إسلام ويب

دروس في العقيدة [4]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد ظهر في عصور الإسلام طوائف انحرفت في فهم مراد الله تعالى وحادت عن منهجه فيما يتعلق بما سمى به نفسه تعالى من الأسماء الحسنى واتصف به من الصفات العليا، ومن هؤلاء طائفة الجهمية الذين غلوا في نفي صفات الله وأسمائه عنه تعالى فمنهم من قال بنفي النقيضين عن الله تعالى، ومنهم من وصل به الحال إلى القول بالحلول والاتحاد، ومن المنحرفين في ذلك المعتزلة الذين أثبتوا أسماء الله تعالى ونفوا مدلولها ونفوا صفاته تعالى، ثم أسسوا مذهبهم على تقديس العقل، متكئين على أصول خمسة عارضوا بها أركان الإيمان وتدينوا بها.

    1.   

    إثبات التوحيد لله وبيان ضلال الجهمية في ذلك

    يقول الإمام الطحاوي رحمه الله: [ نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا إله غيره ].

    يدخل في هذه الجملة التي قررها الإمام الطحاوي رحمه الله أنواع التوحيد الثلاثة التي عرفت بالاستقراء والتتبع من النصوص الشرعية، وهي المعروفة عند أهل العلم بتوحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.

    وقد عرفنا أن توحيد الربوبية جحدته بعض الطوائف التي شذت عن المجموعة البشرية.

    وعرفنا أن توحيد الأسماء والصفات انحرفت فيه فرق المعطلة عن جادة الصواب، فلم يوحدوا الله في أسمائه وصفاته.

    وعرفنا أن فرق المعطلة ثلاث: الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، وأن فرقة الجهمية هي أصل الفرق في التعطيل؛ لأنهم ينفون أسماء الله وصفاته سبحانه وتعالى عما يقول الجاهلون علواً كبيراً.

    1.   

    طوائف الجهمية

    يقول الإمام الطحاوي رحمه الله: [ نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا إله غيره ].

    يدخل في هذه الجملة التي قررها الإمام الطحاوي رحمه الله أنواع التوحيد الثلاثة التي عرفت بالاستقراء والتتبع من النصوص الشرعية، وهي المعروفة عند أهل العلم بتوحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.

    وقد عرفنا أن توحيد الربوبية جحدته بعض الطوائف التي شذت عن المجموعة البشرية.

    وعرفنا أن توحيد الأسماء والصفات انحرفت فيه فرق المعطلة عن جادة الصواب، فلم يوحدوا الله في أسمائه وصفاته.

    وعرفنا أن فرق المعطلة ثلاث: الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، وأن فرقة الجهمية هي أصل الفرق في التعطيل؛ لأنهم ينفون أسماء الله وصفاته سبحانه وتعالى عما يقول الجاهلون علواً كبيراً.

    الجهمية الحلولية والاتحادية

    والجهمية: هم الذين ينتسبون إلى جهم بن صفوان ، وهم طائفتان، ويجمع هاتين الطائفتين نفي الأسماء والصفات، ونفي العلو واستواء الرب سبحانه وتعالى على عرشه.

    فالطائفة الأولى: المتقدمون، وهم عبادهم وصوفيتهم الذين يقولون بالحلول والاتحاد، فقد قالوا بحلول الرب في جميع الأشياء، أو باتحاده معها، أي أنه اتحد مع جميع الموجودات، فصار الموجود شيئاً واحداً، ومن هؤلاء الاتحادية رئيسهم ابن عربي الطائي الذي تدرج في القول بالحلول والاتحاد، وسلك مسلك المنافقين الزنادقة، فزعم في أول الأمر أن النبوة ختمت بمحمد عليه الصلاة والسلام، ولكن الولاية لم تختم، وإنما ختمت به، فهو يزعم أنه خاتم الأولياء، ويزعم أن الولاية أعظم درجة من النبوة، وأن الأنبياء مستفيدون من الولاية، وقال: إن الولاية هي أعلى درجة، ثم تليها النبوة، ثم تليها الرسالة، هكذا زعم! فهي عنده آخر المراتب، ولهذا يقول:

    مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي

    فقوله: (مقام النبوة في برزخ)، يعني: في مكان متوسط، وقوله: (فويق الرسول ودون الولي)، أي: مقام النبوة أعلى من مقام الرسول، ولكنه دون مرتبة الولي.

    فهذه الطائفة الأولى من الجهمية، وهم عبادهم وصوفيتهم الذين قالوا بحلول الرب في خلقه، أو باتحاده معهم، فهذا التوحيد -أعني توحيد الجهمية، وهو القول بنفي الأسماء والصفات- قد أوصل قوماً إلى القول بالحلول، وأوصل آخرين إلى القول بالاتحاد.

    وتوحيدهم هذا له فروع، ومن فروعه القول بأن فرعون وقومه على الحق والصواب! وأن فرعون حينما ادعى الألوهية وقال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] مصيب؛ لأن الرب حل في جميع الأشياء، أو لأنه اتحد بها.

    ومن فروع توحيدهم هذا أن عباد الأصنام على الحق والصواب! لأنهم إنما عبدوا الله لا غيره، وكل من عبد معبوداً فهو مصيب، سواء أكان المعبود ناراً، أم صليباً، أم شجراً، أم شمساً، أم قمراً، أم آدمياً، أم جنياً، أم ملكاً، أو ما شاء أن يعبد، فالعابد مصيب؛ لأن الخالق والمخلوق واحد، أو لأن الرب حل في كل شيء، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

    ومن فروع هذا التوحيد أنه لا فرق في التحريم بين الأم والأخت وبين الأجنبية، بل ليس هناك شيء حرام! ولا فرق في التحريم والتحليل بين الزنا والنكاح! ولا فرق في التحليل والتحريم بين الماء والخمر! لأن الكل من عين واحدة، بل هو العين الواحدة.

    ومن فروع هذا التوحيد أن الأنبياء ضيقوا على الناس، أبعدوا عنهم المقصود؛ حيث فرقوا بين الزنا والنكاح، فالزنا حرموه، والنكاح أباحوه، وفرقوا بين الخمر والماء، فالخمر حرموه، والماء أباحوه، وفرقوا بين الأم والأخت وبين الأجنبية، فالأم والأخت حرموهما، والأجنبية أحلوها، فهم ضيقوا على الناس بمثل هذا وأبعدوا عنهم المقصود، والأمر عندهم وراء ذلك كله.

    فهذه هي فروع توحيدهم هذا ولوازمه.

    الجهمية القائلون بنفي النقيضين

    والطائفة الثانية من الجهمية هم الذين يقولون بنفي النقيضين عن الله، وسلبهما عنه، فيقولون: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايث له، ولا متصل به ولا منفصل عنه.

    وهذا وصف المعدوم، بل هو وصف الممتنع، ولو أردت وصف المعدوم بأكثر من هذا لما استطعت، فعجيب أن يكون شيء لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايث له، ومعنى (ولا محايث له)، ليس داخله، فالمحايث: الداخل، وهو -أيضاً- لا متصل به ولا منفصل عنه، فماذا يكون هذا؟! هل يكون له وجود؟!

    فهؤلاء هم المتأخرون من الجهمية، وأولئك هم المتقدمون من عبادهم وصوفيتهم الذين يقولون بالحلول والاتحاد.

    ويقول بهذا القول -أيضاً- بعض المتأخرين من الأشاعرة، كـالرازي ، بل هو إمام المتأخرين من الأشاعرة، وقد قرر هذا في كتبه المتعددة كأساس التقديس وغيره، وهو يقول: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايث له، فـالرازي قال بقول الجهمية، لكنه أشعري، فهو أشعري جهمي يقول بنفي النقيضين عن الله، وكلتا الطائفتين قد قالت على الله قولاً عظيماً.

    1.   

    حكم الجهمية

    ولو سأل سائل: أي الطائفتين أشد كفراً؟

    نقول: الطائفة الثانية عند العلماء -وهم الذين نفوا وسلبوا عن الله النقيضين- أشد كفراً من الطائفة الأولى، أي: طائفة الحلولية؛ لأن الحلولية أثبتوا شيئاً حالاً في شيء، لكن طائفة النفاة أو الذين يسلبون النقيضين عن الله لم يثبتوا شيئاً، وقد اختلف العلماء في تكفير الجهمية، فهل هم كفار أو ليسوا بكفار؟

    فمن العلماء من أخرجهم من الثنتين والسبعين فرقة من فرق أمة الإسلام، فقال: إنهم كفار، وليسوا داخلين في فرق الأمة المذكورة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة).

    فقال بعض العلماء: الجهمية خارجون عن فرق الأمة، فهم كفار، وذكر العلامة ابن القيم رحمه الله أنه قد كفرهم خمسمائة عالم، فقال في نونيته:

    ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان

    وهناك نصوص كثيرة لعلماء الأمة في تكفير الجهمية نقلها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كثير من كتبه، ونقلها غيره، ومن ذلك قول عبد الله بن المبارك رحمه الله الإمام المعروف: إنا لنحكي أقوال اليهود والنصارى ولا نحكي قول الجهمية. يعني: نستطيع أن نحكي قول اليهود، ولكن لا نستطيع أن نحكي أقوال الجهمية؛ لخبثها وشرها وشناعتها وبشاعتها وإيغالها في الكفر.

    ومن العلماء من قال: إنهم مبتدعة. ومن العلماء من فرق بين الغلاة وبين العامة، فقال: الغلاة كفار، وعامتهم مبتدعة. وعلى كل حال فإن من قال بقول الجهمية وهو يعلم ذلك، وليس عنده شبهة، وليس جاهلاً؛ فلا شك في كفره، كالمعاند والمتعنت، ورؤسائهم الذين يعلمون ذلك، فهؤلاء لا شك في كفرهم، أما من كان جاهلاً، أو تابعاً لغيره، فهذا هو محل النظر.

    1.   

    إبطال شبه الجهمية بالأدلة الشرعية

    يرد على هؤلاء الجهمية وغيرهم بقول الله عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:64-65]، فقد أخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات الكريمة أنه أرسل الرسل ليطاعوا، وأمر بطاعتهم، وأمر بطلب الاستغفار منهم، ونفى الإيمان عمن لم يحكم الرسول في موارد النزاع أو كان في نفسه حرج من حكم الله ولم يسلم لحكم الله ورسوله تسليماً كاملاً.

    ومن الأدلة قول الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31]، فقد بين الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن علامة محبة الله اتباع الرسول، فمن اتبع الرسول عليه الصلاة والسلام فهو من أحباب الله، ومن خالف الرسول فهو من أعداء الله، ومن لم ينقد لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه يعمل بإرادة نفسه، وهذا غش للنفس، وهو من الكبر. وإذا كان الذين يقولون: لن نؤمن حتى يكون لنا مثل الرسل كفاراً، فكيف بمن قال: إنه أعلى من الرسل؟!

    ولكن هؤلاء الجهمية -والعياذ بالله- استحوذ عليهم الشيطان فأعرضوا عن النصوص، ولم يعملوا بها، واتخذوها وراءهم ظهرياً، ولذلك وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الضلال والتيه، نسأل الله السلامة والعافية.

    وظاهر النصوص، وظاهر كلام العلماء يوحي بأن الجهمية كفار، وأنه ليس معهم من الإيمان أو الدين شيء، ولهذا قال كثير من العلماء -وعلى رأسهم الإمام أحمد رحمه الله-: إن كلام الجهمية يدور على أنه ليس فوق العرش إله ولا رب، وقد رد عليهم الإمام أحمد رحمه الله في رسالة له صغيرة الحجم، لكنها عظيمة المعنى والمتن، تسمى الرد على الزنادقة، أو الرد على الجهمية والزنادقة، وهي رسالة صغيرة مطبوعة، وكثيراً ما ينقلها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وينقل نصوصاً منها في كثير من كتبه، حتى إنه ربما نقلها كلها، وفرقها في كتبه، فهي رسالة عظيمة على صغر حجمها.

    1.   

    عقائد الجهم بن صفوان

    قبل أن ننتقل إلى فرقة المعتزلة لابد من أن نبين أن جهم بن صفوان قبحه الله اشتهر بأربع عقائد:

    العقيدة الأولى: عقيدة نفي الأسماء والصفات، وورثها عنه المعطلة من المعتزلة وغيرهم بعد الجهمية.

    العقيدة الثانية: عقيدة الإرجاء، وهو القول بأن الإيمان هو مجرد معرفة الرب بالقلب فقط، والكفر هو مجرد جهل الرب بالقلب، وأما الأعمال فليست من الإيمان، بل تكفي هذه المعرفة، فإذا عرف الإنسان ربه بقلبه فهو مؤمن، وإذا جهل ربه بقلبه فهو كافر، وورثها عنه المرجئة، ويلزم على هذه العقيدة أن يكون إبليس مؤمناً؛ لأنه عرف ربه، قال الله تعالى عنه: قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الحجر:36] .

    ويلزم على ذلك أيضاً أن يكون فرعون مؤمناً؛ لأن فرعون عرف ربه بقلبه، قال الله تعالى عنه وعن ملئه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14].

    ويلزم على هذه العقيدة أن يكون اليهود مؤمنين؛ لأن الله تعالى قال عنهم: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة:146] يعني: يعرفون الرسول عليه الصلاة والسلام.

    وكذلك يلزم على هذه العقيدة أن يكون أبو طالب الذي دل الحديث الصحيح على أنه مات على الكفر مؤمناً؛ لأن أبا طالب يعرف صدق الرسول، ويعرف أن الدين حق، ولهذا يقول في قصيدته المشهورة:

    ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا

    لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً

    فيكون مؤمناً على مذهب الجهم، وقد ثبت في صحيح البخاري أن أبا طالب مات على الشرك، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حضرته الوفاة جاءه وأمره بأن يتشهد شهادة الحق، وكان عنده عبد الله بن أمية وأبو جهل بن هشام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا عم! قل: (لا إله إلا الله) كلمة أحاج لك بها عند الله) لكن كان عنده قرينا السوء فلقناه الحجة الملعونة، وهي اتباع الأباطيل، فقالوا: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! أي: أترغب عن ملة أبيك عبد المطلب؟! وهذا من أضرار قرناء السوء والعياذ بالله، فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فأعاد عليه أصحاب الحجة المعلونة قولهم: تترك ملة آبائك وأجدادك؟ فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، ومات على الشرك، نسأل الله السلامة والعافية، لكنه عند الجهم مؤمن؛ لأنه عرف أن الإسلام حق ولو لم يدخل فيه، نسأل الله السلامة والعافية.

    العقيدة الثالثة: عقيدة الجبر، وهو القول بأن الإنسان ليس له أفعال، وإنما أفعاله هي أفعال الله، وتنسب إليه على سبيل المجاز، فالصلاة والصيام، والسرقة وغيرها كلها أفعال لله، والعياذ بالله، فالأفعال أفعال الله، والإنسان وعاء لها فقط، وإنما تمر عليه مروراً كالماء الذي يصب في الكوب، فهم يقولون: بنوا آدم كأنهم كأس، والله كصاب للماء فيه، فالأفعال أفعاله، وهذه هي عقيدة الجبر، وأول من قال بها وابتدعها الجهم، وورثها عنه الجبرية.

    العقيدة الرابعة: القول بفناء الجنة والنار، أي أن الجنة والنار تفنيان.

    1.   

    أصول المعتزلة في الاعتقاد

    التوحيد

    فاشتهر بهذه العقائد الأربع، قبحه الله وأخزاه.

    وورثت المعتزلة عن جهم نفي الصفات، وهم الفرقة الثانية من فرق المعطلة، وهم يقولون بالنفي، إلا أنهم أخف منهم؛ لأن الجهمية ينكرون الأسماء والصفات لله عز وجل، وأما المعتزلة فهم يثبتون الأسماء وينكرون الصفات، فتقول المعتزلة: نؤمن بأن الله عليم حي قدير سميع مسمى بهذا، لكن ليس له علم، ولا سمع، ولا بصر! أي: يثبتون الأسماء أعلاماً محضة فقط، فهو عندهم عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، وهكذا يثبتون الأسماء وينفون الصفات، وهذا داخل في أصلهم الذي أصلوه؛ لأن المعتزلة لهم أصول، فأصول الإيمان عندهم خمسة: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    والمعتزلة فرقة منتشرة كثيرة، ولهم مؤلفات وأئمة، فمنهم المفسرون، كـالزمخشري ، وهو إمام طائفة تسمى: الزمخشرية، وله كتاب الكشاف، وينبغي لطالب العلم أن يكون على حذر من بدع هذه الطائفة، وأن يكون على بصيرة من أمره، وكتاب الكشاف للزمخشري -وهو إمام من أئمة المعتزلة عموماً وإمام الزمخشرية خصوصاً- قد يجرك إلى مذهب الاعتزال وأنت لا تشعر إذا لم يكن عندك حذر، ولم تكن على بصيرة، ولهذا قال البلقيني رحمه الله: استخرجت من كتاب الكشاف للزمخشري اعتزالاً بالمناقيش. أي: بالإبر؛ لأنها شيء مخفي، ومنها أنه قال في قوله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاز [آل عمران:185] قال الزمخشري تعليقاً عليها: أي فوز أعظم من الجنة؟! قال البلقيني : وقصده من ذلك إنكار رؤية الله في الآخرة؛ لأن رؤية الله أعظم فوز، وأعظم نعيم يعطاه أهل الجنة، فهذا من الأشياء الخفية، فهو يريد أن يقرر أن المؤمنين لا يرون ربهم يوم القيامة. فلا بد لطالب العلم من أن يعرف هذه الفرقة، وشبهها، ومعتقداتها حتى يحذرها، وحتى يكون على بصيرة.

    والمعتزلة قرروا أصول الإيمان عندهم، أما أصول الإيمان عند أهل الحق فهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وهي ستة أصول، ومنهم من يجعلها خمسة، ويجعل الإيمان بالقدر داخلاً في أصل الإيمان بالله، لكن المعتزلة استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، فقالوا: أصولنا غير هذه الأصول التي عندكم أهل السنة، فأصول الدين عندنا هي: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكل أصل من هذه الأصول ستروا تحته معنىً باطلاً، فإذا أردت أن تعرف مرادهم من التوحيد تجدهم يريدون بالتوحيد غير ما يريده أهل السنة والجماعة، والعدل كذلك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك.

    فنفي الصفات داخل تحت الأصل الأول، فستروا تحت التوحيد القول بنفي الصفات، والقول بأن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة، هذا هو التوحيد عند المعتزلة!! فمن أثبت الصفات لله فليس بموحد عندهم، بل مشبه مجسم، ومن أثبت رؤية الله في الآخرة أو قال: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق؛ فليس بموحد عندهم، بل مشبه مجسم.

    شبهة المعتزلة في القول بخلق القرآن والرد عليها

    تقول المعتزلة: إن القرآن خلق من المخلوقات، ودليلنا قول الله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:62] وكلام الله شيء من الأشياء، فيكون داخلاً في عموم الكل، إذاً: فهو من المخلوقات، وهذه من شبههم العظيمة.

    وأجاب أهل الحق عن هذه الشبهة بأجوبة، منها أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق بذاته وصفاته، فليست صفاته منفصلة عنه، وليست صفاته شيئاً آخر، بل هو سبحانه الخالق بذاته وصفاته، وما سواه مخلوق، فلا تدخل الصفات ولا يدخل كلام الله في عموم الكل؛ لأن أسماء الله وصفاته داخلة في مسمى اسمه الخالق، فهو الخالق سبحانه بذاته وصفاته، فلا يدخل الكلام، ولا العلم، ولا القدرة في الشيء المخلوق، بل هو الخالق بذاته وصفاته، وما سواه مخلوق، فقول المعتزلة: إن الصفات نخرجها من اسم الخالق ونجعلها مخلوقة من أبطل الباطل؛ لأن الصفة تابعة للموصوف، والله بذاته وصفاته هو الخالق.

    ومما يدل على تعسف المعتزلة وانحرافهم أنهم أخرجوا من هذا العموم أفعال العباد، فقالوا: ليست مخلوقة لله، وأدخلوا في هذا العموم ما لا يصح دخوله، مثل كلام الله، وقالوا: نحن نخرج أفعال العباد من عموم الآية؛ لأنها لم يخلقها الله.

    فنقول لهم: كيف تدخلون كلام الله الذي هو صفة من صفاته في هذا العموم مع أن كلامه داخل في مسمى اسمه وتخرجون أفعال العباد من هذا العموم، وتقولون: إنها ليست مخلوقة؟! هذا يدل على تعسفكم؛ لأن أفعال العباد داخلة في هذا العموم، ولا دليل معتبر على إخراجها، وصفات الله ليست داخلة؛ لأنه بذاته وصفاته هو الخالق.

    ثانياً: أن كلام الله صفة من صفاته به تكون المخلوقات، أي: يكون الخلق بالكلام، كما قال الله سبحانه: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، وقد فرق الله بين الخلق والأمر في قوله: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54]، فعلمنا أنهما شيئان، ولو كان الكلام مخلوقاً للزم أن يكون مخلوقاً بكلام آخر، والآخر بآخر، والآخر بآخر، إلى ما لا نهاية، فيفضي هذا إلى التسلسل، وهو باطل، فثبت بهذا أن كلام الله صفة من صفاته به تكون المخلوقات، فلا يكون مخلوقاً، وإنما يخلق الله بالكلام، كما قال سبحانه: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

    ثالثاً: يقال لهم: إن عموم الكل في كل شيء يختلف باختلاف مواضعه، فأحياناً يخرج من هذا العموم ما دل عليه الدليل، ومن ذلك أن الله تعالى قال في الريح التي أهلك الله بها عاداً: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف:25] ، ثم قال: فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف:25] فخرجت المساكن والأرض والسماء من هذا العموم، والمعنى -والله أعلم- أن الريح التي أرسلها الله على عاد تدمر كل شيء يستحق التدمير، ولهذا فإن المساكن ما دمرت.

    وكذلك قول الله تعالى حكاية عن الهدهد في ملكة سبأ: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل:23] والمعنى: أوتيت من كل شيء يصلح للملوك، أو يكون للملوك، وهناك أشياء لم تؤتها، فكذلك عموم: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:62]، فالمراد: أن الله خالق كل شيء مخلوق، أما صفات الله فليست مخلوقة، فلا تدخل في هذا العموم.

    رابعاً: يقال للمعتزلة: إن الله سبحانه وتعالى توعد من قال: إن القرآن كلام البشر بأن يصليه سقر، كما قال سبحانه في الوليد بن المغيرة : إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر:18-25]، ثم قال الله: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [المدثر:26]، والمعتزلة يقولون: إن كلام الله مخلوق، وأن الله خلقه، فهو -إذاً- قول البشر، وليس كلام الله، فهم إذاً داخلون في هذا الوعيد؛ لأن الله توعد من قال: إنه قول البشر بأن يصليه سقر، والمعتزلة لا يقولون: إنه قول الله ولا كلام الله، بل يقولون: إنه قول البشر خلقه الله فيهم، فلهم نصيب من هذا الوعيد.

    فالمعتزلة يُدخلون في الأصل الأول الذي أصلوه -وهو التوحيد- القول بأن القرآن مخلوق، والقول بنفي الصفات.

    اللوازم الباطلة التي تلزم القائل بخلق القرآن

    يقال للمعتزلة: أنتم نفيتم الصفات، وقلتم: إن القرآن مخلوق، فيلزمكم أحدكم أمرين: إما أن تقولوا: جميع الصفات مخلوقة كما قلتم في الكلام، وإما ألا تقولوا ذلك.

    فإن قلتم: إن جميع الصفات مخلوقة مثل الكلام؛ فإنه يلزمكم أن تقولوا: إن علم الله مخلوق، وقدرته مخلوقة، وحياته مخلوقة، ومن قال: إن حياة الله مخلوقة فقد وصل إلى الكفر الصريح.

    وإما أن لا تقولوا إن الصفات مخلوقة فتخالفون أصلكم.

    وإما أن تفرقوا بين الكلام وبين غيره من الصفات، فتقولوا: الكلام مخلوق، وبقية الصفات ليست مخلوقة، فتقعون في التناقض، وهو دليل فساد معتقدكم.

    وعلى كل حال فإن الشبهة التي يعتمدون عليها هي قولهم: لو أثبتنا الصفات لله للزم من ذلك التشبيه والتجسيم والتركيب؛ لأننا لا نرى متصفاً بالصفات إلا ما هو جسم، والأجسام تتشابه، وهي مركبة.

    فيقال لهم: يلزمكم -أيضاً- أن تنفوا الأسماء إذا نفيتم الصفات؛ لأنكم لا ترون متصفاً بهذه الصفات إلا ما هو جسم، فكذلك انفوا الأسماء؛ لأنكم لا ترون مسمى بهذه الأسماء إلا ما هو جسم.

    ويقال لهم أيضاً: ما مرادكم بالتركيب؟ وما مرادكم بالجسم؟ فالجسم يطلق على عدة أمور، فهل تريدون بالجسم البدن الكثيف، فإن الذي لا يسمى جسماً في اللغة هو الشيء الخفيف، كالماء والهواء والنار، فمثل ذلك لا يسمى جسماً في اللغة العربية، فهل مرادكم بالجسم البدن الكثيف؟! إن كان هذا مرادكم فالله منزه عن ذلك، وإذا أردتم بالجسم ما هو مركب من متباينين -كالحيوان المركب من الطبائع الأربع: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، والمركب من أعضاء- إن أردتم هذا فالله منزه عنه، وإن أردتم بالتركيب تركيب الجوار -كمصراعي الباب- فالله منزه عن ذلك أيضاً، وإن أردتم بالتركيب التركيب من الهيولى والصورة -والهيولى هي: المادة، والصورة هي: الشكل، كالخاتم مثلاً، فهو مركب من الهيولى وهي: المادة الصلبة أو الذهب، والصورة، وهي كونه دائرياً مثلاً- فالله منزه عن هذا، وإن أردتم بالجسم ما هو مركب من الجواهر المفردة -وهي الأجزاء التي لا تقبل الانكسار- فالله منزه عن ذلك، وإن أردتم بالجسم ما هو متصل بالصفات -أي: كونه يسمع ويبصر ويعلم ويُرى يوم القيامة- فنحن نثبت هذه المعاني لله ولا ننفيها عنه، لكونكم تسمونهاً جسماً وتركيباً.

    وهم يقولون: من اتصف بالصفات فهو مركب، وإثبات الصفات عندهم تركيب، ونقول: هذا باطل، فنحن نثبتها لله ولو سميتموها تركيباً، فالتسمية هذه باطلة، فالله متصف بالصفات كالعلم والقدرة والبصر وسائر ما ورد في الكتاب والسنة، وهذه نثبتها لله ولو سميتموها تركيباً، وهذه التسمية لا تمنعنا من إثبات الصفات لله عز وجل؛ لأن العبرة بالحقائق والمعاني لا بالألفاظ والمباني، وهذه هي طريقة أهل الزيغ الضلال، فهم يسمون الحق بأسماء باطلة؛ كي ينفروا الناس عنها، والعبرة بالمعاني والحقائق، فإذا سميت الأشياء الباطلة بأسماء تتضمن معاني صحيحة لا تخرجها هذه التسمية عن كونها باطلة، وكذلك إذا سميت المعاني الحقة بأسماء باطلة، فالتسمية لن تغير حقاً، كأن يصطلح الناس -مثلاً- على تسمية الخمر تسمية لا تنفر منه، فلو سموه شراباً روحياً أو الشراب اللذيذ، فهل معنى ذلك أن يكون الخمر حلالاً؟ لا؛ لأن الخمر حرام ولو سميته شراب الروح أو الشراب اللذيذ، وكذلك إذا سمى الناس الربا بالفائدة، أو العمولة، أو الربح المركب، وهو ربا، فهذه التسميات لا تخرجه عن كونه ربا.

    فكذلك هؤلاء المعتزلة نقول لهم: إذا سميتم إثبات الصفات لله تركيباً فهي صفات لله نثبتها، ولا تضرنا هذه التسمية الباطلة؛ لأن العبرة بالمعاني، فهذا هو الأصل الأول من أصول المعتزلة، وهو التوحيد.

    1.   

    أصل العدل

    الأصل الثاني من أصول المعتزلة: العدل، وستروا تحته معنى باطلاً، وهو التكذيب بالقدر، والقول بأن الله لا يخلق الشر، ولا يخلق المعاصي والكفر، إذ لو خلقها ثم عذب عليها لكان ظالماً، والله لا يظلم مثقال ذرة، وهكذا ستروا تحت هذا الأصل الذي سموه العدل التكذيب بالقدر، فلا يقولون: إنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، بل يقولوا: هناك شيء يشاؤه الله ولا يكون، ويكون شيء لا يريده الله، ولا يقولون: إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، بل يقولون: الإنسان هو الذي يهدي ويضل نفسه، فستروا تحت أصل العدل التكذيب بالقدر، والقول بأن الله لا يخلق المعاصي ولا الشرور ولا الكفر؛ لأنه لو خلقها وعذب عليها لكان ظالماً، والله عادل لا يجوز عليه هذا، هكذا يقولون! فنقول لهم: يلزم على قولكم هذا أن تقعوا في شر مما فررتم منه، وهو أنه يقع في ملك الله ما لا يريد، وأن الله يريد من العبد الإيمان والطاعة، ولكن العبد يريد من نفسه الكفر والمعصية، فتقع إرادة العبد ولا تقع إرادة الله، فيلزم من ذلك أن يقع في ملك الله ما لا يريد، ويلزم من ذلك وصف الله بالعجز، فيكون الله مريداً من العبد الإيمان والطاعة والعبد يريد المعصية والكفر، فتقع إرادة العبد ولا تقع إرادة الله، فيكون الله عاجزاً! والعياذ بالله.

    فوقعوا في شرور أعظم من التي فروا منها.

    أما الذي دلت عليه النصوص ويعتقده أهل السنة فهو أن الله خالق كل شيء، وأن كل ما في الكون خالقه الله، من المعاصي والكفريات وغيرها، وله الحكمة البالغة في ذلك، لكن العبد هو الذي باشر الكفر والمعاصي، وله قدرة واختيار، ولهذا فإن الذي فقد آلة التكليف لا يلزم به، فالمجنون والصغير والشيخ الخرف لا يكلفون، بخلاف القادر على امتثال الأوامر واجتناب النواهي، فهذا يكلف؛ لأن عنده آلة التكليف، وقدرة يستطيع بها على الفعل والترك، فأنت الآن تستطيع أن تذهب وتأتي، ولا يمنعك أحد، والناس يدركون هذا، فالإنسان إذا كان عنده عبد مقعد لا يأمره بالقيام، وإذا كان عنده أعمى لا يقول له: انقط المصحف؛ لأنه غير قادر، والله تعالى له الحكمة البالغة.

    المصالح المترتبة على خلق الله للمتضادات

    سبق ذكر أن الذي ينسب إلى الله خلق الخير والشر مصيب؛ لأن الخلق مبني على الحكمة، والله تعالى خلق الكفر والمعاصي لحكم ومصالح تترتب عليها، منها: ظهور قدرة الله على خلق المتضادات، فالكفر يقابل الإيمان، والمعصية تقابل الطاعة.

    ومنها: حصول وترتب العبوديات المتنوعة على حصول الكفر والمعاصي، مثل عبودية الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، والصبر، والولاء والبراء، والتوبة، فقد يوفق للتوبة فتكون حاله بعدها أحسن من قبل إحداثه التوبة، والمعصية شر بالنسبة إلى العبد الذي باشرها وكسبها، أما الله الذي خلقها فليست شراً بالنسبة إليه، والمعتزلة يقولون: إن العبد هو الذي يهدي نفسه أو يضلها، ويقولون: معنى: يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [فاطر:8] أي: يسميه مهتدياً، وإلا فالعبد هو الذي يهدي نفسه أو يضلها. وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى ما أعان المؤمن ولا وفقه ولا سدده ولا هداه! بل المؤمن هو الذي هدى نفسه، والكافر هو الذي خذل نفسه وأضلها، وهم في هذا يشبهون الله بخلقه، فيقولون: كرجل له ابنان أعطاهما سيفين وقال لهما: جاهدا بهذين السيفين في سبيل الله، فأما أحدهما فقاتل به في سبيل الله، وأما الآخر فاستعرض رقاب المسلمين وقطعها، فكل منهما اختار طريقاً مبايناً لصاحبه، فأحدهما قاتل المسلمين بسيفه والآخر قاتل الكفار بسيفه، فكذلك الله ترك الناس هكذا، فمنهم من يختار الإيمان ومنهم من يختار الكفر، فما وفق هذا ولا خذل هذا.

    وهذا هو فهم المعتزلة معطلة الصفات مشبهة الأفعال، وقالوا: ما يحسن من العبد يحسن من الله، وما يقبح من العبد يقبح من الله، وكل ما كان حسناً من العبد فهو حسن من الله لو فعله، وكل ما كان قبيحاً من العبد فهو قبيح من الله إذا فعله، وما كان ظلماً من العبد فهو ظلم من الله لو فعله، هذا هو التشبيه، فهم مشبهة في الأفعال ومعطلة في الصفات.

    الرد على المعتزلة في شبهة خلق العباد لأفعالهم

    يقال للمعتزلة: يلزمكم أحد أمرين إذا قلتم: إن العبد هو الذي يخلق الكفر والمعاصي لنفسه، والله تعالى يراه ويقره على ذلك، يلزم من هذا أن الله أقره على القبيح واستحسنه منه، أو أنه عاجز عن منعه عنه، وكلا الأمرين باطل؛ لأن الإنسان من بني آدم إذا كان له إماء وعبيد ثم رأى العبيد تزني بالإماء فهل يسكت، أم ماذا يكون حاله؟! وإذا سكت حين يرى الذكور من عبيده تزني بالإناث من إمائه فإنه يلزم من سكوته أحد الأمرين: إما أن يكون عاجزاً عن منع هؤلاء الذكور عن هذه الإناث، أو يكون مستحسناً للقبيح راضياً به، ولله المثل الأعلى.

    فكذلك هؤلاء المعتزلة يقولون: إن العبد هو الذي يخلق المعصية والكفر بنفسه، يلزم من كلامهم أن الله عاجز عن منع ما لا يريده أو أنه استحسن القبيح! تعالى الله عما يقول للظالمون علواً كبيراً.

    والمعتزلة يقولون: إن الأصل الأول والثاني أصلان عقليان، أي: عرفا بالعقل قبل الشرع، بل هما اللذان دلا على الشرع، والذي دل عليهما هو العقل قبل أن يوجد الشرع، ثم جاء الشرع موافقاً للعقل في إثبات هذين الأصلين، وهما: التوحيد والعدل.

    فالمعتزلة يعتمدون على العقل أولاً، ثم جاء الشرع -الكتاب والسنة- موافقاً للعقل فأقر هذين الأصل، فمثل الشرع حينما جاء وأقر هذين الأصلين كالشاهدين الزائدين الذين قد يستغنى عنهما، فالقاضي إن طلب من أحد المتخاصمين شهوداً، فأتى بأربعة يقول له القاضي: تثبت الدعوة باثنين، واثنان احتياط، فكذلك الكتاب والسنة هما احتياط عند المعتزلة بالنسبة للتوحيد والعدل، ومثل الكتاب والسنة بالنسبة للتوحيد والعدل عند المعتزلة مثل المدد اللاحق بجيش والجيش مستغن عنه، فالتوحيد والعقل لا حاجة معهما إلى الشرع، ويكون مثل الشرع عند المعتزلة حينما جاء ووافق العقل في إثبات التوحيد والعدل مثل من يتبع هواه فصادف أن الشرع ما يهواه، فهو يتعبد على هواه ثم جاء الشرع مقراً له على ذلك، وهذا من أبطل الباطل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى). والعمل تابع للنية والقصد، والنية الصالحة لا تكون إلا عن علم وإيمان وتصديق بالله ورسوله، فإذا عمل الإنسان عملاً بغير نية فهو باطل مردود عليه، كما أن الإنسان الذي يتعبد الله على وفق هواه عمله باطل مردود ولو وافق الشرع؛ لأنه على غير نية وإخلاص، وكذلك إذا ترك ما يتركه مما نهى عنه الشرع إذا كان هذا الترك عن غير نية وقصد وعن غير إيمان بالله ورسوله، فلا يثاب عليه.

    المنزلة بين المنزلتين

    الأصل الثالث من أصول المعتزلة: المنزلة بين المنزلتين، وقد ستروا تحت هذا الأصل معنى باطلاً، وهو القول بأن العاصي ومرتكب الكبيرة يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر، بل يكون في منزلة بين المنزلتين، أي: لا يسمى مؤمناً ولا يسمى كافراً، فهو عندهم خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، وشبهتهم في هذا نصوص الوعيد، ومن ذلك الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وفي غيرها، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم فيها حين ينتهبها وهو مؤمن). فقالوا: هذا نفي للإيمان عنه، فدل على أنه خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، فهو في منزلة بين المنزلتين، ومثله حديث: (من حمل علينا السلاح فليس منا). وحديث: (من غشنا فليس منا)، وحديث: (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)، وغير ذلك من نصوص الوعيد التي أخذوها واستدلوا بها على أن مرتكب الكبيرة يخرج من الإيمان لكنه لا يدخل في الكفر، فيكون في منزلة بينهما.

    إنفاذ الوعيد

    الأصل الرابع من أصول المعتزلة: إنفاذ الوعيد، وستروا تحته معنى باطلاً، وهو القول بخلود العصاة في النار، أي: خلود أهل الكبائر في النار وعدم خروجهم منها أبداً، واستدلوا -أيضاً- بنصوص الوعيد التي فيها الوعيد لبعض العصاة، كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10]، وقوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، وغير هذه من النصوص، وقالوا: هذه النصوص تدل على أن العصاة يخلدون في النار مثل الكفار! وأنكروا النصوص التي فيها الشفاعة للعصاة وأنهم يخرجون من النار، مع أنها متواترة.

    ويرد على المعتزلة في هذين الأصلين -الثالث والرابع- بالأحاديث المتواترة في خروج عصاة الموحدين من النار، وأنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، كحديث: (أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان). فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا أثبت للعاصي الإيمان، فدل على أنه لم يخرج من الإيمان، بخلاف قولهم بخروجه من الإيمان.

    ودل الحديث -أيضاَ- على أنهم يخرجون من النار فلا يخلدون فيها، فبطل قولهم بإنفاذ الوعيد وأن العصاة يخلدون في النار.

    فهذا الحديث ونحوه رد على أصلهم الثالث والرابع، والنصوص التي فيها إخراج عصاة الموحدين وأهل الكبائر من النار تبلغ حد التواتر، وقد تواترت الأحاديث في خروج عصاة الموحدين من النار، وأن لنبينا عليه الصلاة والسلام أربع شفاعات، وفي كل شفاعة يحد الله له حداً مبيناً، وفي بعض الروايات يقول الله له في المرة الأولى: (أخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، أو حبة خردل من إيمان). وفي المرة الثانية يقول له: (أخرج من كان في قلبه أدنى مثقال حبة من إيمان). وفي المرة الثالثة يحد الله له حداً آخر ويقول له: (أخرج من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان). وفي المرة الرابعة يقول له: (أخرج من قال: لا إله إلا الله).

    وثبت أن الملائكة يشفعون، وأن الصالحين يشفعون، وأن الشهداء يشفعون، وأن النبيين يشفعون.

    وثبت أنه تبقى بقية ليس لهم شفاعة، فيخرجهم الرب سبحانه وتعالى برحمته بعد شفاعة الملائكة والنبيين، فلم تبق إلا رحمة أرحم الراحمين، فيخرج الرب سبحانه وتعالى أقواماً من العصاة لم يعملوا خيراً قط، لكنهم ماتوا على التوحيد.

    وثبت في الأحاديث الصحيحة أن عصاة الموحدين يموتون في النار موته، وأنهم يمتحشون ويصيرون فحماً، وأنه يدخل النار جملة من العصاة من المصلين، وأن النار لا تأكل مواضع السجود من جباههم ووجوههم، فمن الناس من يدخل النار لكونه عاقاً لوالديه، وهذا لكونه قاطعاً لرحمه، وهذا لكونه مات على الزنا أو السرقة، أو التعامل بالربا، أو أكل مال اليتيم أو شهادة الزور، أو غير ذلك من الكبائر، ومعتقد أهل السنة والجماعة أنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر، لكن الواحد بعينه لا يشهد له بجنة ولا نار.

    وثبت -أيضاً- أنهم يخرجون منها ضبائر ضبائر قد امتحشوا وصاروا فحماً، ثم يلقون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم بدخول الجنة، فإذا خرجوا من النار، ولم يبق في النار موحد أطبقت النار على الكفرة بجميع أصنافهم، من اليهود والنصارى والشيوعيين والمنافقين والوثنيين والمجوس وغيرهم من أصناف الكفرة والمرتدين، وكذلك من مات على ناقض من نواقض الإسلام، فكل هؤلاء تطبق عليهم النار وتغلق، فلا يخرجون منها أبداً، كما قال الله تعالى: إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ [الهمزة:8] أي: مطبقة مغلقة، وقال سبحانه: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة:37]، وقال سبحانه: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة:167]، وهذا بعد خروج عصاة الموحدين منها، فهذه النصوص الكثيرة المتواترة أنكرها المعتزلة والخوارج، وقالوا: إن عصاة الموحدين والمؤمنين يخلدون في النار كالكفار، والعياذ بالله.

    ومن الأدلة التي يرد بها على المعتزلة: قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فأخبر سبحانه وتعالى أن الشرك غير مغفور، وأن ما دون الشرك فقد علقه الله على مشيئته، والمعاصي والكبائر دون الشرك.

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    الأصل الخامس من أصول المعتزلة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا الأصل له شقان: الأول: الأمر بالمعروف، وستروا تحته معنى باطلاً، والثاني: النهي عن المنكر، وسترواً تحته -أيضاً- معنى باطلاً.

    فالأمر بالمعروف ستروا تحته القول بإلزام الناس بآرائهم واجتهاداتهم التي وصلوا إليها، ولهذا لما كانت لهم الدولة في خلافة المأمون وكان رئيس القضاة من المعتزلة -وهو أحمد بن أبي دؤاد- ألزموا الناس بالقول بخلق القرآن، وامتحن الإمام أحمد رحمه الله؛ لأنهم يعتقدون هذا الأصل، وهو الأمر بالمعروف، ويعنون به إلزام الناس باجتهاداتهم وآرائهم، فألزموا الناس بالقول بخلق القرآن وفتنوهم، ولذا امتحن الإمام أحمد رحمه الله، وضرب وسجن مرات، وثبت كالجبال الرواسي رحمه الله تعالى.

    1.   

    نشأة الاعتزال

    اشتهر أمر المعتزلة في زمن المأمون عند ادعائهم خلق القرآن، وإلا فأصلهم ومبدؤهم في أوائل المائة الثانية، والمؤسس لمذهب المعتزلة هو واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد ، وسموا معتزلة لأنهم اعتزلوا مجلس الحسن البصري ، أو اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري ، فيقال: هؤلاء المعتزلة، فاعتزلوا مجلس الحسن البصري وجعلوا يقررون أصولهم.

    ويقال: إن سبب ذلك أن سائلاً سأل الحسن البصري عن العاصي والفاسق، فأجابه بما دلت عليه النصوص، فاعتزل واصل وعمرو مجلس الحسن وقال واصل : أنا في سارية، وقال: أنا لا أقول هو مؤمن ولا أقول كافر، وجعل يقرر هذا، وكان واصل بن عطاء هو المؤسس للمذهب، وقد آتاه الله الفصاحة والبلاغة والقوة على التفرد بالأساليب، حتى إنه كان يلقي الخطبة العظيمة الطويلة الساعات الطوال لا يتلعثم فيها، ومن الطرائف أنه كان في لسانه لثغة، لكن آتاه الله فصاحة وبلاغة وقوة على التصرف في الألفاظ، فكان يخطب الخطبة الطويلة الساعات ويتجنب النطق بالراء حتى لا تظهر اللثغة.

    ومن الطرائف أنه قال له قائل: قل: أمر الأمير بحفر البئر في قارعة الطريق. وكل كلمة في الجملة فيها راء إلا حرف الجر (في)، فقال: أوعز القائد بقلب القليب في الجادة. فأتى بعبارة في جملة تدل على المعنى وليس فيها راء، فهذا من الابتلاء والامتحان؛ لأن هذا الرجل أوتي الفصاحة والبلاغة ليفصح عن مراده، ويبين هذا المذهب الباطل، فهذا من الابتلاء، والمقصود أن هذا هو مبدؤهم، واشتهر أمرهم في زمن المأمون.

    ثم جاء رجل يسمى أبا هذيل العلاف وشرح المذهب وفرع عليه، وصنف لهم كتابين وبناه على الأصول الخمسة عندهم.

    ومن آراء العلاف أن حركات أهل الجنة والنار تفنى يوم القيامة، ثم يبقون جامدين كالحجارة! والعياذ بالله.

    فـالجهم يقول: النار والجنة تفنيان بما فيهما. أما أبو هذيل العلاف فإنه يقول: تفنى الحركات، وقد ناقشه ابن القيم رحمه الله مناقشة دقيقة في قصيدته الكافية الشافية، يقول: أنت قلت: تفنى الحركات، وهذا يلزم منه معنى فاسداً، فإذا كان هناك رجل رفع لقمة ثم فنيت الحركات فهل يبقى على هذه الصورة؟! وما حال الذي يأخذ عنقوداً ويتناوله؟! هل تفنى حركاته؟! وما حال الذي يجامع أهله ثم تفنى الحركات، فهل يبقى كالحجارة؟! فـابن القيم ناقشه مناقشة من هذا القبيل، وهذا من آرائه الفاسدة، وهو شيخ المذهب الذي فرعه ووضحه وشرحه وبناه على الأصول الخمسة وصنف لهم كتابين.

    فالمقصود أن الأمر بالمعروف -وهو الأصل الخامس- ستروا تحته هذا الشق من القول، وهو إلزام الناس باجتهاداتهم وآرائهم، ولو كانت باطلة.

    1.   

    أصل الأمر بالمعروف

    يرد على المعتزلة بأن الاجتهادات والآراء لا يلزم بها الناس، وإنما يلزم الناس بالنصوص الشرعية، أما الاجتهادات والأفهام فلا يلزمون بها، فالمجتهد لا يلزم غيره، فإذا اجتهد عالم في فهم النصوص الشرعية فإنه يعبد الله بما وصل إليه باجتهاده، لكن ليس له أن يلزم غيره، فلا يلزم الناس بالاجتهادات، وإنما يلزمون بالنصوص، والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يصلين العصر أحد إلا في بني قريظة)، وهذا بعد غزوة الأحزاب؛ لأن بني قريظة نقضوا العهد، وهم من قبائل اليهود في المدينة، وممن صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم، والذين صالحهم الرسول صلى الله عليه وسلم من اليهود في المدينة هم بنو قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع، فنقضوا العهد ومالئوا المشركين، فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب جاء جبريل فقال له: (وضعت السلاح؟! لكنا لم نضعه، إن الله يأمرك أن تذهب إلى بني قريظة؛ لأنهم نقضوا العهد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة)، فأسرع الصحابة رضوان الله عنهم في الذهاب، ثم أدركتهم الصلاة في أثناء الطريق، فاختلف الصحابة، فمن الصحابة من قال: نصلي في الطريق ثم نواصل السير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أراد منا أن نؤخر الصلاة عن وقتها، وإنما أراد منا المبادرة والإسراع، وقد بادرنا، فنصلي ثم نواصل السير، وقال آخرون من الصحابة: لا نصلي حتى نصل إلى بني قريظة، ولو لم نصل إلا بعد غروب الشمس؛ لأن عندنا نصاً، فلم يصلوا حتى وصلوا إلى بني قريظة بعد الغروب، فالنبي صلى الله عليه وسلم أقر كلتا الطائفتين، ولم يعنف هؤلاء ولا هؤلاء؛ لأن كلتا الطائفتين اجتهدت، فالأولون اجتهدوا وقالوا: عندنا النصوص التي تدل على توقيت المواقيت، كقوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103]، والآية محكمة، وهي الأصل، فنحن نبقى مع النصوص الواضحة الكثيرة فنصلي في الوقت ثم نواصل السير، ونتفقه في هذا النص الأخير، فنفهم منه أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم المبادرة في السير، لا أن نؤخر الصلاة عن وقتها، فنصلي ثم نواصل.

    وأما الآخرون فقالوا: عندنا نص من النبي صلى الله عليه وسلم، فنتمسك به، وهو: (لا يصلين العصر إلا في بني قريظة)، فلا نصلي إلا في بني قريظة، فالنبي صلى الله عليه وسلم أقر هؤلاء وهؤلاء، ولم يعنف أحداً من الفريقين.

    لكن عند التأمل أيهما المصيب؟ أي: هل المصيب من صلى في الطريق أم المصيب من صلى بعد وصوله إلى بني قريظة بعد غروب الشمس؟!

    لقد بحث ابن القيم رحمه الله هذه المسألة وقال: إن الذين صلوا في الطريق قد سلكوا مسلك الأئمة ومسلك أهل القياس والمعاني، أي أنهم تفقهوا في النصوص وجمعوا بينها، وأما الذين أخذوا بالنص الأخير فقد سلكوا مسلك أهل الظاهر، حتى قال ابن حزم الظاهري : لو كنت معهم لم أصل إلا بعد الوصول.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم ما عنف أحداً من الفريقين، فدل على أن الأمور الاجتهادية النظرية التي يشتبه أمرها لا يلزم بها الناس، فهذا فيه رد على المعتزلة في إلزامهم الناس باجتهاداتهم الباطلة، ويسمونه الأمر بالمعروف.

    1.   

    بيان معنى أصل النهي عن المنكر

    الشق الثاني للأصل الخامس: النهي عن المنكر، وستروا تحته القول بالخروج على الأئمة إذا جاروا وظلموا، فقالوا: إذا ظلم ولي الأمر فإننا نخرج عليه، وكذلك إذا فعل معصية أو فساداً، وهذا باطل؛ لأنه مخالف للنصوص الكثيرة التي دلت على أنه لا يجوز الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي ولا بالظلم ولا بالجور، ومن تلك النصوص قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] فالآية عامة في وجوب الطاعة، لكن يطاعون في المعاصي ولا يخرج عليهم.

    ومن ذلك ما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني). قال العلماء: أما المعصية فلا يطاع فيها أحد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الطاعة في المعروف)، فلا يطاع أحد في المعاصي، لا الأمير، ولا الوالد، فلا تطع والدك في معصية، وكذلك الزوجة لا تطع زوجها في المعصية.

    ومن ذلك حديث أبي ذر : (أمرني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً حبشياً مجدع الأطراف) .

    ومن أقوى الأدلة حديث عوف بن مالك الأشجعي في صحيح مسلم : (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم -يعني: تدعون لهم-، وشرار أمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم. قلنا: يا رسول الله! أفلا نبادرهم بالسيف -أي: نقاتلهم ونخرج عليهم ما داموا شراراً-؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزع يداً من طاعة).

    وفي حديث حذيفة : (فالزم جماعة المسلمين وإمامهم).

    اعتقاد أهل السنة في مسألة الخروج على ولاة الأمر

    قرر أهل السنة والجماعة معتقداً مأخوذاً من النصوص، وهو عدم جواز الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي وبالظلم وبالجور، ويدل على ذلك الحديث الآخر: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان)، ومعنى (كفراً بواحاً)، أي: واضحاً صريحاً لا لبس فيه ولا احتمال، ففي هذه الحالة يجوز الخروج مع القدرة، وأما مع عدمها فلا يجوز.

    وأهل السنة حينما قرروا هذه القاعدة إنما قرروها انطلاقاً من هذه النصوص الكثيرة التي فيها النهي عن الخروج على ولاة الأمر بمطلق الظلم والمعاصي، وهي داخلة تحت قاعدة المصالح والمفاسد، أي: عند اجتماع المصالح والمفاسد يقدم درء المفاسد على جلب المصالح، ولتوضيح تنزيل القاعدة على هذه المسألة نقول: إن الصبر على جور الولاة وظلمهم يتعلق به مصالح عظيمة، وذلك أن الله علق بولاة الأمور مصالح عظيمة، فعلق عليهم إقامة الحدود، واستقرار الأمن، وأداء الحقوق، وردع الظالم، واجتماع الكلمة، والقوة أمام أعداء الأمة فلا تغلب، بخلاف ما يسببه الخروج من النزاع والفشل والفرقة، وتربص الأعداء بالأمة الدوائر، واختلال الأمن ونظام الحياة والتعليم والاقتصاد، وغير ذلك من المفاسد التي لا حصر لها، ومنها إراقة الدماء والتناحر والتطاعن والتطرف.

    فأي المفسدتين أعظم: هذه المفاسد أم مفسدة الجور أو الظلم أو المعصية التي يفعلها ولي الأمر؟! لا شك في أن الصبر وعدم الخروج هو الذي تقتضيه المصلحة وتدل عليه النصوص.

    فالواجب على طلبة العلم أن يعلموا هذا الأصل العظيم، وهو أصل من أصول أهل السنة، وأن يعلموا أن الخروج على ولاة الأمور من شعار أهل البدع كالرافضة والخوارج والمعتزلة الذين يرون الخروج على ولاة الأمور بمجرد ما تقدم، وهم في هذا منحرفون عن معتقد أهل السنة والجماعة، ومخالفون لأصولهم، ولهذا قرر العلماء في حصول العقائد -كـالطحاوي وغيره- هذا الأمر، قال الطحاوي [ ولا نرى الخروج على أئمتنا -يعني: بالمعاصي- وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة ].

    فأهل السنة في كتب العقائد كلها يقررون هذا الأصل، وهو عدم الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي والظلم والجور، وأهل السنة تميزوا عن أهل البدع بهذا الأصل.

    كما أن العلماء يقررون في كتب العقائد مسألة المسح على الخفين، فيقولون: ونرى المسح على الخفين مخالفة للرافضة الذين لا يرون المسح على الخفين، فالرافضة لا يرون المسح على الخفين، بل يقولون: من كان عليه خفان وجب عليه أن يخلعهما وأن يمسح ظهور القدمين، ولا يغسل الرجلين، فلهذا قرر العلماء في كتب العقائد قولهم: ونرى المسح على الخفين مخالفة للرافضة الذين لا يرون المسح على الخفين.

    وكذلك قالوا: ولا نرى الخروج على أئمتنا. فقرروا عدم الخروج على ولاة الأمور أخذاً بهذه النصوص، ودفعاً لما يترتب على الخروج من المفاسد العظيمة، وأخذاً بما يترتب على الصبر على الولاة من المصالح العظيمة، والخروج من شعار أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والرافضة.

    فينبغي لطالب العلم أن يكون على بصيرة في هذا الأمر؛ لأن كثيراً من الشباب ليست عندهم بصيرة، وقد حدثت استشكالات لكثير من الشباب في كثير من المقامات، وبينت لهم معتقد أهل السنة والجماعة في هذا، وبعضهم لا يزال عنده استشكالات وعدم قبول لهذا الأمر، فالواجب على طالب العلم أن يتبصر وأن يقرأ في كتب أهل العقائد، وأن يتأمل النصوص حتى يتبين له هذا الأصل العظيم الذي أقره أهل السنة، وخالفوا فيه أهل البدع.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الأسئلة

    المراد بلفظ الزنديق

    السؤال: هل الزنادقة طائفة من الطوائف؟ أم أن الزندقة وصف يطلق على كل من خالف في الأسماء والصفات؟ وما معناه؟

    الجواب: الزندقة وصف متأخر، والزنديق معناه المنافق، فالمنافق -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - هو: الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان، فهذا كان يسمى منافقاً في العصور الأولى، وفي العصور المتأخرة يسمى زنديقاً، فالزنديق هو المنافق الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان، ويطلق لفظ الزنديق -أيضاً- على الجاحد الذي أنكر وجود الله، فهو زنديق ملحد، فالمقصود أن الزنديق هو الملحد والكافر والمنافق الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان.

    حكم التسمية بعبد المعبود

    السؤال: هل يجوز التسمي بعبد المعبود؟

    الجواب: لا يجوز إطلاق التعبيد إلا وهو يتبع باسم من أسماء الله التي ثبتت في صريح نصوص الكتاب والسنة.

    أما ما ورد في السؤال فنقول: الله تعالى هو المعبود من باب الخبر، أي: يخبر عنه بأنه معبود، لكن لا أعلم أن من أسماء الله المعبود حتى يطلق التعبيد له، وإنما هذا خبر يخبر به عن الله، وباب الخبر عند أهل العلم أوسع من باب الوصف، فالله تعالى يخبر عنه بأنه موجود، وبأنه شيء، لكن لا يقال: من أسمائه الموجود، وكذلك يخبر عنه بأنه صانع العالم، لكن لا يقال: عبد الصانع، ولا عبد الموجود، ولا عبد الشيء، فكذلك لا يقال: عبد المعبود، وإنما يسمي ويعبد باسم من أسماء الله التي ثبتت في الكتاب والسنة، وأفضلها عبد الله وعبد الرحمن، ثم يعبد بسائر الأسماء والصفات التي ثبتت في الشرع، كعبد الملك، وعبد الحميد، وعبد المجيد، وعبد القدير، وعبد السميع، وعبد الرحيم، وعبد القيوم إلى آخر ذلك.

    أما لفظ المعبود فلا يظهر لي أنه من أسماء الله، وإنما يخبر به عن الله، فيقال بأنه المعبود؛ لأنه المعبود بحق، وإلا فهناك معبودون غيره، لكن عبدوا بالباطل، فالله تعالى هو المعبود بحق، ومما يؤخذ على التسمية بعبد المعبود أن الله تعالى معبود وغيره معبود، فالنار معبودة، أي: عبدت من دون الله، والشمس كذلك عبدت من دون الله، والآدمي عبد، والملائكة عبدت، فالله هو المعبود بحق وغيره معبود بالباطل، قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62].

    حكم نصب القدم تجاه المصحف

    السؤال: هل يجوز نصب القدم باتجاه المصاحف؟ وهل يجوز استدبار المصاحف؟

    الجواب: إذا قصد الامتهان فلا يجوز له ذلك، لكن إذا كان بعيداً عن المصحف واحتاج إلى هذا الفعل، أو كان ناسياً فلا حرج عليه، لكن الأولى إذا كان قريباً أن لا يمد رجله أمام المصحف، وأما إذا قصد الامتهان فهذا هو الكفر، أما إذا لم يقصد الامتهان فالأمر في هذا واسع، خاصة إذا كان بعيداً عن المصحف.

    بيان معنى قول العلماء: القرآن منزل غير مخلوق

    السؤال: الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يقول: القرآن منزل غير مخلوق، أم كان يقول بأن القرآن منزل فقط؟ وما الرد على الواقفة، فقد تكلمت مع أحدهم فكان يقول: إن الإمام أحمد لم يقل بأن القرآن غير مخلوق، ولكن أصحابه قالوا بهذا لمحادة أهل الاعتزال، فالنصوص كلها في التنزيل لا تفيد بأنه مخلوق أو غير مخلوق؟

    الجواب: خصمك هذا إذا أثبت النصوص التي تفيد أنه منزل فهو غير مخلوق، والعلماء يضطرون إلى هذا، أي: القول بأنه منزل للرد على من قال: إنه مخلوق، فيقولون: هو منزل غير مخلوق، فهذا يقوله العلماء والأئمة، حيث قالوا: كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وهذا أقره العلماء، كشيخ الإسلام ابن تيمية ، وابن قدامة في اللمعة وغيرهما، والمعنى في هذا واضح، فإذا كان منزلاً فهو غير مخلوق، ويلزم من كونه منزلاً أن يكون غير مخلوق، فلا ينبغي الاستشكال في مثل هذا.

    حكم القراءة في تفسير الزمخشري

    السؤال: هل يجوز اقتناء تفسير الزمخشري وقراءته؟

    الجواب: إذا كان طالب العلم على بصيرة ولا يخشى من تأثيره عليه فلا بأس بأن يستفيد منه؛ لأن فيه بلاغة، والزمخشري يأتي ببلاغته تقريراً لمعانٍ عنده، فلا ينتبه لها الإحذاق الطلبة، أما المبتدئ فلا ينبغي له أن يقتنيه، وليقرأ في كتب التفسير الميسرة السهلة، كتفسير الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ، وتفسير ابن كثير وغيرهما من التفاسير السلفية، أما أن يقتني المبتدئ الكشاف للزمخشري ، أو تفسير الرازي فلا، وكتاب الرازي أيضاً فيه من الأباطيل شيء كثير، وفيه بيان لشبه أهل الباطل وتقرير لها، كتقرير وجوب تعلم السحر، حتى قال بعض العلماء: فيه كل شيء إلا التفسير. وقد نقل الحافظ ابن كثير عن الرازي أنه أوجب تعلم السحر، واستدل بقوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] والعلم لذاته شريف، والسحر علم من العلوم، فيجب تعلمه، هكذا يقول الرازي ، وهذا ما قرره في كتابه، أي: كتاب مفاتيح الغيب، فلا ينبغي للمبتدئ أن يقتنيهما، لكن طالب العلم الذي عنده بصيرة لا بأس عليه.

    معنى الخلود في قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها...)

    السؤال: من المعلوم أن عصاة الموحدين لا يخلدون في النار، فما معنى الخلود في قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا [النساء:93]؟

    الجواب: معنى الخلود عند أهل السنة والجماعة في قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا [النساء:93] معناه المكث الطويل؛ لأن الخلود خلودان: خلود مؤبد لا نهاية له، وهذا خلود الكفرة، والثاني: خلود مؤمد له أمد ونهاية، وهذا خلود عصاة الموحدين، وقد يطول مكث بعض العصاة لعظم جريمته، كالقاتل وغيره، ولكن له نهاية، فما دام أنه مات على التوحيد والإيمان فلا يخلد في النار.

    ما يكون به الخروج على ولي الأمر

    السؤال: هل يكون الخروج بغير السيف والقتال في منهج أهل السنة والجماعة؟

    الجواب: الخروج يكون بالسيف، وكذلك يكون بالاجتماع في مكان معين ضد ولي الأمر، أو تأليب الناس عليه أو تنفيرهم منه، أو تحذيرهم من شره، أو حثهم على الخروج عليه، فالخروج يكون بما إذا حثهم على الخروج وأمرهم به، أو حسنه لهم، أو ما أشبه ذلك، وكذلك من الخروج إذا تجمعوا في مكان معين وخرجوا يطالبون أو ما أشبه ذلك، فهذا من الخروج.

    الرد على مدعي ضعف أهل السنة في اعتقادهم حرمة الخروج على الولاة

    السؤال: يرى البعض أن قول المعتزلة في الخروج على الأئمة الفساق فيه شيء من القوة والشدة الصارمة معهم، وقول أهل السنة فيه ضعف وخور وركون إلى الدنيا، وفيه الإقرار لهم على معاصيهم وفسقهم؟

    الجواب: هذا السائل يميل إلى المعتزلة، وكلامه فيه ميل وركون إليهم، ونقول: أهل السنة كلامهم ليس فيه ضعف ولا خور ولا ركون إلى الدنيا؛ لأن أدلة أهل السنة واضحة كثيرة كحديث عوف بن مالك الأشجعي في صحيح مسلم، وهو من أصح الكتب بعد البخاري ، وفيه قوله عليه الصلاة والسلام رداً على من سأله عن الخروج عليهم: (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة) فأين يكون الضعف؟! لاشك في أنه في فهم هذا السائل، وإنما أتي من قبل نفسه، وأدلة أهل السنة واضحة قوية، وأهل السنة جمعوا بين النصوص جمعاً معقولاً، وعملوا بالنصوص من الجانبين، وعملوا بالقواعد العامة التي قررتها النصوص، كقاعدة المصالح والمفاسد، وفيها أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ومن يقول بعد هذا: إن أدلة أهل السنة فيها ضعف وهوى ومهانة، وأدلة المعتزلة فيها قوة؛ لا يكون مصيباً، وهو على غير بصيرة؛ لأنها قوة في الباطل.

    بيان معنى الكفر البواح

    السؤال: يقول بعضهم: إقرار البنوك الربوية وبناؤها من الكفر البواح، فما صحة ذلك؟

    الجواب: ليس هذا من الكفر البواح، وإنما الكفر البواح هو الاستحلال، فمن استحل الأمور التي دلت النصوص الكثيرة على تحريمها، كالأمور المعلومة من الدين بالضرورة تحريمها، وصرح بأنه استحلها ففعله هو الكفر البواح، أما فعل المعاصي من غير استحلال فليس من الكفر البواح، والقول بأن فعل المعاصي من غير استحلال هو من الكفر البواح هو مذهب الخوارج والمعتزلة، أما أهل السنة فلا يرون أن فعل المعاصي من غير اعتقاد حلها من الكفر البواح، ومعنى الكفر البواح أي: الكفر الصريح الذي لا شبهة فيه، وأين البواح في مثل إنسان زنى؟! أتقول: هذا كفر كفراً بواحاً؟! وإنسان آخر تعامل بالربا؟! أتقول: هذا كفر كفراً بواحاً؟! أين الكفر البواح في مثل هذه المعاصي؟!

    لكن لو أن إنساناً أعلن قائلاً: الزنا حلال، وبينت له النصوص فقال: لا أقبلها، هو حلال، فهذا هو الكفر، أو سب الله أو استهزأ به أو بكتابه أو برسوله أو بدينه أمام الناس، فهذا هو الكفر البواح، فلا ينبغي أن يفسر الإنسان الكفر البواح على رغبته.

    نصيحة ولاة الأمور وكيفيتها

    السؤال: متى يجوز إنكار المنكر على الإمام إنكاراً عاماً؟

    الجواب: لا يجوز الإنكار على ولاة الأمور بالخروج عليهم، ويقول العلماء في مثل هذا: إذا ترتب على إنكار منكر منكر أعظم فلا ينكر، فالإنكار على ولاة الأمور بالخروج عليهم من الشيء الذي يترتب عليه المنكر الأعظم، ولهذا قرر العلماء -كـابن القيم وغيره- أنه لا ينكر على ولي الأمر بالخروج عليه، وإنما بالنصيحة، والنصيحة إنما تكون سراً، وقد ثبت في صحيح البخاري عن بعض الصحابة أنه قيل له: ألا كلمت عثمان رضي الله عنه؟! وذلك في مسألة توليته لبعض الولاة، فقال هذا الصحابي: أترون أني لا أكلمه إلا وأنتم ترون؟! إني لأكلمه سراً فيما بيني وبينه حتى لا أفتح شراً. أو كما قال رضي الله عنه، فالنصيحة لولاة الأمور إنما تكون سراً فيما بين الناصح وبينهم، وتكون عن طريق أصحاب البصيرة وأهل العلم؛ لأن العلماء وأهل البصيرة هم أعرف من غيرهم بالمعروف والمنكر، فلا يتولى هذا إنسان ليس عنده بصيرة، أو يتولاه إنسان حديث السن لم يتبصر ولم يتفقه في النصوص، وإنما عنده اندفاع، وتخفى عليه كثير من النصوص فلا يعرفها، ثم يندفع اندفاعاً على غير بصيرة.

    أهل الفترة

    السؤال: كيف نرد على من يقول: من نشأ في مجتمع كافر ولم يسمع قط بالإسلام، ولم ير مسلماً، ولم يسمع شيئاً من أمر هذا الدين، إلا الدين الذي رباه عليه أبواه، فليس عليه ذنب؛ لأنه لم تقم عليه الحجة؟

    الجواب: هذا إذا وجد فظاهر النصوص أنه يكون من أهل الفترة، فإذا مات على ذلك فإنه يعامل معاملة المشركين في الدنيا، فلا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين في مقابرهم، وأمره في الآخرة إلى الله.

    وقد اختلف العلماء في أهل الفترات الذين لم تبلغهم الدعوة فلم يعملوا شيئاً، فذكر شيخ الإسلام وابن القيم في آخر كتاب طريق الهجرتين أقوالاً، لكن اختاروا أنهم يمتحنون يوم القيامة، وجاءت في هذه المسألة أدلة وأحاديث كثيرة لا تخلوا من ضعف من ناحية الأسانيد، وفيها أنه يؤتى بالشيخ الكبير والهرم والفاني ومن لم تبلغه الدعوة ويوقفون بين يدي الله، وأنه يخرج لهم عنق من النار، فيقال لهم: ادخلوها، فمن وردها صارت عليه برداً وسلاماً، ومن لم يردها فقد عصى، جاءت بهذا المعنى أحاديث كثيرة لكنها لا تخلوا من ضعف، ويبدوا أنها بمجموعها يشد بعضها بعضاً، ولهذا قرر شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أن أهل الفترة يمتحنون أخذاً بهذه النصوص، والأصل في هذا قول الله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، وهناك رسالة في مسألة حكم أهل الفترة موجودة في كلية أصول الدين، وهي رسالة ماجستير كنت أشرفت عليها منذ سنوات مضت، وعنوانها: (أهل الفترة).

    حقيقة تلبس الجني بالإنسي

    السؤال: وجد من طلبة العلم من أنكروا تلبس الجني بالإنسان وإلحاقه الضرر به، كما اعتقدوا -أيضاً- أن علم النفس هو أفضل من القرآن الكريم في علاج الأمراض النفسية، فهل هم على صواب أم لا؟ وكيف يكون الرد عليهم؟

    الجواب: ليسوا على صواب، بل هم على باطل، وهذه سلسلة معروفة، وقد سُبِقوا إليها، وقبل سنوات أشيعت هذه المسألة، وبعض الناس سمع من يقررها في التلفاز، وقالوا: نحن نثبت الجن، لكن لا دليل يدل على تلبسهم بالإنس، فمن أنكر الجن فهو كافر؛ لأنه مكذب بالقرآن، وهما أحد الثقلين، لكن تلبسهم بالإنس أنكره بعض المتأخرين، وهي مسألة سبقتهم إليها المعتزلة، فالمعتزلة يقررونها هم وغيرهم، ويقولون: لا يمكن أن يتلبس الجني بالإنسي؛ لأن الجني جسم والإنسي جسم، فلا يمكن أن يدخل جسم في جسم، هكذا قرروا هذه المسألة، وهذا باطل بالعقل والسمع، والصواب الذي دلت عليه النصوص، ودل عليه العقل، ودل عليه الواقع والحس المشاهد أنه يمكن تلبس الجني بالإنسي، وهذا واقع مشاهد حادث لا ينكره إلا مكابر.