إسلام ويب

فضل العلم وشرفهللشيخ : أحمد فريد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد رفع الله شأن العلم وأهله، فأهل العلم هم أحب الخلق إليه سبحانه، وفي مقدمتهم الأنبياء والرسل، فهم أخشى الناس لله وأتقاهم له، وبالعلم والإيمان يشرف المرء عند ربه ويرتفع قدره، فكم من وضيع رفعه الله بالعلم، وكم من نسيب وضع بالجهل.

    1.   

    ما جاء في فضل العلم وأهله

    الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلاً، فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته، ومن لا غنى له طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته.

    وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، وقد ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء، وسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم، فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه، كما وحد الله عز وجل وعرفنا به ودعا إليه، وسلم تسليماً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.

    عباد الله! تضافرت الأدلة كلها على شرف العلم وأهله.

    قال الإمام أحمد رحمه الله: حاجة الناس إلى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب.

    لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين، والعلم يحتاج إليه بعدد الأنفاس؛ لأن العبد في كل وقت وفي كل لحظة له حال، وقد يكون له قول أو عمل يحتاج أن ينظر إلى ذلك بالعلم.

    ومما يدل على شرف العلم قول الله عز وجل: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18].

    دلت هذه الآية عباد الله على شرف العلم من وجوه:

    الوجه الأول: أن الله عز وجل استشهد العلماء دون سائر الناس، فقال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ [آل عمران:18].

    الوجه الثاني: أن في ذلك تعديلاً لأهل العلم؛ لأن العدل هو الذي تقبل شهادته، كما ورد في الأثر (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلي)، ففي ذلك تعديل من الله عز وجل لأهل العلم؛ لأن الله عز وجل قبل شهادتهم، ولأن الله عز وجل ذكر شهادتهم.

    الوجه الثالث: عباد الله! أن الله عز وجل قرن شهادة العلماء بشهادته عز وجل وبشهادة ملائكته، فقال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ [آل عمران:18]، أي: الملائكة وأولو العلم شهدوا، فقرن الله عز وجل شهادة أهل العلم بشهادته عز وجل وبشهادة ملائكته.

    الوجه الرابع: أن الله عز وجل استشهدهم على أجل مشهود عليه، وهو شهادة أنه لا إله إلا الله.

    وقال عز وجل: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11]، فالله عز وجل يرفع أهل الإيمان وأهل العلم درجات، وهذه الدرجات لا يقصد بها درجات الآخرة وحدها، بل أهل العلم لهم من المنزلة ومن الشرف في الدنيا ما ليس للملوك ولا لأبناء الملوك.

    أرسل وهب إلى مكحول يقول له: لقد بلغت بظاهر علمك عند الناس منزلة وزلفى، فابتغ بباطن علمك عند الله منزلة وشرفاً.

    أي: أن العبد بظاهر العلم من الخطب والفتاوى والتصنيف وغير ذلك يصل إلى منزلة رفيعة في قلوب الناس، ولكن المنزلة عند الله عز وجل لا تكون إلا بباطن العلم، أي: بخشية الله عز وجل وبمحبة الله عز وجل، وبالإخلاص لله عز وجل.

    فالعبد يرتفع في الدنيا قبل الآخرة بالعلم النافع، كما قال سفيان الثوري : إن هذا الحديث عز، فمن أراد به الدنيا وجدها، ومن أراد به الآخرة وجدها. أي: أن العبد الذي يتعلم علم الحديث لابد أن يشرف؛ فإن أراد الآخرة شرف في الدنيا والآخرة، وإن أراد الدنيا فقد يرتفع في الدنيا وقد لا يرتفع.

    وقال سفيان بن عيينة : أرفع الناس منزلة من كان بين الله وبين عباده، وهم الأنبياء والعلماء.

    يعني: الأنبياء الذين يبلغون الناس دين الله عز وجل، والعلماء والدعاة الذين يعرفون الناس بربهم عز وجل، فهؤلاء هم أشرف الناس.

    ومما يدل على شرف العلم وفضله كذلك: قول الله عز وجل: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]، فأمر الله عز وجل نبيه بالزهد في الدنيا والتقلل منها، وأمره بطلب المزيد من العلم: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114].

    ووصف الله عز وجل كل متاع الدنيا بأنه قليل: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ [النساء:77] (قليل) نكرة للتحقير.

    وقال الله عز وجل: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة:269]،

    وحصر الله عز وجل الخشية في العلماء، فقال عز وجل: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، وكأنه ما يخشى الله عز وجل إلا العلماء؛ لأن (إنما) أداة حصر وقصر، فحصر الله عز وجل الخشية في العلماء.

    وقال عبد الله بن مسعود : كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار بالله عز وجل جهلاً

    وقيل للشعبي : يا عالم! قال: إنما العالم من يخشى الله.

    فكلما ازداد العبد علماً ازداد خشية من الله عز وجل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية).

    قال تعالى: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [المائدة:17]، أي: لا أحد يملك من الله عز وجل شيئاً، فالكل ملك لله عز وجل، والمالك يتصرف في ملكه كيف يشاء.

    ومما يدل على شرف العلم كذلك عباد الله: أن الله عز وجل جعل صيد الكلب المعلم المدرب حلالاً وجعل صيد الكلب الجاهل حراماً، فهذا يدل على شرف العلم وأهله.

    كذلك دلت السنة المطهرة على ما دلت عليه هذه الآيات الكريمات من شرف العلم وأهله، من ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الدنيا لأربعة نفر: رجل أتاه الله مالاً وعلماً، فهو ينفق ماله يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً، فهذا بأحسن المنازل عند الله، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهو يقول: لو آتاني الله مالاً لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته، وهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً فهو يخبط في ماله، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقاً، فهذا بأسوأ المنازل عند الله عز وجل، ورجل - أكثر الناس هذا الرجل- ليس عنده علم ولا مال، وينوي لو أن عنده مالاً لعمل فيه بمعصية الله عز وجل فهو بنيته، وهما في الوزر سواء) يعني: هو ينوي لو أتاه الله عز وجل مالاً لعصى فيه ربه عز وجل، ولمنع الزكاة الواجبة، ولما وصل بهذا المال رحمه، فهذا يلحق الثالث بالنية وهما في الوزر سواء.

    فعاد الشرف بجملته على العلم وأهله؛ لأن من عنده علماً ومالاً فهو بأحسن المنازل، ويلحقه بالنية من عنده علم وليس عنده مال، فهو بنيته، وهما في الأجر سواء.

    وأسوأ الناس منزلة من عنده مال وليس عنده علم، فهذا أسوأ الناس منزلة، ويلحقه بالنية من ليس عنده علم وليس عنده مال، فهذا بأسوأ المنازل عند الله عز وجل.

    ومن ذلك: ما ورد في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، فمنطوق الحديث من أراد الله عز وجل به خيراً فقهه في دينه، ومفهوم الحديث بالعكس: من لم يرد الله به خيراً لا يفقهه في الدين، فمهما ملك العبد من المناصب، ومهما ملك من زينة الدنيا، ومهما نال من مناصبها، فإننا نجزم بأنه لم يرد الله عز وجل به خيراً؛ لأن الله عز وجل لو أراد به خيراً لعلمه دين الله عز وجل.

    فالدنيا كلها لا تساوي عند الله عز وجل جناح بعوضة، قال تعالى: كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا [الإسراء:20]، فالله عز وجل جعل الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، لحقارتها عنده عز وجل، أما العلم النافع والفقه في دين الله عز وجل فهو علامة على محبة الله عز وجل للعبد، وهو علامة على أن الله عز وجل أراد بالعبد خيراً، فمن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، والمقصود بالعكس من لم يرد الله به خيراً لا يفقهه في الدين.

    ومن أدلة السنة أيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها).

    فإذا أردت أن تحسد أحداً لا تحسد أهل المال، ولا تحسد أهل العبادة الصوام القوام، ولكن عليك أن تغبط الذين نفعهم يتعدى إلى غيرهم؛ لأن أجورهم متكاثرة: (رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق) فهو ينفقه في أوجه الخير والبر، (ورجل آتاه الله الحكمة) وهي العلم والفهم والعمل بالعلم النافع، (فهو يقضي بها)، أي: يحكم بها ويعمل بها ويعلمها، فلا تحسد إلا أحد هذين الرجلين.

    1.   

    نموذج من طلب السلف للعلم ورفعتهم به

    جاء في حديث صفوان بن عسال : (أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: جئت أطلب العلم؟ قال: مرحباً بطالب العلم، إن طالب العلم لتحف به الملائكة، وتضع له أجنحتها رضاء بما يصنع)، فالملائكة تضع أجنحتها رضاءً وحباً واحتفاء بطالب العلم، فالملائكة تحف طالب العلم بأجنحتها وتحفظه وترعاه وتحميه.

    ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء

    وقدر كل امرئ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء

    فخذ بعلم تعش حياً به أبداً الناس موتى وأهل العلم أحياء

    وقال إبراهيم الحربي : كان عطاء بن أبي رباح عبداً أسود لامرأة من مكة، وذهب إليه سليمان بن عبد الملك وابناه يسألونه عن مناسك الحج وكان يصلي، فلما انتهى من صلاته جعلوا يسألونه ويرد عليهم وهم خلفه ولم يلتفت إليهم، فقال سليمان بن عبد الملك لابنيه: قوما ولا تنيا في طلب العلم؛ فلا أنسى ذلنا بين يدي ذلك العبد الأسود.

    وروى الحربي أيضاً قال: كان عنق محمد بن عبد الرحمن الأوقص داخلاً في بدنه، وكان منكباه خارجين كأنهما زجان، فقالت له أمه: إنك لا تكون في مجلس قوم إلا كنت المضحوك منه والمستهزأ به، فعليك بالعلم فإنه يرفعك، قال: فطلب العلم وبرز فيه حتى صار قاضياً على مكة أم القرى عشرين سنة، قال: وكان الخصم إذا جلس بين يديه يظل يرعد حتى يقوم؛ لما ألقى الله عز وجل عليه من المهابة والجلالة.

    أهل الحديث قصيرة أعمارهم ووجوههم بدعا النبي منضّره

    وسمعت من بعض المشايخ أنهم أموالهم أيضاً به متكثره

    يعني: أهل الحديث استجيبت فيهم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه إلى من لم يسمعه، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه).

    قال سفيان بن عيينة : لا تجد أحداً من أهل الحديث إلا وفي وجهه نضرة؛ بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    تخليد العلم لأهله وذكرهم ما بقي الدهر

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    أما بعد:

    عباد الله! فمما يدل على شرف الحديث وشرف العلم وأهله (أن عمر رضي الله عنه لقى نافع بن الحارث بعسفان -وهو مكان بين مكة والمدينة أقرب إلى مكة- وكان قد استخلفه على أهل مكة، فقال له: ما استخلفت على أهل الوادي أي: مكة؟ قال: ابن أبزى قال: ومن ابن أبزى ؟ قال: رجل من موالينا -والمولى يطلق على العبيد ويطلق على من كان عبداً ثم أعتق- قال: استخلفت عليها مولى؟! -أي: رجلاً كان عبداً ثم أعتق- قال: إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض، فقال عمر : أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين).

    فالعلم يرفع العبد المملوك حتى يجلسه مجالس الملوك، فحاجة الناس إلى العلم -عباد الله- تجعلهم يرفعون أهل العلم.

    دخل رجل البصرة فقال: من سيد هذه القرية؟ فقالوا: الحسن البصري فقال: فبم سادهم؟ قال: احتاجوا إلى علمه، واستغنى عن دنياهم.

    روى أبو نعيم في الحلية قال: قال كميل بن زياد : أخذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بيدي فأخرجني ناحية الجبانة، فلما أصحر -أي: صار في الصحراء- جعل يتنفس، ثم قال: يا كميل بن زياد القلوب أوعية فخيرها أوعاها، احفظ عني ما أقول لك، الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم حاكم والمال محكوم عليه، العلم يزكو على الإنفاق والمال تنقصه النفقة ومحبة العلم -وفي رواية: ومحبة العلماء- دين يدان بها، العلم يكسب العالم الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وصنيعة المال تزول بزواله، مات خزان الأموال وهم أحياء.

    كم من أناس يملكون المليارات في بلدنا وفي قطرنا ولا أحد يحس بهم؛ لأنهم مغموسون في الشهوات أو مطموسون بالشبهات، غارقون في اللذات لا يعرفهم الناس ولا يحبونهم، قال: العلم يكسب العالم الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وصنيعة المال تزول بزواله. أي: هناك من يتصنع لك لأجل مالك، فإذا ذهب المال ذهب عنك، كما قال بعضهم:

    وكان بنو عمي يقولون مرحباً فلما رأوني معدماً مات مرحب

    ثم قال: مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، فحسبك أن قوماً موتى تحيا بذكرهم النفوس، وأن قوماً أحياء تقسو برؤيتهم القلوب.

    فمثلاً: شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن رجب وأئمة الفقه: الشافعي وأحمد ومالك وأبو حنيفة وأئمة الحديث كـالبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجه وأئمة الجرح والتعديل كـأبي زرعة وابن معين ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم من العلماء كأنهم أحياء بيننا، ما فقدنا إلا أجسامهم، وإلا فعلمهم ومحبة الخلق لهم باقية في الدنيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر،أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة.

    ثم قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي كان العلم يتفجر من جوانبه، والذي تربى في بيت النبوة، والذي كان أول من آمن من الغلمان قال: هاه.. هاه، إن هاهنا علماً.

    أي: يشتكي من قلة من يحمل العلم ومن يقوم بحقه في نهاية القرن المفضل الأول.

    قال: إن هاهنا علماً لو أصبت له حملة، بل أصبته لقناً غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدين للدنيا، يستظهر بحجج الله على كتابه، وبنعمه على عباده، أو منقاداً لأهل الحق لا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض للشبهة، لا ذا ولا ذاك.

    أي: لا هذا الذي يستعمل الدين للوصول إلى مآربه الشخصية وطموحاته الدنيوية، لا هذا يصلح لحمل العلم، ولا المقلد تقليداً أعمى، فلا فرق بين مقلد وبين بهيمة تقاد.

    قال: لا ذا ولا ذاك، أو منهوماً للذات، سلس القياد للشهوات، أو مغري بجمع الأموال والادخار، ليسوا من دعاة الدين -أي: هؤلاء الأربعة ليسوا من دعاة الدين- أقرب شبهاً بهم الأنعام السائمة، ثم قال: اللهم بلى لن تخلو الأرض من قائم لله بحججه؛ لئلا تبطل حجج الله وبيناته، أولئك الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً.

    إشارة إلى ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك).

    لابد أن يكون في كل زمان بقايا من أهل العلم يقومون بحق العلم، فأما ظهور الحجة والبيان فليس المقصود أن يبقى طائفة على الحكم والسلطان والسيف والسنان، بل تبقى طائفة ظاهرة، وأن الظهور ظهور الحجة، لابد أن يبقى من يقيم الحجة على أهل زمانه؛ لأن الله عز وجل حفظ الكتاب، فهو لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، وحفظ السنة؛ لأنها من الذكر، وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44].

    كذلك عصم الله عز وجل إجماع الأمة، فلا تجتمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة، كذلك عصم الله عز وجل طائفة من الأمة لابد أن تكون ظاهرة على الحق، تقيم الحجة على سائر أهل زمانها.

    اللهم بلى لن تخلو الأرض من قائم لله بحججه، لئلا تبطل حجج الله وبيناته، أولئك الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً، بهم يدفع الله عن حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فاستلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنسوا بما استوحش به الجاهلون.

    هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، أي: علموا الدنيا وفناءها وزوالها، وعلموا الآخرة وبقاءها؛ فاستلانوا ما استوعر منه المترفون. أي: سلكوا طريق الدعوة إلى الله عز وجل، وهو طريق ليس ممهداً وليس مفروشاً بالورود، ولكن كله دماء وكله أشلاء، وكله سجون ومعتقلات.

    ثم قال: استلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنسوا بما استوحش به الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك هم خلفاء الله في أرضه، ودعاته إلى دينه.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأعل راية الحق والدين.

    اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بشيء فكده يا رب العالمين، ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره، واجعل الدائرة تدور عليه.

    اللهم عليك باليهود الغاصبين، اللهم أذل شارون ومن معه يا رب العالمين، اللهم أقر عين المسلمين بهلاك شارون ومن معه من أئمة اليهود، اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين يا رب العالمين.

    اللهم عليك بالأمريكان الحاقدين، اللهم سلط عليهم الزلازل والبراكين، واجعلهم عبرة للمعتبرين.

    اللهم اجعل هذا العيد القادم عيد عز وعيد نصر للإسلام وأهله.

    اللهم تقبل من حجاج بيتك الحرام حجهم يا رب العالمين، وشفعهم فينا يا رب العالمين، واقبل دعاءهم وعبادتهم واجعلهم من المحظوظين.

    اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا.

    اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

    اللهم ارفع عن بلاد المسلمين الغلاء والوباء والربا والزنا وردهم إليك رداً جميلاً.

    وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2995379789

    عدد مرات الحفظ

    717669672