إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عائض القرني
  3. من ميراث الرسول عليه الصلاة والسلام

من ميراث الرسول عليه الصلاة والسلامللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ابتدأ الدرس بمقدمة عن معجزات الرسول وحسن أخلاقه، ثم ذكر بعض الأوامر التي أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم كالصلاة جماعة، والتوبة والاستغفار، والاستزادة من النوافل من قيام ليل وصدقة، وعقب بالتحذير من السفور والأغاني وضياع الوقت، ذاكراً وسائل حفظ الوقت والمكفرات العشر للذنوب والمعاصي، واختتم الدرس بالإجابة عن الأسئلة.

    1.   

    مفتاح التغيير في حياة العرب

    ثناء وابتهال

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض، ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً.

    اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول ومثلما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك.

    لا إله إلا أنت، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي النار سطوتك، وفي الجنة رحمتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك، أنت رب الطيبين، وأنت سند المضطهدين، وأنت عضد المهضومين، وأنت ملجأ العابدين، لا إله إلا أنت، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.

    اللهم صل وسلم على من أرسلته هدايةً ورحمةً للعالمين، بلغت به الرسالة، وأديت به الأمانة، ونصحت به الأمة، وهديت به الإنسانية، وأنرت به أفكار البشرية، وزعزعت به كيان الوثنية، صلى الله وسلم على صاحب الحوض المورود، صلى الله وسلم على صاحب الصراط الممدود، صلى الله وسلم على من كسر الله به ظهور الأكاسرة، وقصر به آمال القياصرة، الذين طغوا وبغوا حتى أرداهم ظلمهم في الحافرة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    لا إله إلا الله، كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون.

    لا إله إلا الله كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.

    لا إله إلا الله خالق الليل والنهار.

    لا إله إلا الله تسبح له الحيتان في البحار.

    لا إله إلا الله تقدسه الأسماك في الأنهار.

    لا إله إلا الله تفوح باسمه الأزهار.

    لا إله إلا الله يحمل دعوته النبي المختار.

    أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الذي أنزل هذا الغيث، أن ينزل على قلوبنا غيثاً كهذا الغيث، فإنه إذا رحم رحم، وإذا عفا عفا، وإذا منّ منّ، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16] ثم قال: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [الحديد:17].

    فيا من أحييت الأرض بعد موتها، بعد أن ذبلت الأزهار، وتقطعت الأشجار، وفلت الحدائق، وماتت البساتين، أنزلت غيثاً مريعاً من السماء فأحييتها فإذا هي مزهرة، نسألك يا أحد، يا فرد يا صمد، يا من له الملك في الدنيا والآخرة، يا قيوم! من يرحمنا إذا لم ترحمنا!

    ومن يغفر لنا إذا لم تغفر لنا!

    ومن يسترنا إذا لم تسترنا!

    اجتمعنا والله في مرضاتك، وجلسنا والله في بيتك، إن الملك من ملوك الدنيا لو طرقه الناس للبى دعواتهم، وأنت ملك الملوك.

    إن الملوك إذا شابت عبيدهم      في رقهم عتقوهم عتق أبرار

    وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً     قد شبت في الرق فاعتقني من النار

    اللهم كما جمعت بيننا في هذا المجلس فاجمع بيننا في جنة عرضها السماوات والأرض، مع النبي محمد، مع نوح وإبراهيم وموسى، مع أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90].

    عباد الله! إن الرسول عليه الصلاة والسلام يوم أراد الله أن يحيي به القلوب، أرسله فأيقظ الأرواح، كان العرب قبل الإسلام أمواتاً، كانوا يعبدون الحجر والشجر والأوثان، يزنون، يغشون، يكذبون، يقطعون الأرحام، يتلاعنون، فلما أراد الله أن يحيي قلوبهم بعث محمداً عليه الصلاة والسلام: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2]

    إن البرية يوم مبعث أحمد     نظر الإله لها فبدل حالها

    بل كرم الإنسان حين اختار من     خير البرية نجمها وهلالها

    فضل لا إله إلا الله

    أتى عليه الصلاة والسلام بكلمتين من أتى بهما يوم القيامة وعمل بمقتضاهما؛ فتح الله له باب الجنة، ومن لم يأت بهما؛ فلن يفتح له باب الجنة وهو من الخاسرين، أتى بـ(لا إله إلا الله، محمد رسول الله) فمن طرق بهما باب الجنة؛ فتح الله له.

    يقول عمر بن الخطاب وهو في سكرات الموت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول؛ فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء} فأبواب الجنة الثمانية تفتح لك أيها العبد الصالح، يابن من سجدوا لله، يابن من رفعوا لا إله إلا الله، يابن من ماتوا على علم لا إله إلا الله، فليس بغريب أن تهتدي لكن الغريب أن تضل عن سبيل الله: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125].

    جلس عليه الصلاة والسلام في مسجده في المدينة، المسجد الذي خرج علماء الدنيا، وقادتها، جلس بين الصحابة، فأتاه رجل من البادية يريد الإسلام، فلما تخطى الصفوف قال: أين ابن عبد المطلب؟ يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ابن عبد الله لكن جده عبد المطلب أشهر في العرب من أبيه، حتى يقول عليه الصلاة والسلام وهو يقاتل الأبطال في المعركة:

    {أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب}

    قال: {أين ابن عبد المطلب؟ قال عليه الصلاة والسلام: قد أجبتك، قال: أسألك مسألة فلا تغضب علي، قال: سل ما بدا لك، قال: من رفع السماء؟ قال: الله، قال: من بسط الأرض؟ قال: الله، قال: من نصب الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله، قال: أسألك بمن رفع السماء، وبسط الأرض، ونصب الجبال وجعل فيها ما فيها، آلله أرسلك؟ قال: اللهم نعم، قال: أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال، آلله أمرك أن تأمرنا بخمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم، فأخذ يسأله حتى انتهى من أركان الإسلام، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، والله لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص، أنا ضمام بن ثعلبة، أخو بني سعد بن بكر، ثم ولى وفك عقال ناقته، وركبها، فقال عليه الصلاة والسلام: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا}.

    هذا طريق الجنة أيها المسلمون، هذا طريق السعادة أيها الأبرار، هذا طريق النجاة أيها الأخيار:

    فقل لـبلال العزم من قلب صادق     أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا

    توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً     به ترقَ أبواب الجنان الثمانيا

    من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم

    وقف عليه الصلاة والسلام يوم الجمعة على المنبر في مسجده في عز الصيف، وفي شدة الحرارة، يقول أنس: والله ما في السماء من سحابة ولا غيم ولا قزعة، وبينما هو يخطب عليه الصلاة والسلام، بين يديه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، والشهداء والأخيار، وهو في أثناء الخطبة دخل أعرابي من البادية، من الباب الغربي للمسجد، فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يغيثنا؛ فقد تقطعت السبل وجاع العيال وضاع المال، فوالله ماتلعثم عليه الصلاة والسلام الصلاة، ولا توقف ولا فكر، وإنما رفع يديه في أثناء الخطبة، ثم قال: {اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا} قال أنس رضي الله عنه وأرضاه: والله الذي لا إله إلا هو، ما في السماء سحاب ولا غيم، ولقد أزبدت السماء وأرعدت في لحظات، ثم أمطرت والله ما نزل عن منبره إلا والمطر يتحدر على وجهه الشريف، وهو يتبسم من هذه النعمة ويقول: {أشهد أني رسول الله}.

    ونحن نشهد أنك رسول الله، ونشهد أنك بلغت الرسالة، ونحن نشهد أنك أديت الأمانة، وأنك دللتنا على طريق الجنة، وبقي المطر أسبوعاً كاملاً، وفي الجمعة الثانية قام عليه الصلاة والسلام يخطب، فدخل ذاك الأعرابي من نفس الباب، فقال: يا رسول الله! جاع العيال، وضاع المال، وتقطعت السبل من كثرة الأمطار، فادع الله أن يكف عنا الغيث، فرفع صلى الله عليه وسلم وعليه وسلم يديه وهو يتبسم من هذا الأعرابي الذي أتى أولاً يطلب الغيث ثم هو يريد رفع الغيث، وهو يقول: {اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر} قال الصحابة: والله الذي لا إله إلا هو ما أشار إلى مكان إلا وقع فيه الغيث.

    معجزاته عليه الصلاة والسلام عند أهل العلم في الإسلام ألف معجزة وأكثر، كل معجزة تكفي إلى أن يسلم بها الكافر، ويذعن لها المتكبر، ويدخل بها الفاجر في الدين.

    وكان له جذع نخلة يخطب عليه يوم الجمعة بأبي هو وأمي عليه أفضل الصلاة والسلام فقال للأنصار: اصنعوا لي منبراً أخطب عليه، فأتوا بمنبر من خشب، فلما قام يخطب عليه وترك الجذع الأول -جذع النخلة- قال جابر بن عبد الله: فلما تركه سمعنا للجذع حنيناً كحنين الإبل، وبكاءً كبكاء الأطفال، حتى سمعه أهل المسجد.

    جذع من خشب يبكي للرسول عليه الصلاة والسلام، هذا الحديث في البخاري ومسلم، قال: فانحدرت دموعه عليه الصلاة والسلام ونزل إلى الجذع يدهدهه، ويسكته:

    يا خير من دفنت في القاع أعظمه     فطاب من طيبهن القاع والأكم

    نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه     فيه العفاف وفيه الجود والكرم

    أخذ يدهده العود ويقول: اسكت بإذن الله أنا رسول الله حتى سكت.

    يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ [القمر:1-3] خرج عليه الصلاة والسلام على كفار قريش وهم في الحرم، فقال: {يا أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، يا أيها الناس! لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا أيها الناس! إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قال أبو جهل: لا أسلم لك، ولا أومن لك، ولا أصدقك حتى تشق لي القمر ليلة أربعة عشر، والقمر في سماء مكة، فقال عليه الصلاة والسلام: إن شققته أتسلم وتؤمن؟ قال: نعم، فدعا ربه صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم شق هذا القمر، ثم أشار بيده فانشق القمر فلقتين، فلقة ذهبت إلى عرفات، وفلقة ذهبت إلى جبل أبي قبيس، قال: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، فقاموا ينفضون ثيابهم ويقولون: سحرنا محمد، سحرنا محمد}.

    فيقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ [القمر:1-4] جاءهم والله بآيات يشيب منها الوليد، ويسلم منها الكافر، جاءهم والله ببينات ومواعظ تتدكدك منها الجبال، لكن أين القلوب؟ فما أسلم إلا القليل.

    1.   

    صاحب الخلق العظيم

    هذا الرسول الذي بعثه سُبحَانَهُ وَتَعَالى بالقرآن قال له مرة من المرات: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] أعظم الناس خلقاً، وأجل الناس، وأفضل الناس، وأحلم الناس، وواجبك أيها المسلم أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم قدوتك، وأن يكون إمامك ليقودك إلى الجنة:

    ومما زادني شرفاً وفخراً     وكدت بأخصمي أطأ الثريا

    دخولي تحت قولك يا عبادي     وأن صيرت أحمد لي نبيا

    مدحه الله في القرآن فقال: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] عاداه قرابته، وأبناء عمه وأعمامه وجيرانه، وأخرجوه من مكة، فطاردوه في كل مكان، آذوه، هدموا بيته، ضربوا بناته، وهاجر إلى المدينة، وبعد أن عاد منتصراً إلى مكة جمعهم والسيف على رءوسهم قال: (ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء) أي: عفا الله عنكم، سامحكم الله، غفر الله لكم ذنوبكم، فتباكوا بين يديه وقال أبو سفيان: لا إله إلا الله ما أرحمك! ولا إله إلا الله ما أوصلك! ولا إله إلا الله ما أبرك! فقال الله له: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

    تواضع الرسول

    هذا الرسول عليه الصلاة والسلام كان من أشد الناس تواضعاً، مرت به عجوز وهو يأكل على التراب تمرات عليه الصلاة والسلام، أفضل وأروع وأشرف من خلق الله، والعجوز مشركة، قالت: انظروا إليه يأكل كما يأكل العبد، ويجلس كما يجلس العبد، فقال: {إنما أنا عبد لله} سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء:1] وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً [الجن:19] تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان:1].

    حلم يفوق الخيال

    1.   

    من أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم

    أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمور، وأعظم ما أمرنا به بعد التوحيد -بعد شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله- الصلوات الخمس، إنها العهد الذي بين العبد وبين الله، إنها ذمة الله، إنها حبل الله، إنها مفتاح لجنة عرضها السماوات والأرض أعدها الله للمتقين.

    الصلاة عماد الدين

    من أتى بالصلوات الخمس في يوم القيامة بيض الله وجهه، وأسعده في الدنيا والآخرة، وما تعرض للجحيم، ولا تردى في النار، ومن تهاون بالصلاة شقي في الدنيا والآخرة، وكانت معيشته ضنكاً وداره جحيماً، فهو يصلى عذاباً دائماً أبداً في الدنيا والآخرة، من أراد أن ينقطع من حبل الله انقطع من الصلوات الخمس، من أراد أن تحيط به لعنة الله ترك الصلاة، فتارك الصلاة يرتكب أكبر جريمة في تاريخ الإنسان، تارك الصلاة -يا عباد الله- كافر، يقول عليه الصلاة والسلام: {العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر} يقول عليه الصلاة والسلام: {بين المسلم والكافر ترك الصلاة} فإذا تركها فقد خرج من الدين , وقد باء بغضب الله ولعنته.

    قال بعض أهل العلم: من ترك صلاة فرض واحد عامداً متعمداً؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً، ولا يزكيه ولا ينظر إليه وله عذاب أليم.

    تارك الصلاة تستجير منه الحيتان في البحر، تارك الصلاة تشكو منه الأسماك في الأنهار، تارك الصلاة تبكي منه النملة في جحرها.

    تقول الببغاوات والعجماوات لرب الأرض والسماوات: يا رب منعنا القطر بتارك الصلوات، والله يقول من فوق سبع سماوات: {أبي تغترون؟ أم عليّ تجترئون؟! فبي حلفت لأنزلن فتنة تدع الحليم حيراناً} رواه الترمذي، ويقول: {وعزتي وجلالي لولا الشيوخ الركع والأطفال الرضع لخسفت بكم الأرض خسفاً}.

    المحافظة على صلاة الجماعة

    والصلاة -يا عباد الله- لا تقبل إلا جماعة إلا من عذر يبيح للمسلم أن يتخلف عنها، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ [النساء:102] ويقول: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43] ويقول عليه الصلاة والسلام: {والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بالصلاة، ثم أخالف إلى أناس لا يشهدون الصلاة معنا، فأحرق عليه بيوتهم بالنار، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء معنا} ويقول عليه الصلاة والسلام: {بيننا وبين المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر لا يستطيعونها} إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات:35].

    يقول عليه الصلاة والسلام للأعمى وقد سأله هل يجد له رخصة قال: {أتسمع حي على الصلاة حي على الفلاح؟ قال: نعم. قال: فأجب فإني لا أجد لك رخصة}.. حديث صحيح.

    وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من سمع النداء فلم يأت؛ فلا صلاة له إلا من عذر} ويقول عليه الصلاة والسلام في حديث فيه نظر: {من رأيتموه يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان} وذلك لقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة:18] والصلاة في الجماعة من أوجب الواجبات، ولا يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق.

    صلة الرحم

    ومن الأمور التي ينبه عليها صلة الرحم: يوم يقطع الإنسان رحمه يقطعه الله من فوق سبع سماوات وفي الحديث الصحيح: {خلق الرحم ضعيفة فتعلقت بالعرش، قالت: يا رب! هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك، قالت: نعم يارب قال: فذلك لك} قال: فأنزلها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى إلى الأرض، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله، ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23] فقاطع الرحم أصم أبكم أعمى لا يفهم شيئاً، قاطع الرحم تلحقه اللعنة في كتاب الله عز وجل، وقاطع الرحم يقترف أكبر جريمة في التاريخ بعد ترك الصلاة، ولو نزل غيث من السماء لعم الناس إلا قاطع الرحم، ولو نزلت رحمة من عند الواحد الأحد لنالها كل أحد إلا قاطع الرحم، ولذلك كان أوصل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما عاداه قرابته وقاطعوه، ودخل مكة منتصراً، أتاه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث، فأخذ أطفاله وخرج في الصحراء، لأنه آذى الرسول عليه الصلاة والسلام، وحاربه وقاتله وشتمه، قال الصحابة: أين تذهب يا أبا سفيان؟ قال: أذهب بأطفالي أموت بهم جوعاً وعرياً وظمأً في الصحراء، قالوا: عد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقل له كما قال إخوة يوسف ليوسف: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ [يوسف:91] فأقبل بأطفاله، وقال: يارسول الله! سلام الله عليك: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ [يوسف:91] فبكى عليه الصلاة والسلام، وقال: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:92] وصلة الرحم، ليس معناها أن تصل من وصلك بل وأن تصل من قطعك، وأن تعفو عمن ظلمك، وأن تعطي من حرمك: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الرعد:21] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134] وفي الحديث: {إذا جمع الله الأولين ليوم القيامة اجتمعوا جرداً مرداً حفاة عراة غرلاً بهماً، فينادي سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في ذلك اليوم بصوت يسمعه من قرب ومن بعد: لمن الملك اليوم، فلا يجيبه ملك مقرب ولا نبي مرسل، فيجيب نفسه بنفسه: لله الواحد القهار، فيقول: أين الكاظمون الغيظ والعافون عن الناس؟ فيقومون يتخطون رقاب الناس، حتى يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ثم ينادي: أين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيقومون يتخطون الناس، حتى يظلهم الله في عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ثم ينادي: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي، فيقومون يتخطون الناس حتى يظلهم الله في عرشه يوم لا ظل إلا ظله}.

    يا عباد الله! صلة الرحم من أعظم الأعمال، بالزيارة، بالمواصلة، بالهدية، بالدعاء؛ عل الله عز وجل أن يرحمنا من فوق سبع سماوات، ما تأخر القطر إلا بالذنوب، وما جف الماء إلا بالعيوب، وإذا رجعنا وتبنا إلى الله؛ غفر الله لنا ذنوبنا ظاهرها وباطنها.

    1.   

    الصدق مع الله

    ومن الأمور التي ينبه عليها -عباد الله- الصدق مع الواحد الأحد، الصدق مع الله (الإخلاص) وهذا عمر وهو من المخلصين الكبار، يمرغ وجهه في التراب، ويبكي وهو خليفة المسلمين، وقائد الأمة الإسلامية بعد أبي بكر، تولى الخلافة الراشدة، وكان يصلي الجمعة وفي جبته أربع عشرة رقعة، وذهب الدنيا وفضتها وكنوزها تحت يديه يقرقر بطنه من الجوع فيقول: [[قرقر أو لا تقرقر، والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]].

    يا من يرى عمراً تكسوه بردته      والزيت أدم له والكوخ مأواه

    يهتز كسرى على كرسيه فرقاً     من خوفه وملوك الروم تخشاه

    سؤال عمر ربه الشهادة

    أتي رضي الله عنه وأرضاه في آخر حجة حجها، فوقف عند الجمرات، ورفع يديه وهو صادق، لأن الله إذا علم الصادق؛ أعطاه ما تمنى قال تعالى: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ [محمد:21] وقال سبحانه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] فرفع يديه وقال:[[اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتة في بلد رسولك]].

    يجود بالنفس إن ضن البخيل بها     والجود بالنفس أغلى غاية الجود

    رؤيا عمر قبل استشهاده

    فعاد رضي الله عنه والصحابة يقولون: كيف تطلب الشهادة في المدينة؟! إن الذي يطلب الشهادة يخرج إلى الثغور، إلى بلاد الكفار يقاتل، قال: [[هكذا سألت الله وأسأل الله أن يلبي لي ما سألت]] فعاد إلى المدينة وفي أول ليلة نامها رأى في المنام كأن ديكاً ينقره ثلاث نقرات، فخرج في الصباح وذهب إلى امرأة صالحة تفسر الأحلام اسمها أسماء بنت عميس، فسألها ما هو تعبير الرؤيا والأحلام، فبكت، قال: مالك تبكين؟ قالت: أستودع الله نفسك الذي لا تضيع ودائعه، يقتلك رجل من العجم ويطعنك بالخنجر، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، حسبي الله، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، الله المستعان: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:156-157].

    استشهاد عمر

    بينما عمر في صلاة الفجر يصلي، أراد الله أن يشرفه بالشهادة، في أحسن فريضة (صلاة الفجر) وفي أحسن مكان (مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام) فلما كبر وركع تقدم له أبو لؤلؤة المجوسي من فارس، رجل مجرم، حاقد على الإسلام، فأخذ خنجراً سمها بالسم شهراً كاملاً حتى أصبحت زرقاء، ثم ضربه بحدين ثلاث ضربات، ست طعنات، فوقع على وجهه وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، الله أكبر، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، ثم التفت بعد الركعة الأولى قال: من قتلني؟ وتقدم ابن عوف أحد الصحابة فأكمل الصلاة، قالوا: قتلك أبو لؤلؤة المجوسي، قال: [[الحمد لله الذي جعل منيتي على يد رجل ما سجد لله سجدة]] قال أنس: فرفعناه على أكتافنا، ودماؤه تثعب على ثيابنا، وكأن القيامة قامت، قال: فوالله ما ذكر مالاً ولا ولداً، ولا زوجة ولا ميراثاً، وإنما يقول: هل أكملت الصلاة؟ قالوا: لا. قال: هل صليت؟ قالوا: لا. قال: الله المستعان!

    فذهبوا به إلى البيت فوضعوه على حصير عنده، فرفع الحصير عن التراب، ومرغ وجهه وهو يبكي والناس يبكون حوله ويقول: يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه، يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه، ثم قال: صدق الله: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16] فوضعوه على الفراش، ووضعوا تحت رأسه مخدة قال: انزعوا المخدة عن رأسي، عل الله أن يرحمني، فقال علي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين! طوبى لك الجنة، توليت فكانت ولايتك رحمة، وأسلمت فكان إسلامك نصراً، وهاجرت فكانت هجرتك فتحاً، قال: [[ليتني نجوت كفافاً لا لي ولا علي]] ثم قال: يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت شجرة تعضد، يا ليتني ما عرفت الحياة، وهو من الصادقين الكبار، وهو من الزاهدين الأخيار، وهو من أعظم من صام بعد أبي بكر وبعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    عمر بن الخطاب رضي الله وأرضاه، كان يطوف على رعيته في الظلام الدامس، ويقول: يا رب أتحاسبني بكل طفل، وبكل يتيم وبكل مسكين، وكان يبكي ويقول: كم قتلت يا عمر من أطفال المسلمين! فرضي الله عن تلك الروح الطاهرة، وسقى الله تلك العظام شآبيب الرحمة، وألحقنا بهم في دار الصدق.

    والمقصود من هذا الكلام: هو الصدق مع الله والإخلاص فإن من أخلص لله في عبادته، رزقه الله بالصدق صدقاً، وبالإخلاص إخلاصاً.

    عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري تظله الملائكة

    لما حضرت معركة أحد بين الكفار والمسلمين، بين قريش والمهاجرين والأنصار، خرج عبد الله بن عمرو الأنصاري فقال: يارب اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى، ثم اغتسل ولبس أكفانه، فلما أتى المعركة، قاتل حتى صلاة الظهر، ثم قتل، قالت أخته: والله لقد وجدت فيه أكثر من ثمانين ضربة بالسيف، قالت: فرأيت الرسول عليه الصلاة والسلام فأتيته فقلت: يا رسول الله، هل أخي في الجنة فأصبر وأحتسب أم في غير ذلك، فسوف ترى ماذا أصنع؟ قال: تبكين أو لا تبكين، فما زالت الملائكة تظلله حتى رفعتموه، والذي نفسي بيده، لقد كلم الله أخاك بلا ترجمان، قال: يا عبدي تمن، قال: أتمنى أن تردني إلى الدنيا، فأقتل فيك ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتمن، قال: أتمنى أن ترضى عني فإني قد رضيت عنك، قال: فإني قد أحللت عليك رضواني لا أسخط عليك أبداً، فجعل الله روحه وأرواح إخوانه الشهداء السبعين في حواصل طير، ترد الجنة فتشرب من مائها، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

    هذا ثواب الصدق يوم يصدق الإنسان مع الله، يوم يعلم الله عز وجل أنه صادق يرزقه هذا الثواب العظيم في الدنيا وفي الآخرة، فنسأل الله لنا ولكم الصدق.

    1.   

    حقوق الجيران

    ومن الأمور التي ينبه عليها، والتي قصرنا فيها جميعاً: حقوق الجيران، من أكبر نعيم الدنيا أن يوفق الله بينك وبين جار صالح، وإذا كتب الله عليك تنغيص الحياة، جعل لك جار سوء لا يستر زلتك، ولا يعفو عن خطيئتك، ولا يسامحك، يلاحقك في الليل والنهار.

    آسية امرأة فرعون عليها السلام لما حضرتها الوفاة قالت: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ [التحريم:11] قال ابن القيم: انظر كيف طلبت الجار قبل الدار، الجار قبل الدار، وكانت العرب تقول: الجار قبل الدار، ولا تنزل الدار إلا بالجار، حديث الوصية بالجار يقول أبو ذر: (خرجت مع الرسول عليه الصلاة والسلام في ليلة من الليالي والقمر متمكن من السماء، خط لي خطاً وقال: لا تخرج من هذا الخط حتى آتيك، قال: فخرج فسمعت خطيفاً كالحدأة وكالصقور والنسور، وعلمت أنها الجن، اجتمع بهم صلى الله عليه وسلم: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ [الرحمن:33]

    فهو رسول الإنس والجن، والله أرسله في تلك الليلة ليتكلم مع الجن قال: فإذا كالحدايا وكالصقور والنسور تخاطف من حولي، فأردت أن أخرج فتذكرت قوله صلى الله عليه وسلم: لا تخرج من هذا الخط حتى آتيك، قال: فمكثت مكاني حتى آخر الليل، فأقبل عليه الصلاة والسلام وإذا رجل معه يكلمه طويلاً، كلما مشى كلمه، وأخذ بتلابيب ثيابه، فلما انتهى إلي صلى الله عليه وسلم قال: كيف أنت يا أبا ذر؟ قلت: هممت أن أخرج يا رسول الله! فتذكرت وصيتك، أبطأت عليّ، قال: لو خرجت من هذا الخط ما عدت أبداً حياً، أتدري من هؤلاء الذين أتوا إلي؟ قلت: لا والله يا رسول الله! قال: هؤلاء الجن، خاطبتهم، وأسلم منهم نفر كثير وأصلحت فيما بين قبيلتين منهم، وجعلت لهم كل عظم لم يذكر اسم الله عليه، وكل روث يوضع في الأرض، فهذا طعام لهم وذاك طعام لدوابهم، ثم قال: يا أبا ذر أرأيت الذي يكلمني في صفد القمر؟ قلت: نعم يا رسول الله! قال: ذاك جبريل، والذي نفسي بيده ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) أي: يجعل له حقاً في الميراث.

    شكوى أحد الصحابة أذى جاره

    تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من أذية الجار

    يقول عليه الصلاة والسلام: {والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: من يا رسول الله؟ خاب وخسر، قال: من لا يأمن جاره بوائقه} أي: آذاه.

    أين الإيمان؟ أين الصلوات الخمس؟ أين مفهوم لا إله إلا الله؟ أين أثر القرآن في القلوب؟ أين تأثير الإيمان في النفوس؟ لو كان مؤمناً ما آذى جاره، لكن ما دخل الإيمان في قلبه، فتعدى على الجيران، ينتهك المحرمات، ويتعدى بشتى التصرفات، ولا يخاف من رب الأرض والسماوات، سبحان الله! ألا يرتدع العبد كلما ذكر القبر، والله إنها حفرة من أظلم الحفر، وإنها ضيقة وموحشة.

    يقول عثمان رضي الله عنه وقد رأى القبر: [[ما أضيقه وما أظلمه وما أوحشه]].

    والقبر فاذكره وما وراءه     فمنه ما لأحد براءه

    وإنه للفيصل الذي به     ينكشف الحال فلا يشتبه

    والقبر روضة من الجنان     أو حفرة من حفر النيران

    إن يك خيراً فالذي من بعده     أفضل عند ربنا لعبده

    وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ      ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ

    العار كل العار على من لم ينجه الله من النار، والندامة كل الندامة لمن دخل القبر بلا زاد، والخسران كل الخسران، والخذلان كل الخذلان، والحرمان كل الحرمان لمن طرح في القبر، ثم تولى عنه الأصحاب والأحباب والأولاد والأحبة، وبقي مرتهناً بعمله.

    يقول عمر بن عبد العزيز: [[ويلكم أيها الناس! أتدرون ماذا يقول الموت؟ قالوا: ما ندري، قال يقول: ذهبت بالعينين، وأكلت الحدقتين، وفصلت الكفين من الساعدين، والساعدين من العضدين، والقدمين من الساقين، يا أيها الناس! كم من غادٍ ورائح إلى الموت! قد وسد التراب، وترك الأحباب، وفارق الأصحاب، غنياً عما ترك، فقيراً إلى ما قدم]] يتمنى الميت أن يستطيع أن يقول في القبر: لا إله إلا الله، فما يستطيع أن يقول: لا إله إلا الله؛ يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ [سبأ:54].

    مر أحد الصالحين بالمقبرة في ظلام الليل، والسماء تمطر فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير؛ آنس الله وحشتكم، ونور الله ظلمتكم، ثم تولى، فنام تلك الليلة، فرأى أحد الأموات في المنام، قال: يا فلان، أتدري ماذا فعل الله بنا؟ قال: ما أدري؟ قال: والله لقد نور علينا قبورنا هذه الليلة بسبب قولك: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آنس الله وحشتكم ونور الله ظلمتكم، يا فلان! والله لقد حيل بيننا وبين لا إله إلا الله، نريد أن نقول: لا إله إلا الله، فما نستطيع أن نقول لا إله إلا الله، يا فلان! والله لو تدري بعظم لا إله إلا الله لقطعت بها عمرك جميعاً، وإنما يكون ذلك في هذه الدار.

    لا دار للمرء بعد الموت يسكنها     إلا التي كان قبل الموت بانيها

    فإن بناها بخير طاب مسكنه     وإن بناها بشر خاب بانيها

    أموالنا لذوي الميراث نجمعها     ودورنا لخراب الدهر نبنيها

    أين الملوك التي كانت مسلطة     حتى سقاها بكأس الموت ساقيها

    اعمل لدار غداً رضوان خازنها     والجار أحمد والرحمن بانيها

    قصورها ذهب والمسك طينتها     والزعفران حشيش نابت فيها

    أبيض الوجه من لقي الله بعمل صالح، الفائز يوم القيامة من زحزح عن النار، السعيد من سعد في بطن أمه وسعد في الأرض، وسعد في القبر وسعد على الصراط، فنسأل الله أن يسعدنا وإياكم يوم العرض الأكبر، يوم الحسرات، والندامات، يوم البكاء والصرخات، نسأل الله ألا يعرضنا وإياكم على النار.

    حق المسلم على أخيه

    ومن المسائل التي يجدر الإشارة إليها: حق المسلم على المسلم، نظر عليه الصلاة والسلام إلى الكعبة فقال: {ما أعظمك وما أجلك! والذي نفسي بيده للمسلم أعظم منك حرمة عند الله} {المسلم دمه حرام، وماله حرام، وعرضه حرام} المسلم أطهر من ماء الغمام، المسلم أحب إلى الله من أي بقعة في الأرض، المسلم يدافع الله عنه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ [الحج:38].

    إذا اعتدي على المسلم في ماله، دافع الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عنه.

    وحق المسلم أن إذا مرض فعده، وإذا مات فاتبع جنازته، وإذا عطس فشمته، وإذا استنصحك فانصحه، وإذا أراد منك خيراً فقدمه له، صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله يوم القيامة وهو يحاسب العبد: {يابن آدم! مرضت فلم تعدني أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدت ذلك عندي، يابن آدم! جعت فلم تطعمني، قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان جاع فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي} والجزاء من جنس العمل.

    1.   

    التوبة والاستغفار

    ومن المسائل التي ينبه عليها: التوبة والاستغفار والعودة إلى الله، ونحن نشكو حالنا وتقصيرنا وذنوبنا إلى الواحد الأحد، فلا يغفر الذنوب إلا الله، ولا يستر العيوب إلا الله، ولا يكشف الضر إلا الله، ولا يبرئ ولا يعافي، ولا يرحم إلا الله، فنسأل وهو الذي فوق سبع سماوات أن يعفو عنا وعنكم، وأن يغفر لنا ولكم قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] وقال سبحانه: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

    يا من أذنب وأخطأ! يا من أسرف وتمرد! يا من بعد عن الواحد الأحد! يا من شرد عن الفرد الصمد! عد إلى الله، فباب الله مفتوح، ونواله ممنوح، وعطاؤه يغدو ويروح: (يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) فنسأل الله أن يتوب علينا وعليكم.

    يارب عفوك لا تأخذ بزلتنا     وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه

    كم نطلب الله في ضر يحل بنا     فإن تولت بلايانا نسيناه

    ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا     فإن رجعنا إلى الشاطي نسيناه

    ونركب الجو في أمن وفي دعة     فما سقطنا لأن الحافظ الله

    فيا حافظ النفوس، ويا بارئ الأرواح، أسألك أن ترحمنا رحمةً ظاهرة وباطنة.

    توبة قاتل المائة

    يقول عليه الصلاة والسلام: {كان في من كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً} أخذ سيفه وهو ظالم فاجر، فأخذ تسعة وتسعين من الأنفس المعصومة فقتلها، فلما تلطخ بالدماء، وتلطخ سيفه بسفك الأبرياء، تذكر رب الأرض والسماء، وتذكر العرض على الواحد الأحد يوم القيامة، فذهب إلى الناس فقال: هل لي من توبة؟ قالوا: اذهب إلى ذاك الرجل الذي يعبد الله في هذا الغار، فاسأله هل لك من توبة، فذهب إلى رجل عابد ما عنده من العلم شيء، عابد لكنه جاهل، فدخل عليه فطرق عليه الغار، فخرج هذا الرجل، فقال: يا فلان! قال: نعم. قال: قتلت تسعة وتسعين نفساً، فصرف وجهه عنه، وقد أخطأ في هذا العمل، لأنه يغلق باباً فتحه الله، ويقطع حبلاً مده الله، قال: هل لي من توبة؟ قال: لا توبة لك، فأخذ سيفه فقتله، فوفى به المائة، ثم رجع إلى الناس فقال: أيها الناس! هل لي من توبة؟ قالوا: اذهب إلى ذاك العالم، عالم بصير بالأحكام فقيه في الدين: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21] قال: يا أيها الرجل! هل لي من توبة؟ قال: ماذا فعلت؟ قال: قتلت مائة نفس، قال: من يغلق عليك باب التوبة؟ باب التوبة مفتوح، حتى تطلع الشمس من مغربها، فأتى هذا الرجل فقال: تب إلى الله واستغفر الله، قال: أين أذهب؟ قال: القرية التي عصيت الله فيها هي قرية ظلم وأهلها فجرة، يعينونك على المعصية، فتب إلى الله، وهاجر من قريتك إلى قرية بني فلان، بعض القرى تعين على الصلاح، بعض القرى تعين على إقامة لا إله إلا الله، بعض القرى يتواصى أهلها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن بعض القرى ظالم أهلها، يتعاونون على الإثم والعدوان والفساد، وانتهاك الحرمات وتعدي حدود الله الواحد القهار، فذهب هذا الرجل تائباً إلى الله الواحد الأحد، فلما مشى في الطريق، أدركه الموت فمات وما سجد لله سجدة، ولا ركع لله ركعة، ولا تصدق بصدقة، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، نزلوا من فوق سبع سماوات، أما ملائكة الرحمة فتقول: يا رب! هذا العبد خرج تائباً يريدك ويريد المغفرة، فجزاؤه أن تغفر له، وأما ملائكة العذاب، فتقول: يا رب! هذا الرجل ما سجد لله سجدة، ولا ركع ركعة، ولا تصدق بصدقة، فجزاؤه النار، قال الله تبارك وتعالى: إنني الحكم العدل ولست بظلام للعبيد، قيسوا ما بين المسافتين من المكان الذي مات فيه والقرية التي خرج منها، وما بين المكان الذي مات فيه والقرية التي خرج إليها، فما وجدتموه أقرب إليها فهو من أهلها، إن كان أقرب إلى الصالحة فهو صالح، وإن كان أقرب إلى الفاجرة فهو فاجر، ثم أوحى الله من رحمته وفضله إلى تلك القرية الصالحة أن تقاربي، وأوحى إلى تلك أن تباعدي، فتقربت بجبالها، ومهادها وصخورها، فقاسوا ما بين المسافتين، فوجدوه أقرب إلى تلك القرية، قال: يا ملائكتي! أشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة.

    هذه رحمة الله، قتل مائة نفس معصومة، سفك دماءهم، ثم تاب الله عليه.

    قصة أصحاب الغار الثلاثة

    يقول عليه الصلاة والسلام: {كان في من كان قبلكم -والحديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم - ثلاثة أواهم المبيت إلى غار} ثلاثة من بني اسرائيل، ذهبوا يطلبون إبلاً لهم ضلت، وقيل غنماً وقيل غير ذلك، فأدركهم المبيت في الليل، إلى غار في الجبل، فدخلوا الغار في ظلام الليل؛ لأن بيوتهم بعيدة فلما دخلوا الغار، أنزل الله القطر من السماء، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليه فم الغار، في مكان لا أنيس فيه إلا الله، ولا حافظ إلا الله، ولا قريب إلا الله، ولا مسدد ولا هادي إلا الله، فحاولوا أن يصرفوها عن فم الغار فما استطاعوا، وهم بعيد عن الأهل والدار؛ لا زوجة ولاولد، ولا أخ ولا صديق ولا حميم، ولكن الله فوق سبع سماوات، فجلسوا يتباكون، فقال أحدهم: ما لكم؟ قالوا: أهلنا.. حجزنا دونهم وأطفالنا {قال أحدهم: والله لا ينجيكم هذه الليلة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم} أي: فكل من كان منكم عنده عمل وسريرة بينه وبين الله، أو فعل حسنة في الدهر فليذكره هذا اليوم عل الله أن يرحمنا بها، قال الأول: أنا أتكلم، قالوا: تكلم، قال: اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وإني كنت لا أقدم عليهم أهلاً ولا مالاً، وإنه قد نأى بي طلب الشجر، فلم أرح عليهما إلا وقد ناما فحلبت إبلي وأتيت إلى والدي ليشربا، فوجدتهما نائمين، قال: فأخذت الإناء بيدي وصبيتي وأطفالي يتضاغون من شدة الجوع عند أقدامي، فما سقيتهم قبل والدي، وما أيقظت والدي لئلا أزعجهم من النوم، فبقيت حتى طلع الفجر، والإناء في يدي، وأبنائي يتباكون عند قدمي، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك؛ فافرج عنا ما نحن فيه، قال: فانفرجت الصخرة، لكنهم لا يستطيعون الخروج، وقام الثاني وقال: اللهم إنك تعلم أنه كان لي ابنة عم جميلة من أجمل النساء، راودتها عن نفسها فأبت، فلما ألم بها الفقر، أتيت إليها فذكرتني الله عز وجل فانصرفت عنها، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك؛ ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج، وقال الثالث: اللهم إنك تعلم أنه كان لي أجراء يعملون عندي فأعطيتهم أجرتهم إلا رجلاً واحد أردت أن أعطيه فغضب فترك أجرته، فأخذت أجرته فثمرتها حتى أصبحت إبلاً وغنماً وبقراً وشيئاً كثيراً من المال فلما أتى قلت: خذ هذا المال أجرتك، قال: لا تستهزئ بي، قلت: هذا مالك، فأخذه فما ترك لي شيئاً، اللهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك وما عندك؛ ففرج عنا ما نحن فيه، قال: فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون، وفيه دليل على أنه لا ينجي العبد إلا العمل الصالح، لا يحفظه الله عز وجل إلا بالعمل الصالح، وهذا مصداق لقوله صلى الله عليه وسلم: {احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف}.

    قصة صاحب المحرقة

    في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: {كان رجل من بني إسرائيل أسرف على نفسه في الخطايا والذنوب، فلما أدركته الوفاة، قال لأبنائه: كيف أنا لكم؟ قالوا: من خيرة الآباء، قال: فإني ما فعلت مع الله جميلاً أبداً، ما تركت منكراً إلا أتيته، فإذا مت فاجمعوا لي حطباً، ثم حرقوني بالنار، ثم اسحقوني ثم ذروني، عل الريح أن تذهب بي في كل مكان} سبحان الله! ظن أن الله لا يحييه، كما بدأه أول مرة: هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراًى * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:1-2] وقال تعالى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79].

    ولدتك أمك يابن آدم باكياً     والناس حولك يضحكون سرورا

    فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا     في يوم موتك ضاحكاً مسرورا

    {فلما مات جمع له أبناؤه الحطب، وأحرقوه بالنار، ثم أشعلوا جثمانه، ثم سحقوه، ثم ذروه في الريح، فأخذته في كل مكان، فقال الله له: كن، فكان رجلاً} إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40] {فلما أصبح أمامه رجلاً قال: يا عبدي ما حملك على ما فعلت؟ قال: يا رب خفتك وخشيت ذنوبي، قال الله عز وجل: أشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة}.

    فيا أيها الناس! التوبة التوبة، والاستغفار الاستغفار إلى الواحد الأحد، فإنه لا يهلك على الله إلا هالك، والمكفرات كثيرة، نسأل الله أن يغفر لنا ولكم الذنوب والخطايا، فإنه لا يغفر الذنوب إلا هو، ولا يستر العيوب إلا هو.

    بعض الناس يقاطع أخاه وقريبه وجاره المسلم، وتمر عليه السنوات الطوال لا يسلم عليه؛ وهذا من أعظم المنكرات، ولا يفعله إلا من قسا قلبه، وأصبح من الفجور بمكان، ونسي الله واليوم الآخر، فإن كانت القطيعة من أجل الدنيا، فهذا يحرم -كما في الحديث الصحيح-: {ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام}.

    ويوم يلقى المسلم المسلم، ويصافحه تتحات خطاياهما كما تحات ورق الشجر في الشتاء، ويوم يصد عنه يصد الله عنه يوم القيامة، وهذا من أعظم الإجرام، فوصيتي لكل مسلم أن يتقي الله في إخوانه المسلمين، وألا يهجرهم خاصة الأرحام، خاصة من جعل الله بينك وبينهم قرابة في الحياة الدنيا، فإن الله يسألك يوم القيامة: ماذا فعلت فيهم؟ من أعظم وأكبر المعاصي أن تقطعهم، ولذلك من قطع رحمه، قطعه الله عز وجل، فهذا ينبه عليه أنه من المنكرات ومن الفواحش الكبار التي ينبغي أن نعي أمرها وحكمها، لنتوب إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عل الله أن يرحمنا: {الخلق عيال الله، أقربهم إلى الله أنفعهم لعياله} وهذا أمر يعلم.

    1.   

    الاستزادة من النوافل

    من المسائل التي يجدر التنبيه إليها، مسائل النوافل -يا عباد الله- أحد الصحابة أتى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فقال:(يا رسول! أريد مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قال: لا. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة).

    فالذي أوصي به نفسي وإياكم كثرة النوافل، والتقرب إلى الله عز وجل، إنك ما سجدت لله سجدة إلا رفعك بها درجة، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه).

    النوافل وأنواعها

    والنوافل أنواع، أولها: نوافل الصلاة، وفيها سنن الرواتب وسنن مطلقة، ومن أعظمها عشر ركعات بعد الفرائض: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، قال ابن تيمية: "من داوم على ترك هذا النوافل كان فاسقاً ترد شهادته" العشر هذه لا بد منها، إلا من مرض أو سفر، فهذا عذر.

    والسنن المطلقة منها الضحى وهي صلاة الأوابين، ويوم تركع ركعتي الضحى، يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك، وفي بعض الآثار فيها نظر: {انظروا لعبدي ترك أشغاله وأعماله وأتى يتملقني ويدعوني، أشهدكم أني غفرت له} يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: {يصبح على كل سلامى من الناس صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس؛ تصلح بين اثنين صدقة، وتعين الرجل على دابته، فتحمله عليها أو تحمل متاعه عليها صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان من الضحى}.

    فضيلة قيام الليل

    ومن السنن كذلك: قيام الليل، ومن استطاع قيام الليل؛ فقد فاز بأسعد اللحظات، وهو من أجل القربات إلى الواحد الأحد، وخاصة في الثلث الأخير من الليل حين: يتجلى الله إلى سماء الدنيا، وينزل إلى سماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله فيقول: {هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيبه؟} فيجيب الله دعوة المضطر في تلك الساعة، فأوصيكم ونفسي بهذه الساعة ولو بركعتين يداوم عليها العبد دائماً وأبداً.

    فمن استطاع أن يقوم من آخر الليل، فليؤخر الوتر حتى يصليه من آخر الليل، ومن خاف على نفسه ألا يوتر، فليوتر قبل أن ينام، يقول أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه: {أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث لا أدعهن حتى أموت: بركعتي الضحى، وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام} فهذه وصيته صلى الله عليه وسلم.

    الصدقة

    ومن النوافل: الصدقة، يوم يضم عليك القبر لا يوسعه عليك إلا الصدقة، يوم تدنو الشمس من الرءوس ويبلغ الكرب النفوس، لا يظلك يوم القيامة إلا صدقتك، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:261].

    يقول عليه الصلاة والسلام: {كل إنسان في ظل صدقته يوم القيامة حتى يقضى بين الناس} ويقول عليه الصلاة والسلام: {ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وملكان يناديان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، والآخر يقول: اللهم أعط ممسكاً تلفاً} فالله الله في الصدقة، والتقرب بها بالقليل والكثير، فإنها لا تضيع عند الله الذي لا تضيع ودائعه، في خزائن عند الله يوم العرض الأكبر، يقول عليه الصلاة والسلام: {إذا تصدق العبد بصدقة، فإن الله يقبلها بيمينه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه، حتى تبلغ مثل جبل أحد}.

    كثرة الذكر والاستغفار

    ومن النوافل: كثرة الذكر والاستغفار، فأوصيكم ونفسي بكثرة الذكر قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191] وقال تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35] وقال: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45] وقال: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

    أتى شيخ كبير إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم، قال: {يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ؛ فدلني على عمل أتشبث به، قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله} يقول عليه الصلاة والسلام: {لأن أقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس} وفي لفظ: {أو غربت} فالله الله في كثرة الذكر والتهليل والتكبير صباح مساء، عند الترمذي بسند حسن: {من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة} ويقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: {ألا أدلكم على ما هو أرفع لكم في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: ذكر الله}.

    1.   

    منكرات شائعة

    ومن الأمور التي أنبه عليها مما انتشر في المجتمعات يأتي:

    سفور المرأة

    فإن الله عز وجل حرم على الرجل أن ينظر إلى زينة المرأة الأجنبية، التي لا تحل له، وهذه قد يتهاون فيها في بعض الأماكن وخاصة في القرى، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يقول من فوق سبع سماوات: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30]. فعلى المسلم أن يحجب أهله ومن له سلطة عليهم من الأجانب، فإن النظر إلى الأجنبيات المحرمات لا يحل، ومن استتر بستر الله ستره الله، ومن استظل بظل الله أظله الله، فعلى المسلم ألا يتساهل في هذه القضية.

    وقد يتساهل في الخلطة بين الأقارب، كبنت العم وبنت الخال، وأخو الزوج لزوجة أخيه، وقد يتساهل ويجلس مع بعض المتبرجات، وهو أمر منكر يلاحظ، ولا بد أن ينهى عنه؛ لأنه يغضب الله الواحد الأحد.

    مسألة الغناء

    ومن تلك الأمور مسألة الغناء الماجن الرخيص الذي يحبب الفاحشة والزنا، ويحبب العشق والوله، ما دخل الغناء في بيت إلا خرج منه القرآن، ولا دخل الغناء في قلب إلا خرج منه القرآن، ولا دخل الغناء في نفس ِإلا خرج من هذه النفس حب الله ورسوله، وجزاء من ترك الغناء مخافة لله أن يسمعه غناء الجنة، قيل لـابن عباس: ما هو غناء الجنة؟ قال: إذا اشتهى أهل الجنة الغناء، أرسل الله عليهم ريحاً باردة تهب فتصطك أغصان الجنة، فتحدث أصواتاً عجيبة، قال ابن القيم:

    قال ابن عباس ويرسل ربنا     ريحاً تهز ذوائب الأغصان

    فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الـ     إنسان كالنغمات بالأوزان

    يا خيبة الآذان لا تتعوضي     بلذاذة الأوتار والعيدان

    1.   

    حفظ الوقت

    بقيت مسألة، وهي مسألة حفظ الوقت عند المسلم، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:115-116].

    والوقت -يا عباد الله- من أغلى ما يصان، وهو أغلى من الذهب والفضة، يقول عليه الصلاة والسلام: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) وهذا حديث صحيح، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع) وذكر من هذه الأربع: (وعمره فيما أبلاه) فوالله لا يغادر الإنسان يوم العرض الأكبر الموقف وهو أجرد أمرد أغرل أبهم عريان حتى يسأله عز وجل عن هذا العمر، عن الدقائق والثواني، عن الساعات والأيام والليالي.

    دقات قلب المرء قائلة له     إن الحياة دقائق وثواني

    فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها     فالذكر للإنسان عمر ثاني

    والذكر هو العمل الصالح، وهو أفضل ما يتقرب به إلى الله عز وجل.

    وسائل حفظ الوقت

    والوقت يحفظ بأمور:-

    أعظمها ذكر الله عز وجل، ثم التنفل لمن وجد فسحة في الوقت؛ لأن الله يحاسب العبد يوم القيامة على هذه النعمة، يقول: أما فرغتك من أشغال الدنيا؟ أما جعلتك تتسود وتتربع وتتخول في الأرض؟ فيقول: نعم يا رب! قال: فماذا فعلت؟

    فإني أرشد نفسي وإياكم من وجد فراغاً، وعدم شغل أو لم يجد عملاً يشغله، أن يتقرب إلى الله بالنوافل، وبكثرة التهليل والاستغفار، ومن كان تالياً لكتاب الله فليستصحب هذا الكتاب العظيم، فإنه زاد القبر، ولا زاد للإنسان إلا ما وعاه من هذا العمل الصالح، فلا ينفع يوم القيامة إلا ما قدمه العبد لنفسه.

    حضرت معاذاً الوفاة رضي الله عنه وأرضاه قال: [[مرحباً بالموت، حبيب جاء على فاقة، ما أفلح من ندم، اللهم إنك تعلم أني لم أحب الحياة لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولا لعمارة الدور، ولا لرفع القصور، ولكن كنت أحب الحياة لثلاثة أمور: لأمرغ وجهي في التراب ساجداً لك، ولأزاحم العلماء بالركب في حلق الذكر، ولصوم الهواجر في شدة الحر، طلباً لما عندك يا رب العالمين]] وهذا هو العمل الصالح الذي يقرب العبد يوم القيامة.

    يا خادم الجسم كم تسعى لراحته     أتعبت نفسك فيما فيه خسران

    أقبل على الروح واستكمل فضائلها     فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

    وأكثر ما يمكن أن يخشى على الإنسان منه أن يضيع وقته بالمعاصي، فإن كثيراً من المجالس غيبة ونميمة وشهادة زور، تنتهك فيها المحرمات، ويغضب فيها رب الأرض والسماوات، وتتنزل اللعنات، نعوذ بالله من ذلك، هذه المجالس تقرب من النار، ومن غضب الواحد القهار، ومن الدمار والعار، والشنار في الدنيا والآخرة، فعلى المسلم أن يصون سمعه وبصره، وأن يتقي الله في شيخوخته وشبابه، لا يختم لنفسه بخاتمة لا تحمد عند الله؛ فإن الأعمال بالخواتيم، فإن بعض الناس يسدده الله فيصلي ويصوم ويحج ويعتمر، ثم تكون خاتمته خاتمة سوء، فيدهده على وجهه في النار؛ لأنه بعد الطاعة ينتهك محرمات الله عز وجل، كأن يغتصب قطعة أرض لا تحل له، كل هذا يحاسبه عليه الله يوم العرض الأكبر، يقول عليه الصلاة والسلام: {من اغتصب شبراً من أرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة} يطوقه: أي في حلقه، وقال أهل العلم: يخسف به في الأرض سبع مرات، كما أخذ هذا الشبر بحده من سبع أرضين، فنسأل الله العافية والسلامة.

    مكفرات الذنوب والخطايا

    والمكفرات التي يمكن أن تغسلنا من الذنوب والخطايا، ويمكن أن نستظل بها وأن نتعالج من أمراضنا بها، عشر مكفرات:

    أولاً: المصائب المكفرة، كلما أصابتك مصبية؛ فاحتسبها في جنب الله، من جوع ومن ظمأ، من هم، أو غم أو موت ولد أو مصيبة، يكفر الله بها من خطاياك.

    المسألة الثانية: الحسنات والصالحات؛ فإنها ترفع الدرجات عند الواحد الأحد.

    الأمر الثالث: دعوات المسلمين لك، فكن حسن الخلق قريباً من المسلمين؛ فإنهم سوف يحبونك ثم يدعون لك بظهر الغيب.

    الأمر الرابع: دعوة المسلمين لك إذا كنت جنازة، إذا أحضرت أمام الصفوف، وقام عليك التكبير، وفارقت الأخت والأم، والزوجة والولد والأحفاد والأجداد، والدور والقصور، وتخلى عنك القريب والبعيد، فإذا دعوا لك في الجنازة بصدق؛ شفعهم الله فيك.

    الأمر الخامس: سكرات الموت، وما نلقاه فيها من شدة وكرب، ومن عرق.

    السادسة: ما تجده في القبر؛ فإن للقبر ضائقة وضمة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ الذي اهتز له عرش الله من فوق سبع سماوات، ما سلم من ضمة القبر كما في بعض الآثار إلا سعد بن معاذ الذي شيعه ألف ملك، فالقبر يخفف عنك من السيئات، وبعضهم ينجو بعمله الصالح من عذاب القبر.

    السابعة: هول الطلوع والخروج من القبر، يوم يبعث ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، فإذا خفت كان لك كفارة.

    الثامنة: شفاعة سيد الخلق عليه الصلاة والسلام؛ نسأل الله ألا يحرمنا وإياكم شفاعته، وأن يدخلنا في ظل شفاعته، وأن يجعلنا ممن يشرب من حوضه شربة لا نظمأ بعدها أبداً، فإذا انتهت هذه التسع ولم يجد إحدى هذه التسع في نفسه؛ جاءت العاشرة، وهي رحمة أرحم الراحمين، فإذا لم تدركه رحمة أرحم الراحمين كب على وجهه في النار، فنعوذ بالله من النار.

    1.   

    الأسئلة

    الصدقة على السؤال

    السؤال: هل يؤجر المتصدق على أي سائل؛ خصوصاً أن بعضاً من السؤَّال يحتالون على الناس؟

    الجواب: قد أمر الله ألا ينهر السائل، بل يستمع منه، فإن كان عندك قرائن ودلائل، وعندك شواهد على أنه ليس بصادق، فانظر فإن تصدقت فأعطيت؛ فلن تضيع عند الله عز وجل، وإن أمسكت فلا عليك حرج، أما إذا ظهر لك بمظهر، وليس لديك دلائل أنه فقير، أو صادق أو كاذب، فأعطه، ففي بعض الآثار ولو أن فيها ضعفاً: {أعط السائل ولو جاء على فرس} فإنها لا تضيع عند الله عز وجل، فهذا السائل ما قام وسكب ماء وجهه أمام الناس إلا وهو يحتاج إلى معونة المسلمين، فعليهم مساعدته، فمن يتصدق فهو مأجور ومشكور، ولاينتهر السائل في المساجد، بل يترك إلا إنسان ظهر كذبه، وتكرر هذا الكذب، فتنبه عليه السلطة، ويؤخذ ويزجر، وينصح.

    كفارة الصلاة بلا خشوع

    السؤال: ما هي كفارة الصلاة من غير خشوع؟

    الجواب: ليس هناك كفارة إلا محاولة العودة إلى الخشوع؛ يقول عليه الصلاة والسلام: {إن من الناس من ينفتل من صلاته وماكتب له إلا عشرها، إلا تسعها، إلا ثمنها} وبعضهم تكتب صلاته كلها، بحسب مراقبة الله في الصلاة والخشوع، فالإنسان إذا سها وخرج قلبه، أو فات فعليه أن يعود وليس عليه كفارة، لكن قال أهل العلم: من سها في صلاته، وما درى هل قرأ الفاتحة أو لا، فعليه أن يعيد هذه الركعة، أما من شرد ذهنه قليلاً، فهذا ليس عليه كفارة، وعليه أن يستغفر ربه، وأن يحاول الخشوع في الصلاة، ولا يسلم من هذا الذهول، والهواجس والخطرات، أحد من الناس.

    حكم اللعن

    السؤال: ما حكم اللعن والدعاء على الآخرين، وما حكم التهاري؟

    الجواب: هذا السؤال فيه ثلاث مسائل، التهرية واللعن والدعاء، أما الدعاء فيقول صلى الله عليه وسلم: {لا تدعوا على أموالكم ولا على أنفسكم، لا تصادفوا ساعة من الله يستجاب فيها فيجيب سُبحَانَهُ وَتَعَالَى} فعلى المسلم أن يتقي الله في أهله، وفي ماله وولده، فإن بعض الناس يدعو على أطفاله من غير تعمد؛ فتصادف من الله وقتاً إجابة فتعمد إلى هذا الطفل أو هذا المال أو هذه الزوجة، فتكون خسارته في الدنيا والآخرة، ولا يستخدم هذه الألفاظ، إلا من قل إيمانه ومراقبته لله عز وجل، ولا بأس أن يتكلم المرء بعض الكلام الذي يؤدب، أما الدعاء فأجرح ما يكون.

    أما التهاري ودعوة الجن فهي على قسمين: من قصد أن الجن يضرون وينفعون من دون الله وأن لهم تأثير، أو أنهم يخلقون ويميتون، وينفعون أو يضرون، ويرزقون أو يفقرون فهذا مشرك، عليه أن يتوب إلى الله عز وجل، وأما أن يكون قالها كلمة ولا يعتقد ما فيها، إنما دعا الجن، فهذا مذنب وعليه إثم من الله؛ لكنه ما أشرك وهو على نيته.

    وأما اللعن: فإن اللعن معناه الطرد والإبعاد من رحمة الله، وإذا لعن المال قلت بركته، وقل حاله، مرت امرأة مع الرسول صلى الله عليه وسلم معها ناقة فقالت للناقة: لعنها الله، قال عليه الصلاة والسلام: {خذي ما عليها واتركيها فإنها ملعونة، لا تصحبونا بملعون} فمن لعن شيئاً من ماله قلت بركته، ولا يستفيد من هذا المال، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش البذيء} فأوصي نفسي وإياكم بترك اللعن ونظافة اللسان، فإن الله طيب يحب الطيب سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    ولائم العزاء وحكمها

    السؤال: ما حكم التجمعات والولائم في عادات العزاء؟

    الجواب: تجمعات وولائم العزاء كما علمتم من المنشورات التي نشرتها هيئة كبار العلماء كالشيخ عبد العزيز بن باز، وغيره من العلماء أنها أمر مبتدع، الذي يقع بين القبائل وفي القرى من ذهاب جماعة إلى جماعة، واستقبال أولئك لهم، ثم السلام عليهم وتعزيتهم في الميت ما فعلها الرسول عليه الصلاة والسلام ولا أصحابه، وقد قال: {من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد} يقول جرير بن عبد الله: [[كنا نعد الاجتماع على المآتم من النياحة]] فلذلك نهى علماؤنا عن ذلك بهذه الأدلة، فأنا أقول بعد هذه النصوص: إن هذا أمر لا يجوز، وأن على المسلمين أن يتبعوا سنة الرسول عليه الصلاة والسلام ويتركوا البدعة، فلا فلاح لهم إلا باتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، أما أن نقول: هذه عادتنا، وهذه تقاليدنا، ونشأنا عليها نحن وآباؤنا وأجدادنا فلا يصح لأنه معارضة للشريعة، وشريعة الله تنزل على الناس ليحكموا بها، لا ليتحكموا فيها، فإذا عرف ذلك فالأولى للإنسان أن يترك تلك التجمعات ونصب الخيام، أو استقبال وافد من كل قبيلة في مجلس استقبال، فهذا ليس بوارد ولا عليه دليل، وقد نبه علماؤنا عليه، لكن يكتب رسالة أو يتصل أو يذهب بنفسه وحده إذا كان قريباً أو بينه وبينه صلة، أما التجمع هذا فإنه منكر، من أين لنا دليل على هذا التجمع؟ ونحن لا نحكم إلا بالشريعة.

    وهذه التجمعات من النياحة؛ لأنها من شعارات الجاهلية، وشعارات أهل الأوثان من قريش قبل الإسلام.

    التعزية الشرعية

    السؤال: ما هي السنة في العزاء؟

    الجواب: سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في الميت أنه إذا مات أن يأتي الناس فيحضرون مراسيم غسله، والصلاة عليه ودفنه، ولا بأس أن يجلسوا في المجلس، لا بأس أن يجلسوا في القرية، ويقرءوا ما يسر الله من القرآن والذكر الطيب والحديث، لكن أن يستقبلوا الناس وتذهب جماعات وتأتي جماعات ووفود، هذا ليس من السنة.

    والناس إذا حكموا السنة، فإن الله سوف يهديهم سواء السبيل، وينهى عن مجالس العزاء؛ لأنها تُوهم أن هناك نقصاً في شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام، والأمر الثاني: لم يرد فيها دليل من الكتاب ولا من السنة {ومن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد} لم يفعلها صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة الأخيار، فنحن لا نفعل إلا ما فعلوا، ونترك ما تركوا.

    وفي الختام أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية والنجاة من النار، اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك علىالخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.