إسلام ويب

الفقه العقدي للنوازل [2]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لفقه النوازل العقدي جملة من القواعد العظيمة لا بد من اعتبارها في دراسة تلك النوازل, ومن جملتها: أن منهج أهل السنة هو المنهج الصحيح في دراسة العقيدة, وأن العقيدة الإسلامية ثابتة مستمرة إلى قيام الساعة, وأن الإسلام شامل لكافة الأحوال والأزمنة والأمكنة, وأن مصدر الحكم على النوازل هو الوحي, وأن كل حكم يعود على أصل عقدي بالنقض باطل, وضرورة اكتمال ضوابط النظر في النوازل عند البحث فيها, وغير ذلك من القواعد المهمة.

    1.   

    قواعد الفقه العقدي للنوازل

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    نستكمل الحديث عن موضوع (الفقه العقدي للنوازل)، فيما مضى تحدثنا عن تعريف النوازل في اللغة والاصطلاح والمصطلحات المرادفة للنوازل، وتحدثنا عن نشأة هذا العلم وتطوره، وعن مظان وجود هذا العلم في كتب الأقدمين، وذكرنا نماذج لكتب النوازل قديماً.

    ونستكمل الحديث عن موضوع الفقه العقدي للنوازل من خلال الحديث عن قواعد مهمة لطالب العلم في هذا الموضوع.

    قواعد الفقه العقدي للنوازل:

    منهج أهل السنة هو المنهج الصحيح في دراسة العقيدة

    القاعدة الأولى: هي أن المنهج الصحيح في دراسة العقيدة هو منهج أهل السنة والجماعة، وبطلان كافة المناهج سواه:

    وهذه القاعدة هي بمثابة المدخل للتعامل مع قضية النوازل، فالمنهج الصحيح في التعامل مع النوازل هو: اعتماد منهج أهل السنة والجماعة من حيث مصدر التلقي ومن حيث منهج الاستدلال والاستنباط والتعامل مع الأحكام والمسائل، فهناك منهج فريد وهو الحق مع النوازل، وما سواه فهو الباطل، وهو منهج أهل السنة والجماعة؛ لأن النوازل يتعرض للحديث عنها كافة أصحاب الفرق الضالة والمناهج المختلفة، ولهذا لابد من اعتماد منهج أهل السنة في التعامل مع النوازل الحادثة.

    وأضرب لذلك أمثلة؛ حتى يتبين الفرق بين منهج أهل السنة ومنهج من سواهم فيما يتعلق بالنوازل العقدية الحادثة:

    المثال الذي ضُرب سابقاً، وهو الباقعة والكارثة الكبرى التي حلت بالمسلمين بعد سقوط الدولة العثمانية: وهي القوانين الوضعية التي أصبحت مصدر الحكم والقضاء في أكثر البلاد الإسلامية، هذه القوانين الوضعية تعاملت مع الحكم عليها كنازلة جديدة كافة المذاهب المختلفة.

    وسبق أن أشرنا إلى أن هذا الموضوع له جوانب متعددة:

    أولاً: الحكم على القانون الوضعي، ثم الحكم على الدول التي تطبقه، ثم الحكم على الشعوب التي تعيش في هذه الدول، ثم الحكم على الدار، ثم الحكم أيضاً على قضية الذهاب إلى هذه المحاكم المنصوبة في كل مكان لتحكيم القوانين التي تسمى بالقوانين المدنية، فهذه مسائل متعددة وكثيرة تتعامل معها كافة الفرق المختلفة، ونضرب لذلك أمثلة:

    فالخوارج مثلاً تعاملوا مع قضية القوانين الوضعية بالقول بأن تطبيقها كفر، وقالوا: بأن الدولة التي تطبق هذه القوانين كافرة، وقالوا: بأن كل من يعيش في سلك هذه الدولة الكافرة فهو كافر، ثم قالوا: إن الشعوب التي تسكت عن القوانين الوضعية كافرة أيضاً، وبناءً على ذلك الذهاب إلى المحاكم من الكفر المخرج من الملة، وبناءً على ذلك فكل من لم يكفر هذه الدولة وهذه الشعوب التي سكتت عن هذا الكفر فهو كافر، وتوصلوا في نهاية الأمر إلى أن جماعتهم هي جماعة المسلمين، وهي الجماعة الوحيدة المسلمة، وأما ما عداها فهي جماعات كافرة.

    وترتب على هذا أن الأشخاص المجهولين الذين لا يعرف وضعهم الأصل فيهم الكفر حتى يتبين أنهم مسلمون، وطبعاً ليس كل الأمة يمكن أن تستنطق في الحكم والموقف من موضوع القوانين الوضعية أو موضوع الحاكم أو موضوع الشعوب أو موضوع التحاكم وغير ذلك من المسائل التي سبق أن أشرنا إليها، فقالوا: إن هؤلاء المجهولين الأصل فيهم الكفر حتى يتبين أنهم مسلمون بإعلانهم أن هذه القوانين كفر، وأن الحاكم الذي يحكمها كافر وأن الشعوب الساكتة كافرة، وأن الذهاب إلى هذه المحاكم كفر، وغير ذلك من الأمور التي تبعت هذا الأمر.

    واستلزم هذا أنهم لا يصلون خلف الأئمة الذين يصلون في المساجد، حتى يتبينوا أن هذا الإمام يكفر الحاكم المعين الذي كفروه؛ بناءً على تطبيقه للقوانين الوضعية.

    وترتب على هذا أنهم لا يشترون من الجزار الذي لم يتبين حاله في كونه يكفر الحاكم ويكفر الشعوب التي تتحاكم أو التي سكتت عن هذه القوانين.

    وترتب على هذا أنهم يكفرون الطلاب في الجامعات وغيرهم ممن دخل في سلك هذه الدولة وتعامل معها!

    وهذا منهج منهج ضال منحرف، وهو منهج قديم لكنه تعامل مع حادثة ونازلة شديدة، وهذه النازلة والحادثة عمت كثيراً من البلاد الإسلامية وابتليت بها، وهذا هو تصورها عن التعامل والحكم مع هذه النازلة وما يترتب عليها من لوازم.

    وقد تحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الفرقة وقد ثبت فيها عشرة أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم:

    منها: وصفه إياهم بأنهم كلاب أهل النار.

    ومنها: قوله عليه الصلاة والسلام: (يأتي قوم سفهاء الأحلام، تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وصيامكم إلى صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية).

    ونحو ذلك من الأحاديث الواردة: وهي في صحيح البخاري ومسلم وفي غيرها من كتب السنن. وهناك أحاديث أخرى في ذم الخوارج ونقدهم والأمر بقتالهم، وهذه قضية مهمة، فإن الأمر بقتالهم ورد في أحاديث صريحة، وهي من أصرح الأحاديث، بل هي أصرح الأحاديث الواردة في الفرق، يعني: لا يوجد أحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم عن الفرق أوضح وأصرح وأصح من الأحاديث الواردة في الخوارج، ولهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فاقتلوهم قتل عاد).

    وجاء أيضاً في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنهم يخرجون على حين فرقة) ، وهذا الذي حصل في زمن الفتنة التي وقعت بين الصحابة، قال: (يخرجون على حين فرقة من الناس) ، وذكر أن من قاتلهم من خير من وطئت قدمه أديم الأرض، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    فهذا المنهج منهج منحرف، وهو منهج يولد حالة مأساوية عند صاحبها، فيجد أنه في مفترق الطرق: إما أن يعيش وحيداً حتى مع أولاده ومع زوجته ومع بناته ومع جيرانه، وإما أن يضطر للتنازل، ولهذا قد يتعجب البعض لو يعلم أن الخوارج لديهم تقية مثل تقية الشيعة، فالشيعة يستخدمون التقية، ولو سألت واحداً منهم: هل تسب الصحابة؟ فسيقول لك: لا، ولو تسأله عن تحريفهم القرآن بدعوى النقص - مثلاً - فسينفي هذا، ولو قلت له: إنكم تكفرون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بل تكفرون الأمة، فسينفي هذا، والشيعة ليسوا بأقل تكفيراً من الخوارج، والعجيب أن بعض الشيعة في هذه الأيام كلامه يملأ الصحف بأنهم أهل السماحة وأهل التسامح والتعددية وغير ذلك من الكلام الإعلامي الفارغ، ويتهمون أهل السنة ويسمونهم وهابية، ويقولون: إنهم يكفرون الناس، ويسمونهم تكفيريين، مع أن أهل التكفير الحقيقيين هم هذه الفرق الضالة التي تكفر كل من عاداها، مثل: الشيعة والخوارج وغيرهم.

    الشاهد: أن الخوارج لديهم تقية، واضطروا لهذه التقية اضطراراً؛ لأنه يصعب أن يتعاملوا مع المجتمع بالحدية التي في مذهبهم. هذا نموذج.

    نموذج آخر من النماذج الموجودة في التعامل مع مثل هذه النازلة: منهج المرجئة، والمرجئة فرقة حصرت الإيمان في التصديق القلبي، وقالوا: إن العمل خارج مسمى الإيمان، ورتبوا على ذلك أن الكفر لا يكون إلا بالتكذيب فقط، وأما ما عداه فلا يكون كفراً، ولهذا تعاملوا مع كثير من نواقض الإيمان على أنها ليست نواقض له، وإنما هي أخطاء.

    وبناءً على هذا يرون أن القوانين الوضعية التي تُحكم في بلاد المسلمين والتي يكون فيها تبديل للدين وتغيير للشريعة وإلغاء لها بل واستحلال لمحارمها؛ لأن صيغة القوانين الآن: يجوز فعل كذا، ولا يجوز فعل كذا، فهذا استحلال صريح، ومع هذا يرى البعض من هؤلاء المرجئة ممن وافق الجهمية أن هذه ليست كفراً.

    وبناءً على هذا رتبوا أن القوانين الوضعية التي تطبق في حياة المسلمين إنما هي أخطاء فقط، وترتب على هذا أنه ليس هناك ناقض من النواقض مرتكب.

    وبناءً على هذا فالوضع كله وضع إسلامي؛ حتى إنهم تعاملوا مع الفرق ومع المذاهب الفكرية المعاصرة الوافدة من الغرب بأنها لا تعدوا أن تكون أخطاء إذا كان هناك تصديق قلبي موجود عند صاحبها!

    فعلى هذا العلمانية عندهم ليست كفراً إلا إذا أعلن صاحبها الاستحلال ووضحه، بل إن بعضهم يرى أنه ما دام أنه يقول: لا إله إلا الله، فلوا أعلن شيئاً فقد يكون كافراً في الدنيا لكنه مسلم عند الله سبحانه وتعالى!

    ولهم غير ذلك من الآراء المنحرفة فيما يتعلق بهذا الأمر، فالمرجئة - إذاً - يقررون أن هذه الأمور لا تعدوا أن تكون تجاوزات طفيفة وخفيفة، وهذا منهج ثانٍ، وهو منهج منحرف يميع الدين ويضعف حقائقه، ويحصر هذا الدين العظيم الذي جاء بالصبر والجهاد، وكما في حديث الرجل الذي جاء يبايع النبي صلى الله عليه وسلم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن تكون البيعة على: أن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، والجهاد في سبيل الله، فاعتذر عن أمرين: عن الزكاة وقال: لأن عندي قليلاً من الذود هي رسل أهلي، واعتذر عن الجهاد وقال: لأنني إذا دخلت في معركة فإنني أخاف أن أفر، وهناك عقوبة لمن يفر في الجهاد، فكف النبي صلى الله عليه وسلم يده عن بيعته وقال: (لا صدقة ولا جهاد! فبمَ تدخل الجنة؟)، والسيرة العملية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أن العمل مرتبط بأساس هذا الدين وأصله، فمنذ أن بدأ النبي صلى الله عليه وسلم الدعوة وآمن الصحابة معه وهم في جهد وجهاد، ولم يحصل أن تراجع أحد منهم عن دينه واكتفى بالتصديق القلبي المجرد، حتى إن الكفار كانوا يعرفون أنه ليس المطلوب التصديق القلبي المجرد، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءه الحبران اليهوديان وأعلنا التصديق وقالا: نشهد أنك رسول الله، قال: ما يمنعكما أن تتبعاني؟ ففهم عليه الصلاة والسلام من شهادتهما أنها شهادة لفظية وتصديق قلبي مجرد ليس فيه التزام، فقال: ما يمنعكما من اتباعي؟ فطلب منهم الاتباع، فقالا: تقتلنا يهود، فهذا يدل على أنهما ليسا بمسلمين.

    وهكذا هرقل عندما جمع الروم في دسكرة واحدة، وقال للقرشيين الذين كان يسألهم عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لرسول الله، ولو أنني خلصت إليه لتجشمت، أو قال: لو أنني تجشمت إليه وخلصت إليه لغسلت عن قدميه وشربت مرقتها، ومع هذا مات عدو الله على الكفر؛ لأنها شهادة قلبية وشعور قلبي بأنه رسول الله، لكن بدون التزام عملي وحقيقي بهذا الدين.

    فمنهج المرجئة باطل، ومنهج أهل السنة والجماعة هو المنهج الحق، وما عداه باطل، قال الله عز وجل: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [يونس:32]، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين -وفي لفظ: منصورة- لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)، وهذه الطائفة هم أهل السنة والجماعة وأهل الاتباع.

    هذا ما يتعلق بالالتزام بالمنهج الصحيح والعقيدة الصافية، وهو منهج أهل السنة، يعني: التعامل مع النوازل بهذه المنهجية التي يلتزمونها، وسيأتي شيء من الحديث عنها.

    ثبات العقيدة واستمرارها إلى قيام الساعة

    القاعدة الثانية: اعتقاد ثبات العقيدة واستمرارها إلى قيام الساعة:

    فالعقيدة ثابتة من حيث مصدرها القرآن والسنة وما دلت عليه كالإجماع والقياس ونحو ذلك من الأدلة الأخرى مثل سد الذرائع والاستصحاب، وغيرها من الأدلة الأصولية المعروفة.

    وأيضاً المنهجية في الاستدلال مثل: الالتزام بمقاصد الشريعة والالتزام بجمع الأدلة كلها في مكان واحد وفي وقت واحد، والتعامل معها على مقتضى لغة العرب، كما سيأتي الإشارة إلى ذلك.

    فالعقيدة الصحيحة ثابتة، كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وكالغيبيات والإيمان بسائر أنواع الإيمان واعتقاد الإنسان في أسماء الله وصفاته، وفي المعاد، وفي الأسماء والأحكام ونحو ذلك من المسائل العقدية، واعتقاد أن الكافر كافر، ومعرفة أحكام الكفر في الدنيا وفي الآخرة، وهذه هي المسماة عند أهل السنة بالأسماء والأحكام.

    فهذه القاعدة مهمة جداً، وهي أن العقيدة ثابتة، وأنها تتعايش مع المجتمع أياً كان نوعه، سواء كان مجتمعاً في مرحلة البداوة أو كان في مرحلة الحضر، وسواء كان في الريف أو في المدينة، وسواء كان ذلك في مجتمع زراعي أو مجتمع صناعي، أو في مرحلة حداثة أو ما بعد الحداثة، أياً كانت نوعية المجتمعات وتطورها الحضاري فإنه لا يغير ثبات هذه العقيدة والاستمرار عليها، فهي عقائد ثابتة مستمرة إلى قيام الساعة، كما في الحديث الذي سبق أن أشرنا إليه: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).

    هذا الثبات يجعل صاحب العقيدة لديه فقه في التعامل مع هذه النوازل، فالنوازل التي تمر عليه إذا كانت تقدح - مثلاً - في الغيبيات فهي باطلة.

    وبناءً على هذا فإن المذاهب والأفكار الجديدة في البلاد الإسلامية يجب أن نقيسها بمقياس العقيدة الثابتة والمستمرة في ثباتها، فلا نقول: إن هذه العقائد انتهت، وإنها تتطور مع تطور المجتمع فإذا صار المجتمع صناعياً فإن عقائده تختلف عن عقائد المجتمع البدوي، أو القول بأن هذه العقائد كانت مرتبطة بأجيال معينة ذات صبغة معينة وأما الواقع المعاصر فتختلف، وهذه دعاوي العلمانيين في البلاد الإسلامية؛ فإنهم يقولون: إن هذه عقائد صحيحة من حيث المبدأ، وإن هذه المفاهيم مفاهيم صحيحة، لكن هذه المفاهيم وهذه العقائد وهذه النصوص القرآنية ظهرت في مجتمع معين، والعلاقة بين النص وبين المجتمع المعين لابد أن يكون لها أثر على النص.

    فالعقائد المأخوذة كانت صحيحة في ذلك العصر، لكن مع الاختلاف الجوهري في الحياة بين المجتمع الذي نعيش فيه والمجتمع القديم يترتب على هذا أن تكون عقائد المجتمع المدني المعاصر مختلفة تماماً عن العقائد القديمة، سواء فيما يتعلق بالتعاون مع الكفار أو في الحكم والسياسة أو في الاقتصاد وأنواع المعاملات المالية أو في المرأة وما يتعلق بها من الناحية الاجتماعية أو في أنماط الأسرة أو في أي أمر من الأمور التي يمكن أن يحدث حولها النقاش أو تكون نازلة من النوازل التي يعيشها الناس.

    والحقيقة أن الكثير من هؤلاء هم من المنافقين، يعني: ليسوا أصحاب منهج حقيقي يريدون الحق فيه، وإنما هم منافقون فظهرت مدرسة تسمى بمدرسة التاريخية أو تاريخية النص، هذه المدرسة عبارة عن مجموعة من الشيوعيين كانوا يؤمنون بالشيوعية وبالإلحاد الشيوعي، ولما سقطت الشيوعية وانتصرت القيم الليبرالية الغربية اتجهوا إلى المذهب الليبرالي، ولما ظهرت الصحوة الإسلامية وظهر التدين في الناس وأصبح الناس يتجهون إلى الدين دخلوا في الدين، وأصبحوا يكتبون في القضايا الإسلامية، فمثلاً: أحدهم - وهو الدكتور حسن حنفي - له كتاب بعنوان: (دراسات إسلامية) وعند أن تسمع بهذا العنوان تظن أن هذا كاتب إسلامي أو أنه شيخ أو باحث ودكتور من دكاترة العقيدة يكتب في هذا الموضوع، وله كتاب بعنوان: (التراث والتجديد).

    فأصبحوا يكتبون في قضايا العقيدة ويكتبون فيما يتعلق بها من الأمور المعاصرة، فماذا يقول هؤلاء؟ يقولون: إن النص الموجود الآن هو نص تاريخي عاش في فترة معينة يجب أن يؤول بوسائل جديدة لم تكن موجودة في السابق!

    وبناءً على هذا فهم يؤولون نصوص الشرعية تأويلاً باطلاً، وهم يسمونها أنسنة الوحي، يعني: دعوة إلى أن الوحي أمر إنساني، وأنه لم يأت من عند الله سبحانه وتعالى عن طريق ملك من الملائكة، فيقولون: هو أمر إنساني وفيض إنساني، فالإنسان له قوة اجتهاده ورياضاته النفسية، وطبعاً هم يعتمدون على بعض الفلسفات الإلحادية القديمة عند اليونان وغيرها التي تقول: إنه يمكن تلقي الوحي والدين عن طريق الرياضة النفسية، فيقولون: إن هذا الوحي ليس من عند الله عز وجل، وإنما هو أمر ذاتي من الرسول بسبب الرياضة النفسية التي يستخدمها حتى تتوصل إلى هذا الوحي.

    وبناءً على هذا فالقرآن بشري وليس بإلهي.

    وبناءً على هذا أيضاً فدين الإسلام هو عبارة عن أفكار بشرية وليست إلهية، ولهذا هم ينكرون وجود الله أصلاً، ويفسرون الإسلام تفسيراً يتوافق مع إنكار وجود الله عز وجل، فيفسرونه التفسير الماركسي والشيوعي للإسلام، ويقولون: إن الإسلام إسلام شيوعي، يعني: كل مذهب من المذاهب المنحرفة أصبح يفسر الإسلام على مذهبه.

    فـحسن حنفي يقول: هناك إسلام علماني، والعلمانية من صميم الإسلام. وهناك أيضاً دعوة الإسلام الليبرالي، والإسلام الديمقراطي، والإسلام الجمهوري، وكل مذهب من المذاهب المنحرفة ينسب الإسلام إلى نفسه بهذه الطريقة، وحسن حنفي ينكر وجود الله عز وجل، وينكر وجود الوحي بمعناه الحقيقي، وينكر وجود اليوم الآخر بمعناه الحقيقي، وينكر كل الغيبيات بمعناها الحقيقي، ويقول: إن هذا الدين دين إنساني مرتبط بالنبي من جهة بشرية فاضت عنها هذه المعارف وهذه الاعتقادات وهذه المذاهب!

    وظاهر هذه المقالات أنها مقالات عبثية، لكن هذه المقالات عليها طائفة كبيرة من الناس، ولديهم دعم كبير، ولهم مؤسسة الآن تسمى (المؤسسة العربية للتحديث الفكري) ، والكل يعلم أن أمريكا تحرص على صنع نموذج إسلامي يتوافق مع القيم الغربية، ولهذا في تقاريرهم وأبحاثهم يريدون نموذجاً من الإسلام يمكن أن يتقبل العلمانية الغربية، ويمكن أن يتقبل الديمقراطية، ويمكن أن يتقبل كافة هذه المذاهب، فهذا النموذج يؤدي هذا الدور الخبيث.

    ولهذا اعتقاد ثبات العقيدة من أهم أسس الفقه العقدي للنوازل، واعتقاد أنها ثابتة وأن النوازل يجب أن ترد إلى هذه الأسس الثابتة ويرجع إليها؛ لأنها قطعية لا تقبل النقاش، وليست من الأمور التي يسوغ فيها الاجتهاد؛ لأنها قضايا قطعية ليست قابلة للنقاش.

    ويدعو أيضاً إلى الإشارة إلى فكرة من الأفكار التي تملأ الصحف الآن وتملأ مواقع الإنترنت وتملأ الفضائيات، وهي فكرة ما يسمى بـ(الرأي والرأي الآخر) فكثير من الناس يسمع عن هذه الكلمة ولا يعرف مضامينها الفكرية الخطيرة، وهو مفهوم جديد دخل إلى البلاد الإسلامية بعد سقوط الشيوعية وظهور الليبرالية الغربية ومعناه: أن أي أمر من الأمور يختلف فيه الناس فإن هذا رأيك وهذا رأيي والجميع صحيح، وأنه لا يوجد مبرر للإقصاء، ولا يوجد مبرر للتكفير، ولا يوجد مبرر للنبذ، ولا يوجد مبرر لاستعمال العنف والبغضاء مع الرأي الآخر.

    ولابد من معرفة أن كلمة (الرأي) تعني كل شيء وتشمل كل شيء حتى أصول العقائد! فإيمانك بوجود الله - مثلاً - هذا رأيك، ويقابله رأي شيوعي آخر لا يؤمن بوجود الله عز وجل، فهذا رأيك وذاك رأيه، فرأيك أنت أن النبي صلى الله عليه وسلم صادق وأنه جاء بالوحي من عند الله عز وجل، فهذا رأيك يُحترم، لكن نحترم الشخص الآخر الذي لا يؤمن بوجود الله سبحانه وتعالى ولا يؤمن بصحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يؤمن بالوحي، ورأيك أن الإسلام دين عظيم، ويجب التزامه، لكن رأي غيرك يجب التزامه، فيمكن أن يوجد هناك دين آخر مماثل له، وهذا المفهوم يسقطون عليه مصطلح التسامح، وكثيراً ما نسمع كلمة التسامح، والتسامح عندهم ليس فيه الأخلاق والتعامل اللطيف مع الناس، بل التسامح معناه: أن الآخر المختلف معك لا تكفره، حتى لو ارتكب الكفر؟ وقالوا: أصلاً كلمة الكفر تعاند وتناقض احترام الرأي الآخر، وتعاند وتناقض حقوق الإنسان، وتعاند وتناقض حريات الآخرين، ولهذا يدعون إلى نازلة أخرى وهي التعامل مع قضايا الحريات، فالحريات الآن قضية مطروحة في المجتمع على المستوى الاقتصادي وعلى المستوى السياسي وعلى المستوى الشخصي، فكيف يتعامل المسلمون مع الحريات؟ وهل المسلمون أحرار مطلقاً؟ وهذه نازلة أخرى، لكن ننتهي أولاً من الحديث عن موضوع الرأي والرأي الآخر.

    عندما نقول ثبات العقيدة: يقتضي هذا أن هذه العقيدة هي الصحيحة وما عداها باطل، ولهذا وجد الكفر، ووجد الشرك، ووجدت نواقض الإيمان، ومبطلات التوحيد ونحو ذلك، ولهذا هذه الفكرة في حد ذاتها ينطبق عليها نوع من أنواع الكفر.

    وهذه الفكرة معناها: أن الإنسان حر فيما يتخذ من رأي -وأنا أستخدم ألفاظهم حتى نعرف يعنون- فيقولون: يجب أن تبتعد عن الطريقة الوثوقية، يعني: أنك واثق من رأيك ثقة تامة، وطبعاً هذا الكلام يمكن أن يقال في الرأي المجرد رأيي أنا وأنت، فمثلاً: أنا رأيي أن هذا ما هو مسجل مثلاً، ورأي شخص آخر أنه مسجل، وحين يختلفون في الرأي لابد أن يكون هناك رأي أقرب للصواب من حيث الاستعمال العقلي واستخدام القرائن والأدلة الطبيعية، فالآراء الطبيعية يمكن أن يكون هناك احترام لها إذا كان الرأي الآخر مطروحاً بصفة صادقة في البحث، لا أن تكون صفة عابثة، لكن هم بكلمة الرأي يشملون حتى العقائد والأصول العقدية الثابثة، هذا النوع من الفكر ينطبق عليه - كما قلت - نوع من أنواع الكفر وهو كفر الشك.

    وصاحبه شاك غير موقن، ولهذا هم يرفضون اليقين ويعظمون الشك، ويخلطون بين الشك بمعنى: التحقيق المنهجي في القضايا للوصول إلى الحقائق المفيدة وبين الشك بمعنى: عدم اعتقاد أمر محدد ثابت في ذاته، فيخلطون بين هذا وهذا.

    فهناك فرق بين الشك عندما يكون عقيدة وبين القضية عندما تطلع عليها فتمحصها وتدققها، فهذا لا يعتبر من الشك، بل التمحيص والتدقيق مطلوب، لكنهم يطالبون بالشك، ويطالبون برفض القول بأن المذاهب الأخرى مذاهب كافرة.

    وهناك طائفة كبيرة من هؤلاء الأشخاص يرفضون تكفير اليهود والنصارى، وهذا منطلقهم، وهم يشكون في تكفير اليهود والنصارى، وحجتهم في عدم تكفيرهم أن اليهود لهم مذهبهم، فنحن نختلف معهم لأنهم غاصبون وأخذوا أرضنا بالقوة، ولكنهم مثل أي غاصب، فلو غصبها مسلم فإننا نبغضه كما نبغض اليهود الغاصب، لكن كمذهب عقدي لا نبغضه، فهذا رأيهم.

    ويقولون: إن النصارى لا نبغضهم لأنهم نصارى وإنما نبغضهم إذا آذونا واحتلوا بلادنا وظلمونا، لكن إذا كانوا على عقائدهم المجردة فنحن لا نبغض هذه العقائد، ولهم حريتهم في اختيارهم كما أن لنا نحن حريتنا في اختيارنا.

    وهم يعتبرون أن تكفيرهم لا يصح ويقولون: إن التكفير إقصاء، ومعناه: عدم اعتداد بالرأي الآخر، وكما أنك أنت تهتم برأيك فالآخر يهتم برأيه، ومعنى هذا الكلام: أنه لا يعتقد أن هناك أمراً حقاً وما عداه باطل، وهذه الفكرة أساسها هو عدم اعتقاد ثبات العقيدة واستقرارها ويقينيتها وأنها ربانية ويقينية وثابتة لا تقبل التطور ولا تقبل الشك والارتياب.

    شمول الإسلام لكافة الأحوال والأزمان والأمكنة

    القاعدة الثالثة: اعتقاد شمول الإسلام لكافة الأحوال والأزمان والأمكنة:

    وهذه القاعدة مرتبطة بالقاعدة الثانية، وهي أن هذا الدين جاء شاملاً لكل الحياة ولكل الأزمان وفي كل الأماكن، وأنه جاء للإنسان في أحواله الشخصية، وفي أحواله المدنية، وفي حالات النكاح والطلاق، وفي حالات البيع والشراء، والدماء والإرث وغير ذلك من العقائد والأحكام الشرعية الأساسية، واعتقاد ثبوت الإسلام لابد أن يكون عقيدة راسخة عند المسلمين.

    والخلاف بيننا وبين الآخرين كالعلمانيين في هذا الباب هو أن العلمانيين لا يرون أن هذه العقيدة شاملة، وقد يستغرب البعض ويقول: وما دخلنا نحن في العلمانيين؛ نحن نتحدث عن نوازل ونريد أن نحكم عليها شرعاً؟ فنقول: ذهب الزمان الذي لا يتحدث فيه إلا أهل الإسلام؛ فنحن الآن مع الأسف من خلال الفضائيات ومن خلال الصحافة ومن خلال التأليف والكتب والمعارض التي تملأ بلاد المسلمين أصبح العلمانيون يتحدثون في القضايا الشرعية وفي النوازل التي تهم الأمة، ويتكلمون بلغة شرعية وبمناهج منحرفة.

    فينبغي إدراك مثل هذه الأمور، ولهذا دخلوا حتى إلى أصول الفقه، وأصبحوا ينبشون بعض المذاهب المنحرفة القديمة مثل: قول الطوفي : بأن المصلحة تقدم على النص، واستدل عليها بأنه الإسلام جاء بتقرير المصالح ودرء المفاسد، وهذه قضية يقينية، ويدل عليها التواتر الوارد في القرآن وفي السنة، فإذا جاء النص الواحد وجاءت المصلحة فتقدم المصلحة؛ لأن المصلحة تدل عليها الأدلة المتواترة من القرآن ومن السنة، فنحن لم نقدم المصلحة لأنها مصلحة وإنما قدمنا المتواتر على الآحاد، وقدمنا اليقين على الظن، فانظر التلاعب!

    والحقيقة أن المصلحة كلمة فضفاضة، فأحياناً ما تعتقده أنت مصلحة يعتقده غيرك مفسدة، وما تعتقده مفيداً يعتقده غيرك ضاراً، فلابد من حد لهذا الموضوع. هذا الأمر الأول.

    الأمر الثاني: لا يمكن أن تعارض المصلحة النص؛ لأن الذي أمر وجعل أوامره محققة لمصالح العباد هو الذي جاء بالنص وأمر العباد به، ولا يمكن أن يتعارض، وهذه القضية مثل القضية المفترضة عند أهل الكلام في تعارض العقل والنقل، فيقولون - مثلاً - إنه إذا تعارض العقل والنقل فإننا نقدم العقل؛ لأنه هو أساس النقل، ولأننا أصلاً فهمنا النقل من خلال العقل، ولو قدحنا في العقل فإن هذا يستلزم القدح في النقل؛ لأن العقل هو أداة فهم النقل.

    وبناءً على هذا فلو قدحنا في العقل فلا يمكن أن يفهم النقل مطلقاً، وكأنهم يتحدثون عن عقل مستقر وثابت يمكن تشخيصه ويمكن معرفة حقائقه، وهم في الحقيقة يتحدثون عن أمور تصوروا أنها معقولة ورتبوا عليها مذاهب معينة وآراء في العقيدة وسموها العقل، فمثلاً: دليل حدوث الأجسام عندهم هو العقل، ودليل التمانع هو العقل، فهذه أدلة ركبوها واعتقدوا أنها مقتضى العقل، وتركوا قضية العقل الذي هو غريزة فطرية عند الإنسان وأخذوا هذه الأدلة، وأصبحوا يتعاملون مع النصوص الشرعية على وفقها؛ كي يؤولوا ويغيروا بناءً على هذه المعقولات، وليست أموراً عقلية حقيقية.

    والحقيقة: أن قضية معرفة أن الإسلام شامل لكل جوانب الحياة في غاية الأهمية، ولا يمكن أن يصادم هذا الدين مصلحة من المصالح الحقيقية في حياة الإنسان، وسيأتي في النماذج - إن شاء الله - تطبيق ما يدل على هذا المعنى.

    الوحي مصدر الحكم على النوازل

    القاعدة الرابعة: أن المصدر في الحكم على النوازل هو الوحي:

    وهذا من الفقه العقدي للنوازل، فالمصدر في الحكم على النوازل هو الوحي بطرق الاستنباط الشرعية، والوحي هو القرآن وما دل عليه، فالقرآن دل على السنة، كما قال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، ودل على الإجماع، كما قال تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:115] إلى آخر الآية، ودل أيضاً على القياس، وأيضاً دل على استصحاب البراءة الأصلية، ودل على بعض وسائل الاستدلال مثل: قضايا المصالح العامة والقواعد الكلية للدين مثل: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ العرض أو النسل، ونحو ذلك، كل هذه دل عليها القرآن.

    فالمصدر الأساسي هو الوحي الرباني الذي أمرنا الله عز وجل باتباعه، والوحي لم يأت بما يناقض العقول، وإنما جاء بما يتلاءم مع العقول السليمة، وبما يتوافق معها، ولهذا بين الشرع أن الالتزام الحقيقي بالإسلام يورث السعادة والراحة والطمأنينة للإنسان، وقد دلت الآثار في المجتمعات وفي الآفاق أن الالتزام بالوحي يورث الحياة المريحة والمطمئنة، وأن ما عداه من المناهج سبب في شقاء الإنسان وتأذيه.

    فالمصدر في أي نازلة تنزل على الأمة هو الوحي الرباني بطرق الاستدلال الشرعي، وطرق الاستدلال الشرعي هي المعروفة في أصول الفقه، فأصول الفقه - من حيث المبدأ - أصول مجمع عليها ومتفق عليها، مثل الاستدلال بالقرآن والاستدلال بالسنة، والقاعدة التي تنص على أن ما يكون ظاهره التعارض بالجمع بينهما، فإن لم يمكن الجمع بينهما فيكون بالترجيح بقاعدة معروفة في الترجيح، وهي تقديم القرآن على السنة وتقديم السنة المتواترة على الآحاد، وتقديم ما في الصحيحين على ما كان في أحدهما، أو تقديم ما في البخاري على مسلم .

    وهكذا بالطريقة التي تدل على قوة هذا الدليل، سواء من حيث الثبوت أو من حيث الدلالة، فالنص الخاص أقوى من النص العام، والنص العام الذي لم يُستثنَ منه أقوى من النص المحفوظ الذي استثني منه، والنص المقيد أقوى من النص المطلق، وهكذا القول أقوى من الفعل، فما ورد من قول النبي صلى الله عليه وسلم من حيث الترجيح أقوى مما ورد من فعله، وهذا علم معروف ومشهور، وهو علم أصول الفقه وأصول الاستنباط من الأدلة، واعتبار لغة العرب مهم جداً في فهم الأحكام وفي فهم الأدلة.

    إذاً: فهذا هو المصدر وما عداه من المصادر فإنه غير معتبر، فمثلاً: الاعتماد على العقل المجرد غير معتبر، والاعتماد على الإمام المعصوم - كما هو عند الشيعة - هذا غير معتبر، وأي مصدر غير الوحي والتعامل مع الوحي بغير منهج الاستنباط الشرعي أيضاً غير معتبر.

    فمثلاً: لو أن إنساناً تعامل مع الوحي بالتأويل - والتأويل هو صرف النصوص عن ظواهرها لأي شبهة أو لأي عارض من العوارض - فهذا أيضاً غير معتبر، والاستدلال بحديث واحد أو بنص واحد وإلغاء ما سواه هذا مرفوض، مثل ما يفعل الخوارج؛ فإنهم يستدلون على التكفير بنص واحد؛ يأخذون منه معنى التكفير ثم يلغون بقية النصوص.

    أيضاً التعامل مع النص الشرعي بأدوات غير الأدوات الشرعية، مثل استخدام المنطق الصوري في التعامل مع النص الشرعي، أو استخدام علم مشهور عند الغربيين، وهذا العلم هو من علوم اللغة ومن علوم التأويل، وبعض المناهج العصرية المنحرفة في التعامل مع القرآن والسنة تطالب بالاستفادة من هذه المناهج وأخذها كأدوات في فهم النص الشرعي، فيسمونه (الهرمونيطيقيا)، وهو علم التأويل، فيقولون: فلان هرمي، يعني: يعتمد على منهج الهرمونيطيقيا؛ بحيث إنه يتعامل مع النص بالتأويل.

    وعندهم المنهج المادي، والغرب - في الأصل- كله قائم على المنهج المادي، وأن العالم فيه كل ما يحقق سعادة الإنسان بدون ارتباط بأي جهة خارجية غيبية.

    وبناءً على هذا يرون أن العالم وحده مترابط ترابطاً تاماً يكفي الإنسان في تحقيق سعادته ومنفعته؛ لأنهم يعظمون مذهب المنفعة تعظيماً كبيراً، وهو تحقيق أكبر قدر ممكن من سعادة الإنسان ولذته.

    ومن فقرات منهجهم في التعامل مثلاً: اعتقاد موت المؤلف، وهذا معناه: أن أي نص يخرج من قائله فإنه لابد أن نفصل بين القول والقائل فصلاً تاماً ونعتقد أن القائل انتهى؛ ولهذا يعبرون بكلمة موت لكي تدل على الانتهاء، والمؤلف يعني: القائل، فموت المؤلف يعني: انتهاء القائل، وأصبح النص من حق كل قارئ أن يقرأه ويفهمه ويفسره بالطريقة التي يراها صحيحة ومناسبة.

    ولهذا يرون أن النص الواحد أحياناً يمكن أن تتعدد قراءته، فالعلمانيون الآن يقولون: قراءتكم للنص قراءة متشددة، فيمكن أن نقرأ النص قراءة غير متشددة، وقراءة النص معناه: تفسير النص، وهم في الحقيقة يريدون أن يستخدموا أهواءهم في القرآن والسنة بحيث إنهم ما داموا يعايشون مجتمعاً إسلامياً يزعمون أنهم يعتمدون على الوحي.

    إذاً المصدر في الحكم على النوازل يكون بالوحي وبطرق الاستنباط الشرعي من خلال أصول الفقه، وهو علم كبير معروف.

    بطلان الحكم العائد على أصل عقدي بالنقض

    القاعدة الخامسة: بطلان الحكم الذي يعود على أصل عقدي بالنقض:

    لأن أصول العقيدة لا يسوغ فيها الاجتهاد، فأي حكم من الأحكام المتعلقة بالنوازل يعود على أصل عقدي بالنقض فهذا الحكم باطل؛ لأن أصول العقيدة ليست مجالاً للاجتهاد.

    فمثلاً: الديمقراطية مذهب في الحكم جديد، بل أصبح الآن موضة العصر -إن صح التعبير- مع الأسف الشديد، فالديمقراطية نازلة من النوازل، لكن لو أن إنساناً قال: إن الديمقراطية نظام يتوافق مع الإسلام، وإن الديمقراطية ليس فيها أي إشكال شرعي، وأفتى بجواز تطبيقها في البلاد الإسلامية، فنقول: هذا الحكم باطل؛ لأنه يعود على أساس عقدي بالإبطال.

    والأساس العقدي الذي يعود عليه هذا الحكم بالإبطال هو: أن التشريع حق خاص لله عز وجل لا يشاركه فيه أحد، والله عز وجل يقول: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40]، والنصوص الواردة في الحكم بما أنزل الله تملأ القرآن والسنة، منها قوله سبحانه: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، وقوله: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31]، وغير ذلك من النصوص الواردة في أن التشريع حق خاص لله عز وجل لا يشركه فيه أحد، والطاعة المطلقة إنما تكون فيما أمر الله عز وجل وما أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم.

    فالقول بأن الديمقراطية تصلح أن تكون نظام حكم في البلاد الإسلامية قول يترتب عليه نقض أصل من أصول العقيدة، وهو: وجوب التحاكم إلى القرآن والسنة والتحاكم إلى الشريعة، ووجوب أن يكون مصدر التشريع هو الإسلام فقط دون غيره، وهذه المسألة لا تقبل الخلاف.

    تنقيح المناط في أمور العقيدة متفق عليه عند أهل السنة

    القاعدة السادسة: أن تنقيح المناط في أمور العقيدة متفق عليه عند أهل السنة، ولكن قد يقع الخلاف في تحقيق مناط الحكم.

    فما معنى تنقيح المناط؟

    التنقيح معناه: البحث بدقة، والمناط معناه: العلة، فالبحث بدقة عن علة الحكم هذا أمر متفق عليه بين أهل السنة في قضايا العقيدة، وقضايا العقيدة قضايا إجماعية وليس عند أهل السنة إشكال في تنقيح مناطات الأحكام في العقيدة، فمثلاً: الشرك: هو عبادة غير الله عز وجل، وصرف العبادة لغير الله عز وجل، فعندما تنقح مناط الحكم تجد أنه في الشرك هو: أن أي شخص يصرف العبادة لغير الله عز وجل يقع في الشرك.

    ومفهوم العبادة متفق عليه، ومعنى العبادة متحقق، فأثناء التنقيح تجد أن العبادة تستلزم كمال الذل مع المحبة، وبناءً على هذا يكون من السهل التفريق بين العبادة وبين الأمور الطبيعية حتى لو كان القسم واحداً.

    فمثلاً: الخوف، يمكن أن نفرق - وهذا أمر متفق عليه عند أهل السنة - بين الخوف الطبيعي العادي وبين خوف التأله الذي يترتب عليه التعبد، فالخوف الطبيعي ليس وارداً في قضايا التوحيد والشرك، مثاله: إنسان يخاف من الأسد بعد أن عقدت أسبابه: فالأسد موجود، وهو حيوان مفترس وليس بينه وبينه حائل فخاف منه، فهذا خوف طبيعي لا يلام عليه الإنسان، ولا يقال: إنه مشرك بناءً على خوفه، بينما الخوف الذي يكون في السر من الأمور الغيبية مثل الخوف من الساحر الذي في مكان بعيد أو الخوف من أعداء الله عز وجل، كل هذا يقدح في العقيدة بحسب درجة الخوف ومدى وصوله إلى العبادة المحضة؛ بحيث يصير شركاً أكبر أو يكون من وسائل العبادة فيكون من الشرك الأصغر، وهكذا في سائر الأبواب.

    إذاً: يمكن من خلال البحث والتنقيح عن مناطات الأحكام في العقيدة أن نجد أن أهل السنة في قضايا العقيدة متفقون لا يختلفون فيها، لكن قد يحصل الخلاف في تحقيق مناطه، يعني: تحديد المعين.

    مثال ذلك: القضايا المتعلقة بالكفر والشرك بالذات هي أكثر الأمثلة التي يمكن التأكيد عليها، ومن أمثلة ذلك: الحكم بغير ما أنزل الله، فالحكم بغير أنزل الله عند تنقيح مناطه نجد أنه ينقسم إلى قسمين: كفر وغير كفر، فقاضٍ يحكم بما أنزل الله في قضية أو قضيتين مع أن أصل الحكم عنده يكون بالشرع فهذا ليس كفراً، وتبديل الدين وتغييره بتغيير الأحكام وتحويلها وجعلها قانوناً مستقراً ومستمراً على الدوام على كل الناس هذا لا شك أنه كفر أكبر مخرج عن الملة؛ لأنه نازع الله عز وجل في حق من حقوقه، وهو التشريع.

    فتنقيح المناط يوصلنا إلى قضية إجماعية في هذا الباب، ولا عبرة بمن يخالف في هذه الحقيقة، فهي حقيقة إجماعية ومتفق عليها، وكثير ممن يخالف في هذا إنما يخالف بسبب ضغط الواقع الصعب الذي تعيشه الأمة الآن.

    فتنقيح المناط بالذات من المهم أن يبقى استقراره وثباته دائماً؛ لأن تنقيح مناط الحكم مستمر مع الأمة إلى قيام الساعة. أما المعينين والدول والأحوال والظروف والجماعات والأشخاص فإنها تذهب وتجيء وتنتهي وتزول، فلا يجوز تغيير الأحكام بناء على الأوضاع الموجودة التي قد تكون أوضاع غير سليمة وغير صحيحة.

    وبعد أن عرفنا تنقيح مناط الحكم بغير ما أنزل الله بقي قضية، وهي: تحقيق مناطه في المعينين فلان أو المكان الفلاني أو الجهة الفلانية أو الدولة الفلانية أو الجماعة الفلانية أو المؤسسة الفلانية أياً كانت، فتحقيق المناط فيها له أدواته الشرعية من ضرورة وجود الشروط وانتفاء الموانع، وهنا قد يقع الخلاف بناءً على مدى معرفة الإنسان بواقع المعين، ومدى قيام الحجة عليه، ومدى فهمه لها، ومدى ارتفاع الجهل والإكراه عنه.. ونحو ذلك من القضايا المتعلقة بوجود الشروط وانتفاء الموانع.

    وقد يختلف المعينون فيها، ففلان القريب منه يختلف عن فلان البعيد عنه، وفلان الذي يملك أدوات الفهم والاستيعاب في قضايا مثل هذه يختلف عن شخص آخر لا يملك أدوات الاستيعاب، ولهذا في تحقيق مناطات الأحكام أحياناً قد تدخل الأهواء؛ سواءً أهواء الغلو أو أهواء الخوف والتردد، فأحياناً أهواء الغلو قد تدفع الإنسان إلى دعوى وجود الشروط وانتفاء الموانع في المعينين بشكل مستعجل، بناءً على وجود غلو وهوى في النفس يدفعه إلى ذلك، وأحياناً قد يكون سبب التردد والتخوف أيضاً مؤثراً على وجود الشروط وانتفاء الموانع مع وضوحها.

    وعلى كل حال: فإن تطبيق الأحكام ليس مطلوباً من كل أحد، فليس بمطلوب من كل أحد أن يطبق الأحكام على المعينين، فلست مسئولاً يوم القيامة عن الشخص الفلاني هل هو مسلم أو كافر، أو عن الدولة الفلانية، أو عن الجماعة الفلانية، أو عن الجهة الفلانية، إلا إذا استبان، فأنت تعتقد بطلان وخطورة العقائد والأفكار والأمور التي تدخل في نطاق الشرك أو الكفر؛ لأن اعتقاد أن هذا كفر بعد معرفته أمر واجب، لكن اعتقاد أن فلاناً كافر هذا قدر زائد عليه لست مطالباً به، وبالذات في الأمور العامة من أحوال المسلمين، وسيأتي هذا في مسألة ضرورة الشورى فيما يتعلق بأحوال المسلمين العامة.

    ومع الأسف أنه يوجد الآن من قد يتكلم في قضية عامة تعني عموم المسلمين ويتكلم فيها بمفرده دون رجوع لأهل العلم، مع أنها من القضايا التي تترتب عليها كثير من الفتن، وتترتب عليها كثير من المشكلات، وكثير من القضايا، ولهذا يعني طالب العلم تنقيح مناطات الأحكام؛ لأنها مستمرة، وهي من أصل العلم، لكن تحقيق المناطات واختلاف الناس فيها ليس من طلب العلم، يعني: لا يمكن لإنسان أن يزعم أن من طلبه للعلم أن يعرف هل فلان مسلم أو كافر، وفلان هل هو من المسلمين أم تحققت فيه مناطات الكفر بعد أن ارتكب الناقض ووجد فيه ونحو ذلك، فهذا ليس من طلب العلم، فالأمور العامة تبقى لأهل الحل والعقد في الأمة، وأهل الحل والعقد هم الذين يملكون زمامها من أهل العلم وكبار المؤثرين في الأمة، ومع الأسف أن أهل السنة والجماعة في هذا العصر وجد في عدد كبير من شبابهم بالذات - لأن الشباب موطن القوة والحماس - افتئات وعدوان على أهل العلم بشكل لا نظير له في العصور السابقة، وأحياناً قد يوجد مجموعة من الشباب ليس لهم عالم يفتيهم ولا موجه ولا رأس علمي يعلمهم الحق، ومع هذا يتركون أهل العلم ويتهمونهم، وقد يفتئتون عليهم، سواء في نقدهم في ذواتهم أو في نقد ما يقولونه من مقالات.

    فأقول مع الأسف: إن الوضع الموجود الآن عند بعض شباب أهل السنة يحتاج إلى تصحيح، وهو ضرورة مشاورة أهل العلم والرجوع إليهم وعدم الافتئات عليهم، سواء في هذه القضية أو في غيرها.

    وتلاحظون أن الشيعة مع ضلالهم وانحرافهم وبعدهم عن السنة وبعدهم عن أصول العقيدة الصحيحة إلا أنهم يلتزمون بقول مرجعياتهم، ونحن بالطبع لا نطالب بالتقليد؛ فالتقليد مذموم، ولا نطالب أيضاً بالاتباع الأعمى بالنسبة لعموم الناس، لكن نطالب بضرورة احترام أهل العلم وتقديرهم.

    عدم الخلط بين الأمر العقدي والأمر الفقهي في حال اشتراكهما في قضية معينة

    القاعدة السابعة: عدم الخلط بين الأمر العقدي المتفق عليه والأمر الفقهي المختلف فيه في القضية التي لها طرفان: طرف عقدي وطرف فقهي.

    بعض المسائل قد يكون لها طرفان: طرف عقدي، وطرف فقهي، فيخلط بعض الناس بين الأمور المتفق عليها والأمور المختلف فيها، وهذه قضية في غاية الخطورة، فينبغي إدراكها؛ لأن الخلط بين مواطن الإجماع ومواطن الخلاف يعتبر من القدح في الوصول إلى الحكم الصحيح فيما يتعلق بالنازلة.

    ضرورة اكتمال ضوابط النظر في النوازل عند البحث فيها

    القاعدة الثامنة: ضرورة اكتمال ضوابط النظر في النوازل عند البحث فيها: وهذه الضوابط كما يلي:

    1.   

    ضوابط النظر في النوازل

    الضابط الأول: اعتماد المنهج الأصولي الصحيح في الاستنباط في البحث عن الحكم الشرعي، كما سبق أن أشرنا، وذلك بالاستدلال بالقرآن وبالسنة وبالإجماع وبالقياس ومعرفة مراتب التعامل مع هذه النصوص وفهمها واعتبار اللغة العربية فيما يتعلق بها.

    الضابط الثاني: مراعاة مقاصد الشريعة، فكل حكم يناقض مقصداً من مقاصد الشريعة يعتبر باطلاً، ومقاصد الشريعة العامة هي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ العرض، أو النسل أو النسب، وحفظ المال، حفظ هذه الخمسة، فأي حكم من الأحكام يناقض إحدى هذه المقاصد الخمسة فهو حكم باطل؛ بشرط أن تكون المناقضة مناقضة واضحة ولأصل هذا المقصد.

    الضابط الثالث: معرفة الواقع المحيط بها؛ لأن الفقيه الذي تأتيه النازلة يشترط فيه شرطان:

    الشرط الأول: أن يعرف الحكم الشرعي ويحرره.

    الشرط الثاني: أن يعرف الواقع المرتبط به، كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله ذلك في كتابه (إعلام الموقعين).

    الضابط الرابع: فهم النازلة ومعرفة أنواعها وأقسامها وتصورها تصوراً تدقيقاً، وستأتي الأمثلة لذلك بإذن الله تعالى.

    الضابط الخامس: الشورى، لاسيما في الأمور العامة، فالنوازل العامة يشترط فيها الشورى، كما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يفعل.

    الضابط السادس: الصدق والإخلاص والالتجاء إلى الله عز وجل والبعد عن الهوى؛ فإن الهوى من الأمور الموصلة إلى الفتن، وهو من المضلات عن الحق والعياذ بالله.

    وفي اللقاء القادم - إن شاء الله - سنتحدث عن نماذج تطبيقية، ونذكر هذه القواعد وعلاقتها بهذه النماذج بإذن الله، وسنذكر مجموعة كثيرة من النماذج؛ نذكر كيفيتها وصورتها، ثم نذكر ما يتعلق بالحكم عليها، ثم نذكر شيئاً من الاستدلال المتعلق بها كنماذج تطبيقية للتعامل مع النوازل العقدية بإذن الله تعالى.