إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان 1426ه
  5. شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - آداب قراءة القرآن [1]

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - آداب قراءة القرآن [1]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القرآن الكريم كتاب الله عز وجل الذي أنزله للأمة جمعاء، ولقراءته آداب ينبغي للمسلم أن يتأدب بها، ذلك أن القرآن ليس كأي كتاب آخر، وإنما هو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو أفضل الذكر، فما تعبد العباد لله بأحسن مما تكلم به سبحانه وتعالى، وعلى المسلم أن يستشعر عند قراءته له أنه خطاب الله له، فليخشع وليخضع عند قراءته، ويتأدب بجميع آدابه.

    1.   

    آداب قراءة القرآن الكريم

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    من آداب القرآن التي ذكرها الإمام النووي رحمه الله في كتابه المجموع أنه قال: قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل وسائر الأذكار إلا في المواضع التي ورد الشرع بهذه الأذكار فيها، فيستحب للمسلم أن يكثر من قراءة القرآن آناء الله وأطراف النهار؛ لعله يرضي ربه سبحانه تبارك وتعالى بذلك.

    استعمال السواك عند القراءة

    يستحب أن ينظف فمه قبل الشروع في القراءة، فيتسوك سواء بالسواك أو بالفرشاة والمعجون؛ حتى يطهر فمه، وتصبح رائحته طيبة؛ لأن الملائكة تستمع وتدنو من الإنسان القارئ حتى يجعل الملك فمه على فم القارئ.

    الاستعاذة عند القراءة

    وإذا أراد القراءة فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، كما قال الله سبحانه: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98]، فيتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كان يقرأ من أول السورة قال بعد التعوذ: بسم الله الرحمن الرحيم.

    الخشوع والتدبر عند القراءة

    وإذا كان يقرأ جهراً فليجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وإذا كان يقرأ سراً فليسر بها.

    وإذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر والخضوع، وهذا أمر مطلوب من المؤمن، فلا بد أن يكون خاشعاً لله عز وجل، وليقرأ القرآن ويتدبره، كما قال تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص:29]، ولا يكون همه أن يتغنى بالقرآن، ولكن ليكن همه أن يخشع ويتدبر، قال تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، فيخشع عند قراءة القرآن، ويتدبر ما جاءه من رب العالمين سبحانه تبارك وتعالى.

    قال الإمام النووي رحمه الله: إن جماعة من السلف كان يردد أحدهم الآية جميع ليلته أو معظمها، وصعق جماعة من السلف عند القراءة، ومات جماعة منهم بسبب القراءة. فقد كانوا يقرءون القرآن ويقفون عند آيات الله سبحانه تبارك وتعالى يتدبرونها، وقد كان بعضهم يقرأ الآية ويرددها مرة ومرتين وثلاث مرات وأكثر؛ مما يجعل في قلبه من الخوف من الله سبحانه، وبعضهم مات من شدة خوفه من الله سبحانه تبارك وتعالى، وبعضهم غشي وأغمي عليه، ولكن أكثرهم لم تكن هذه عادتهم، وإنما كان بكاؤهم في صدورهم، وكانوا يخافون من الله عز وجل خوفاً عظيماً.

    1.   

    التغني بالقرآن

    قال الإمام النووي رحمه الله: ويسن تحسين الصوت بالقرآن؛ للأحاديث المشهورة فيه -يعني: عن النبي صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم قال: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن) أي: يقرأ القرآن بنغمة جميلة وبصوت حسن، وفي سنن أبي داود : (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن، يجهر به).

    وهناك آداب للتغني بالقرآن، فليس معنى التغني بالقرآن أن تجعل القرآن كالموسيقى، كما نسمع أحياناً أصواتاً تشغلنا عن الصلاة، فتجد أحدهم يقرأ القرآن ويصوت به، أو يقرأ القرآن ويقلد مغنية، أو يقرؤه على نغمة موسيقية ويوزنها، فهذا لا يجوز في القرآن أبداً فالقرآن فيه الأدب والخشوع والتواضع، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبر أن من علامات الساعة: (أن الناس يقدمون قارئهم ليغنيهم)، أي: من أجل أن يغني لهم بقراءته للقرآن، فلا يتقدم للقراءة إلا الأفقه والأعلم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأما قارئ يضبط صوته على نغمة موسيقية، وعلى وتر معين، ويقرأ عليها، فلا حول ولا قوة إلا بالله! فهذه الأصوات أغان وليست قرآناً.

    فمعنى التغني بالقرآن: أن تترنم بقراءته على ما كان يقرأ به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لا أن يوصل آية بآية من أجل النغمة، وحتى يكون على صوت الموسيقى الفلانية، أو على صوت المغني الفلاني ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    وهذا جرم عظيم جداً، وقد حرم العلماء أن يتخذ القرآن أغاني، وأن يكون على وزن أغنية.

    قال الإمام النووي : وإن لم يكن حسن الصوت حسنه ما استطاع، ولا يخرج بتحسين صوته عن حد القراءة إلى التمطيط المخرج له عن حدوده.

    أي: أن القراءة يكون فيها شيء من التغني، لكن لا يصل إلى أن تصبح مثل الأغاني، ويرددها مثل ترديد الألحان؛ فإن هذا قد حرمه أهل العلم، وقد اتفقوا على تحريم القراءة بالألحان.

    وما أكثر الذي يتقدمون اليوم للإمامة ممن لا يحفظون القرآن، وإنما يقرءون من المصحف، وتجد الآن في بعض البلاد كل مساجدها فيها مصاحف موضوعة للأئمة، والنادر هو الذي يخرج ليصلي بالناس من حفظه، وإذا صلى بهم من حفظه قرأ ربع الجزء في الصلاة كلها، أو نصفه، وسبب تقديم الناس لغير الحفاظ مع وجود من يحفظ القرآن سببان:

    السبب الأول: أن من يحفظ القرآن صوته ليس جميلاً، فيتهمونه بأنه لا يعرف يقرأ، ولعل البعض يكون سفيهاً فيقول: نحن لن نصلي إلا وراء الشيخ الفلاني، فهو لا يغلط، ولا يعرف أن هذا يضع المصحف أمامه ويقرأ منه.

    والسبب الثاني: أن الناس يقولون: نريد إماماً صوته حلو، وله نغمة، ولن نصلي وراء فلان، فإذا بالحفاظ يتراجعون، فإذا كان أحد حافظاً وصوته ليس حلواً فإنه يتراجع، ويتقدم الذي يغني بالناس، كما نسمع كثيراً، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال: (ونشوءاً يتخذون القرآن مزامير، يقدمون أحدهم ليغنيهم وليس بأفقههم)، فاحذر أن تكون من هؤلاء، وقد رأينا هذه البدع، وسمعنا الكثير منها، فتجد أحدهم يغني بالقرآن، ويغني بالتكبير، ويغني بالتسليم، وحتى الدعاء، وبعضهم يغني على المنبر وهو يخطب خطبة الجمعة، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    فقد استهانوا بدينهم، وضيعوا دين الله عز وجل، وصار كل من هب ودب يأتي قبل رمضان مباشرة إلى الإمام ويسأله: هل تريد أحداً يساعدك في القراءة؟ وقد يكون هناك حفاظ كثيرون في المسجد، ولا يريد أحد يساعده في القراءة، فالأمر اليوم بقي سهلاً، وكل أحد يقول: أنا أريد أن أصلي بالناس؛ لأنه مطمن أنه سيوضع له مصحف ويقرأ منه، فلا تجد أحداً يحفظ القرآن ويجيد تلاوته ويقف بين يدي الله عز وجل ويقرؤه على الوجه الذي يرضي به ربه سبحانه تبارك وتعالى لا ليرضي به الناس.

    فمن أراد إرضاء الناس بغضب الله غضب الله عليه وأغضب عليه الناس، ولن يرضى عنه الناس أبداً، فليكن همه إرضاء الله سبحانه تبارك وتعالى، فمن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس.

    فاحذروا من النغمات، ومن الإعجاب بالنغمات التي تجعل القرآن في النهاية كالأغاني، وقد أرادوا تحويل القرآن إلى غناء في مصر منذ زمن، فأتوا بـأم كلثوم لتغني بالقرآن في الإذاعة، ثم أتوا بـعبد الوهاب ليلحن القرآن، وكادوا يمررون هذا الشيء لولا أن تصدى العلماء الأمناء لمثل ذلك وأوقفوه، وقد كادوا يصلون إلى ما أرادوا، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فاحذروا من أمثال هؤلاء الذين يتخذون القرآن أغاني ومعازف، ومن الذين يلحنونه هكذا ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    استحباب البكاء عند قراءة القرآن

    يقول الإمام النووي رحمه الله: ويستحب البكاء عند القراءة، وهي صفة العارفين، وشعار عباد الله الصالحين.

    ولا يكون بكاؤه تمثيلاً، وإنما يكون بكاءً من قلبه، وقد كان سفيان بن عيينة رحمه الله يقرأ القرآن ويبكي، وكان من الزهاد رضي الله تبارك وتعالى عنه، فكانوا يقولون له: لا نرى عينيك تدمع. فقال: ليست النائحة كالثكلى. يعني: أن النائحة لا تصوت إلا إذا رآها الناس، فهي لا تبكي حقيقة، وإنما تمثل، والإنسان المكلوم حزنه في قلبه، وبكاؤه في قلبه، فإذا فاضت عيناه بالدموع فهذا حسن، وإلا فليجعل خشوعه بينه وبين الله سبحانه تبارك وتعالى.

    وقد كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي وهو يقرأ القرآن، وكان يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل، أي: كأزيز القدر الموضوع على النار، من بكائه صلوات الله وسلامه عليه، وكتمه للبكاء.

    فقد كان يكتم البكاء صلوات الله وسلامه عليه ولا يظهره، وإنما يسر به عليه الصلاة والسلام، وكان أجمل الناس صوتاً صلوات الله وسلامه عليه، وأفضل الخلق تلاوة للقرآن، وما أذن الله لشيء ما أذن لنبيه عليه الصلاة والسلام وهو يقرأ القرآن أن يتغنى به.

    يقول الإمام النووي :وقد قال الله تعالى: إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا [الإسراء:107-108].

    أي: يخرون لله سباحانه ساجدين، كما قال تعالى: وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:109]، وهذه صفة العارفين، أنهم يخرون لله سجداً، ويقبلون على الله سبحانه، ويسجدون له سبحانه: وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا [الإسراء:108]. فهم لما تدبروا القرآن وتأملوه أعجبهم وأحزنهم ما هم فيه، فقالوا: سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا [الإسراء:108]، أي: إن ربنا صادق سبحانه تبارك وتعالى، ووعده حق، والجنة حق، والنار حق فخافوا من ذلك فخروا لله ساجدين، قال تعالى: يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:107-109].

    فإذا سجدوا لله عز وجل أظهروا البكاء بينهم وبين الله، وهم مستترون في السجود يبكون، ويزيدهم القرآن خشوعاً. وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقرأ علي، قال: قلت: يا رسول الله! أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟ قال: فإني أحب أن أسمعه من غيري)، فلا بد للإنسان أن يحب سماع القرآن وقراءته، فيستمتع بالقرآن تلاوةً وتدبراً وتفهماً وسماعاً أيضاً، قال: (فقرأت عليه سورة النساء، حتى بلغت: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41] فقال: حسبك الآن، فالتفت فإذا عيناه تذرفان)، فقد كان ابن مسعود يقرأ ولا يدري أن النبي صلى الله عليه وسلم يبكي، فقال له: (حسبك)، أي: يكفي، ووقف هنا يتدبر في هذه الآية، ويستحضر هذا الموقف العظيم بين يدي الله عز وجل، وكيف يكون حاله وحال هؤلاء القوم.

    والاستفهام هنا معناه تعظيم هذا اليوم بمثل هذا الاستفهام، أي: كيف يكون حالكم يوم القيامة؟! قال تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ [النساء:41]، أي: إذا اجتمعت الأمم جميعها، واجتمعت رسل هذه الأمم يشهدون على أممهم، قال تعالى: وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41] أي: جاء عليه الصلاة والسلام شهيداً ليشهد، والشهيد عند الناس: من يزكيه القاضي فيقبل كلامه.

    فيكون معنى الآية: جئنا بك شهيداً، أي: زكيناك وأتينا بك يوم القيامة لتشهد على هؤلاء، فبكى خوفاً من هذا اليوم. فكيف بالخلق الذين سيشهد عليهم رسلهم، ويشهد عليهم الخلق يوم القيامة؟! نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    لقد بكى عليه الصلاة والسلام خوفاً من هذا الموقف، وخشية من يوم القيامة، صلوات الله وسلامه عليه.

    من أسباب البكاء عند قراءة القرآن: تدبر ما يقرأ

    يقول الإمام النووي رحمه الله: وطريقه في تحصيل البكاء: أن يتأمل ما يقرؤه من التهديد والوعيد الشديد والمواثيق والعهود، ثم يفكر في تقصيره. فإذا سمع الآيات في عهد الله عز وجل الذي أخذه على العباد فيراجع نفسه هل هو من هؤلاء العباد الذين تمسكوا بدين الله عز وجل وبعهده أم أنه قصر وفرط؟ وإذا سمع الآيات عن يوم القيامة والعرض على الله عز وجل والمرور على الصراط وجهنم وما فيها والجنة وما فيها أحدث له ذلك خشوعاً في قلبه، فيبكي خوفاً من الله، وليس تمثيلاً ولا رياءً ولا إظهاراً للحزن، ولا ليقال: فلان قارئ، وفلان يبكي من خوف الله، وإنما يبكي حقيقة خوفاً من ربه سبحانه تبارك وتعالى.

    استحباب ترتيل القرآن عند القراءة

    ويسن ترتيل القرآن، قال الله عز وجل: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل:4]، ومعنى الترتيل: أن يقرأ القرآن على مهل، ويتعلم تجويد القرآن، والتجويد: هو: كيفية إخراج الحروف من مخارجها، فيفرق بين السين والصاد، وبين الدال والضاد، ويفرق بين الحرف الممدود والحرف غير الممدود، ويفرق بين الحركة وبين الحرف، ويتعلم كيف يخرج الحروف من مخارجها.

    وقد روى الإمام مسلم عن حفصة رضي الله عنها أنها قالت: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في صبحته -أي: في نافلته- قاعداً حتى كان قبل وفاته بعام)، تعني: من التعب وكبر السن كان يصلي قاعداً صلى الله عليه وسلم، قالت: (وكان يقرأ بالسورة فيرتلها)، أي: يهتم بترتيلها، ويتدبرها ويتفكر فيها، قالت: (حتى تكون أطول من أطول منها)، أي: حتى تكون السورة أطول من سورة أخرى هي أطول منها، فقد كان يقرأ، ولعله كان يرجع الآية ويعيدها، ويتدبرها صلى الله عليه وسلم، وقام مرة إلى الصبح وهو يقرأ آية واحدة: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118]، ويعيدها صلى الله عليه وسلم.

    كراهة الهذ في قراءة القرآن

    قال العلماء: وقد اتفقوا على كراهة الإفراط في الإسراع بحيث أنه لا يفهم الذي يقرؤه، فيكره أن يقرأ قراءة سريعة من غير ترتيل أو تدبر أو تأمل لما يقرؤه.

    وهذه القراءة تسمى: الهذ، أي: القراءة السريعة.

    قال الإمام النووي : وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة جزئين في قدر ذلك الزمن بلا ترتيل. يعني: إذا خيرت بين قراءة جزء من القرآن بترتيل وعرفت أنك ستقرؤه في ثلث ساعة أو نصف ساعة مثلاً، وإذا قرأته سريعاً ستقرؤه في عشر دقائق؛ فإن قراءتك لهذا الجزء مرتلاً له أفضل من قراءتك جزئين في الوقت نفسه بغير ترتيل.

    قال العلماء: والترتيل مستحب؛ للتدبر، ولأنه أقرب إلى الإجلال والتوقير، وأشد تأثيراً في القلب؛ ولهذا يستحب الترتيل للأعجمي حتى ولو كان لا يفهم القرآن.

    وكثير من الأعاجم لا يفهمون القرآن، مع أنك تجد الكثيرين منهم في باكستان وأندونيسيا وغيرهما من البلدان يقرءون القرآن قراءة جميلة جداً، وهم لا يفهمون معناه، وتجدهم يحفظون القرآن، وهذا من فضل الله العظيم سبحانه حيث قال: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17]، فقد يسر الله القرآن لذكره سبحانه، ويسره لأن يحفظ، فحفظه العرب وحفظه العجم الذين لا يفهمون معناه، فتجد أحدهم يقرؤه ويرتله ويحدث له في قلبه خشوع، ولعله يبكي وهو لا يفهمه، ويحاول أن يفهم منه شيئاً، فنحن الذين نتكلم اللغة العربية ونجيدها قراءة وكتابة أولى بذلك، فعندما نقرأ القرآن ونفهم معانيه ينبغي أن يحدث ذلك لنا الخشوع الحقيقي والخوف من الله سبحانه وتعالى.

    قال العلماء: ويستحب إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ من العذاب أو من الشر، وإذا مر بآية تنزيه لله تعالى نزه فقال: تبارك الله، أو: جلت عظمة ربنا، ونحو ذلك.

    روى الإمام مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، قال: فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة، قال: فمضى، فقلت: يركع عند المائتين، قال: فمضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، ثم افتتح آل عمران فقرأها)، وهذه السورة أطول ثلاث سور في القرآن، وقد قرأها صلى الله عليه وسلم قراءة فيها ترتيل وخشوع، كما قال حذيفة : (يقرأ مترسلاً -أي: على مهله- قال: إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ)، وانظر إلى هذه القراءة كم ستأخذ من الوقت! قال: (ثم ركع فجعل يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحواً من قيامه).

    وعدد آيات سورة البقرة مئتان وست وثمانون آية، وسورة النساء مائة وست وسبعون آية، وسورة آل عمران مائتا آية. فكان في ركوعه يقول: سبحان ربي العظيم بقدر هذا، وهذا شيء طويل جداً، قال رضي الله عنه: (ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريباً من قيامه)، وعلى هذا فإن ركعة واحدة تأخذ الليل كله منه صلوات الله وسلامه عليه.

    فقد كانت قراءته صلوات الله وسلامه عليه قراءة فيها خشوع وفيها خوف من الله.

    نسأل الله عز وجل أن يرزقنا ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأن نأتسي به ونقتدي به حتى نلقاه صلوات الله وسلامه عليه على حوضه، غير مبدلين ولا مرتدين على أدبارنا.

    ونسأل الله عز وجل أن يرزقنا الإخلاص والعمل الصالح والقبول.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.