إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عمر عبد الكافي
  4. سلسلة الدار الآخرة
  5. سلسلة الدار الآخرة عذاب جهنم وهول النار

سلسلة الدار الآخرة عذاب جهنم وهول النارللشيخ : عمر عبد الكافي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جاءت الآيات والأحاديث في وصف النار وأهوالها، وشدة غضبها على الكفار والعصاة، وهذا يجعل المسلم في حذر دائم من الوقوع فيما يسبب دخول النار، فتراه خائفاً من ربه، ممتثلاً لأوامره، منتهياً عن نواهيه، فهو بين الخوف والرجاء، يخاف عذاب الله وسخطه، ويرجو رحمة الله وثوابه ورضاه.

    1.   

    الحديث عن الدار الآخرة يقرب من طاعة الله ويبعد عن معصيته

    أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فهذه بمشيئة الله عز وجل هي الحلقة الحادية والعشرون في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة أو عن الموت وما بعده، وهي الحلقة الرابعة عن النار والعياذ بالله رب العالمين، أبعدنا الله وإياكم عن النار، وأدخلنا وإياكم والمسلمين والمسلمات الجنة.

    في بداية هذه الحلقة، وبحضور هذا الجمع الطيب، وهذه الوجوه المؤمنة، والقلوب المخبتة، نتوجه بخالص الدعاء لله عز وجل عسى أن تكون أبواب السماء مفتوحة، وعسى أن يستجيب لنا ربنا دعاءنا فنقول: اللهم لا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا شيطاناً إلا طردته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته.

    اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، اللهم لا تجعل بيننا شقياً ولا محروماً.

    اللهم اجعلنا من السعداء الأتقياء، اللهم اجعلنا من السعداء الأتقياء، اللهم اجعلنا من السعداء الأتقياء، ولا تجعلنا من الأشقياء المحرومين يا رب العالمين.

    اللهم ارزقنا قبل الموت توبة وهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً.

    اللهم إن لم نكن أهلاً لرحمتك فرحمتك أهل أن تصل إلينا.

    اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا.

    يا أرحم الراحمين أرحمنا وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وآثرنا ولا تؤثر علينا.

    اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن عين لا تدمع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تقنع، ومن دعاء لا يسمع، ومن بطن لا تشبع.

    اللهم إنا نسألك من الخير كله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله ما علمنا منه وما لم نعلم.

    اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك.

    اللهم لا تجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً.

    اللهم تب على كل عاص، واهد كل ضال، واشف كل مريض.

    اللهم تب على المذنبين والعصاة.

    اللهم تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا.

    اللهم انصرنا على أعدائنا، اللهم انصرنا على أعدائنا، اللهم انصرنا على أعدائنا أعداء الدين، واغفر لنا يا ربنا وأنت خير الغافرين، وأهلك الكافرين بالكافرين، والظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين.

    اللهم إنا نسألك نسألك يا مولانا رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.

    اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، نسألك يا ربنا رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.

    اللهم زحزحنا عن النار، اللهم زحزحنا عن النار، اللهم زحزحنا عن النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، ومن خزي العذاب في النار، ومتعنا بجنة الرضوان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

    وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أيها الإخوة الأحباب! في الحلقة السابقة كان الحديث صعباً وثقيلاً على النفس، وكان ثقيلاً على القلوب جميعها، وذلك عندما تحدثنا عن أنواع العذاب في النار، أجارنا الله وإياكم من النار ومن عذابها، ولكن تظل لنا رحمة الله عز وجل، ويبقى لنا فضل الله عز وجل.

    ودائماً المسلم يدعو ربه: اللهم عاملني بفضلك، ولا تعاملني بعدلك، إن عاملتنا يا ربنا بفضلك رحمتنا، وإن عاملتنا بعدلك أهلكتنا، ولكنك يا ربنا حنان تحن علينا بالتوبة والمغفرة والهداية، منان تعطينا قبل أن نسألك، فأنت العفو الغفور، وأنت الرحمن الرحيم، نسألك رحمتك يا أرحم الرحمين.

    ثم أريد أن أطمئن هذه القلوب الخائفة التي ارتعدت من الحديث الماضي، ولكن قبل ذلك أريد أن أقول لكم: إن حلقة الدار الآخرة هي عبارة عن جرعات يأخذها قلب المسلم؛ لكي يقترب من رب العباد سبحانه وتعالى، ويبتعد عن كل ما يغضب الله، ولكي يبتعد عن كل ما حرم الله، ولكي يسرع بالتوبة إلى الله عز وجل؛ لأنه لا يدري متى يزوره ملك الموت.

    اللهم إن زارنا ملك الموت فليجدنا على توبة وطاعة وهداية وإقبال وقرب منك يا رب العالمين.

    إن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي قال فيه ربه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] قال في حديث رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: (إن فئاماً -يعني مجموعات- من الناس من نزاع القبائل -يعني من قبائل شتى- قد تحابوا في الله عز وجل على غير أرحام بينهم، أولئك على منابر من نور بجوار النبيين والصديقين، حتى يفرغ الناس من الحساب).

    هذا من الأحاديث المبشرة التي وردت في خاطري في هذه اللحظة؛ لكي يستشعر الإنسان خيراً، فأنت تحب إخوانك في الله، وإخوانك يحبونك في الله على غير أرحام بينكم، ونحن نحب بعضنا بعضاً في الله، ونأتي إلى بيت الله ليس لأرحام بيننا، وإنما يربط بيننا حب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم، ويربط بيننا حب تعمير بيت الله، وحب مجالس العلم، وحب ذكر الله عز وجل، فاستبشروا ثم استبشروا ثم استبشروا.

    والنبي صلى الله عليه وسلم كان كلما رأى الصحابة أفواجاً وجماعات وفرادى في المسجد النبوي الشريف، يتلقاهم متبسماً ويقول: (مرحباً بالقوم، غير خزايا ولا نادمين).

    وفي ذات يوم خرج لصلاة المغرب وصلى بالمسلمين المغرب، ثم عاد إلى بيته، ثم خرج إلى الصحابة وهم في المسجد مسرعاً وقال: (هذا ربكم عز وجل فتح لكم باباً من أبواب رحمته، ويباهي بكم الملائكة ويقول: هؤلاء عبادي قد أدوا فريضة وهم ينتظرون فريضة أخرى، أشهدكم يا ملائكتي أني أحبهم، وغفرت لهم ذنوبهم، ورضيت عنهم). اللهم احشرنا في زمرة الصالحين يا رب العالمين.

    أتمنى أن تكون هذه الحلقة هي آخر الحلقات عن النار.

    والمسألة ليست مسألة تخويف، ولا مسألة تنفير؛ لأن بعض الإخوة والأخوات يتصلون بي ويقولون: هل كل شيء أصبح حراماً وخطأ، والمجتمع ليس فيه شيء من الخير؟ إذا كان كذلك فماذا نصنع؟

    أقول: أريد أن أطمئن نفسي وأطمئنهم طالما أننا نزيد في جرعة خوفنا من الله فذلك هو الذي يقربنا إلى الله عز وجل، فهذا سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما يقول: لأن تجلسوا مع أناس يخوفونكم فتلقون أمناً يوم القيامة خير لكم من أن تجلسوا مع أناس يؤمنونكم فتجدون خوفاً يوم القيامة، فإن الله لا يجمع على عبده أمنين ولا خوفين، من خاف في الدنيا أمنه الله في الآخرة، ومن أمن في الدنيا أخافه الله في الآخرة.

    يعني: لا تجد آمناً من عذاب الله في الدنيا إلا وهو منحرف، فإذا وجدت من يقول لك: ما بيني وبين ربنا عامر فاعلم أن بينه وبين ربنا خراباً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعرف الخلق بالخالق، وهو أقرب الخلق من الخالق، وهو أحب الخلق إلى الخالق، كان أشد الناس خوفاً صلى الله عليه وسلم، وكان يقول صلى الله عليه وسلم: (أنا أقربكم إلى ربي، ولكني أشدكم خشية).

    وهذا مثل ولله المثل الأعلى: عندما يكون هناك مسئول، ومدير مكتبه هو أعرف الناس به، يعرف متى يغضب، ومتى يرضى، متى يحب، ومتى يكره، ويعرف الحاجة التي يحبها، والحاجة التي لا يحبها؛ لأنه أقرب الناس إليه، فلذلك يتقي غضبه، ولا يعمل الشيء الذي يجعله يغضب عليه، ولله المثل الأعلى كلما اقترب العبد من ربه ابتعد عن كل ما يغضبه سبحانه، وعمل كل ما يرضي الله، اللهم اجعلنا منهم يا رب.

    وهذا سيدنا عمر كان يقرب إصبعه من التنور التي تطبخ عليه زوجته ويقول: يا بن الخطاب ألك صبر على مثل هذا؟ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أن أهل النار وجدوا ناراً من نيران الدنيا لاستراحوا فيها وناموا).

    فإذاً: نار الآخرة خطيرة وعظيمة.

    والله سبحانه يقول لجهنم: هَلِ امْتَلأْتِ [ق:30] فتقول: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق:30] فهي تطلب المزيد حتى يضع القهار فيها قدمه فتقول: يا رب! بعزتك قد امتلأت، بعزتك قد امتلأت، بعزتك قد امتلأت، وينزوي بعضها إلى بعض خشية من الجبار سبحانه أن يكون قد خلق خلقاً غيرها ليعذبها به.

    إذاً: النار نفسها في حالة من الرعب.

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (سوف يأتي زمن على أمتي يستقل الصبي المائة دينار ...) فالمائة دينار تكفي قبيلة، لكن تعطي اليوم مائة جنيه للطفل فيقول: ماذا أصنع بها؟ أين المصاريف؟ أين البنطلون؟ أين القميص؟ أين (الكرفتات)؟ أين مصروف المدرسة؟ أين .. أين .. أين .. المائة جنيه ليس لها قيمة.

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (سوف يأتي زمان على أمتي يستخفي المؤمن فيهم كما يستخفي المنافق فينا اليوم) كان المنافقون في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم يستخفون، لكن اليوم المؤمن هو الذي يستخفي في المكتب والعمل، فأنت تستحي أن تتكلم في أمور الدين؛ لأنهم سيهجمون عليك، ومع ذلك تجدهم يقولون: نحن بيننا وبين ربنا عمار، ويقولون: هؤلاء المشايخ ما هو علمهم؟! فترى الواحد منهم يخوض في العالم ويسب العالم ولا يهمه؛ لأن المسألة عنده سهلة، وهي أن بينه وبين ربنا عماراً حسب زعمه، ويؤذن لصلاة الظهر والعصر ولا يصلي، ويزعم أن بينه وبين ربنا عماراً، أي عمار هذا؟!

    1.   

    ضرورة الخوف من الله وثمرة ذلك الخوف

    ينبغي للمسلم أن يخاف الله عز وجل؛ ولذلك قال سيدنا علي:

    إن لله عباداً فطنا

    يعني: أذكياء، جمع فطن.

    إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا فتنا

    نظروا فيها فلما علموا

    أي: نظروا في الدنيا

    نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا

    جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر! أحكم السفينة فإن البحر عميق، وخفف الحمل فإن العقبة كئود، وأكثر الزاد فإن السفر طويل، وأخلص النية فإن الناقد بصير).

    يعني: أن البلاء كثير، والفتن كثيرة ومتتابعة، يقول فيها الحبيب صلى الله عليه وسلم: (سوف تأتي الفتن على المؤمن يرقق بعضها بعضاً)، مثلاً: كنت تسمع عن مصيبة من سنوات كأن يحكي لك ابن عمك مشكلة يقول: مرة عملت كبيرة من الكبائر، وهي أن والدي رآني وأنا أشرب سيجارة، فهذه بالنسبة لعمك من ستين سنة كانت مصيبة، أما اليوم فإن العم عندما يرى ابنه وهو واضع رجلاً على رجل يحييه بسيجارة، فكأن المصيبة السابقة بالنسبة لوالده لم تكن مصيبة!

    وتسمع بعد ذلك قائلاً يقول لك: مرة واحد عندنا في البلد أشار لوالده هكذا، ستقول: لا، لا، قل كلاماً غير هذا، ويأتي مرة ثانية ويقول لك: واحد قتل والده، فالذي أشار لوالده هذا يعتبر ملكاً من الملائكة أمام من قتل والده.

    وعندما عاد النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق، قال: (ما لي أرى الفتن تتساقط على بيوتكم تساقط المطر) الفتن تتساقط على بيوت الصحابة، فكيف لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم مشى مرة في قرانا ومدننا ماذا يقول؟!

    فقال الصحابة: (كيف نتقيها يا رسول الله؟!) فالصحابة أرادوا أن يعرفوا العلاج من الطبيب الذي يشخص المرض، قال: (اتقوها بتقوى الله وكثرة الاستغفار)؛ والتقوى: هي ألا يجدك حيث نهاك، ولا يفتقدك حيث أمرك.

    يعني: أن ربنا سبحانه وتعالى عندما ينظر إليك فلا يجدك في مكان قال لك: لا تقعد في هذا المكان، وعندما يبحث عنك في مجالس العلم، وفي صلاة الجماعة، وفي عيادة المريض، وبإدخال السرور على المسلمين، وفي صلة الأرحام يجدك في هذه المواطن.

    ويعرّف سيدنا علي التقوى ويقول: التقوى: هي: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.

    وسئل الحسن البصري عن سبب خوفه الدائم، وطلب منه أن يصف خوفه فقال: لو أنك ركبت البحر في مركب أو قارب، فانقلب بك من شدة الأمواج فتحطم القارب أو المركب ولم يبق منه إلا لوح تعلقت به وسط الأمواج، كيف يكون حالك؟! قال له: سأكون في حالة رعب شديدة، قال: أنا هكذا مع الله ليل نهار.

    إذاً: ينبغي لنا أن نغلب جانب الخوف على جانب الرجاء، مما يجعلنا نستشعر معنى قول الله تعالى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18].

    كل أعمال ابن آدم وأقواله إما له وإما عليه، فأنت عندما تمسح على رأس اليتيم تؤجر، فقد جاء في الحديث: (فاضت الرحمة من مفرق شعره إلى أخمص قدميه، وصلى عليه سبعون ألف ملك، وكان له بكل شعرة من شعر اليتيم حسنة) وهذه اليد لو امتدت وأخذت جنيهاً رشوة، فإنها تأثم، والعرب كانت عندهم كنايات لطيفة، كانوا يقولون: فلان نظيف اليد، يعني: لا يأكل بها حراماً.

    وهذه السيدة نفيسة لما مات الشافعي رحمه الله قالت: رحم الله الشافعي كان يحسن الوضوء، فقال لها بعض من الجالسين: كيف كان يحسن الوضوء؟! قالت: كان يحسن الوضوء الباطني. يعني: كان نظيفاً من الداخل، كما كان نظيفاً من الخارج، فهو نظيف مظهراً ومخبراً.

    والأعمال القلبية معنوية ليست ملموسة ولا محسوسة بالحواس، فمنها ما هو خير ومنها ما هو شر، فأعمال القلب الخيرية كالخوف والرجاء والشكر والذكر وحب الخير وكراهية الباطل وحب المؤمنين وكراهية الكافرين هذه كلها معنوية، أما أعمال القلب غير الخيرية فهي الغل والحسد، والحقد، والضغينة، وعدم حب الناس، والغيبة، والنميمة، فلو أن هذه الأعمال أصبحت ملموسة محسوسة، فهناك من الأعمال ما تستحي أن يراها الناس، فلا تستطيع إظهارها، فكيف تبارز الله بها وهو يعلم السر وأخفى، وهو أعظم من يخشى ويتقى؟!

    1.   

    أعظم عذاب أهل النار وأعظم نعيم أهل الجنة

    آخر جزء توقفنا عنده في الدرس الماضي هو أصعب عقاب وعذاب لأهل النار في النار، وهو الحجاب عن رؤية وجه رب الأرباب، وقلنا: إن الله سبحانه وتعالى لو تجلى بجمال وجهه على أهل النار لنسوا العذاب الذي هم فيه، ولو منع الله جمال وجهه عن أهل الجنة لما راقت لهم الحياة لحظة في الجنة، فالنعيم كل النعيم في مشاهدة وجه الله الكريم، والعذاب كل العذاب في الحجاب عن وجه رب الأرب.

    اللهم لا تحجبنا عن النظر إليك يا رب العالمين، قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23] اللهم اجعلنا منهم.

    جاء في الحديث: (تقول الملائكة: ليسع كل قوم إلى ما كانوا يعبدون) أي: كل جماعة تلحق بالمعبود الذي كانت تعبده، فأصحاب بوذا يتبعون بوذا ، والهندوس يتبعون البقرة، وأتباع عيسى يتبعون الشيطان الذي يتمثل في صورة عيسى؛ لأن عيسى بريء منهم، فقد قال: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:117-118] فسيدنا عيسى لم يقل: إنك أنت الغفور الرحيم؛ لأن المقام ليس مقام سماح، وإنما هو مقام اعتذار، كأنه يقول: عززت في عليائك يا رب، فلتحكم عليهم بما تشاء.

    إذاً: كل جماعة يذهبون إلى إلههم، فيبقى المسلمون الموحدون فيقال لهم: ماذا تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا، وماذا تريدون؟ نريد أن نراه، وهل رأيتموه من قبل؟ قالوا: لا، قالوا: هل بينكم وبين ربكم آية تعرفونها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق فلا يبقى أحد كان يسجد طائعاً في الدنيا إلا أذن له في السجود.

    فهؤلاء هم الذين قالوا: لا إله إلا الله بحق، ليس من يقول: لا إله إلا الله وينصب على الناس، ويتجبر على الناس، ويكذب على الناس، ويسرق، ويرتكب الفواحش، ثم لا يتوب. اللهم فاجعلنا من التوابين، واجعلنا من المتطهرين، واجعلنا من عبادك الصالحين يا رب العالمين.

    1.   

    صفة النار وما فيها

    ندخل الآن إن شاء الله في الحلقة الرابعة وهي المتممة لما سبق من صور العذاب التي تحدثنا عنها في الحلقة السابقة، اللهم أبعدنا عن النار، وعما في النار من عذاب، وتب علينا قبل أن نموت يا رب العالمين.

    سنذكر النصوص من سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم التي جاءت لتحدثنا عن النار وما فيها؛ لأننا مازلنا نؤكد ونقول: إن حلقات الدار الآخرة لا اجتهاد فيها لمجتهد؛ فمسألة الدار الآخرة الحديث فيها ليس رجماً بالغيب، ولا قياساً، ولا اجتهاداً، وإنما هي نصوص؛ ولذلك هذه الحلقات الوحيدة التي دائماً أرتبط فيها بالنص؛ من أجل ألا توجد كلمة تذهب مني هكذا أو هكذا؛ لأن هذه أمانة، وحلقات الدار الآخرة جزى الله خيراً من ينشرها في مصر وفي خارج مصر.

    عن كعب الأحبار رضي الله عنه قال: إن الله تعالى يقول: يا جبريل ائتني بجهنم، وفي رواية: ائتني بالنار، والرواية التي حققناها: ائتني بالنار، والحمد لله ثبت صحة الحديث أيضاً: ائتني بجهنم، فكلا الروايتين صحيحتان، فإن أطلقت النار فعلى النار كلها، وإن أطلقت جهنم فإنها على الجزء الذي أعد لعصاة الموحدين، أو من باب المجاز الذي هو إطلاق الكل مع إرادة الجزء، كما قال سيدنا نوح: وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ [نوح:7] فالواحد عندما يريد أن يسد أذنيه عن الاستماع فإنه يضع جزءاً من إصبعه في أذنه لا كلها.

    إذاً: هذا اسمه إطلاق الكل وإرادة الجزء، هناك العكس، إخوة سيدنا يوسف قالوا: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [يوسف:82] أي: اسأل أهل القرية، هذا في اللغة العربية يسمى مجازاً، وعلى كل فهذه فقط جزئية توضيحية.

    فالرواية تقول: يقول الله عز وجل: يا جبريل! ائتني بجهنم.

    وهذا يوافقه ما ورد في كتاب الله: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر:23].

    ثم قال: فيؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام، والزمام هو اللجام أو الحلقة أو السلسلة التي يشد منها.

    ثم قال: كل زمام يجره سبعون ألف ملك، يخرج منها أعناق مثل صور الثعابين أو الحيات، تلتقط أصحابها وأهلها وبنيها كما يلتقط الطير الحب، يعني: عندما تأتي يخرج منها أعناق، كما أن الناس في الدنيا تتطاول على بعضها بالأذى، والشائعات، والغيبة، والخوض في الأعراض، وأكل المال بالباطل، وأكل مال اليتيم، وبالظلم، وبالغدر، وبالخداع، كل هذا تطاول، ففي يوم القيامة تتطاول هذه الأعناق من النار لتلتقط أهلها والعياذ بالله رب العالمين.

    ولذلك ربنا سمى أهل النار مرة أصحاب النار، ومرة أولاد النار، قال تعالى: فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ [القارعة:9] يعني: وقع في حضن جهنم.

    قال: فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ [القارعة:9] ثم قال: وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة:10-11] ليست ناراً فقط، بل هي نار حامية.

    صفة شرر جهنم وغضبها وخوف الأنبياء منها

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أن شرارة من شرر جهنم طارت على أهل الدنيا؛ لأحرقت مشرق الشمس ومغربها) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ [المرسلات:32-33].

    ثم قال: يا جبريل ائتني بجهنم، فتزفر زفرات ثلاث، فيقوم الحبيب صلى الله عليه وسلم منزعجاً، ينزعج الحبيب على أمته؛ لأنه يخاف عليهم.

    ويقول: ما يشاك أحدكم بشوكة إلا وأجد ألم ذلك في قلبي، كيف لا وقد قال الله تعالى عنه: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ [التوبة:128] يعني: يعز عليه تعبكم، ويصعب عليه أن ينحرف واحد منكم ويدخل النار، وكل واحد من الأنبياء يوم القيامة يقول: يا رب نفسي، نفسي، ثم قال: إن إبراهيم يأخذ بقوائم العرش وينسى ابنه إسماعيل، وموسى آخذ بقوائم العرش وينسى أخاه هارون، وعيسى آخذ بقوائم العرش وينسى أمه مريم ، وداود يأخذ بقوائم العرش وينسى ابنه سليمان، والنبي واقف على يمين العرش ويقول: يا رب أمتي، أمتي.

    فهذا من رحمته ورأفته صلى الله عليه وسلم بأمته؛ ولذلك عندما جاءه عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول ابن زعيم المنافقين وكان من أتقى الصحابة حين مات أبوه عبد الله بن أبي زعيم المنافقين، جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبره بموت أبيه وطلب منه أن يصلي عليه، فقام الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي عليه، فسيدنا عمر قال له: (يا رسول الله! كيف تصلي عليه وهو منافق؟! فيقول له صلى الله عليه وسلم: يا عمر إليك عني، فقال سيدنا عمر : ألم يقل لك ربك: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:80]، فقال صلى الله عليه وسلم: لو أعلم أن الله سوف يغفر لهم بأكثر من السبعين لاستغفرت) يقول هذا الكلام في عبد الله بن أبي ابن سلول الذي كان قد قال: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ [المنافقون:8] فيقصد بالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكان المنافقون يقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم: هُوَ أُذُنٌ [التوبة:61] يعني: أنه يسمع كلام الناس، ويرجع عبد الله بن أبي في غزوة أحد بثلث الجيش، ويخذل الناس عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورغم ذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم يذهب ويصلي عليه، ويعطي ابنه بردته من أجل أن يكفنه فيها، فينزل القرآن يقول له: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ [التوبة:84].

    يقول سيدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم: (يا رب أمتي أمتي، فيجيبه الله عز وجل إن أوليائي من أمتك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون).

    يعني: من يتولاه الله عز وجل بالعصمة والطاعة في الدنيا، وبالمغفرة والقبول في الآخرة، هؤلاء ينجون يوم القيامة.

    فالله يتولى نفوس المؤمنين، ويتولى استقامة المؤمنين، ويتولى صلاح المؤمنين، ويتولى طاعة المؤمنين.

    رحمة الله سبحانه بعباده

    ثم قال: (إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري، خيري إلى العباد نازل، وشر العباد إلي صاعد، أتودد إليهم بالمغفرة، وأنا أغنى الأغنياء عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي، وهم أشد ما يكونون حاجة لي، أهل ذكري أهل شكري، أهل طاعتي أهل محبتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، من تاب إلي منهم فأنا حبيبهم، ومن لم يتب فإني طبيبهم، من جاءني منهم تائباً تلقيته من بعيد: مرحباً بالتائبين، ومن ذهب منهم عاصياً ناديته من قريب: إلى أين تذهب؟ أوجدت رباً غيري؟ أم وجدت رحيماً سواي؟ الحسنة عندي بعشر أمثالها وقد أزيد، والسيئة عندي بواحدة وقد أعفو)، وأنا إلى عبادي أرحم من الأم بأولادها.

    رحمة ما بعدها رحمة، الشاهد في الحديث: (من جاءني منهم تائباً، تلقيته من بعيد: مرحباً بالتائبين، ومن ذهب منهم عاصياً ناديته من قريب: إلى أين تذهب؟).

    وفي الحديث: (إن الله خلق مائة رحمة، أنزل منها إلى أرضنا رحمة واحدة بها يتراحم الخلائق، حتى إن الدابة لترفع حافرها خشية أن تطأ وليدها فتؤلمه، وحجز عنده تسعة وتسعين رحمة يرحم بها الخلائق يوم القيامة).

    ثم قال: (إن أوليائي من أمتك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) الله الرحمن الرحيم يقول هذا لمن أرسله رحمة للعالمين.

    يعني: من كان خائفاً في الدنيا، فهو الآمن من عذاب الله يوم القيامة.

    ثم يقول تعالى لنبيه: لأقرن عينك في أمتك؛ لأن الله تعالى قال في القرآن: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى:5] فقال صلى الله عليه وسلم: (لا أرضى وواحد من أمتى في النار).

    غضب الله عز وجل على أهل الكبائر من أمة محمد

    قال الله تعالى: يا جبريل، بشر محمداً أن كل من قال: لا إله إلا الله فلن يخلد في النار، ثم تقف الملائكة بين يدي الله عز وجل ينتظرون ما يؤمرون به، فيقول الله سبحانه: معاشر الزبانية، انطلقوا بالمصرين من الكبائر من أمة محمد إلى النار، فقد اشتد غضبي عليهم؛ بتهاونهم بأمري في دار الدنيا، واستخفافهم بحقي، وانتهاكهم حرمي، يستخفون من الناس، ويبارزونني مع كرامتي لهم، وتفضيلي لهم على الأمم، فلم يعرفوا فضلي، وعظيم نعمتي، فتنطلق الملائكة بهم إلى النار رجالاً ونساء.

    هؤلاء مجموعة من الموحدين المسلمين الذين ماتوا وهم مصرون على الكبائر ولم يتوبوا منها.

    والآن عندما يقال للشخص: تب إلى الله قبل فوات الأوان، يقول لك: أتوب عندما أكمل أربعين سنة، أو عندما أتزوج، أو عندما أحج، أو أصلي من أول أشهر، نقول لهذا وأمثاله: من الذي يضمن لك أنك ستبقى إلى أول الشهر، يمكن ألا تصلي إلا فرضاً واحداً وتموت.

    ثم قال: وما من عبد يساق إلى النار من غير هذه الأمة إلا اسود وجهه.

    يعني: أي واحد من غير أمة محمد يساق إلى النار وعليه غبرة، أما من كان من هذه الأمة فإنهم يساقون بألوانهم، ويقضون مدة العقوبة وأشكالهم كما هي في الدنيا، الأبيض أبيض، والأحمر أحمر، والأسمر أسمر.

    خروج أهل الكبائر من أمة محمد من النار

    قال: فإذا وردوا على مالك قال لهم: معاشر الأشقياء من أي أمة أنتم من الأمم؟ فما ورد علي أحسن وجوهاً منكم، فيقولون: يا مالك! نحن من أمة القرآن، فيقول لهم: يا معاشر الأشقياء! أوليس القرآن أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فيرفعون أصواتهم بالنحيب والبكاء.

    يعني: أن مالكاً يقرعهم، ويقول لهم: الله أنزل القرآن على محمد وقال لكم: كذا وكذا وكذا، فيقولون: نعم، حصل وحصل وحصل، وجاء في الحديث: (مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً، فجعل الفراش والجنادب تتهاوى من حوله، وأنا آخذ بحجزكم، ولكنكم تتفلتون فتقعون فيها).

    ثم قال: فيقولون: وا محمداه، وا محمداه، وا محمداه ثلاث مرات، اشفع لمن أمر الله به إلى النار من أمتك، قال: فينادى مالك بتهدد وانتهار: يا مالك! من أمرك بمعاتبة أهل الشقاء ومحادثتهم، والتوقف معهم عند دخولهم إلى النار، يا مالك! لا تسود وجوههم فقد كانوا يسجدون لي في دار الدنيا، يا مالك! لا تغلهم بالأغلال فقد كانوا يغتسلون من الجنابة، يا مالك! لا تعذبهم بالأنكال ولا تلبسهم القطران، فقد طافوا حول بيتي الحرام، وخلعوا ثيابهم للإحرام، يا مالك! مر النار لا تحرق ألسنتهم فقد كانوا يقرءون القرآن، فتأخذهم النار على قدر أعمالهم، فالنار أعرف بهم وبمقادير استحقاقهم من الوالدة بولدها، فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى سرته، ومنهم من تأخذه النار إلى صدره، فإذا انتقم الله عز وجل منهم على قدر كبائرهم وعتوهم وإصرارهم فتح بينهم وبين المشركين باباً لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً، فينادون: يا رباه! يا سيداه! ارحم من لا يشرك بك في دار الدنيا، يا محمد! اشفع للأشقياء من أمتك، فيقول المشركون: ما أغنى عنكم محمد شيئاً، ها أنتم معنا في نار جهنم.

    يعني: حرمتم على أنفسكم أشياء في الدنيا وها أنتم معنا في النار.

    ثم قال: فعندئذ يقول الله عز وجل: أنا الرحمن الرحيم، لا أجعل من قال: لا إله إلا الله كمن أبى أن يقول: لا إله إلا الله، يا مالك! أخرج من النار كل من قال: لا إله إلا الله، وهذا تفسير كلام الله عز وجل: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر:2] يعني: في هذا الوقت، يقولون ليتنا قلنا: لا إله إلا لله؛ ولذلك جلس الرسول صلى الله عليه وسلم بجانب أبي طالب في مرض موته فقال له: (يا عماه! قل: لا إله الله اشفع لك بها عند ربي).

    وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله! أخبرني عن أهل النار؟ قال: لقد سألت عن عظيم، كل شديد قعبري، فقال: وما القعبري يا رسول الله؟! قال: الشديد على العشيرة، الشديد على الأهل، الشديد على الصاحب) يعني: أنه عنيف وغليظ في معاملته على الأهل وعلى الجار، وعلى زوجته وعلى أولاده وعلى المسلمين وعلى أصحابه، والمسلم لا يعرف العنف.

    وهذا سيدنا سواد بن غزية رضي الله عنه وهو واقف في الصف في غزوة بدر وتقدم على الصف قليلاً فطعنه الرسول صلى الله عليه وسلم بقدح في يده وقال: (استو يا سواد ، فقال: يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني، فكشف رسول الله عن بطنه وقال: استقد، فاعتنقه سواد وقبله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما حملك على هذا؟ قال: يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك).

    شفاعة الشافعين للعصاة من أمة محمد بالخروج من النار

    وعن أبي سعيد الخدري عن الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم أنه قال: (حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده ما أحد منكم بأشد مناشدة من المؤمنين لله يوم القيامة في إخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا إنهم كانوا يصومون معنا، ويصلون معنا، ويحجون معنا، فيقول الله عز وجل: أخرجوا من عرفتم) ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: (أكثروا من الأخلاء الصالحين، فإن لكل مؤمن شفاعة يوم القيامة) يعني: عندما تكثر أحباءك في الله يأتون يوم القيامة فيشفعون لك؛ لأن الواحد قد يقول لآخر: يا فلان! اشفع لي عند ربك، فيقول له: أنا لا أعرفك، فيذكره ويقول: لقد مررت عليك مرة فسلمت عليك وتبسمت في وجهك، فيقول له: يا رب! شفعني فيه، فيشفعه فيه ويدخله الجنة.

    (فيقول الله عز وجل: أخرجوا من عرفتم، فيخرجون خلقاً كثيراً، منهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه ومنهم من أخذته إلى كعبيه، فيقولون: ربنا لم يبق فيها أحد ممن أمرتنا به) يعني: لا يوجد أحد من الذي نعرفهم إلا أخرجناه.

    إذاً: كل مؤمن له شفاعة، فقد جاء في الحديث: (المؤمن يشفع في الواحد، ويشفع في الاثنين، ويشفع في سبعين من أهله وجبت لهم النار، ويشفع في القبيلة والقبيلتين) كل واحد على قدر رصيده ومكانته عند الله.

    قال: (ويقول الله عز وجل: فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه من النار) يعني: من تجدون في قلبه خيراً مثل هذا الدينار فأخرجوه من النار.

    قال: (فيخرجون خلقاً كثيرا، فيقولون: يا ربنا! لم نذر فيها ممن أمرتنا أحداً، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيرا، ثم يقولون: ربنا! لم نذر فيها ممن أمرتنا بإخراجه أحداً، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، قال: فيخرجون خلقاً كثيراً، فقال أبو سعيد الخدري : إن لم تصدقوني فاقرءوا إن شئتم: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [النساء:40]) يعني: أنت عملت مثقال ذرة صغيرة من خير ولم تكن تأبه لها، فهذه ستنفعك يوم القيامة، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا [النساء:40] يعني: يكثرها، وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40].

    (فيقول الله عز وجل: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أنا وأنا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج بها قوماً لم يعملوا خيراً قط، قد صاروا حمماً، فيلقيهم في نهر في الجنة يقال له: نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يقول: لا تدعوا في النار رجلاً أو امرأة قال: لا إله إلا الله).

    فأهل التوحيد في النار لا يقيدون؛ لأن الموحد في الدنيا رغم عصيانه كان مقيداً بالحلال والحرام، فقد يأتي يوماً من الأيام فيقول: لا أنظر إلى الحرام، فهذا مقيد بنظره، ويقول: لا أسمع خطأ، فهذا مقيد بسمعه، ويقول: لا أذهب إلى المكان الذي فيه الرقص، فهذا مقيد برجليه، ويقول: لا أمد يدي إلى الحرام، فهذا مقيد بيديه.

    فإذاً: المؤمن مقيد في الدنيا عن الشر، فربنا يأتي يوم القيامة فيجعل لكل عمل في الدنيا ما يقابله في الآخرة.

    إذاً: الموحدون لا يقيدون، فتقول الخزنة بعضهم لبعض: ما بال هؤلاء يقيدون وهؤلاء لا يقيدون، مع أنهم كلهم أهل نار، فناداهم منادٍ: أن هؤلاء كانوا يمشون في ظلمات الليل إلى المساجد، فقد جاء في الحديث: (بشر المشاءين في الظلمات بالنور التام يوم القيامة) فالذين يمشون في الليل لصلاة العشاء وصلاة الفجر بشرهم أنهم سيمشون في نور الله يوم القيامة، أما من يتخلف عن صلاة العشاء وصلاة الفجر فهذه علامة من علامات النفاق؛ لأن أثقل صلاة على المنافق صلاة العشاء والفجر.

    وقرأ سيدنا عبد الله بن مسعود قوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ [النحل:38] الذي قال هذا هم الكفار، فسيدنا عمر لما سمع هذه الآية بكى، وقال: ونحن نقسم بالله جهد أيماننا ليبعثن الله من يموت، ثم قال: أتراك تجمع بين القسمين في دار واحدة؟! يعني: هؤلاء أقسموا أن ربنا لن يبعث الذي مات، ونحن نقسم أنك يا رب ستبعث الذي مات، فهل ستساوي بيننا في النار؟!

    وهذا سيدنا الإمام الشافعي رحمه الله سمع قارئاً يقرأ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1] وسمع قارئاً آخر يقرأ: فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] هذا على لسان فرعون، فبكى الشافعي وقال: يا رب! أتسوي يوم القيامة بين من قال: أنا ربكم الأعلى، ومن قال: سبحان ربي الأعلى.

    انظروا إلى لطف العلماء وكياسة أهل التقوى كيف يكلم ربنا؟!

    وهذا سيدنا الحسين رضي الله عنه قبل آخر لحظة من دخوله كربلاء، عاد وشرب ماء من عند أخته السيدة زينب رضي الله عن أهل البيت، وهو يشرب وفي يده الإناء أخذته سنة من النوم، ففتح عينيه، وقال: يا أختاه! رأيت جدي اللحظة، وقال: يا حسين ! أنت عندنا بعد لحظات، وبكى، ونظر إلى السماء وقال: يا رب! أمرتني فلم أأتمر، ونهيتني فلم أنته، ولكن لا أشرك بك شيئاً أبداً، ولا إله إلا أنت وأنت الغفور الرحيم.

    هذا آخر كلام قاله الإمام الحسين رضي الله عنه وعن آل البيت يا رب العالمين.

    ننتقل إلى كلام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا العتل الزنيم).

    الجواظ: هو الذي جمع ومنع، مثل قارون حين جمع المال ومنع الصدقات والخيرات عن الناس، فهذا الجواظ الذي لا يدخل الجنة.

    والجعظري: هو الفظ الغليظ، الذي قلنا: إنه مثل القعبرى، فالقعبرى والجعظري شيء واحد.

    والعتل الزنيم: هو شديد الخلق رحيب الجوف، يعني: شكله جميل؛ لكنه من الداخل خاوٍ من الخير، هو شخص طويل جداً فتجده يقعد ويغني بأغاني النساء يقول لك: حتى فساتيني التي ..

    فساتينك ماذا يا بني؟ أنت قلبك فيه أمراض، ربنا يرحمنا ويهدي الكل.

    روى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وعرض عليّ أول ثلاثة في الجنة، وأول ثلاثة في النار، فأول ثلاثة يدخلون الجنة: الشهيد، وعبد مملوك لا يشغله رق الدنيا عن طاعة ربه، وعفيف فقير متعفف ذو عيال. وأهل النار ثلاثة: أمير متسلط، وذو ثروة من مال يمنع عطاء الله عن عباده، وفقير فخور).

    وفي حديث آخر: (أن ناساً من أمتي يدخلون النار بذنوبهم، ويكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا، ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون: ما نرى ما كنتم تخالفوننا فيه من تصديقكم وإيمانكم نفعكم، فلا يبقى موحد إلا أخرجه الله من النار، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر:2]، وإن في النار لرجلاً في شعب من شعابها ينادي مقدار ألف سنة: يا حنان! يا منان!).

    الحنان : هو الذي يقبل على من أعرض عنه، والمنان هو الذي يعطي النوال قبل السؤال. (فيقول الله: يا جبريل! أخرج عبدي من النار، فيأتيها فيجدها مطبقة) يعني: مقفلة مؤصدة. (فيرجع ويقول: إنها يا رب عليهم مؤصدة، فيقول: يا جبريل! ارجع ففكها فأخرج عبدي من النار، فيفكها، فيخرج مثل الخيال، فيطرحه على ساحل الجنة حتى ينبت الله له شعراً ولحماً ودماً) ذكره أبو نعيم في الحلية، والإمام أحمد في مسنده.

    اللهم ثقل بهذه الجلسات موازيننا يوم القيامة، واجعلها خالصة لوجهك الكريم.

    اللهم زحزحنا عن النار، اللهم زحزحنا عن النار، اللهم زحزحنا عن النار.

    اللهم أدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب.

    اللهم تب على كل عاص، واهد كل ضال، واشف كل مريض، وفك كرب المكروبين، وسدد دين المدينين.

    اللهم من أراد بمسلم سواءاً فاجعل كيده في نحره يا رب العالمين.

    اللهم أصلح الراعي والرعية، اللهم أصلح ولاة أمورنا، اللهم اهدهم للعمل بكتابك وسنة حبيبك صلى الله عليه وسلم.

    اللهم ول أمورنا خيارنا، ولا تول أمورنا شرارنا، وأصلح يا رب أحوالنا، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.

    اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك.

    تبنا إلى الله، تبنا إلى الله، تبنا إلى الله، ورجعنا إلى الله، ورجعنا إلى الله، ورجعنا إلى الله، وندمنا على ما فعلنا، وعزمنا عزماً أكيداً على أننا لا نخالف أمراً من أوامر الله، وبرئنا من كل دين يخالف دين الإسلام، والله على ما نقول وكيل.

    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.