إسلام ويب

العدة شرح العمدة [44]للشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحاج أو المعتمر إذا دخل في النسك يحرم عليه إتيان أي محظور من محظورات الإحرام، وهي تتفاوت فيما بينها من حيث لزوم الفدية من عدمها، ومن حيث إفساد الحج والعمرة أو إبطالهما من عدمه، وهذه المحظورات يشترك فيها الرجل والمرأة إلا ما جاء الدليل باستثنائه كلبس المخيط للمرأة.

    1.   

    تابع محظورات الإحرام

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    وبعد:

    طبتم وطاب ممشاكم، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزيكم خيراً على سعيكم لطلب العلم، ولا زلنا مع كتاب الحج والعمرة، باب: محظورات الإحرام، ومع المحظور الرابع.

    تغطية الرأس

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ تغطية الرأس والأذنان منه ]. أي: أنه يحظر على المحرم أن يغطي رأسه، والأذنان من الرأس؛ لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يمسح رأسه في الوضوء مسحها مقبلاً ومدبراً، ثم مسح بفضل ماء رأسه أذنه، ولذلك تأخذ الأذنان حكم الرأس.

    ما الدليل على أن تغطية الرأس تحظر على المحرم؟ عمدتنا في هذا حديث الرجل الذي وقصته دابته وهو محرم -وقصته يعني: ضربته في بطنه بعد أن وقع من عليها- فمات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في حقه -والحديث في البخاري -: (لا تخمروا رأسه)؛ لأنه محرم، لأنه لما كان حياً فإنه لا يخمر رأسه فيترك كذلك على حاله وهو ميت، ويفهم منه: أن غير المحرم يغطى رأسه.

    لذلك قال: [ قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من تخمير رأسه، والأصل فيه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس العمائم والبرانس، وقوله في المحرم الذي وقصته راحلته: (لا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) -الحديث أخرجه البخاري - علل منع تغطية رأسه ببقائه على إحرامه، فعلم أن المحرم ممنوع من ذلك، وكان ابن عمر يقول: (إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها) ].

    لماذا خص الرأس في الرجل والوجه في المرأة؟ لأن الأصل في الرجل أن يغطي الرأس، والأصل في المرأة أن تغطي الوجه، فكونه يكشف الرأس خرج عن مألوفه، وكونها تكشف وجهها خرجت عن مألوفها، ولكن حينما تخالط الرجال ينبغي لها أن تسدل الخمار على وجهها حتى لا تؤخذ هذه ذريعة في كشف الوجوه، وهذه حجة واضحة على أنهم كانوا يعلمون أن وجه المرأة لا يجوز أن يظهر.

    يقول: [ وأنه عليه السلام نهى أن يشد المحرم رأسه بالسير، وفائدة قوله: (والأذنان من الرأس) أي: يحرم تغطيتهما، وقد قال عليه السلام: (الأذنان من الرأس) ]. والحديث في السلسلة الصحيحة.

    الطيب في البدن والثوب

    قال: [ المحظور الخامس: الطيب في بدنه وثيابه ]. يحظر على المحرم أن يتطيب في بدنه وثيابه.

    [ أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من الطيب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته راحلته: (لا تحنطوه) ]. ومعنى (لا تحنطوه) أي: لا تطيبوه، فهنا نقول: قوله: (لا تحنطوه)، يشير إلى عدم جواز تطييبه وهو ميت، فمن باب أولى وهو حي.

    [ وفي لفظ مسلم : (لا تمسوه بطيب)، فلما منع الميت الطيب لإحرامه كان الحي أولى بذلك، وعليه الفدية لذلك، ومعنى الطيب: كل ما يعد للشم كالمسك والكافور والعنبر والغالية والزعفران.. وما أشبه ذلك مما تطيب رائحته ]. ولذلك يحظر على المحرم أن يستخدم الصابونة ذات الرائحة، ومعجون الأسنان ذا الرائحة النفاذة، وكل الأشياء التي فيها طيب يحظر عليه أن يستخدمها، ومنها: ما تقدمه المضيفات على الطائرة للركاب من مناديل معطرة، فيستخدمها المحرم بعد الميقات وهذا لا يجوز، ولو كان الأمر بيدنا لقلنا: لا ينبغي أن توزع في موسم الحج والعمرة مناديل معطرة؛ لأن الناس لا تعرف الحكم، يطيبون عرقهم بهذه المناديل بعد الميقات وهذه مخالفة.

    قتل الصيد

    [ السادس: قتل الصيد، وهو ما كان وحشياً مباحاً ]. قتل الصيد جاء في القرآن دليل منعه وهو قول ربنا سبحانه: لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة:95]، وقال سبحانه: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا [المائدة:96].

    فلو أن رجلاً محرماً اصطاد صيداً من عرفة، ورجلاً غير محرم اصطاد صيداً من منى، ما حكم الأول وما حكم الآخر؟ عرفة من الحل، لكنه محرم، ويحظر عليه أن يصطاد من حرم أو من حل، وأما غير المحرم فقد اصطاد من منى وهي من الحرم؛ فيحظر صيد الحرم سواء لمحرم أو لغير محرم، إذاً: العبرة بالحكم الشرعي، إن اصطاد في حل وهو محرم لا ينبغي، وإن اصطاد في الحرم لا ينبغي؛ لأن من خصائص بلد الله الحرام أنه يمنع فيه الصيد.

    قوله: (قتل الصيد وهو ما كان وحشياً)، الوحشي هو ما لا يقتنى في البيت.

    فلو أن رجلاً محرماً اصطاد بطة فلا شيء عليه؛ لأن هذا لا يسمى صيداً، إنما الصيد هو الوحشي الذي لا يقتنى في الدار.

    ولو أن رجلاً محرماً اصطاد حمامة فعليه فدية؛ لأن الحمامة الأصل فيه الطير، ولذلك قال: (ما كان وحشياً مباحاً)، مباحاً يعني: حلالاً، فإن كان محرماً فلا يجوز.

    قال: [ لا خلاف بين أهل العلم في تحريم قتل الصيد واصطياده على المحرم، وقد قال سبحانه: لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة:95] ].

    ومن جانب آخر لو أن محرماً اصطاد من البحر سمكة فلا شيء عليه.

    [ وقال تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ [المائدة:96] ]. فصيد البحر يجوز أما صيد البر فلا يجوز، وأما الأهلي فلا يحرم، والأهلي هو الذي يقتنى عند الأهل، يعني: يستأنس، تفتح الحظيرة ويبيت عندك وتقدم له الطعام والشراب. هذا لا يعد صيداً، إنما هذا يسمى أهلياً، أما الوحشي فهو الذي لا تتحكم فيه.

    [ أما الأهلي فلا يحرم؛ لأنه ليس بصيد، وإنما حرم الصيد، والحرام ليس بصيد أيضاً لأنه محرم ]. إذاً: الذي يحرم على المحرم من الصيد هو الوحشي المباح البري، وأما المحرم فالأصل فيه أنه يحرم؛ لأنه محرم، فلو أن رجلاً اصطاد خنزيراً وهو محرم فهذا لا يجوز؛ لأنه يحرم عليه، فالأصل فيه أنه حرام.

    قال: [ وأما صيد البحر فإنه مباح، قال سبحانه: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ [المائدة:96] ]. وسنتحدث عن باب الفدية عن كل محظور وفديته، وهي تسعة محظورات لكل محظور فدية.

    يستثنى للمحرم أشياء يقتلن في الحل والحرم، لحديث: (خمس يقتلن في الحل والحرم)، فلو قتل المحرم حية فلا شيء عليه؛ لأن هذا خاص يقيد العام، وسنتحدث عن هذا بالتفصيل في باب الفدية.

    عقد النكاح

    هناك محظور ليس له فدية وهو عقد النكاح، فيحظر على المحرم أن يزوج نفسه أو يزوج غيره، قد يقول قائل: قد ورد حديث صحيح في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد على ميمونة وهو محرم فما تقولون فيه؟ أقول: للعلماء فيه أقوال، فمنهم من قال محرم يعني: في الأشهر الحرم. وهو الصحيح، فليس معنى محرم أنه تلبس بالإحرام، وإنما عقد عليها وهو في الأشهر الحرم. هذا هو الجمع بين النصوص التي لا يمكن أن تتعارض مع بعضها البعض.

    قال: [ السابع: عقد النكاح ]. أي: عقد الزواج.

    [ لقوله عليه السلام: (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب) ]. ومعنى: (لا ينكح) أي: يتزوج، (ولا ينكح) يعني: يزوج، (ولا يخطب) يعني: لا يخطب لنفسه أو لغيره، وهذا يحدث من المسلمين، تراه محرماً، وإذا به يقول لمن رأى أنه يزوجه ابنته: إن عندي ابنة فما رأيك أن تتزوجها. إنك محرم فلماذا تتكلم عن الزواج، ولكن المشكلة أنه لا يعرف أن هذا لا يجوز.

    المباشرة لشهوة فيما دون الفرج

    قال: [ المحظور الثامن: المباشرة لشهوة فيما دون الفرج ]. رجل محرم باشر زوجته دون الفرج، يعني: قبل، مست بشرته بشرتها، لكنه لم يجامع.

    قال: [ فإن أنزل ]. يعني: إن باشر وأنزل وهو محرم [ فعليه بدنة ]، وحجه صحيح؛ لأنه لم يباشر بالجماع، [ وإن لم ينزل فعليه شاة ]. إذاً: إن باشر دون الجماع فأنزل فيلزمه بدنة، وإن لم ينزل يلزمه شاة. هذه الفدية.

    قال: [ وحجه صحيح ].

    والبدنة هي الناقة التي تجزئ أن تكون أضحية، لا عوراء ولا تولاء ولا عضباء ولا عرجاء ولا هتماء وهي التي لا أسنان لها، والعضباء: التي ليس لها قرن، والتولاء التي تدور في المرعى تتخبط، لابد أن تكون صحيحة من العيوب، فقولنا تجزئ أضحية، يعني: أن لها نفس شروط الأضحية.

    قال: [ وحجه صحيح لا نعلم أحداً قال بفساد حجه ]. من باشر وأنزل أو لم ينزل طالما لم يجامع حجه صحيح وعليه فدية، إما بدنة وإما شاة.

    [ ولأنها مباشرة فيما دون الفرج تعرت عن الإنزال فلم يفسد بها الحج كاللمس، والمباشرة لا توجب الاغتسال فأشبهت اللمس؛ وعليه الفدية؛ لأنه هتك الإحرام بذلك الفعل، كما لو تطيب أو لبس المخيط؛ والفدية شاة؛ لأنها ملامسة لم يقترن بها الإنزال، فأشبه لمس ما دون الفرج، فأما إن أنزل فعليه بدنة؛ لأنه جماع اقترن به الإنزال فأوجب بدنة، كما لو كان في الفرج، وهل يفسد حجه بذلك؟ روايتين: إحداهما: لا يفسد نص عليه أحمد ؛ لأنه استمتاع لا يجب بنوعه الحد، فلا يفسد به الحج، كما لو لم ينزل، الثانية: يفسد نص عليه لأنها عبادة يفسدها الوطء، فأفسدها الإنزال عن مباشرة كالصائم، واختارها أبو بكر والخرقي ومن نصر الأولى قال: الأصل عدم الإفساد، والجماع: هو الوطء في الفرج، ولا يصح إلحاق غيره به فإنه أعظم، ولذلك يختلف الحال فيما بين الإنزال أو عدمه، ويجب بنوعه الحد، ويتعلق به اثنا عشر حكماً، فكيف يلحق به ما دونه مع أن شرط القياس التساوي، ولا يصح القياس على الصيام، فإن الصيام يخالف الحج في المفسدات ]. إلى آخره.

    معنى هذا: أنه إن باشر ما دون الفرج فهناك احتمال أن ينزل أو لا ينزل، فإن أنزل فيلزمه بدنة، وإن لم ينزل فيلزمه شاة، لكن هل يفسد الحج؟ قال بعضهم: إن لم ينزل فلا فساد، وإن أنزل ففي المسألة روايتان عن الإمام: الرواية الأولى: أنه لا يفسد؛ لأنه لا يمكن أن يقاس على الجماع، والرواية الثانية: أنه يفسد، والرأي الراجح عدم الفساد.

    الوطء في الفرج

    قال: [ المحظور التاسع: الوطء في الفرج ]. يعني: الجماع، هنا نفرق بين أمرين، جامع قبل التحلل الأكبر، أم قبل التحلل الأصغر؛ لأن الحج فيه تحللان، التحلل الأول: وهو بعد رمي الجمرات، ثم يذبح ويحلق، يفعل في يوم النحر ثلاثة أمور، أولاً: يرمي الجمرة، ثم يذبح، ثم يحلق، وقد يؤخر طواف الإفاضة إلى أيام التشريق، هذا يسمى التحلل الأصغر، فإن جامع بعد التحلل الأصغر فله حكم، وإن جامع قبله فله حكم، وإن جامع بعد التحلل الأكبر حكم.

    قال: [ فإن كان قبل التحلل الأول فسد الحج، ووجب المضي في فاسده والحج من قابل ]. يعني: إن جامع قبل أن يرمي جمرة العقبة وقبل أن يذبح وقبل أن يحلق فهو لم يتحلل التحلل الأول الأصغر، وإن جامع قبل هذا فسد حجه، يعني: بعد أن جاء من المزدلفة وقبل أن يرمي الجمرة، بعد أن وقف بعرفة وأدى النسك وفعل مناسك الحج، قبل أن يرمي الجمرة في يوم النحر جامع فحجه فاسد، ولكن يجب عليه أن يمضي في حجه حتى يتمه، ثم يلزمه وجوباً القضاء من العام القادم؛ لأن الحج فسد.

    هل هناك فرق بين الحج الفاسد والحج الباطل؟ نعم، هناك فرق، مصطلح الفاسد هو الباطل عند الجمهور إلا في الحج والزواج، والذين فرقوا بين الفاسد والباطل هم الأحناف، لكن الجمهور لم يفرقوا، والفاسد عندهم هو الباطل، أقول: الصلاة باطلة، أو الصلاة فاسدة كلاهما صحيح، إلا في الحج والزواج، فما الفرق؟ الباطل في الحج: ما غاب أحد أركانه، إن لم يقف بعرفة فحجه باطل؛ لأنه تخلف عنه ركن، إن لم يطف طواف الإفاضة فحجه باطل؛ لأنه تغيب عنه ركن من أركانه، إنما يفسد الحج إذا فعل الأركان كلها لكنه جامع قبل التحلل الأول، هنا نقول: حجه فاسد، رجل تزوج من أخته من الرضاعة مع استيفاء شروط النكاح من الولي والإشهار والشهود والصداق.. كل شروط النكاح وأركانه تمت إلا أن التي عقد عليها هي أخته من الرضاعة، هل هذا فاسد أم باطل؟ فاسد، إن غاب الولي فالزواج باطل، فهناك فرق بين الفساد والبطلان في الحج والزواج فقط، أما ما دون الحج والزواج فالفساد هو البطلان.

    قال: [ أما فساد الحج في الجماع في الفرج فليس فيه خلاف ]. ليس هناك خلاف بين العلماء أن الحج يفسد إذا جامع في الفرج.

    [ قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسد بإتيان شيء في حال الإحرام إلا الجماع، والأصل في ذلك ما روي عن ابن عمر أن رجلاً سأله فقال: إني وقعت على امرأتي ونحن محرمان، فقال: أفسدت حجك، انطلق أنت وامرأتك مع الناس، فاقض ما يقضون، وحل إذا حلوا، فإذا كان العام المقبل فحج أنت وامرأتك، واهديا هدياً، فإن لم تجدا هدياً فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتما ].

    يعني: ترتب على الجماع أربعة أشياء، أولاً: فساد الحج، ثانياً: المضي في النسك، ثالثاً: وجوب الحج من العام القابل، رابعاً: الفدية. لأنه لا ينبغي له إن بدأ في مناسك الحج أن يقطعها حتى وإن أفسدها؛ لأن الله قال: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، معناه: أتموا الحج إذا بدأتم في مناسكه ولا تقطعوه حتى ولو فسد.

    قال: [ ويجب على المجامع بدنة، روي ذلك عن ابن عباس لأنه جماع صادف إحراماً تاماً فوجبت به البدنة، كبعد الوقوف هذا إذا وطئ قبل التحلل الأول؛ لأنه يكون قد وطئ في إحرام تام، وإن كان بعد التحلل الأول ففيه شاة ]. يعني: رجل جامع زوجته بعد أن رمى الجمرة وذبح وحلق، وتحلَل تحلُلاً أصغر، يجوز له كل شيء إلا النساء، الطيب والمخيط وكل المحظورات إلا النساء، لكن إن جامع بعد التحلل الأول فعليه شاة، وحجه صحيح؛ لأنه تحلل التحلل الأول.

    قال: [ ويحرم من التنعيم ليطوف محرماً ]. بمعنى: أنه بعد أن تحلل تحللاً أصغر ووقع على زوجته فنلزمه بشاة، ونلزمه أن يذهب إلى التنعيم ليحرم وليطوف محرماً، لو قال قائل: كيف يطوف محرماً وهو قد تحلل؟ قلنا: أبطل التحلل بالجماع، فيخرج إلى التنعيم ويحرم مرة ثانية وعليه شاة، إذاً: السؤال الآن: الذي جامع بعد التحلل الأول ما الواجب عليه؟ أولاً: شاة، ثانياً: أن يحرم من التنعيم ليطوف محرماً.

    قال: [ ولا يفسد حجه وهو قول ابن عباس ؛ وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً؛ فقد تم حجه وقضى تفثه) -يعني: نسكه- ولأن الحج عبادة لها تحللان، فوجود المفسد بعد تحللها الأول لا يفسدها، كما بعد التسليمة الأولى في الصلاة ]. يعني: رجل سلم تسليمة واحدة من صلاة، ثم أحدث ما حكم الصلاة؟ صحيحة، هكذا الحج، تحلل التحلل الأول، كأنه سلم التسليمة الأولى، انتهى الحج، لكن بقي عليه طواف الإفاضة، وجامع قبله فنلزمه بشاة وحجه صحيح، لكن يحرم من التنعيم ليطوف محرماً؛ لأنه جامع قبل التحلل الأكبر.

    والتفث هو النسك: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ [الحج:29]، وتفثهم يعني: نسكهم.

    قال: [ ولأن الحج عبادة لها تحللان، والواجب شاة لأنه وطء لم يفسد الحج، فلم يوجب الفدية كما لو وطئ دون الفرج إذا لم ينزل، ولأن حكم الإحرام خف بالتحلل الأول، فينبغي أن يكون موجبه دون موجب الإحرام التام ويحرم من التنعيم؛ لأن إحرامه فسد بالوطء كما يفسد به قبل التحلل الأول، فيجب أن يحرم ليأتي بالطواف في إحرام صحيح؛ ولأن الطواف ركن فيجب أن يأتي به في إحرام صحيح كالوقوف، وإنما لزمه أن يحرم من التنعيم ليجمع بين الحل والحرم، ثم يطوف للزيارة ويسعى ويتحلل ].

    1.   

    حكم الوطء في العمرة

    قال: [ وإن وطئ في العمرة أفسدها ]. رجل ذهب للعمرة، ثم أحرم من الميقات -ميقات أهل مصر رابغ- بعد الميقات جامع زوجته وهو محرم بعمرة، عمرته فاسدة، ويستكمل النسك، وعليه هدي، ويقضي إذا استطاع من قابل، وتبقى في رقبته قضاء دين.

    [ وإن وطئ في العمرة أفسدها، ولا يفسد النسك بغيره، قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسد بإتيان شيء في حال الإحرام إلا الجماع، والعمرة كالحج ]. رجل أحرم بعمرة ومر على الميقات وهو محرم، ثم جامع قبل أن يطوف ويسعى ويتحلل، فما حكمه؟ أولاً: يؤدي النسك، ثانياً: يلزمه شاة، ثالثاً: القضاء من قابل.

    والشاة ليست إلا في حالتين، أولاً: بعد التحلل الأول إذا جامع في الفرج، ثانياً: إذا باشر، ولو باشر وأنزل دون الفرج فعليه بدنة؛ وإن لم ينزل فعليه شاة.

    1.   

    استواء المرأة والرجل في أحكام الحج

    قال: [ والمرأة كالرجل إلا أن إحرامها في وجهها ولها لبس المخيط ]. المرأة كالرجل تماماً، لكن إحرامها في وجهها، ولها لبس المخيط.

    [ وذلك لأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم المحرم باجتناب شيء يدخل فيه الرجال والنساء ]. هذه قاعدة فقهية: أن ما ينطبق على الرجال ينطبق على النساء، إلا ما خص النساء بدليل، يعني: حينما يقول: الختان واجب للذكور، إذاً: هو واجب للنساء، إذا أردتم أن تخصصوه يلزمكم دليل، ما ينطبق على الرجال ينطبق على النساء، وفي كل الأحكام الشرعية هم سواء إلا ما خص النساء بدليل، مثل الميراث: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، إذاً: خصها بدليل أن لها نصف الرجل، كذلك الشهادة: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ [البقرة:282]، إذاً: الشاهدة خصها بدليل، أيضاً العقيقة عن الذكر شاتان وعن الأنثى شاة، خصها بدليل، أما كل الأحكام الشرعية فهما فيها سواء إلا ما خصها دليل، إذاً: الذي يقول: إن ختان الأنثى ليس بواجب يلزمنا نحن الدليل أم يلزمه هو؟ يلزمه هو.

    قال: [ فما ثبت في حق الرجل فمثله في حق المرأة، لكن استثنى منه لبس المخيط؛ والتظليل مبالغة في ستر المرأة لأنها عورة ]. يعني: أن تستر نفسها وتحرم في ملابسها، ولا يحرم في الأبيض إلا الرجل، والمرأة لابد أن تخالف، وأفضل ملابس للمرأة السوداء، طبعاً كل النساء المصريات يلبسن أبيض في أبيض، الحذاء أبيض والجلابية بيضاء، والرجل يحرم في أبيض!! هذا لا يجوز، لابد أن تخالف المرأة الرجال.

    [ إلا الوجه فتجردها يفضي إلى انكشافها فأبيح لها هذا، ولهذا أبحنا للمحرم عقد الإزار لئلا يسقط فتنكشف العورة، ولم يبح له عقد الرداء ]. الإزار في المنطقة السفلى، قوله: (أبحنا للمحرم أن يعقده)، يعني: أن يربطه إما بحزام أو بدبوس أو نحوه، أما الرداء فلا يجوز له أن يعقده كأنه قميص ولو فعل فقد ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام؛ لأنه مفصل على الجسم كأنه مخيط، ونحن نريد أن نجرده، وهو يريد أن يلبس رداء ويخيطه على نفسه، فصله بأزرار بكباسين وأغلقها، وبعضهم يضع له جيوباً، فأصبح مخيطاً، يعني: يمكن الآن أن يلبس بنطلوناً ويمشي بالرداء في القاهرة، لكننا لا نريد هذا للمحرم.

    [ ولم يبح عقد الرداء، وهذا مما لا نعلم فيه خلافاً ]. يعني: لم يختلف أحد من العلماء أنه لا يجوز عقد الرداء.

    [ قال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة ممنوعة مما منع عنه الرجال إلا بعض اللباس، وأجمع أهل العلم على أن للمحرمة لبس القميص والدرع والسراويلات والخمر والخفاف -يعني: لها أن تلبس كل شيء- وفي حديث ابن عمر : (نهى النساء -صلى الله عليه وسلم- في إحرامهن عن لبس القفازين والنقاب) ]، وتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلي أو سراويل، فلا تلبس ملابس مزركشة تلفت النظر؛ لأن من شروط ملابس المرأة: ألا يكون لباس زينة، يعني: لا تحرم في لون فسفوري أو برتقالي أو بنفسجي أو أحمر، هذه ملابس لا تصلح أن تحرم فيها، لابد أن تحرم في ملابس لا تخالف بها الجميع، ولا تنفرد بها عن بني جنسها، وهذا يسمى لباس الشهرة، وقد نهينا بعض الإخوة عن لباس الشهرة، تجد مثلاً في حي الزيتون الناس كلهم يلبسون الجلابية الوردية أو المائية أو الأصيل، وهو يلبس بنغلادش، ويصير معروفاً بزيه البنغلاديشي. لا يجوز أن يشتهر بين الناس بلباس شهرة، وهذا ليس كلامنا وإنما هو كلام العلماء، حتى قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: لو أن المجتمع يستنكر تربية الشعر ولا يألفها، فترك الأمور المستحبة لأجل عدم الشهرة يجوز، يعني: رغم أن تربية الشعر مستحبة، إلا أنها في المجتمع شيء غير معروف، إذاً: نترك المستحب لئلا نشتهر به. وهذا الكلام في الممتع شرح زاد المستقنع إن أردت أن تعود إليه -يعني: ممكن أن تكون أنت الوحيد في مجتمعك الذي تفعل هذا الفعل المستحب فتعرف به، يقول القائل: وكيف ننشر السنة؟ لابد أن نمهد لها، لا تخالف بني جنسك حتى يشار إليك بالبنان، بل كن مثل بني جنسك ولا تتميز.

    ثبت في صحيح البخاري : (كان الرجل يدخل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم يجلس في وسطهم، فينظر إليهم فيقول: أيكم محمد) لم يتميز عليهم بلباس ولا بجلسة، كان كواحد منهم لا يلبس زياً يميز به حتى يقال أنه رجل دين، ليس عندنا في الإسلام هذا، نحن في الإسلام طالما أن بني جنسك لا يرتكبون حراماً، فكن معهم، ولا تفهم كلامي خطأ، فأنا لا أقترب من دائرة الواجب ولا المحرم، كلامي في المستحب، قد يقول قائل: طالما أن بني جنسي كلهم يسبلون الإزار فأنا أيضاً أسبل من أجل ألا أخالفهم؟! فأقول: الإسبال حرام، خالف وخالف، وانتبه ألا تخالف في الحرام، إن كان الأمر واجباً فافعله ولا تنظر إلى المجتمع، إن كان محرماً فكف عنه، لكن الكلام في دائرة المستحب.

    يقول ابن تيمية : [وترك المستحبات لأجل تأليف القلوب أمر واجب].

    هذا كلام يوزن بالذهب، يعني: المستحب ألا تجهر بالبسملة؛ لأن السنة عدم الجهر، لكن إذا ذهبت إلى قرية نائية وإذا لم تجهر سوف تضرب، وربما كان الأمر أشد، فاجهر بها، قد تتعرض لموقف كهذا، ولكن لا تجعلك ردة الفعل لعدم فقهك وتجرؤ الناس عليك أن تتوقف عن تطبيق السنة، لا. بل راعي حال الناس، أو أن يقول آخر: أنا لن أجهر مهما حصل، هذه اسمها دعوة بالنطح، هذا الرجل ينطح ولا يدعو.

    قال: [ والمرأة كالرجل إلا أن إحرامها في وجهها، ولها لبس المخيط، لحديث ابن عمر : (أنه سمع رسول صلى الله عليه وسلم ينهى النساء في إحرامهن عن لبس القفازين والنقاب) إلى أن قال: (وقوله: إحرامها في وجهها) ]، يعني: أن المرأة يحرم عليها في الإحرام أن تغطي الوجه، إلا إذا خالطت الرجال فإنها تسدل.

    والحديث عن أمنا عائشة : (كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه) والحديث عند أبي داود . أتدرون ماذا قال العلمانيون؟ قالوا: طالما أنه يجوز للمرأة أن تكشف الوجه في أعظم المناسك وهو الحج، فمن باب أولى لها فيما دون الحج، أليس منكم يا أهل السنة رجل رشيد يفهم هذه النصوص؟! هذا ما كتبه كاتب منهم لا يعرف الفرق بين المندوب والواجب، ولكن الأمور اختلطت.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا. اللهم اكتب لنا حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وعملاً صالحاً متقبلاً.