اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مجمل أصول أهل السنة - الإيمان للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل


مجمل أصول أهل السنة - الإيمان - (للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل)
الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، والأعمال داخلة في مسمى الإيمان، والاستثناء في الإيمان من المسائل الحادثة التي يسوغ فيها الخلاف، وللإيمان نواقض إذا ارتكبها المسلم أو ارتكب واحداً منها بطل إيمانه، ولابد في تكفيره من توافر شروط وانتفاء موانع؛ فإنه لا يكفر كل من ارتكب ناقضاً من نواقض الإيمان إلا بذلك.
قواعد في الإيمان والكفر
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وآله، ورضي الله عن صحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:يقول المؤلف حفظه الله تعالى: [ رابعاً: الإيمان:أولاً: الإيمان لغة: التصديق، وفي الشرع: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فهو قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، فقول القلب اعتقاده وتصديقه، وقول اللسان إقراره، وعمل القلب تسليمه وإخلاصه وإذعانه وحبه وإرادته للأعمال الصالحة، وعمل الجوارح: فعل المأمورات وترك المنهيات ]. موضوع الإيمان من أهم المواضيع التي يجب أن يعنى بها كل مسلم؛ لأنه ينبني عليها دينه، والإيمان له مفهوم لغوي عام، وله مفهوم شرعي اصطلاحي، وهو المقصود بإطلاق الإيمان في الكتاب والسنة.
 الاستثناء في الإيمان
المسألة الثالثة: يجوز الاستثناء في الإيمان، وهل يعني ذلك أن الإنسان يلزمه دائماً أن يقول: إن شاء الله في كل قربة يعملها؟ لا يلزمه، والأصل في الاستثناء في الإيمان وسؤال الناس عن الإيمان أنه من الأمور الحادثة، ولذلك فإن السلف لما بدأت ظاهرة سؤال الناس عن الإيمان اعتبروه بدعة؛ لأن هذه من الأمور المحدثة في الدين، والناس يتركون على ظواهرهم، ويحمل المؤمنون والمسلمون على مجملات الدين وعلى ما هم عليه، ولا يجوز امتحانهم، ولكن إذا وقع السؤال بأن سُئلت أو سئل غيرك: هل أنت مؤمن؟ فالأولى أن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو تقول: آمنت بالله وعليه توكلت، ونحو ذلك. فيجوز أن تقول: إن شاء الله، لكنها غير ملزمة، لكن يجب أن تعتقد أن حقيقة الإيمان مرتبطة بمشيئة الله عز وجل، وبتوفيق الله، فتحقق الإيمان في المؤمن راجع إلى توفيق الله له، فعلى هذا لابد أن يستثني، لا لأنه يشك، إنما يستثني لأنه لا يدري عن المصير؛ ولأنه يقول: إن شاء الله تفاؤلاً، واستعانة بالله، وتوكلاً على الله. وقوله: (فقول القلب اعتقاده وتصديقه) ويضاف إلى ذلك جميع الأحوال القلبية التي يكون بها الإيمان، مثل: محبة الله ورجائه وخوفه واليقين والإنابة والتوكل، إلى غير ذلك من الأعمال القلبية. والاعتقاد بأن يجزم المسلم بكل ما ثبت في الكتاب والسنة من أصول الدين وثوابته وأحكامه، ويدخل في هذا القلب. لكن لا بد أن يتعدى ذلك إلى قول اللسان، بأن يعترف الإنسان بلسانه بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبمعاني الإيمان والإسلام، وأيضاً يلتزم شرع الله فيما يجب من الذكر اللساني، والذكر اللساني في الصلوات وغيرها، وفي التلبية بل لا يكاد يحصر الذكر اللساني، وكله تعبير عن الإيمان باللسان. ثم قول اللسان يدخل فيه الإقرار، ويدخل فيه أيضاً الذكر، وعمل القلب كذلك تسليمه وإخلاصه، فمن عمل القلب: التسليم والرضا بشرع الله وحكمه، فهو داخل، بل هذا ثمرة الإيمان، التسليم والرضا والاستعداد للعمل أمر قلبي، لا بد أن تنتج عنه أعمال، ولذلك فإن الله عز وجل جعل العمل امتحاناً لحقيقة الدعوى قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31]. فالاتباع هو اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما جاء به من الدين، ومحبة الله هي حقيقة الإيمان، وهي أول أركان العبادة، فمن ادعى أن حب الله هو مجرد دعوى في القلب، فلابد أن يظهر ذلك على أثر أعماله، ومن هنا يتبين لنا حقيقة الإيمان، وأنه قول وعمل، وأنه يدخل في أعمال القلب وأعمال الجوارح. قوله: (وإخلاصه) أي: صدق النية مع الله، والإخلاص هو صدق التوجه إلى الله، وأن لا يشرك مع الله أحداً في التوجه، والإخلاص هو إخلاص العبادة، وإخلاص الإذعان، وإخلاص اليقين، وإخلاص النية؛ لأن النية تدخل في الأمور القلبية وأمور الأعمال، وكذلك حبه وإرادته للأعمال الصالحة. وعمل الجوارح هي: أعضاء الإنسان ومنها القلب فهو يدخل مع الجوارح، لكن القلب قد يكون عمله باطنياً، بمعنى أعمال قلبية غير ظاهرة، لكن من البدهي أن الأعمال القلبية لا تصدق ولا تصح إلا إذا أثمرت أعمالاً، والتي هي مجموع الاستقامة على الدين.فعمل الجوارح هو فعل المأمورات وترك المنهيات، فعل ما أمر الله به من الصلاة وما دونها من جميع الأعمال إلى أقل الأعمال، ثم ترك المنهيات، وهي كل المحرمات والمكروهات وما دون ذلك من المشتبهات.
إخراج العمل عن الإيمان وإدخال ما ليس منه فيه
قال المؤلف حفظه الله تعالى:[ ثانياً: من أخرج العمل عن الإيمان فهو مرجئ، ومن أدخل فيه ما ليس منه فهو مبتدع ]. هذه قاعدة فرعية تابعة للقاعدة الأولى، فإذا عرفنا أن الإيمان قول وعمل، وأن الإيمان يشمل الأمور القلبية والاعتقادية والمعرفية وغيرها، كما يشمل الأعمال الظاهرة، فإن من ادعى أن العمل لا يدخل في الإيمان كما قالت المرجئة وهم أصناف، منهم: المرجئة الغلاة الذين أعرضوا عن شرع الله عز وجل واستهانوا به، وزعموا أن مجرد المعرفة تكفي، وهذه فلسفة قد تصل بالإنسان إلى الخروج من الدين، إذا أعرض عن الدين بالكلية بدعوى أنه يكفيه المعرفة. والصنف الثاني قد لا يخرج من مقتضى الدين لكنه خرج عن السنة، وهم الذين ادعوا أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، فكل من ادعى أن الأعمال ليست من الإيمان فهو مرجئ. والمرجئ هو: من يعتقد أن الأعمال لا تدخل في الإيمان، وسمي مرجئاً؛ لأنه أخر الأعمال عن الإيمان، وهذا تسميه العرب في لغتها إرجاء؛ لأنهم جعلوا الأعمال متأخرة، وهذا هو الأصل في التسمية، أنهم أرجئوا الأعمال وأخروها وأبعدوها عن الإيمان وفصلوها عن حقيقته. إذاً: كل من أخرج الأعمال المطلوبة شرعاً من الإيمان وقال: إنها ليست من الإيمان فهو مرجئ، وكذلك العكس: من أدخل في الإيمان ما ليس منه فهو مبتدع. وهذا ينطبق على البدع التي أحدثها الناس وزعموا أنها من الدين، وزعموا أنها من الإيمان، فهذه لا تدخل في الإيمان، فكل ما أحدث باسم الدين من المحدثات فهو لا يدخل في مسمى الإيمان، وإن قصد به فاعله زيادة الإيمان.مثال ذلك: الاحتفالات البدعية التي يتدين بها الناس، ويقصدون بها أموراً إيمانية: محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو محبة الصالحين، أو محبة الأولياء، ولا شك أن هذا من أعظم الإيمان؛ لكن نظراً لأن هذا غير مشروع فإدخالهم هذا العمل في مسمى الدين والإيمان خطأ بل هو بدعة. فمن أدخل في الدين أو في الإيمان ما ليس منه فهو مبتدع؛ لأنه شرع ما لم يشرعه الله عز وجل، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) و(أمره) أي: أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهو هذا الدين الذي يشمله مسمى الإيمان، (ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وهو أمر النبي صلى الله عليه وسلم، الذي هو هذا الدين الذي تمثل فيه الإيمان، كل من عمل عملاً ليس مشروعاً فلا يدخل عمله في مسمى الإيمان، فهو مردود، ثم تاج ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة).
 حكم مرتكب الكبيرة في الدنيا والآخرة
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ خامساً: مرتكب الكبيرة التي دون الكفر والشرك لا يخرج من الإيمان، فهو في الدنيا مؤمن ناقص الإيمان، وفي الآخرة تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، والموحدون كلهم مصيرهم إلى الجنة وإن عذب منهم بالنار من عذب، ولا يخلد أحد منهم فيها قط ].الشرح: هذه القاعدة الحقيقة تضمنت مسائل عملية عظيمة في الدين يحتاجها المسلمون في حياتهم وفي تعاملهم مع الآخرين، ولاسيما في هذا الوقت الذي كثر فيه الخلط والالتباس، وكثرت فيه الشبهات والتشكيك في المسلمات، مما أدى إلى كثير من الفتن بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين المخالفين لهم. مسألة مرتكب الكبيرة متفرعة عن مسائل الإيمان، وتتعلق بما يسمى بالأسماء والأحكام، وأعني بذلك أن من يرتكب كبيرة، والكبائر هي أعظم المعاصي، وما دونها من باب أولى أن يكون حكم صاحبه حكم الإسلام والإيمان، فمن ارتكب كبيرة ولم يصل إلى الردة والشرك كأكل الربا أو الغيبة أو النميمة أو الكذب أو غيرها من كبائر الذنوب، فهذا المسلم يسمى مرتكب الكبيرة، يعني استهان بالدين وركب المعصية، وعمل الكبيرة التي دون الكفر والشرك، والكفر هنا هو الكفر المخرج من الملة، كل كبيرة لا تخرج من الملة ولا توقع في الشرك الأكبر أو الكفر الأكبر؛ فإن صاحبها يبقى مسلماً، ويبقى مؤمناً، ولا يخرج من مسمى الإيمان. والنبي صلى الله عليه وسلم أثبت ذلك حين ذكر أن المسلم يبقى على مسمى الإيمان، وإن زنى وإن سرق، وكان أبو ذر رضي الله عنه عنده فكأنه استغرب مثل هذا الحكم، فقال: (يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق) فكررها مما يدل على أنه يبقى له مسمى الإيمان والإسلام وإن ارتكب كبيرة. ويشكل على هذا أحاديث أخرى مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) وهذا نفي للإيمان، وذاك السابق إثبات للإيمان، فيجب هنا أن نجمع بين النصوص؛ لأنها صحيحة كلها، والجمع بين النصوص أن يقال: هذا الذي ارتكب الكبيرة بقي على أصل إيمانه؛ لأنه ارتكبها ولم ينقض نواقض الدين الأخرى، وفي الحديث الآخر نفى عنه الإيمان، أي: نفي عنه كمال الإيمان لا أصل الإيمان، وهذا مثل الصلاة، فيها جزء مجزء وفيها جزء يؤجر عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم نفى أن تقبل الصلاة من الإنسان الذي يسهو في صلاته وليس له منها شيء، ولا يعني ذلك أنه لم يؤد الفرض لكن لا يعني ذلك أنه لا يقبل عمله قبولاً يكون له فيه أجر. ومثله الإيمان، فإنه ينفى عن بعض من يفعل الكبائر مقتضى الإيمان، وأقصد بمقتضى الإيمان؛ أن الإيمان لابد له من ثمرة، وهذا لم تتحقق عنده ثمرة الإيمان في هذه الجزئية. وربما يكون نفي الإيمان في أمر محدد تلك اللحظة ولا يعني نفي الإيمان مطلقاً، وأيضاً فإن من توجيه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى الإيمان عن فاعل هذه الكبيرة حين يفعلها واختل إيمانه في هذه الجزئية لا في الدين كله، ولم يخرج عن مقتضى التصديق، وإنما أخل بالعمل. فعلى هذا فإن مرتكب الكبيرة التي هي دون الكفر والشرك لا يخرج صاحبها من الإيمان ولا الإسلام، فهو في الدنيا مؤمن ناقص الإيمان بقدر أفعاله التي اقتضته أو ذنوبه التي اقتضت النقص.وقوله: (وفي الآخرة) لأن المؤمن صاحب الكبيرة في الدنيا نقول: إنه مؤمن ناقص الإيمان، فإن تاب قبل موته تاب الله عليه إذا توفرت فيه شروط التوبة، لكن إذا مات وهو مصر على المعصية والكبيرة، فإن مصيره في الآخرة فيه تفصيل: أولاً: قبل أن يحكم على العباد بجنة أو نار هو تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له فيدخل الجنة والله غفور رحيم، ورحمته سبقت عذابه، ونرجو للمؤمنين الذين وقعوا في الكبائر أن يغفر الله لهم، وأيضاً قد لا يغفر الله له، ويستحق النار، بأن يعذب فيها بقدر كبيرته، ولابد أن يخرج من كان أصله مسلماً إذا مات على كبيرته، وقدر الله عز وجل عليه أن يعذب في النار لابد أن يخرج منها.وخروجه يكون بعدة أسباب شرعية، منها: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمته، وشفاعات الأنبياء لأهل الكبائر من أممهم، وشفاعة الملائكة، وشفاعة المؤمنين والصالحين، وشفاعة القرآن، وشفاعات كثيرة.ومنها: رحمة الله عز وجل، حينما تنتهي الشفاعات فإن الله عز وجل يتولى -رحمة بعباده- إخراج من يشاء من النار.ففي الآخرة العاصي تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، والموحدون كلهم مصيرهم إلى الجنة، وإن عذب منهم في النار من عذب، ولا يخلد أحد منهم فيها قط ومن كان عنده أدنى ذرة من إيمان فلن يخلد في النار.
القطع للمعين بالجنة أو النار
قال المؤلف حفظه الله: [ سادساً: لا يجوز القطع لمعين من أهل القبلة بالجنة أو النار إلا من ثبت النص في حقه ]. هذه قاعدة متفرعة عن مسألة الإيمان، ويغلط فيها كثير من الناس قديماً وحديثاً، لأنها تحتاج إلى تفصيل: أولاً: نرجو لكل مسلم مؤمن أن يكون من أهل الجنة، وغير المسلم الأصل أنه من أهل النار، هذا هو الأصل. ثانياً: عموم المؤمنين هم من أجل الجنة، وعموم الكافرين هم من أهل النار، ومع ذلك فإن الإنسان المعين لا نستطيع أن نجزم له بأنه من أهل الجنة، وإن كان ظاهره الصلاح، ولا نجزم بأنه من أهل النار، وإن كان ظاهره الفساد؛ لأننا لا ندري ما يختم له، ولذلك فإن من قواعد السلف وتقريراتهم أننا لا ندري عن مصير الإنسان، ولا نجزم لأحد بعينه إلا ما جاء النص بأنه من أهل الجنة، أو جاء النص بأنه من أهل النار. أما بقية الخلق الذين يموتون فلا نستطيع أن نجزم لأحد منهم بأنه من أهل الجنة، وإن كان صالحاً مسلماً تقياً ورعاً ولا أنه من أهل النار؛ لأننا لا ندري على أي حال سبق عليه الكتاب، وهناك دليل واضح يبين هذه القاعدة وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في الحديث الصحيح: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يظهر للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يظهر للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيدخل الجنة). والذراع ربما يكون في حساب الزمن لحظات والله أعلم، وهذا النص مجمل ومبهم، لكنه يدل على قصر المدة الزمنية التي يكون فيها تحول الشخص لحظة الموت عند الوفاة من حال إلى حال. فهذا أمر قلبي، والإنسان قد يكون فيما يظهر لنا على حال أهل النار، ولكن ربما يجدد الله له توبة لم يستطع أن يفصح عنها أو يبينها، أو لم يتمكن، ويموت على هذه التوبة، فما يدرينا وأحوال العباد عند الله عز وجل، والعكس كذلك قد يكون الإنسان فيما يظهر لنا من أخلص العباد، لكن ربما يحول الله حاله، والله عز وجل هو مقلب القلوب، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، وهكذا ينبغي للمؤمن دائماً أن يلجأ إلى الله عز وجل، وأن يثبته على الإيمان والإسلام حتى آخر لحظة. فينبغي أن نعتقد ونجزم أن مصائر العباد غيبية، فهذا الشخص الذي ظهر صلاحه، ربما يكون في آخر لحظة سبق عليه الكتاب فوقع في أمر يقتضي أن يكون من أهل النار، ومات على هذه الحال ونحن لا ندري، أليس هذا محتملاً؟ فالأمر لله من قبل ومن بعد، ومصائر العباد بيد الله، فلا نتألى على الله، ولكن نحسن الظن بالله، ونحسن الظن بالمسلمين، ونرجو للمحسنين ونخاف على المسيئين.ولذلك فإن من الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أنهم يجزمون على بعض المعينين بأنهم من أهل الجنة، أو يجزمون لهم بالشهادة، حتى وإن قتل في معركة مشروعة، ونحن لا نستطيع أن نجزم له بالشهادة، ولكن نرجو له الشهادة، حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم شهد الصحابة لأحد المقاتلين بأنه من أهل الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا، هو من أهل النار)، فانقلبت الأمور عما يتصورون؛ لأنه أبلى بلاءً حسناً، وجاهد جهاداً عظيماً، وفتك في العدو فتكاً يدل ظاهره على أنه مأجور أعظم الأجر، وأنه من أعظم الشهداء، ومع ذلك فوجئوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنه من أهل النار)؛ لأنه غل، وتعلق قلبه بدنيا. فالمصائر بيد الله، فلا يجوز القطع لمعين لأن مصائر العباد بيد الله، لكن مع ذلك نثق بوعد الله ونحسن الظن، ونرجو للمحسنين، ونخاف على المسيئين.
 حكم مرتكب الكبيرة في الدنيا والآخرة
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ خامساً: مرتكب الكبيرة التي دون الكفر والشرك لا يخرج من الإيمان، فهو في الدنيا مؤمن ناقص الإيمان، وفي الآخرة تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، والموحدون كلهم مصيرهم إلى الجنة وإن عذب منهم بالنار من عذب، ولا يخلد أحد منهم فيها قط ].الشرح: هذه القاعدة الحقيقة تضمنت مسائل عملية عظيمة في الدين يحتاجها المسلمون في حياتهم وفي تعاملهم مع الآخرين، ولاسيما في هذا الوقت الذي كثر فيه الخلط والالتباس، وكثرت فيه الشبهات والتشكيك في المسلمات، مما أدى إلى كثير من الفتن بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين المخالفين لهم. مسألة مرتكب الكبيرة متفرعة عن مسائل الإيمان، وتتعلق بما يسمى بالأسماء والأحكام، وأعني بذلك أن من يرتكب كبيرة، والكبائر هي أعظم المعاصي، وما دونها من باب أولى أن يكون حكم صاحبه حكم الإسلام والإيمان، فمن ارتكب كبيرة ولم يصل إلى الردة والشرك كأكل الربا أو الغيبة أو النميمة أو الكذب أو غيرها من كبائر الذنوب، فهذا المسلم يسمى مرتكب الكبيرة، يعني استهان بالدين وركب المعصية، وعمل الكبيرة التي دون الكفر والشرك، والكفر هنا هو الكفر المخرج من الملة، كل كبيرة لا تخرج من الملة ولا توقع في الشرك الأكبر أو الكفر الأكبر؛ فإن صاحبها يبقى مسلماً، ويبقى مؤمناً، ولا يخرج من مسمى الإيمان. والنبي صلى الله عليه وسلم أثبت ذلك حين ذكر أن المسلم يبقى على مسمى الإيمان، وإن زنى وإن سرق، وكان أبو ذر رضي الله عنه عنده فكأنه استغرب مثل هذا الحكم، فقال: (يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق) فكررها مما يدل على أنه يبقى له مسمى الإيمان والإسلام وإن ارتكب كبيرة. ويشكل على هذا أحاديث أخرى مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) وهذا نفي للإيمان، وذاك السابق إثبات للإيمان، فيجب هنا أن نجمع بين النصوص؛ لأنها صحيحة كلها، والجمع بين النصوص أن يقال: هذا الذي ارتكب الكبيرة بقي على أصل إيمانه؛ لأنه ارتكبها ولم ينقض نواقض الدين الأخرى، وفي الحديث الآخر نفى عنه الإيمان، أي: نفي عنه كمال الإيمان لا أصل الإيمان، وهذا مثل الصلاة، فيها جزء مجزء وفيها جزء يؤجر عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم نفى أن تقبل الصلاة من الإنسان الذي يسهو في صلاته وليس له منها شيء، ولا يعني ذلك أنه لم يؤد الفرض لكن لا يعني ذلك أنه لا يقبل عمله قبولاً يكون له فيه أجر. ومثله الإيمان، فإنه ينفى عن بعض من يفعل الكبائر مقتضى الإيمان، وأقصد بمقتضى الإيمان؛ أن الإيمان لابد له من ثمرة، وهذا لم تتحقق عنده ثمرة الإيمان في هذه الجزئية. وربما يكون نفي الإيمان في أمر محدد تلك اللحظة ولا يعني نفي الإيمان مطلقاً، وأيضاً فإن من توجيه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى الإيمان عن فاعل هذه الكبيرة حين يفعلها واختل إيمانه في هذه الجزئية لا في الدين كله، ولم يخرج عن مقتضى التصديق، وإنما أخل بالعمل. فعلى هذا فإن مرتكب الكبيرة التي هي دون الكفر والشرك لا يخرج صاحبها من الإيمان ولا الإسلام، فهو في الدنيا مؤمن ناقص الإيمان بقدر أفعاله التي اقتضته أو ذنوبه التي اقتضت النقص.وقوله: (وفي الآخرة) لأن المؤمن صاحب الكبيرة في الدنيا نقول: إنه مؤمن ناقص الإيمان، فإن تاب قبل موته تاب الله عليه إذا توفرت فيه شروط التوبة، لكن إذا مات وهو مصر على المعصية والكبيرة، فإن مصيره في الآخرة فيه تفصيل: أولاً: قبل أن يحكم على العباد بجنة أو نار هو تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له فيدخل الجنة والله غفور رحيم، ورحمته سبقت عذابه، ونرجو للمؤمنين الذين وقعوا في الكبائر أن يغفر الله لهم، وأيضاً قد لا يغفر الله له، ويستحق النار، بأن يعذب فيها بقدر كبيرته، ولابد أن يخرج من كان أصله مسلماً إذا مات على كبيرته، وقدر الله عز وجل عليه أن يعذب في النار لابد أن يخرج منها.وخروجه يكون بعدة أسباب شرعية، منها: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمته، وشفاعات الأنبياء لأهل الكبائر من أممهم، وشفاعة الملائكة، وشفاعة المؤمنين والصالحين، وشفاعة القرآن، وشفاعات كثيرة.ومنها: رحمة الله عز وجل، حينما تنتهي الشفاعات فإن الله عز وجل يتولى -رحمة بعباده- إخراج من يشاء من النار.ففي الآخرة العاصي تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، والموحدون كلهم مصيرهم إلى الجنة، وإن عذب منهم في النار من عذب، ولا يخلد أحد منهم فيها قط ومن كان عنده أدنى ذرة من إيمان فلن يخلد في النار.
قواعد في التكفير
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ سابعاً: الكفر الوارد ذكره في الألفاظ الشرعية قسمان: أكبر مخرج من الملة، وأصغر غير مخرج من الملة، ويسمى أحياناً بالكفر العملي.ثامناً: التكفير من الأحكام الشرعية التي مردها إلى الكتاب والسنة، فلا يجوز تكفير مسلم بقول أو فعل، ما لم يدل دليل شرعي على ذلك، ولا يلزم من إطلاق حكم الكفر على قول أو فعل ثبوت موجبه في حق المعين إلا إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع، والتكفير من أخطر الأحكام فيجب التثبت والحذر من تكفير المسلم ]. أولاً: الكفر حكم إلهي من الله عز وجل وليس إلى العباد. ثانياً: الكفر نوعان: النوع الأول: الكفر الخالص، وهذا ليس لنا فيه خيار، ولا يجوز لنا أن نخوض فيه، فمن لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهذا كفره متقرر بالكتاب والسنة، ولا يجوز أن يخوض الناس في مفردات هذه الأمور، بل الخوض فيها بدعة وإثم عظيم في الدين؛ لأن هذا حكم الله الذي لا يتبدل ولا يتغير وليس لنا فيه اجتهاد.النوع الثاني: وهو الذي يكون فيه الخطورة، ويخوض فيه الناس بشكل أدى إلى كثير من الأهواء والبدع قديماً وحديثاً، وهو الكفر دون كفر، أو الكفر الأصغر، أو تكفير المسلم، مع أننا نعلم أن في الشك في تكفير من كفرهم الله عز وجل من الكفار الخلّص إثمٌ عظيم، وربما يكون ردة أو كفراً، لكن ومع ذلك قل من المسلمين من يقع في ذلك، إلا في الآونة الأخيرة عندما كثرت الشبهات، ومع ذلك نعتبر هذا لا يزال من البدهيات عند عامة المسلمين.فالأمر الذي يحتاج إلى تقعيد هو ما يقع فيه المسلم من الكفريات، وهو نوعان: كفر مخرج، وكفر لا يخرج من الملة، وهو الأكثر، وهذا يحتاج إلى قواعد مهمة: أولاً: الكفر هو حكم الله عز وجل في العباد، وعلى هذا فإن أي قول فيه بلا دليل بين من الله وبدون برهان من الله عز وجل، فهو قول خطير على صاحبه. ثانياً: أن التكفير ورد فيه الوعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما)، فولوج واقتحام الناس في التكفير خطر عليهم، وبعض الناس يظن أن هذا واجب عليه، وأنه ينظر في الخلق ماذا عملوا، وفي الناس ماذا ارتكبوا من الأقوال والاعتقادات والمواقف الكفرية فيحكم عليهم، ويظن أن هذا واجبه، مع أن المسألة عكسية، فيجب عليك أن تتورع، والله عز وجل يقول: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قد حذّر وجعل الكفر حكماً إلهياً، إذا لم يقع على من تكفره وقع عليك، وكيف تجزم بأنه يقع على من تكفره، فالأمر خطير. ثالثاً: أن تكفير الناس بأفعالهم من اختصاص الراسخين في العلم؛ لأنه خطير، وهو من قضايا الدين الكبرى؛ ولأنه حكم على العباد أشبه بالحكم القضائي الذي لا يصدر ألا من قاضٍ، تتوافر فيه شروط القضاء، بل التكفير أشد من الحكم القضائي؛ لأنه حكم بحكم الله على العباد، وهذا لا يمكن أن يتأتى إلا لعالم راسخ في العلم مستوعب لشروط التكفير وضوابطه وموانعه، ويكون ممن عنده القدرة على التثبت وإقامة الحجة على الأفراد والجماعات والهيئات التي يكفرها الناس، وأنى يتهيأ هذا إلا لقلة، وبعض الناس يظن أن التكفير في ذمته، فيجازف ويبدأ يحكم على الخلق. رابعاً: أن أغلب ما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم من أعمال المسلمين بالكفر هو الكفر الذي لا يخرج من الملة، بل يندر أن يكون مما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم من أعمال الكفر التي تقع من المسلمين من الكفر المخرج. فالنبي صلى الله عليه وسلم وصف أشياء كثيرة بأنها كفر، أقوالاً وأفعالاً، وممارسات ومواقف، لكنها كلها -إلا النادر والنادر لا حكم له- من الكفر الذي لا يخرج من الملة. فمثلاً: الطعن في الأنساب سماه النبي صلى الله عليه وسلم كفراً، والنياحة على الميت سماه كفراً، وقتال المسلم سماه كفراً، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، فهل هذا كفر مخرج من الملة؟ وإتيان الكاهن سماه كفراً، وأشياء كثيرة من الأعمال سماها كفراً. بل نفى الإيمان أحياناً (لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه)، (من تشبه بقوم فهو منهم)، (من غشنا فليس منا)، نصوص عظيمة لو أخذنا بظاهرها لأخرجنا كثيراً من المسلمين من الملة، بل هذا الذي يكفر هو يقع في مكفرات لو هو حاسب نفسه. خامساً: أن التكفير له شروط ويقابلها الموانع، وهذه الشروط لو وعاها كثير من الذين وقعوا في غوائر التكفير لأحجموا، ولما اقتحموا هذا الباب الخطير، ولذلك فإن الذين اقتحموا هذا الباب الخطير بغير فقه، ولا علم، وما تورعوا، أوقعوا أنفسهم قبل غيرهم في حرج شديد في الدين، وكثير منهم يستبيح قتل نفسه؛ لأنه حينما كفر الآخر بنى على هذا أحكاماً في تعامله مع الآخر، وأراد أن يتخلص من هذه الأحكام بأن يقتل نفسه، لئلا يقع في غوائل التعامل ما يحدث من خصومه.وما يعمله المسلمون أفراداً أو جماعات من الكفريات، فإنه لا يجوز تكفير المعين بها إلا بعد هذه الشروط. إن كثيراً من المسلمين خصوصاً في العصور الحديثة وسواء كانوا أفراداً أو جماعات أو هيئات أو تيارات أو أحزاباً أو فرقاً أو دولاً، فإنهم يقعون في مكفرات، وبعضها في ظاهره مخرج، وبعضها من نواقض الإسلام، وحينما يقع هؤلاء الناس -أفراداً أو جماعات- في الكفر هل يعني ذلك أن نكفره بعينه، بمجرد أن يقع في مكفر، بل أغلب من وقعوا في الكفريات قديماً وحديثاً لا يكفرون بأعيانهم، وكان السلف الصالح طيلة التاريخ إلى يومنا هذا، واجهوا مما وقعوا فيه من الأنواع التي ظاهرها الكفر والردة أشياء عظيمة وكثيرة جداً، ومع ذلك يندر من السلف تكفير الأعيان. فليس كل من وقع في مكفر يكفر بعينه حتى تطبق عليه الشروط، وهذه الشروط بإيجاز هي: أولاً: أن لا يكون من وقع في هذا المكفر مكرهاً، والإكراه وارد.ثانياً: أن لا يكون جاهلاً، والجهل يصرف عن المسلم الكفر.ثالثاً: أن لا يكون متأولاً، والتأول بأن يظن أن الدليل معه، أو يظن أن هذا حلال وهذا جائز. رابعاً: أن نأمن وجود الالتباس.خامساً: أن نعلم أن هذه الكفريات شعب، حتى نواقض الإسلام، سواء سميناها عشرة أو عشرين أو مائة أو ألفاً؛ فمثلاً: مظاهرة المشركين ضد المسلمين، منها ما هو من صغائر الذنوب، ومنها ما هو من كبائر الذنوب، ومنها ما هو كفر دون كفر، ومنها ما هو كفر مخرجٌ من الملة، ولو وقع مسلم أو جماعة أو دولة في هذا النوع من الكفر المخرج فلابد من تطبيق الشروط عليه، وأحوال الإكراه اليوم والجهل والتأول كثيرة في الأمة. فعلى المسلم أن يتق الله عز وجل في أمر دينه وأمر المسلمين، وأن يحذر ويتورع عن أن يقع في تكفير المسلم؛ لأن ذلك يعود عليه بالضرر.
 حكم مرتكب الكبيرة في الدنيا والآخرة
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ خامساً: مرتكب الكبيرة التي دون الكفر والشرك لا يخرج من الإيمان، فهو في الدنيا مؤمن ناقص الإيمان، وفي الآخرة تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، والموحدون كلهم مصيرهم إلى الجنة وإن عذب منهم بالنار من عذب، ولا يخلد أحد منهم فيها قط ].الشرح: هذه القاعدة الحقيقة تضمنت مسائل عملية عظيمة في الدين يحتاجها المسلمون في حياتهم وفي تعاملهم مع الآخرين، ولاسيما في هذا الوقت الذي كثر فيه الخلط والالتباس، وكثرت فيه الشبهات والتشكيك في المسلمات، مما أدى إلى كثير من الفتن بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين المخالفين لهم. مسألة مرتكب الكبيرة متفرعة عن مسائل الإيمان، وتتعلق بما يسمى بالأسماء والأحكام، وأعني بذلك أن من يرتكب كبيرة، والكبائر هي أعظم المعاصي، وما دونها من باب أولى أن يكون حكم صاحبه حكم الإسلام والإيمان، فمن ارتكب كبيرة ولم يصل إلى الردة والشرك كأكل الربا أو الغيبة أو النميمة أو الكذب أو غيرها من كبائر الذنوب، فهذا المسلم يسمى مرتكب الكبيرة، يعني استهان بالدين وركب المعصية، وعمل الكبيرة التي دون الكفر والشرك، والكفر هنا هو الكفر المخرج من الملة، كل كبيرة لا تخرج من الملة ولا توقع في الشرك الأكبر أو الكفر الأكبر؛ فإن صاحبها يبقى مسلماً، ويبقى مؤمناً، ولا يخرج من مسمى الإيمان. والنبي صلى الله عليه وسلم أثبت ذلك حين ذكر أن المسلم يبقى على مسمى الإيمان، وإن زنى وإن سرق، وكان أبو ذر رضي الله عنه عنده فكأنه استغرب مثل هذا الحكم، فقال: (يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق) فكررها مما يدل على أنه يبقى له مسمى الإيمان والإسلام وإن ارتكب كبيرة. ويشكل على هذا أحاديث أخرى مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) وهذا نفي للإيمان، وذاك السابق إثبات للإيمان، فيجب هنا أن نجمع بين النصوص؛ لأنها صحيحة كلها، والجمع بين النصوص أن يقال: هذا الذي ارتكب الكبيرة بقي على أصل إيمانه؛ لأنه ارتكبها ولم ينقض نواقض الدين الأخرى، وفي الحديث الآخر نفى عنه الإيمان، أي: نفي عنه كمال الإيمان لا أصل الإيمان، وهذا مثل الصلاة، فيها جزء مجزء وفيها جزء يؤجر عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم نفى أن تقبل الصلاة من الإنسان الذي يسهو في صلاته وليس له منها شيء، ولا يعني ذلك أنه لم يؤد الفرض لكن لا يعني ذلك أنه لا يقبل عمله قبولاً يكون له فيه أجر. ومثله الإيمان، فإنه ينفى عن بعض من يفعل الكبائر مقتضى الإيمان، وأقصد بمقتضى الإيمان؛ أن الإيمان لابد له من ثمرة، وهذا لم تتحقق عنده ثمرة الإيمان في هذه الجزئية. وربما يكون نفي الإيمان في أمر محدد تلك اللحظة ولا يعني نفي الإيمان مطلقاً، وأيضاً فإن من توجيه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى الإيمان عن فاعل هذه الكبيرة حين يفعلها واختل إيمانه في هذه الجزئية لا في الدين كله، ولم يخرج عن مقتضى التصديق، وإنما أخل بالعمل. فعلى هذا فإن مرتكب الكبيرة التي هي دون الكفر والشرك لا يخرج صاحبها من الإيمان ولا الإسلام، فهو في الدنيا مؤمن ناقص الإيمان بقدر أفعاله التي اقتضته أو ذنوبه التي اقتضت النقص.وقوله: (وفي الآخرة) لأن المؤمن صاحب الكبيرة في الدنيا نقول: إنه مؤمن ناقص الإيمان، فإن تاب قبل موته تاب الله عليه إذا توفرت فيه شروط التوبة، لكن إذا مات وهو مصر على المعصية والكبيرة، فإن مصيره في الآخرة فيه تفصيل: أولاً: قبل أن يحكم على العباد بجنة أو نار هو تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له فيدخل الجنة والله غفور رحيم، ورحمته سبقت عذابه، ونرجو للمؤمنين الذين وقعوا في الكبائر أن يغفر الله لهم، وأيضاً قد لا يغفر الله له، ويستحق النار، بأن يعذب فيها بقدر كبيرته، ولابد أن يخرج من كان أصله مسلماً إذا مات على كبيرته، وقدر الله عز وجل عليه أن يعذب في النار لابد أن يخرج منها.وخروجه يكون بعدة أسباب شرعية، منها: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمته، وشفاعات الأنبياء لأهل الكبائر من أممهم، وشفاعة الملائكة، وشفاعة المؤمنين والصالحين، وشفاعة القرآن، وشفاعات كثيرة.ومنها: رحمة الله عز وجل، حينما تنتهي الشفاعات فإن الله عز وجل يتولى -رحمة بعباده- إخراج من يشاء من النار.ففي الآخرة العاصي تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، والموحدون كلهم مصيرهم إلى الجنة، وإن عذب منهم في النار من عذب، ولا يخلد أحد منهم فيها قط ومن كان عنده أدنى ذرة من إيمان فلن يخلد في النار.
الأسئلة

 الجزم على المعين الحي بأنه من أهل النار
السؤال: هل المقصود عندما نقول: لا نجزم لأحد أنه من أهل النار، هل هذا وهو حي أو حتى بعد موته، فلو كان هناك نصراني أو يهودي لا نقول: إنه من أهل النار؟الجواب: من لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ومات على ذلك فهو من أهل النار جزماً، وهذا حكم عام، أما المعين فلا؛ لأننا نشك في أن الكافر من أهل النار، لكن لا نحكم عليه بعينه وباسمه؛ لأننا لا ندري على أي حال مات، فالاستثناء ليس لأنه كافر، وإنما لأننا لا ندري عن مصيره الذي لا يعلمه إلا الله. فالحي قبل أن يموت لا نجزم له بالنار؛ لأنه قد يتوب توبة يعلنها، وهذا لا تتوجه إليه الأحكام، بل تتوجه على حاله التي هو عليها، فيقال: إن بقي على ما هو عليه فهو من أهل النار استثناءً، لكن ربما يتوب، وكم هم الآن الذين يدخلون في الدين أفواجاً على مستوى العالم كله، يعدون أحياناً باليوم الواحد بالآلاف في بعض الظروف والمناسبات، خاصة عند الحوادث، وعند المناسبات الإسلامية التي يكون فيها لفت نظر للإسلام. فهؤلاء كانوا على الشرك والكفر ثم تابوا، فالأحياء لا يتأتى الحكم إلا على حالهم التي هم عليها، ومصائرهم في الآخرة كذلك، فكيف تستطيع أن تحكم على شخص وهو لم يمت؟

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مجمل أصول أهل السنة - الإيمان للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

http://audio.islamweb.net