل، بل حتى الأقوال الشركية تخرج من الملة.

    وكذلك أحوال القلوب التي هي بين العبد وبين ربه، مثل النفاق الخالص يخرج من الملة، فمن يزعم أنه ليس هناك عمل يخرج من الملة، فهذه المقالة خطيرة، بل إن الكثير بل كل الأعمال الشركية وأعمال الردة وما يناقض الإسلام، بل حتى أفعال الترك التي ليست مجرد فعل الشركيات والكفريات، بل الترك الذي هو الإعراض عن الدين بالكلية مخرج من الملة، وترك الصلاة بالكلية مخرج من الملة وهكذا، وأيضاً الترك على سبيل الجحود لبعض الأعمال التي ربما لا تكون من أركان الإسلام، لكن من باب جحود أن تكون من الحق الذي ثبت بقطعيات النصوص هذا أيضاً يخرج.

    حكم قول: الحمد لله الذي بنعمته اهتدى الهادون وبعدله ضل الضالون

    السؤال: ما حكم قول: (الحمد لله الذي بنعمته اهتدى الهادون، وبعدله ضل الضالون)؛ لأن هناك من قال لنا بأن هذا لا يجوز ولا يليق؛ لأن الله هدى الإنسان النجدين، وإنما يعذبهم على اختيارهم الشر عدلاً، ولهذا شواهد كثيرة لعلها تكون في القدرية؟

    الجواب: لا حرج، بل هذا حق، والله عز وجل رحيم والنعمة من الرحمة وبينهما ترادف، وأنا أظن أن هذا الدعاء لا عيب فيه فيما يظهر لي.

    الإشارة عند تعليم القرآن الكريم

    السؤال: ما حكم ما تقوم به بعض معلمات القرآن من تعليم الصغيرات القرآن وتحفيظهن السور بعمل بعض الحركات، مثلاً: وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا [الشمس:5] تقوم بالإشارة إلى الأعلى، وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا [الشمس:6] تشير إلى الأسفل، وهكذا، وهل في هذا احترام وتعظيم للقرآن، حيث أصبح يتلى وكأنه نشيد مصاحباً للحركات اليدوية؟

    الجواب: هذا فيه تفصيل وفيه نظر في الجملة، وفيه نوع تحفظ شرعاً، لكن ومع ذلك فإن كانت هذه الحركات عارضة بدون قصد من المعلمة، كأن تعودت بعض المعلمات وكذلك بعض المعلمين أن يستعمل حركات كوسيلة إضافية دون أن يشعر بأنه يطبق أمراً غيبياً، فهذا الأمر إن شاء الله لا حرج فيه لكن إذا كان هذا منهجاً وأسلوباً يلتزم في تعليم القرآن، فأظن أن فيه خطورة؛ لأن كثيراً من الأمور التي ورد ذكرها في القرآن هي أمور غيبية.

    فهذا إذا ما تعلق بالأمور الغيبية فأقل أحواله أنه مشتبه، والأولى الابتعاد عنه، أما إذا تعلقت الإشارة بأمر غيبي مثل الإشارة إلى أسماء الله عز وجل وصفاته بالإشارات المادية التي لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم فهذا خطير في الدين، فيجب تجنبه، وكذلك أمور الغيب الأخرى، مثل: أحوال القبر، والبعث والحساب، والجنة والنار، كل هذه لا يجوز تمثيلها بحركات أو بوسائل مادية ولا بصور.

    ومن هنا أنبه إلى ما يقع فيه بعض الذين يستخدمون بعض وسائل الوعظ، في التخويف من النار، أو الوعيد بالجنة، أو التخويف من بعض المعاصي باستعمال صور، كأن تصور الجنة على هيئة معينة، والنار على هيئة معينة، أو عذاب القبر، أو نعيم القبر، كل هذا لا يجوز، بل يجب سده؛ لأنه باب فتنة يمثل الغيبيات على أمور محسوسة تنطبع في أذهان الأجيال، فيقعون في أخطار فادحة في الاعتقادات، وهذا ما وقعت فيه الأمم السابقة.

    لأن الأمم السابقة مثلوا الملائكة بنساء جميلات، فتفهمت أجيال منهم أن الملائكة إناثاً، وإن كان هذا جاء على سبيل مجرد وسائل إيضاح في البداية والله أعلم، كذلك مثلوا كثيراً من الغيبيات بأمثلة وصور فربطوا هذا بتقديس الغيبيات.

    فالأمر خطير وأرى أن نبتعد عن مثل هذه الوسائل خاصة في تعليم القرآن إلا ما يأتي من غير قصد في غير تمثيل الغيبيات.

    إطلاق الإيمان الكامل على شخص معين

    السؤال: هل لنا أن نطلق الإيمان الكامل على شخص معين

    الجواب: الكمال النسبي الذي عليه المخلوق يقال مثلاً: بعض العباد كاملو الإيمان، فالكمال النسبي الذي يتصف به البشر، فلا حرج في ذلك إن شاء الله، لكن لا يكون على سبيل التزكية المطلقة، إنما من باب التفاؤل وعلى سبيل المدح والثناء والترغيب، فيقال: فلان كامل الإيمان، ولا نقصد به الكمال الذي عند الله عز وجل، إنما فيما يظهر لنا.

    الحكم على الكافر المعين بالخلود في النار

    السؤال: هل يحكم على الكافر الظاهر الكفر أنه خالد في النار بعد موته؟ وكذلك تارك الصلاة ممن يعتقد وجوبها، ولكنه تركها عمداً من غير عذر شرعي، وهل يعتبر هذا الفعل كفراً بحيث يخرج من الإيمان؟

    الجواب: أما الكافر المعين فلا يجوز أن نجزم بمصيره، أما الحكم العام فلابد منه، فمن لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإنه يدخل النار بمقتضى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الصريح الصحيح وقطعيات النصوص، وهذا حكم عام يدخل فيه الأفراد، لكن يجب أن نفهم أننا لسنا متعبدين بالأحكام على الأعيان إذا ماتوا حتى الكافر، فلسنا متعبدين أن نتتبع فلان بن فلان الذي مات على الكفر الخالص ونظهر تجاهه اعتقاداً معيناً، إلا الحكم العام، فهذا ليس لنا بل هو إلى الله عز وجل.

    فالمعين يجب أن يتورع عند الجزم بحاله، حتى وإن كان كافراً خالصاً؛ لأنه يشمله الحديث؛ وقد يكون أسلم في آخر لحظة، ولم يتبين لنا حال إسلامه، وهذا وراد، فلماذا نتألى على الله، ونحكم بمصائر غيبية، وهذا لا يدخل في معارضة حكم الله القاطع في الخلود بالنار لمن لم يكن مسلماً؛ لأننا نحكم عليه حكماً عاماً، أما الحكم المعين فلأننا لا ندري عن مصيره الذي توفاه الله عز وجل عليه.

    كفارة من يقع في خطأ الأحكام على الناس

    السؤال: ذكرتم عدم جواز الحكم على الناس بالتعيين بدخول الجنة أو النار؛ لأن ذلك حكم الله وحده، وأيضاً لا يجوز تكفير المسلم أياً كان من دون دليل، فما هي كفارة من يقع في هذا الخطأ، وجزاكم الله كل خير؟

    الجواب: إِلَّا مَنْ تَابَ [الفرقان:70] فالله عز وجل جعل التوبة تجب ما قبلها، بل التائب بصدق يبدل الله سيئاته حسنات، فيتوب إلى الله عز وجل توبة صادقة، وإذا كان حكم على معينين أحياء يستطيع أن يستحلهم فيجب أن يستحلهم، وإلا فيدعو لهم، ولو أمكن إذا كان ممن ابتلي بالحكم العام على الخلق أن يصدر بياناً في ذلك، فيقول أرجو كل من وقع في حقه مني شيء أن يعفو عني وأن يسامحني، فاليوم وسائل البراءة من هذه المواقف الشنيعة متوفرة، فليبذل جهده ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ومن لم يستطع أن يصل إليه فإنه يكفيه أن يتوب فيما بينه وبين ربه، والله يتولى ما بينه وبين العباد.

    الجزم على المعين الحي بأنه من أهل النار

    السؤال: هل المقصود عندما نقول: لا نجزم لأحد أنه من أهل النار، هل هذا وهو حي أو حتى بعد موته، فلو كان هناك نصراني أو يهودي لا نقول: إنه من أهل النار؟

    الجواب: من لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ومات على ذلك فهو من أهل النار جزماً، وهذا حكم عام، أما المعين فلا؛ لأننا نشك في أن الكافر من أهل النار، لكن لا نحكم عليه بعينه وباسمه؛ لأننا لا ندري على أي حال مات، فالاستثناء ليس لأنه كافر، وإنما لأننا لا ندري عن مصيره الذي لا يعلمه إلا الله.

    فالحي قبل أن يموت لا نجزم له بالنار؛ لأنه قد يتوب توبة يعلنها، وهذا لا تتوجه إليه الأحكام، بل تتوجه على حاله التي هو عليها، فيقال: إن بقي على ما هو عليه فهو من أهل النار استثناءً، لكن ربما يتوب، وكم هم الآن الذين يدخلون في الدين أفواجاً على مستوى العالم كله، يعدون أحياناً باليوم الواحد بالآلاف في بعض الظروف والمناسبات، خاصة عند الحوادث، وعند المناسبات الإسلامية التي يكون فيها لفت نظر للإسلام.

    فهؤلاء كانوا على الشرك والكفر ثم تابوا، فالأحياء لا يتأتى الحكم إلا على حالهم التي هم عليها، ومصائرهم في الآخرة كذلك، فكيف تستطيع أن تحكم على شخص وهو لم يمت؟

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2741414275

    عدد مرات الحفظ

    684629353