إسلام ويب

مجالس رمضان التزكية عند أهل السنةللشيخ : أحمد فريد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد اعتنى الشرع المطهر بتزكية الأنفس وتطهيرها من أدرانها، وجعل فلاح العبد وفوزه منوطاً بتزكية النفس، وما ذلك إلا لما للتزكية من المكانة العظيمة عند الله عز وجل، فعلى المؤمن أن يبذل وسعه في تزكية نفسه وتطهيرها.

    1.   

    أهمية تزكية النفوس وبيان مناهجها

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    ثم أما بعد:

    فإن من المهمات التي بعث بها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم تزكية نفوس العباد، كما قال عز وجل: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله عز وجل هذه الزكاة لنفسه فيقول: (اللهم آت نفسي تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها).

    كما تمنن الله عز وجل على المؤمنين بهذه الزكاة فقال عز وجل: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ [النور:21]، فالله عز وجل يتفضل على من يشاء بالتزكية.

    وقد أقسم الله عز وجل في كتابه أحد عشر قسماً متوالياً -وليس في القرآن كله أقسام متوالية بهذا العدد وعلى هذا النسق- على حقيقة: وهي أن فلاح العباد ونجاحهم منوط بتزكية نفوسهم، وأن خيبتهم وخسارتهم منوطة بتدسية نفوسهم، فقال عز وجل: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:1-10].

    فهذه الأقسام المتوالية على أن فلاح العباد منوط بتزكية نفوسهم.

    فقوله تعالى: (قد أفلح من زكاها) * (وقد خاب من دساها) فما معنى التزكية وما معنى التدسية؟

    التزكية: هي التنمية والإصلاح. يقولون: زكا الزرع إذا نما وصلح وبلغ كماله.

    فتزكية النفس: هي تنميتها وتعليتها وتنقيتها وإصلاحها بتوحيد الله عز وجل وطاعته؛ لأن النفس تزكو بذلك وتعظم وتطهر.

    أما التدسية: فهي التحقير والتصغير، فالنفس تصير حقيرة دنيئة لا تكاد ترى من حقارتها ودناءتها، كما قال عز وجل: أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ [النحل:59]؛ أي: يخفيه في التراب.

    فالنفس تنمو وتصلح بطاعة الله عز وجل، وتصغر وتصير حقيرة دنيئة بمعصية الله عز وجل!

    فالعباد يجهلون مواقع السعادة ولا يعلمون أن سعادتهم في صلاح نفوسهم وتزكيتها، والله عز وجل قال: وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72].

    والجاهل لا يدري مصلحته، فينبغي أن يجبر على ما فيه صلاحه.

    قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: إن الصالحين فيما مضى كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفواً، وإن أنفسنا لا تكاد تواتينا، فينبغي علينا أن نكرهها.

    فالنفوس الجاهلة لا تعلم أن مصلحتها وسعادتها في طاعة الله عز وجل، وفي الاستجابة لأمر الله عز وجل وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا أجبر العبد نفسه على الطاعة وعلى العبادة وعلى الاستقامة على طريق الله عز وجل، فعند ذلك تذوق النفس حلاوة الطاعة والعبادة، وبعد ذلك تساعد النفس صاحبها وتأتي معه على طاعة الله عز وجل.

    وقال بعض السلف: عالجت قيام الليل سنة وتمتعت به عشرين سنة. أي: ثقل على نفسه قيام الليل وعالج قيام الليل.

    ومنهم من يفتح عليه في الدعوة إلى الله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الناس الخير.

    ومنهم من يفتح له في قضاء حوائج الناس، وتحقيق مآربهم.

    ومنهم من يفتح له في الجهاد والبذل لإعلاء دين الله عز وجل ورفع رايته.

    وهناك من يوفق لكل هذه الأبواب، فإذا نظرت في الحجاج وجدته وسطهم، وإذا نظرت في المجاهدين وجدته بينهم، وإذا نظرت في العلماء وجدته في صفهم، فلو قيل له: ماذا تريد يقول: طاعة ربي جمعتني أو فرقتني، فهو السابق بالخير والمسارع إلى كل سبيل يرضي ربه عز وجل.

    فهذه مناهج التزكية عند أهل السنة والجماعة: التزكية بالتوحيد، التزكية بأداء الفرائض، التزكية بالإكثار من النوافل.

    1.   

    الغاية من تزكية النفس عند أهل السنة

    أما غاية التزكية عند أهل السنة: فهي تحقيق كمال العبودية لله عز وجل، والوصول إلى أعلى مراتب الذل والحب لله عز وجل؛ لأن العبودية هي كمال الحب مع تمام الذل، والله عز وجل وصف أكابر الخلق بالعبودية، فوصف نبيه صلى الله عليه وسلم بالعبودية في أشرف مقاماته، مقام الإسراء، ومقام التحدي، ومقام الدعوة إلى الله عز وجل، فقال: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى [الإسراء:1].

    وقال: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن:19].

    وقال: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]، ولذلك لما ذكر الإمام الطحاوي رحمه الله تشريفات النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ بالتشريف الأول وهو العبودية، قال: وإن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وإنه خاتم الأنبياء، وإمام الأتقياء، وسيد المرسلين، وحبيب رب العالمين، وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى،وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى، وبالنور والضياء، فقبل أن يذكر بأنه إمام الأنبياء وسيد المرسلين ذكر أنه عبد الله عز وجل المصطفى.

    فالعبودية لله عز وجل تشريف وتكريم، كما قال عياض :

    ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا

    دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا

    فالذي يتكبر عن العبودية لله عز وجل لا بد أن يقع في عبودية غير الله عز وجل من المخلوقات الخسيسة، فيعبد الشجر أو الحجر أو الشمس أو القمر أو البقر، بل من الناس من وقع في عبادة الشيطان الرجيم.

    فكل من يتكبر عن العبودية لله عز وجل لا بد أن يقع في العبودية لغير الله، ومهما تحرر العبد من العبادة لغير الله تكمل عبوديته لله عز وجل، ولذلك فإن وظيفة الرسل وأتباع الرسل تعبيد الناس لله عز وجل، وتحرير الناس من العبادة الباطلة للآلهة الباطلة التي لا تستحق العبادة، وجعلهم عبيداً حقيقيين لله عز وجل، كما قال ربعي بن عامر :

    إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

    فوظيفة الرسل وأتباع الرسل أن يحرروا الناس من عبادة غير الله ويعبدوهم لله عز وجل، ويشرفوهم بأن يجعلوهم عبيداً حقيقيين لله عز وجل.

    نسأل الله تعالى أن يشرفنا بالعبودية له عز وجل، وأن يرفعنا بالقيام والصيام.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315046

    عدد مرات الحفظ

    723498882