إسلام ويب

شرح السنة [1]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كتاب شرح السنة للإمام البربهاري يعد من الكتب العظيمة الجامعة لعقائد أهل السنة والجماعة، فهو يقرر فيه ضرورة اتباع السنة، والوقوف على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من الأمر بلزوم الجماعة، وترك البدع والمحدثات، وترك الجدال والخصومات، والإيمان بالحشر والنشر والصراط والميزان والشفاعة والأنبياء والملائكة والجنة والنار، وغير ذلك مما يجب الإيمان به.

    1.   

    مقدمة في التعريف بالكتاب والمؤلف

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فنبدأ مستعينين بالله درسنا الجديد (شرح السنة) لإمام أهل السنة والجماعة في عصره أبي محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري المتوفى سنة (329)، وكان من كبار أئمة السنة الذين اشتهروا بتقرير العقيدة والدفاع عنها، وكان قوياً صلباً في الحق، وعقيدته هذه من أقدم ما كتب في عقائد السلف، وهي تتميز بالشمول والإيجاز، كما أنه أيضاً تحرى فيها مذهب أهل السنة في كثير من أصولهم ومناهجهم، وإن كانت له بعض الآراء التي قد يخالفه فيها غيره، لكنها من الأمور التي لا تخرج عن مجال الاجتهاد السائغ أو مما قد يكون للعالم فيه قول قد يبالغ فيه أو يتجاوز ما عليه الأئمة عن اجتهاد، ولا يسلم البشر من مثل هذه الأمور، ومع ذلك فإن شرح السنة للبربهاري من عقائد السلف المعتمدة عند أئمة السنة.

    ونبدأ الآن بأول هذه العقيدة، والنسخة التي بين يدي هي النسخة المحققة بتحقيق الردادي ، وهناك نسخة سبقتها وهي نسخة الشيخ محمد سعيد القحطاني ، وكلاهما جيدة ولا أفضل واحدة على الأخرى.

    1.   

    معاني السنة

    قال الإمام أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [ الحمد لله الذي هدانا للإسلام ومن علينا به، وأخرجنا في خير أمة، فنسأله التوفيق لما يحب ويرضى، والحفظ مما يكره ويسخط.

    اعلموا أن الإسلام هو السنة والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر ].

    أحسن المحقق في ترقيم هذه الفقرات، وهذه هي الفقرة الأولى، فبدأ في الفقرة الأولى حسب ترقيم المحقق بشرح معنى السنة، وهذا مدخل طيب؛ ذلك أن موضوع الكتاب هو شرح السنة، فمن المناسب جداً أن يبين معنى السنة، وقد لخص معنى السنة بمفهوم شرعي موجز كعادة السلف في القرون الثلاثة الفاضلة في تعريفهم للمعاني الشرعية، وذلك أنهم يقتصرون على الألفاظ الشرعية ويوجزون بأبلغ عبارة، وما كانوا يتكلفون التشقيق والتفريع، وما جاء تشقيق العبارة وتفريعها إلا في القرن الرابع وما بعده.

    فقوله: (اعلموا أن الإسلام هو السنة)، هذا أيضاً ينعكس فإن السنة هي الإسلام، وقصده أن الإسلام الذي أمر الله بالأخذ به هو ما سنه الرسول صلى الله عليه وسلم، من السنة بمعناها العام التي هي الإسلام.

    إذاً نقول: كما أن الإسلام هو السنة، فكذلك السنة هي الإسلام، فهما مترادفان على هذا المعنى الشامل.

    قوله: (ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر)، معناه: لا تستقيم السنة إلا بالتسليم والإذعان لله عز وجل، وكذلك لا تتم ثمرة الإذعان والتسليم إلا بالعمل بالسنة، وهذه من الكلمات الجوامع التي تجمع معاني الإسلام بألفاظ موجزة، وهذا المعنى -أي: شرح الإسلام بالسنة وشرح السنة بالإسلام- يجعلنا نقف قليلاً في شرح معاني السنة التي تتفرع عن هذا المعنى الإجمالي، فالسنة لها معان كثيرة أولها هذا المعنى الذي ذكره البربهاري ، وهو أنها تعني الإسلام بجملته، أي: ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم جملة وتفصيلاً فهو السنة.

    ثانياً: تطلق السنة مقابل القرآن، أي المصدر الثاني للدين، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في وصيته: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي) فجعل السنة نوعاً آخر من مصادر الدين بعد القرآن.

    والمعنى الثالث: التقرير والهدي، وهذا يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: (من رغب عن سنتي فليس مني)، وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) يعني: جملة ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأفعال والتقريرات والهدي، وهذا المعنى يرادف المعنى الأول، لكن هذا أكثر تفصيلاً.

    الرابع من معاني السنة: أنها تطلق في مقابل البدعة، يقال: هذه سنة وهذه بدعة، كما أنها تطلق مغايرة للبدعة، فالسنة خلاف البدعة، أي: ما شرع بدليل شرعي، ويقابل هذا ما جاء في بعض الآثار: ما أحدث الناس بدعة إلا تركوا من السنة مثلها، فهي تطلق مقابل البدعة.

    المعنى الخامس: تطلق السنة على ما عليه السلف من العلم والعمل.

    المعنى السادس: تطلق السنة مقابل الواجب، فتأتي بمعنى النافلة وبمعنى المستحب أو الأمر الشرعي غير المؤكد، وقد تطلق على المؤكد مما دون الفرض، وهذا في جانب التشريع والأحكام، وكثيراً ما يقال هذا سنة أي: ليس بفرض، أو يقال: هذه سنة أي: ليست بواجبة.

    فالسنة ترادف الأمر المؤكد الذي لا يجب، أو الأمر المستحب مما دون المؤكد، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه)، فالفرض أعظم من السنة، والسنة دون الفرض.

    وهذا كثير في ألفاظ الشرع وكثير أيضاً عن الأئمة والفقهاء، فقد يقولون: سنة يعني ليس بواجب وليس بمفروض، وكل هذه الإطلاقات صحيحة، لكن أشملها وأعظمها وأكثرها مدلولاً هو السنة بالمعنى الأول، أي: أنها الإسلام، وما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الاعتقاد والقول والعمل والهدي والتقرير وسائر الدين.

    1.   

    من ركائز السنة لزوم الجماعة

    قال رحمه الله تعالى: [ فمن السنة لزوم الجماعة، فمن رغب غير الجماعة وفارقها، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وكان ضالاً مضلاً ].

    وهذه هي الفقرة الثانية، ويمكن أن يعنون لها: بأساس السنة أو من ركائز السنة.

    فمن ركائز السنة لزوم الجماعة، فهي من الأسس العظيمة للسنة، فالسنة لا تتحقق بمعناها الشامل، ولا يتحقق تطبيق الشرع كما أمر الله إلا بلزوم الجماعة بمعناها العام، أعني جماعة أهل الحق في الاعتقاد والقول والعمل، وفي مصالح الأمة العظمى.

    الجماعة التي تجتمع على الإمام، وتجتمع على الحق، وتجتمع على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الهدى.

    1.   

    معاني الجماعة

    والإشارة إلى أن أساس السنة لزوم الجماعة يجعلنا نقف قليلاً عند معاني الجماعة؛ لأن الشيخ سيذكر هذه المعاني كثيراً في الكتاب كما يذكرها السلف أيضاً كثيراً، فالجماعة ترد على معان مختلفة بعضها شاملة وبعضها دون ذلك، فهي في ذلك كالسنة.

    جماعة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه

    فأول ما تطلق الجماعة على جماعة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، وهم الذين مثل بهم النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بالاستمساك بالجماعة قيل: (من هم الجماعة؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي)، فالجماعة تعني النموذج الأول لجماعة المسلمين وهم النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، ولزومهم أي: باقتفاء أثرهم في الاعتقاد والقول والعمل.

    أئمة الدين المقتدى بهم

    المعنى الثاني: تطلق الجماعة على أئمة الدين المقتدى بهم، أئمة أهل السنة والجماعة، فهم أول من يندرج تحت مسمى الجماعة بعد الصحابة، في كل عصر بحسب حاله، فأئمة الدين الأحياء منهم والأموات هم الجماعة، وهم أئمة الهدى القدوات.

    الاجتماع على السنة والمصالح الكبرى للأمة

    المعنى الثالث: أن الجماعة قد تطلق على معنى الاجتماع على السنة والحق والمصالح الكبرى للأمة.

    والاجتماع على السنة قد يكون معنى حسياً، وقد يكون حسياً واعتبارياً، وقد يكون اعتبارياً فقط، بمعنى أنه قد تتحقق الجماعة في زمن غربة الإسلام بمن يستمسك بها وإن تفاوتت أوطانهم وتباعدت أجسادهم؛ لأنهم يجتمعون على السنة، فقد تكون مجموعة منهم في هذه البلاد، وأخرى في الشام، وأخرى في أفريقيا، وثالثة في أقصى الدنيا، وقد يكون من الجماعة أفراد ولو في الصين، وقد يكون فرد على السنة والجماعة، فيدخل في مسمى الجماعة بهذا المفهوم الشرعي الأصيل.

    إذاً: الجماعة هم الذين اجتمعوا على السنة وإن تفارقت أجسادهم، واجتمعوا على الحق وإن اختلفت أوطانهم وأزمانهم، وهم أيضاً من اجتمعوا على المصالح العظمى للأمة سواء في بلد معين أو في بلد مختلف.

    عموم المسلمين

    والمعنى الرابع للجماعة: هم عموم المسلمين الذين لا يزالون على أصل الإسلام.

    قد يتمثل فيهم معنى الجماعة خاصة عندما تحيط بالأمة الأزمات والنكبات والمصائب العظمى، فإنه قد يجتمع شمل المسلمين على ما هم فيه من اختلاف في المذاهب الفقهية، وعلى ما هم فيه أحياناً من اختلاف في الآراء، فقد يتحقق فيهم المعنى العام لجماعة المسلمين ما داموا على الحق، بما في ذلك العامة وبما في ذلك الذين عندهم شيء من الأخطاء التي لا تصل إلى حد الخروج عن أهل السنة والجماعة خروجاً متعمداً، حتى من ارتكب بدعة من غير قصد يدخل في مسمى الجماعة ما لم تكن بدعته مكفرة، أما إذا قصد وصار داعية بدعة خرج من مسمى الجماعة.

    إذاً: من إطلاقات الجماعة جماعة عموم المسلمين وهو ما يعبر عنه بالسواد الأعظم، وهذا مشروط بمن كان على الحق أئمتهم وولاتهم وعامتهم.

    أهل الحل والعقد

    الخامس من معاني الجماعة: تطلق الجماعة على أهل الحل والعقد، وهذا كثير خاصة فيما يتعلق بالوُلاية أو الوَلاية، ويتعلق بالسلطان.

    فتطلق الجماعة على أهل الحل والعقد، وعلى رأسهم الولاة والعلماء، ثم من كان له أثر في الأمة بحكم مسئوليته وموقعه، فيدخل في ذلك أمراء وقواد الجيوش، ويدخل في ذلك الوزراء ورؤساء العشائر، والزعماء المطاعون في أقوامهم، ويدخل في ذلك أهل الرأي والمشورة الذين لرأيهم أثر في مصالح الأمة، وينتظم بهم معنى الجماعة عند الخطوب وإن لم يكونوا على الاستقامة.

    وهذا أمر خالفت فيه جميع الفرق ولم يجتمع عليه إلا أهل السنة والجماعة، فإنهم لما نظروا إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وجدوا أنه أمر بالاجتماع على الأمراء والسلاطين، وعلى أهل الحل والعقد، وعدم الخروج عن الجماعة على هذا المعنى، حتى وإن كان في الأمراء والسلاطين تقصير وأثرة وظلم؛ لأن الاجتماع يتحقق به الخير وتندفع به المفاسد، وبالفرقة يحصل الفساد في الدنيا والدين، وهذا يخالف قواعد الدين وغايات الشرع.

    إذاً: أهل الحل والعقد يدخلون في مفهوم الجماعة في كثير من الحالات، وليس في كل الحالات، إذا استغنت الأمة بإمامة راشدة وبالعلماء الراسخين فقد يجتمع فيهم جميع هذه المعاني، أما إذا تخلفت شروط الولاية، أو وجد في الأمة نقص وتقصير، فإنه لا بد أن ترجع الأمة إلى أدنى من يمكن أن يجتمع عليه، فمن اجتمعت عليه الأمة من أهل الحل والعقل فهو داخل في مفهوم الجماعة، ومن خالفهم فهو داخل في الوعيد الوارد في الخروج على الجماعة، وهذا المعنى أكثر المعاني غموضاً عند كثير من الناس، وهي التي يكون فيها الخلاف والنزاع بين أهل السنة ومخالفيهم.

    الاجتماع على مصالح الناس

    المعنى الأخير للجماعة: هم الفريق من الناس الذين يجتمعون على مصلحة الناس، سواء كانت دينية وهو الأولى مثل جماعة المسجد، جماعة الحي، جماعة الحسبة، جماعة الجهاد، فهؤلاء جماعة ولهم حقوق شرعية مرعية، فجماعة المسجد لها حقوق فلا تصح الصلاة للرجل إلا في المسجد، والمسجد أيضاً ينبغي أن يكون منطلق شورى لأهل الحي وجماعة المسلمين، وكثير من قضايا الأمة وعقودها الضرورية تعقد في المسجد.

    فالفريق من الناس الذين يجتمعون على عمل ما سواء المصالح الدينية كما ذكرت، أو اجتماعات دنيوية كالجماعة الذين في سفر يتحقق فيهم معنى الجماعة، وقد يكون الشذوذ عنهم إثماً، حتى وإن كانت المصلحة دنيوية، لكن يتفاوت هذا الإثم، فالإثم في الخروج على الجماعة الدنيوية ليس كإثم الخروج عن الجماعة التي يتحقق بها معنى الدين ومصالح الأمة الكبرى.

    إذاً: كل هذه المعاني تدخل في قول الشارح: (فمن السنة لزوم الجماعة، فمن رغب غير الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وكان ضالاً مضلاً)، وقد تكون بعض صور الجماعة لا يقتضي الخروج عنها الخروج من الملة، لكن الصور الكبرى التي ذكرتها وهي الأولى والثانية والثالثة وكذلك الرابعة، فهذه الغالب أنها تكون فيها المعاني الكبرى للجماعة.

    1.   

    تبنى الجماعة على أساس التزام السنة والاتباع

    قال رحمه الله تعالى: [ والأساس الذي تبنى عليه الجماعة هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ورحمهم الله أجمعين، وهم أهل السنة والجماعة، فمن لم يأخذ عنهم فقد ضل وابتدع، وكل بدعة ضلالة، والضلالة وأهلها في النار ].

    هذه أيضاً قاعدة عظيمة، وهي تنبني على الأساس في الجماعة، والأساس في الجماعة ذكره الشيخ هنا ضمناً، فلذلك أرى أن تعلقوا بعد قوله: (والأساس الذي تبنى عليه الجماعة)، أن تضعوا كلمة: التزام السنة والاتباع، أي: (الأساس الذي تبنى عليه الجماعة هو التزام السنة والاتباع).

    إذاً: لا تكون الجماعة مجرد دعوى، بل لا بد من التزام السنة واتباع الأئمة المهتدين.

    1.   

    قيام الحجة بظهور السنة

    قال رحمه الله تعالى: [ وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا عذر لأحد في ضلالة ركبها حسبها هدى، ولا في هدى تركه حسبه ضلالة، فقد بينت الأمور، وثبتت الحجة، وانقطع العذر ].

    أيضاً هذا تقرير أصل عظيم من أصول السنة، وهو أنه بظهور السنة قامت الحجة، هذا ملخص هذه الفقرة.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم أظهر السنة وبقيت بعده ظاهرة إلى قيام الساعة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بخبر الصدق: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ومن عاداهم إلى قيام الساعة) فهذا الظهور تقوم به الحجة.

    إذاً: تقوم الحجة بظهور السنة؛ لأن الحق ظاهر بأهله، وهم القدوات، وما دامت القدوة موجودة، ولن تزال موجودة إلى قيام الساعة، ولن تزول القدوة إلا بآخر لحظة من الدنيا، حينما تأتي الريح التي تقبض المؤمنين مع عيسى بن مريم في آخر الزمان، وما ورد من أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه عند قيام الساعة لا يبقى من يقول: الله الله)، فهذا بعد انفراط أشراط الساعة الكبرى، وقتل الدجال ، وبعد أن يحكم المهدي في المسلمين حكماً راشداً، فبعد ذلك كله لا يبقى في الأرض إلا شرار الخلق يتهارشون تهارش الحمر، وهم الذين لا يبقى فيهم من يقول: الله الله.

    أما قبل ذلك فلا يظن ظان أن تخلو الأرض من أهل السنة، فضلاً عن عموم أهل الحق، فضلاً عن عموم المسلمين، هذا وعد من الله عز وجل، أقول هذا لأني لاحظت من بعض الذين تناولوا هذه المسألة أنهم أخطئوا في الفهم، وظنوا أنه يمكن أن يأتي زمان قبل ظهور علامات الساعة الكبرى ينعدم فيه الحق أو يزول فيه الحق، ولا يبقى في الأرض من يقول: الله الله، وهذا القول خلاف النصوص، فمقتضى النصوص أنه لا بد أن يبقى الحق ظاهراً إلى أن يأذن الله عز وجل.

    قال رحمه الله تعالى: [ وذلك أن السنة والجماعة قد أحكما أمر الدين كله، وتبين للناس، فعلى الناس الاتباع ].

    طبعاً الذي يرتكب ضلالة يظن أنها هدى قد لا يخرج من الملة أو لا يكفر، لكنه لا يعذر مع وجود القدرة؛ لأنه لا يكفي مجرد الظن، والحق يتميز بأهله.

    إذاً: قصده هنا ظاناً أن أكثر الذين بدأت البدع عندهم كانوا يظنون أنهم على هدى، وأن منهم من يتعمد، لكن ليس المقصود المتعمد، المقصود أن من يزل ظاناً أنه على هدى، ليس له في ذلك حجة، إنما يختلف حكمه عن حكم المتعمد فقط.

    1.   

    مصادر الدين

    قال رحمه الله تعالى: [ واعلم رحمك الله أن الدين إنما جاء من قبل الله تبارك وتعالى، لم يوضع على عقول الرجال وآرائهم، وعلمه عند الله وعند رسوله، فلا تتبع شيئاً بهواك، فتمرق من الدين فتخرج من الإسلام، فإنه لا حجة لك، فقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته السنة وأوضحها لأصحابه وهم الجماعة، وهم السواد الأعظم، والسواد الأعظم الحق وأهله، فمن خالف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من أمر الدين فقد كفر ].

    هذه الفقرة كلها في مصادر الدين، وقد ذكر أن الأصل في الدين الوحي، أي: ما جاء عن الله تعالى، وما جاء عن رسوله صلى الله عليه وسلم.

    فقوله: (إنما جاء من قبل الله تبارك وتعالى) يعني بذلك الوحي، والوحي يشمل القرآن وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير.

    ثم ذكر مصادر الضلالة التي عولت عليها الفرق وأهل الأهواء والديانات الباطلة، وهي التعويل على عقول الرجال، وهذا يشمل أغلب مصادر التلقي عند أهل الأهواء؛ لأن التعويل على العقول يشمل الفلسفات ومناهج المتكلمين، ويشمل أيضاً تقديم العقل على النقل، ويشمل تحكيم الأهواء، كما يشمل مصادر التلقي عن الأشخاص، مثلما يسميه الصوفية الكشف والذوق والتلقي عن الولي أو ما يسمونه الإلهام أحياناً، والكرامات.. وغير ذلك، والكرامات في الأصل حق، لكنهم يسمون دجل الشياطين كرامات، فكل ذلك راجع إلى عموم التعويل على عقول الرجال.

    ثم ذكر أن ذلك كله جامعه الهوى فقوله: (فلا تتبع شيئاً بهواك فتمرق من الدين فتخرج من الإسلام)، يقصد بذلك أن من استمد الدين من غير الكتاب والسنة فلا شك أنه يمرق من الدين، خاصة من لم يتأول، أما المتأول فقد التبس عليه الحق بالباطل فظن أنه اعتمد على مصادر الدين، في حين أنه جعل عقله أو مقرراته التي يدين بها هي الأصل، ثم راح يلتمس لها الأدلة من النصوص، لكن مع ذلك فإن المتأول لا يخرج من الملة إلا بعد إقامة الحجة بشروطها، وأما من تعمد أخذ الدين عن غير مصادره الأصلية فلا شك أنه ينطبق عليه حكم المؤلف وهو الخروج من الإسلام.

    وذكر أن سبب ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بين الدين كله، ولم يعد لأحد حجة، ولا له أن يدعي أن الدين يحتاج إلى بيان أو تقرير أو إلى استمداد من غير الكتاب والسنة.

    1.   

    أهل السنة والجماعة هم السواد الأعظم

    ثم أشار إلى الجماعة وأنهم السواد الأعظم، وهذه العبارة لها عدة معان، فالسواد الأعظم عبارة وردت في بعض الآثار، وإن كانت لا يصح إطلاقها على عموم المسلمين.

    فالمقصود بالسواد الأعظم هنا من وصفهم المؤلف بقوله: (الحق وأهله)، بصرف النظر عن العدد والكثرة، وإن كان مفهوم السواد الأعظم قد يقصد به الأكثرية، لكن مع ذلك فإن كثيراً من المفاهيم اللغوية تحددها المفاهيم الشرعية، فالمعنى الشرعي عن السلف للسواد الأعظم أنهم الأعظم قدراً، وهم أئمة الدين ومن تبعهم من عامة المسلمين، ذلك أن العامة الذين على الفطرة هم الأكثر عدداً، فربما يطلق على عموم المسلمين على هذا الوجه ما لم يتلبسوا ببدعة ظاهرة، هذا أمر.

    والأمر الآخر: أنه يطلق على الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وتابعيهم في القرون الفاضلة السواد الأعظم، من باب أنهم هم الأكثر عدداً وهم الأقوى، وهم الأكثر اعتباراً، فالأمة في تلك العصور الفاضلة إنما تدين لأهل السنة والجماعة، أئمة الدين، وعامة المسلمين تبع لهم حتى الولاة.

    فمن هنا يكون السواد الأعظم في القرون الثلاثة الفاضلة هم أئمة السنة ومن تبعهم، وهم الأكثر من المسلمين؛ لكن بعد كثرة الفرق عدداً خاصة بعد القرون الفاضلة من القرن الرابع وما بعده، كانت تسود الفرق ويكثر عدد أتباعها، ويكثر سوادهم، فمن هنا لا بد من حصر السواد الأعظم على من كان على مذهب السنة والجماعة، أي: السواد الأعظم في العصور الفاضلة، أي: فلا بد من حصر السواد الأعظم بعد أكثرية الفرق بالحق وأهله وإن قلوا.

    إذاً: السواد الأعظم لا بد من تحديده بمفهوم اصطلاحي شرعي، فلا يخضع للمفهوم اللغوي وهو اعتبار الأكثرية؛ لأن الأكثرية لا اعتبار بها، إنما الاعتبار للحق وأتباعه.

    1.   

    من أسباب البدع ترك السنة

    قال رحمه الله تعالى: [ واعلم أن الناس لم يبتدعوا بدعة قط حتى تركوا من السنة مثلها، فاحذر المحدثات من الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، والضلالة وأهلها في النار ].

    وعلى هذا فإن من أسباب البدعة ترك السنة، يعني: أن الذين وقعوا في البدعة قديماً وحديثاً نجد أن من أعظم أسباب وقوعهم في البدعة جهلهم بالسنة، وتركها عمداً أو جهلها بغير عمد، فالخوارج مثلاً هم أول من أظهر البدع ودعا إليها وقننها، وإذا تأملنا حالهم وجدنا أن وقوعهم في البدعة سببه الرئيس والأول هو جهلهم بالسنة؛ لأنهم لم يكن عندهم علم وليس عندهم قدرة على التفقه في الدين، لأن مداركهم فيها بساطة وفيها ضعف، ثم إنهم لم يتلقوا الدين، ومن تلقى منهم شيئاً قليلاً لم يتلقه على منهج سليم، فهم لم يأخذوا الدين عن الصحابة -أعني: الخوارج الأوائل- ولم يأخذوه من مصادره الأصلية بأسلوب منهجي علمي صحيح، بل أخذوا العلم على غير قواعده.

    ثم إن بضاعتهم من العلم والنصوص قليلة جداً، فأدى بهم هذا إلى الجهل من حيث يشعرون أو لا يشعرون، فلما جهلوا ابتدعوا.

    وهكذا من جاء بعدهم، كالسبئية الشيعة ومن تفرع عنهم، ثم القدرية، ثم الجهمية والمعتزلة.. إلى آخره، ولذلك نجد أن أهل السنة وصفوا رءوس البدع بأنهم جهلة، قالوا بأن الجهم جاهل، وقالوا بأن معبد الجهني عنده شيء من الاستعجال وعدم التثبت في العلم، وقالوا عن غيلان بأنه يجهل.. وهكذا.

    فإن رءوس البدع كان من أعظم أسباب وقوعهم في البدعة أنهم يجهلون السنة، مع ما هم فيه من جرأة وما هم فيه من استعلاء وغرور، فيكون عند الواحد منهم شيء من التهور فيقع في البدعة لجهله بالسنة.

    ثم من لوازم الوقوع في البدعة ما ذكره الشيخ: الوقوع في المحدثات، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، فأدى هذا إلى انتشار الضلالات بين أهل الأهواء، ويظنون أنهم على الحق، وهذا طريق إلى النار، نسأل الله السلامة.

    ثم في الفقرة التالية سيتكلم عن نشأة البدع وأنها تبدأ صغاراً.

    1.   

    نشأت البدع صغاراً ثم صارت كباراً

    قال رحمه الله تعالى: [ واحذر صغار المحدثات من الأمور؛ فإن صغير البدع يعود حتى يصير كبيراً، وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيراً يشبه الحق، فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع الخروج منها، فعظمت وصارت ديناً يدان بها، فخالف الصراط المستقيم، فخرج من الإسلام ].

    هذه أيضاً فائدة عظيمة ينبغي أن يرعاها طلاب العلم ويعوها جيداً، وأن يحذروا من أن تتكرر مثل هذه الغلطات التي وقعت من أهل البدع أو تساهل فيها بعض المنتسبين للعلم، وهو أن صغار البدع والمحدثات طريق إلى الأمور الكبار، أولاً: أن صغار المحدثات إذا تساهل فيها أهل العلم هي طريق إلى الوقوع في الأمور الكبار.

    الأمر الثاني: أن كل الفرق التي ظهرت في التاريخ تبدأ بدعها بأمور صغار، أو ببدع محدودة، ثم كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم: (تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه) يعني: تمضي بهم الأهواء كما يمضي المرض الخطير بصاحبه يأخذه رويداً رويداً حتى يهلكه، وقد يبدأ دون أن يشعر به صاحبه أو يشعر به الناس، ثم إذا ظهرت مظاهر المرض ولم تعالج بسرعة، فإنها تفتك بالإنسان حتى يهلك.

    ومصداق ذلك واقع في كل الفرق التي أصبحت الآن فرقاً كباراً، فرقت الأمة وأنهكتها ولا تزال تفرق وتتشعب على الأمة إلى يومنا هذا، فالفرق الكبرى أولها الخوارج، ومشكلتهم الأولى في مرتكب الكبيرة، حينما زعموا أن علي بن أبي طالب ومعاوية رضي الله عنهما حكما الرجال، وقالوا: تحكيم الرجال كبيرة أو كفر، وهذا الكفر عندهم مخرج من الملة، فجعلوا الكبيرة كفراً، ثم حكموا على صاحب الكبيرة بأحكام الكافر.

    فالخوارج لم يكونوا يتكلمون عن غير هذه المسألة لمدة عقود من السنين، وما بدأت بهم الأهواء الأخرى إلا بعد منتصف القرن الأول الهجري، فقد ظهروا سنة (36هـ أو 37هـ) فظلوا إلى ما بعد سنة (60هـ) وهم لا يعرف عنهم أنهم تكلموا إلا في مسائل محدودات تتعلق بمرتكب الكبيرة، ثم بعد ذلك أصبحوا معطلة؛ لأن قولهم بالحكم على مرتكب الكبيرة بالكفر أدى بهم إلى القول بخلوده في النار، وأدى بهم إلى أن يعتقدوا في المسلمين أنهم من المشركين والكفار، ثم أدى بهم هذا إلى إنكار الشفاعة، ثم أدى بهم هذا إلى إنكار الرؤية، ثم أدى بهم هذا إلى إنكار الصفات، ثم أصبحوا الآن جهمية ومعتزلة.

    ثم بعد ذلك يأتي القدرية، فالقدرية جاءت بكلمة واحدة، وهي قولهم: لا قدر والأمر أنف، يعني: لم يقدر الله أفعال العباد، وهي مستأنفة، ليس لها سابق تقدير، ثم تجارت بهم الأهواء حتى صارت القدرية مذاهب، وحتى اندمجت القدرية مع المعطلة المعتزلة اندماجاً كاملاً، ففي القرن الثاني لا تعرف القدرية إلا أنها معتزلة.

    وبدأت الجهمية بإنكار الاستواء ثم تكلموا بعد ذلك في مسألة كلام الله عز وجل، ثم جاء الجعد وتكلم في ثلاث مسائل: الاستواء والخلة والتكليم فقط، وجاء بعده الجهم فأعلن إنكار الأسماء، ثم بعد ذلك لم يقف الجهمية على مسألة الأسماء فقالوا بالجبر، وقالوا بالإرجاء الغالي.. إلى آخره.

    وهكذا بقية الفرق، فالأشاعرة على سبيل المثال وهم من المعاصرين، كانت مشكلتهم الأولى في مسألة كلام الله عز وجل؛ وذلك أنهم جعلوا الكلام من لوازم ذات الله عز وجل، وقالوا: بأن الكلام قديم النوع، وليس حادث الآحاد، وقالوا بأن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، ولم يزيدوا عن هذا الأمر في عهد الأشعري ، ثم تجارت بهم الأهواء حتى أصبحوا في عهد الشهرستاني والجويني والبغدادي والرازي جهمية، والآن أكثر مذاهب الجهمية موجودة في متكلمة الأشاعرة والماتريدية.

    فهكذا تنسحب القاعدة حتى في العصور المتأخرة، فكثير من الفرق أو الجماعات أو الأحزاب أو أصحاب الشعارات التي ظهرت الآن صارت أقرب إلى الافتراق، وكانت بداياتهم عن حسن نية، وفي مسائل معدودة خالفوا فيها أهل العلم، ثم تجارت بهم الأهواء، حتى قرروا مناهج ووضعوا لأنفسهم أصولاً وشعارات، وصاروا يوالون عليها ويعادون.. وهكذا.

    فينبغي لطلاب العلم أن يعوا جيداً هذه المسألة، وألا يستهينوا بصغار المسائل والمخالفات لأهل العلم، أما أن يكون في الناس خلاف، أو يوجد خلافات في الأمور الخلافية السائغة فهذا لا حرج فيه، وإنما المشكلة الإصرار على أمر يكون فيه خروج عن المنهج حتى في المسائل الصغار، فمن خرج عن مناهج أهل العلم في وقته، فيخشى أن يكون ممن بذر بذرة الافتراق وهو لا يشعر، وما أظن -والله أعلم- أن أكثر الذين أسسوا الفرق يظنونها تصل إلى هذا المستوى من الافتراق عن السنة، لكن المسألة خرجت عن حد ما أرادوا.

    1.   

    التثبت في الدين

    قال رحمه الله تعالى: [ فانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة، فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر، هل تكلم به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد من العلماء، فإن وجدت فيه أثراً عنهم فتمسك به ولا تجاوزه لشيء، ولا تغتر عليه شيئاً فتسقط في النار ].

    هذه الفقرة متعلقة بالتثبت في الدين، وهذه المسألة أحوج ما يكون إليها طلاب العلم في هذا العصر، فمن الظواهر الملفتة في أيامنا هذه بالذات قلة تثبت كثير من طلاب العلم في الأمور، سواء فيما يتعلق بقضايا الدين، أو قضايا العلم، أو الأخبار والشائعات، أو النقل عن الآخرين، أو الحكم على الأشخاص، فهناك بعض الخصال أو السمات التي يستغربها الذين عاشوا زمناً مع أهل العلم وسبروا أحوال العلماء وعايشوهم.

    نلاحظ في الآونة الأخيرة ظواهر تحتاج إلى وقفة، وهي تسرع كثير من طلاب العلم في الأحكام والمواقف تجاه الأحداث والأشخاص، وهذا يحتاج إلى شيء من التأمل والمراجعة، فلعل مرد ذلك والله أعلم أن أغلب طلاب العلم في العصر الحاضر لم يعودوا يلتزمون مناهج العلماء في التلقي، وأغلبهم أخذ العلم عن غير الأصول الصحيحة السليمة، أعني أن أغلب مصادر العلم الآن القراءة الفردية، أو من خلال وسائل الإعلام، أو من خلال الأشرطة، أو المجالسة غير المركزة، مجالسة القيل والقال والهذر.. وهذه كلها لا تعطي طالب العلم الشخصية المنضبطة المتزنة، والغالب أن يكون عنده شيء من الاستقلالية التي تجعله لا يستفيد من مناهج العلماء العملية التطبيقية في التثبت وعدم التسرع والاستعجال، وإلا فما معنى أن تشغل هذه الظاهرة بال كثير من المصلحين والعلماء الراسخين وأئمة الدين؟

    لقد أصبحت من الأمور التي جعلت كثيراً من العلماء يتحفظ ويتردد في نشر العلم خاصة في القضايا الخطيرة الحساسة، فمن هنا كان التثبت في الدين أمراً ضرورياً، ولذلك قال المؤلف رحمه الله في هذه الفقرة: (فانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة فلا تعجلن، ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر).

    وقد ذكرنا أن هذا يتعلق بالتثبت في أمر الدين، ويتبعه التثبت في الأحكام على الأشياء والأحكام على الأشخاص، حتى في الأمور الصغيرة.

    بالأمس اتصل بي أحد الشباب في الصباح الباكر يتثبت من خبر لو ثبت فهو مزعج جداً، لكن وقع في قلبي طمأنينة من أنها نفخة شيطان؛ فدفعت خبره.. ثم تعوذت من الشيطان الرجيم، فوجدت أن الأمر لا يعدو أن يكون نفخة من الشيطان.

    هذا الرجل فيه غيرة، وأنا أشكره على تثبته وأعتبره نموذجاً لطالب العلم المتثبت الذي ينبغي أن نقتدي به، لكن كيف وصله هذا النبأ المزعج، وكيف أزعجه وجعله يتصل مبكراً ليتأكد؟ فهذا أنموذج لما يدور من كثرة الشائعات وتقبل بعض طلاب العلم لها أو استعدادهم لها، فلا ينبغي لطالب العلم أن يكون مستعجلاً في أحكامه فضلاً عن علمه وفتواه ونحو ذلك.

    1.   

    الخروج من السنة إلى البدعة بإحدى طريقين

    قال رحمه الله تعالى: [ واعلم أن الخروج من الطريق على وجهين:

    أما أحدهما: فرجل قد زل عن الطريق وهو لا يريد إلا الخير، فلا يقتدى بزلته فإنه هالك.

    وآخر عاند الحق وخالف من كان قبله من المتقين، فهو ضال مضل شيطان مريد في هذه الأمة، حقيق على من يعرفه أن يحذر الناس منه ويبين للناس قصته؛ لئلا يقع في بدعته أحد فيهلك ].

    زلة العالم

    هذه الفقرة تتعلق بزلة العالم، فالخروج عن طريق الحق والسنة في الاستقراء لا يعدو أن يكون على أحد هذين الطريقين:

    إما أن يكون الخروج عن السنة والجماعة والوقوع في البدعة بسبب اجتهاد عالم زل أو طالب علم زل يظن أنه على حق، أراد الخير لكن لم يصبه، فهذا يعبر عنه بزلة العالم، فلا يتابع في زلته، وإن كانت قد لا تقدح في دينه وذمته، ولا تنقص من قدره وعلمه، وكم وقع كبار من الأئمة قديماً وحديثاً في زلات، لكن الله عز وجل قيض للحق من ينصره ويبينه وينفي عن الدين هذه الزلة، فيتضح أنها كبوة من عالم، وهذه الكبوة لا يتابع عليها، وهذا كثير سبق ضرب الأمثلة عليه، مثلما حدث من بعض الذين قالوا بالقدر، وبعض الذين قالوا بالإرجاء كـأبي حنيفة وشيخه حماد وغيره، فهؤلاء أئمة كبار يعترف لهم بالفضل والسبق والدين والعلم، لكنهم في هذه المسألة زلوا عن طريق الحق فوقعوا في البدعة، فصاروا فتنة للآخرين، فما افتتنت المرجئة بالإرجاء إلا لأنه قال به أبو حنيفة وشيخه وبعض تلاميذه، ففتن عدد كبير من الفقهاء، بل مذهب من المذاهب الفقهية الأربعة التي تنسب إلى السنة، وقع سائر أهلها في الإرجاء؛ وهم الأحناف؛ لأنهم فتنوا بزلة العالم، وظنوا أنه لما كان إماماً من أئمة السنة فإنه معصوم، وهذا غلط، والصواب أن يوزن كلامه بميزان الكتاب والسنة.

    معاندة المبتدع للحق

    أما النوع الثاني: فيكون في الغالب من تبييت مبتدع غره الشيطان، وهو الواقع من أكثر رءوس البدع الذين شجعوها بعدما قامت عليه الحجة، فبعدما تقوم الحجة لا يصر على الوقوع في الافتراق والبدعة إلا معاند للحق، خالف من قبله من المتقين الصالحين، فهو ضال مضل شيطان مريد، حتى وإن التبس بالصالحين، بل سبق أن ذكر أهل العلم أن أغلب أهل الأهواء يكون ظاهرهم الصلاح والاستقامة، ولذلك اغترت بهم الغوغاء، ومن هنا لا ينبغي أن يكون الصلاح الظاهر هو الدليل على الحق، بل الدليل على الحق اتباع الكتاب والسنة. والله أعلم.