إسلام ويب

شرح رياض الصالحين - حفظ السرللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من الخصال الحميدة التي حث عليها الإسلام حفظ السر، فالسر أمانة، وقد أمر الله عز وجل بحفظ الأمانات، وإفشاء الأسرار فيه الدلالة على سوء خلق فاعله، فإنه مدعاة إلى إفساد ذات البين وتخريب البيوت، وهذا ما لا يرضاه الله عز وجل لعباده ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    ما جاء في حفظ السر

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله: [ باب حفظ السر.

    قال الله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء:34] .

    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها) رواه مسلم .

    وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أن عمر رضي الله عنه حين تأيمت بنته حفصة قال: لقيت عثمان بن عفان رضي الله عنه فعرضت عليه حفصة، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، قال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: قد بدى لي ألا أتزوج يومي هذا، فلقيت أبا بكر رضي الله عنه فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر فصمت أبو بكر رضي الله عنه فلم يرجع إلي شيئاً، فكنت عليه أوجد مني على عثمان ، فلبثت ليالي ثم خطبها النبي صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئاً؟ فقلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها النبي صلى الله عليه وسلم لقبلتها) رواه البخاري.

    هذا باب من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي رحمه الله حفظ السر، فالإنسان المؤمن مطالب شرعاً بأن يحافظ على الأسرار، سواء كانت أسرار بيته، أو أسرار الناس، وأنه إن اطلع على سر أو أسر إليه إنسان بسر فلا يجوز له أن يفشي هذا السر وأن يفضح صاحبه.

    معنى قوله تعالى: (وأفوا بالعهد...)

    قال الله عز وجل: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء:34]، يدخل تحت العهد العقود والعهود وأسرار الناس التي يأتمنونك عليها، فكأنه عقد معك عقداً على أن يحدثك فتكتم عليه، فلا يجوز لك أن تفشي هذا السر، ولذلك لو أن الإنسان تكلم معك في شيء وهو يلتفت يميناً وشمالاً فهذا أيضًا من السر، ولذلك جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: (من حدث حديثاً ثم التفت فهو سر) فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تفشي هذا السر، فهو هنا لم يقل لك: هذا سر، ولكن حاله يدل على ذلك، فهذا أمانة من الأمانات التي يأمرك الشرع أن تحافظ عليها وألا تفشيها على صاحبها.

    شرح حديث: (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة ...)

    يقول أبو سعيد فيما رواه مسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها)، فهذا إنسان منزلته من شر المنازل في النار والعياذ بالله، والسبب أنه يتكلم الكلام في السر ثم يفشيه، فهنا الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها، فلا يجوز للرجل أن يأتي أهله ثم يصبح يخبر الناس بذلك، وقد شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بالحمار، قال: (مثل ذلك كحمار لقي حمارة في الطريق فقضى حاجته منها) فالإنسان الذي يأتي امرأته ثم يصبح يحدث الناس بذلك إنسان ليس له أمان، وكذلك المرأة التي تفعل هذا الشيء، فتصبح تكلم صديقاتها بأن زوجها جامعها بالأمس، فهذا حرام، فليس لها أن تخبر صديقاتها، ولا تخبر أهلاً بهذا الشيء؛ لأن هذا من الأسرار التي بين الزوجين.

    شرح حديث حفظ أبي بكر لسر النبي بشأن رغبته في الزواج من حفصة

    من الأحاديث في هذا المعنى حديث ابن عمر أن حفصة رضي الله عنها تأيمت، فالسيدة حفصة أم المؤمنين كانت تحت رجل ثم مات هذا الرجل عنها فتأيمت، والمرأة الأيم هي التي صارت بلا زوج، فـعمر بن الخطاب محافظة على ابنته أراد أن ينتقي لها أفضل الأزواج، فأتى عثمان وأخبره أن حفصة تأيمت وقال له: إن شئت أنكحتك حفصة.

    فهو لم يقل له: تعال تزوج حفصة ، ولكن قال: إن شئت، يعني: يخيره، وكأنه يقول: الأمر إليك أنت، وابنتي موجودة ولن أجد أفضل منك، فقال له: سأنظر في أمري، فكأنه أراد أن يستشير ثم يرد عليه.

    قال عمر : فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا، فـعثمان لم يكن راغباً في الزواج ذلك الوقت، فلم يجد عمر في نفسه شيء على عثمان لهذا الأمر. قال: فلقيت أبا بكر الصديق رضي الله عنه فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر ، قال: فصمت أبو بكر رضي الله عنه فلم يرجع إلي شيئاً.

    فالأول عثمان رضي الله عنه لما عرض عليه هذا الشيء أخبره أنه سيرد عليه ورد عليه بعد ذلك بأنه غير راغب في الزواج، لكن أبا بكر رضي الله عنه لم يرد عليه لا الآن ولا بعد ذلك. قال عمر : فكنت عليه أوجد مني على عثمان ، يعني: إن كنت وجدت في نفسي شيئاً على عثمان فما وجدته على أبي بكر الصديق رضي الله عنه أكثر منه.

    قال: فلبثت ليالي ثم خطبها النبي صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه، وعمر لم يعرضها على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يكن يطمع أن تتزوج ابنته من النبي صلى الله عليه وسلم، فعرضها على عثمان ، ثم عرضها على أبي بكر ، فلما خطبها النبي صلى الله عليه وسلم خطبها من عمر ، تكلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال لـعمر رضي الله عنهما: لعلك وجدت علي - يعني: لعلك حزنت وغضبت مني - حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئاً؟ قال: فقلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها النبي صلى الله عليه وسلم لقبلتها.

    فهذا سر من النبي صلى الله عليه وسلم حيث تكلم أنه يريد أن يتزوج حفصة ، والنبي صلى الله عليه وسلم كان متزوجاً بـعائشة بنت أبي بكر الصديق ، ولم يغضب أبو بكر الصديق لذلك، ولكنه سكت؛ لأنه لا يستطيع أن يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم يريدها؛ لأنه يمكن أن يرجع في كلامه ولا يتزوجها.

    وهذا فيه تأديب للمسلمين وتوجيه ليتخلقوا بهذا الخلق الفاضل، فإذا سمعت إنساناً يتكلم عن فلانة وأنه يريد أن يخطبها، فلا تذهب لصاحب الشأن وتقول: أنا سمعت فلاناً يتكلم أنه يريد أن يخطب من عندك فجئت أبشرك؛ لأنه يمكن أن يرجع في كلامه فتكون كاذباً أمام هؤلاء الناس، ويمكن أن ذاك الرجل غير جاد في كلامه وبسبب كلامك يضطر ويذهب ليخطبها. فعلى ذلك إذا سمعت سراً من إنسان فلا تفش هذا السر.

    وقول أبي بكر الصديق لـعمر رضي الله عنه: لعلك وجدت علي، يدل على أنه أحس أن عمر من حقه أن يجد في نفسه من هذا الشيء، وأبو بكر يعلم أن هذا أهون من أن يفشي سر النبي صلى الله عليه وسلم، بخلاف حال بعض الناس الذي يتساهل في أن يفشي سراً من الأسرار حتى لا يغضب فلاناً من الناس! إن السر أمانة والله عز وجل سيحاسبك على هذه الأمانة ويسألك: لم فرطت فيها؟

    ثم إن أبا بكر قال لـعمر : ولو تركها لتزوجتها، يعني: لو أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك ابنتك ولم يتزوجها لكنت أنا تزوجتها؛ لأن ابنتك ليست المرأة التي يفرط في مثلها.

    شرح حديث عائشة في مسارة النبي لفاطمة وكتمها لسره حتى مات

    عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده فأقبلت فاطمة رضي الله عنها تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، فلما رآها رحب بها وقال: مرحباً بابنتي) يعني: كانت شديدة الشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى في مشيتها، فالسيدة عائشة وصفتها بأنها ما تخطئ مشيتها مشية النبي صلى الله عليه وسلم.

    قالت: (فلما رآها رحب بها) فيه وصف حال النبي صلى الله عليه وسلم في بيته مع ابنته وكيف قابلها حين جاءت تزوره صلى الله عليه وسلم. قالت: (ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله) ، كان النبي صلى الله عليه وسلم من عادته إذا جاءت ابنته أنه يقوم لها ويقبلها صلى الله عليه وسلم ويجلسها بجواره، وإذا ذهب هو إليها قامت إليه وقبلته وأجلسته صلوات الله وسلامه عليه.

    قالت: (ثم سارها فبكت بكاء شديداً) يعني: بعد أن قال لها السر بكت بكاءً شديداً، قالت: (فلما رأى جزعها سارها الثانية فضحكت - رضي الله تبارك وتعالى عنها - فقلت لها: خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين؟!) يعني: النبي صلى الله عليه وسلم فضلك علينا كلنا وقال لك السر ثم أنت تبكين! وتعجبت من أنها ما رأت ضحكاً أسرع لبكاء من هذا اليوم، فلما قام رسول الله وسألتها عائشة عما قاله لها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت رضي الله عنها: (ما كنت لأفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سراً) يعني: كون النبي صلى الله عليه وسلم يحدثني بيني وبينه فمعناه أنه لا يريد أن تسمعوا، ولو كان يريد أن تسمعوا لكان حدثني بصوت مرتفع، ولما كان سراً.

    قالت عائشة : (فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لـفاطمة - رضي الله عنها -: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت فاطمة - رضـي الله تبارك وتعالى عنها -: أما الآن فنعم) يعني: الآن وبعد أن مات النبي صلى الله عليه وسلم فيمكن أن أخبرك بهذا السر، أما في حياته فلا، قالت: (أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل عليه السلام كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة وأنه عارضه الآن مرتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري) يعني: اعتاد النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل يعارضه القرآن كل سنة مرة، ومعنى المعارضة: أن يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ويسمع جبريل، أو يقرأ جبريل ويسمع النبي صلى الله عليه وسلم، فكل سنة كان يختم معه ختمة، أما هذه السنة فإنه ختم مرتين مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم استشعر أنه قد دنى أجله، قالت فاطمة رضي الله عنها: (وأنه عارضه الآن مرتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتقي الله واصبري، فإنه نعم السلف أنا لك، قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت)، ففي المرة الأولى أخبرها بأن الأجل قد اقترب منه صلى الله عليه وسلم، قالت: (فبكيت بكائي الذي رأيت)، ثم قالت فاطمة : (فلما رأى جزعي - صلوات الله وسلامه عليه - قال: يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة، فضحكت ضحكي الذي رأيت).

    إذاً: السر الأول: أنه صلى الله عليه وسلم سيموت، أما السر الثاني فهو: أن السيدة فاطمة تكون سيدة نساء العالمين، وأيضًا أخبرها أنها تلحق به صلى الله عليه وسلم ولن تعيش بعده كثيراً، ففرحت بأنها تدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وأن منزلتها في الجنة أنها ستكون نساء العالمين أو سيدة نساء هذه الأمة رضي الله تبارك وتعالى عنها.

    وفي هذا الحديث دلالة على أن الإنسان إذا استودعه إنسان سراً فلا يجوز له أن يفشيه.

    شرح حديث أنس في وصية أمه له بحفظ سر النبي صلى الله عليه وسلم

    عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: (أتى عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألعب مع الغلمان) وأنس بن مالك رضي الله عنه هو خادم النبي صلى الله عليه وسلم، فقد خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، حيث قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ولـأنس عشر سنوات، فخدمه حتى كان عمره عشرين سنة حين توفي النبي صلى الله عليه وسلم، فـأنس بن مالك صحب النبي صبياً وشاباً، وفي أثناء خدمته له يقول أنس : (أتى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألعب مع الغلمان فسلم علينا فبعثني في حاجة فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت: ما حبسك؟ - أمه هي أم سليم رضي الله تبارك وتعالى عنها - فقلت: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة، قالت: ما حاجته؟) يعني: تريد أن تعرف هل يستحق ذاك المشوار كل هذا التأخير؟ لكن ماذا كان جواب أنس الغلام الصغير؟ قال: (قلت: إنها سر).

    يعني: لن أكشف عن حاجة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت رضي الله عنها: (لا تخبرن بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً)، انظر إلى الأم المطيعة لله سبحانه ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، الأم الطيبة القانتة المؤمنة تعلم ابنها حفظ السر حتى عنها.

    فكل أم يلزمها أن تعلم ابنها كيف يحافظ على السر، فإذا جاء الأب وقال للابن: خذ هذا المبلغ واذهب به إلى فلان ولا تقل لأحد، فلا يرجع ويقول لأمه: أبي بعثني لأفعل كذا في كذا، وإذا فعل فالواجب على الأم أن تقول له: لا يجوز لك ذلك، فهذا سر من الأسرار فلا تفش سر أبيك، وعلى الأم أن تعلم الابن ألا يكون كثير الكلام، وألا يفشي أسرار البيت، فإذا تربى الطفل على ذلك كانت هذه عادته عند الكبر، ويستحيل أن يستفيد منه الأعداء أو يحصلوا منه على أسرار بلده.

    فـأنس هنا لما قال لأمه ذلك قالت أمه رضي الله عنها: (لا تخبرن بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً، قال أنس - رضي الله عنه -: والله لو حدثت به أحداً لحدثتك به يا ثابت) ، وثابت هذا هو تلميذ أنس ، وهو من التابعين وليس صحابياً، فهو جاء بعد النبي صلى الله عليه وسلم بزمان، ومع ذلك يقول أنس : إن سر النبي صلى الله عليه وسلم هذا ما أخبرت به أحداً إلى الآن، ولو كنت أحدث به أحداً لكنت حدثتك أنت، ومعنى هذا: أنه كتم السر حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه لا يلزمه ذلك، وهذا ظاهر في حديث السيدة فاطمة رضي الله عنها، ولكن مع ذلك حافظ على سر النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    أهمية حفظ السر والتحذير من التفريط بالأمانات

    الأسرار أمانة، فإذا جاء إنسان يكلمك بصوت منخفض فلا ترفع صوتك بالكلام حتى لا تفضح هذا الإنسان الذي يخفض صوته، وإذا ائتمنك على سر فلا تخبر به أحداً، وإذا حدثك وهو يلتفت حتى لا يراه أحد، فمعنى هذا أن كلامه هذا سر فلا يجوز لك أن تضيع هذا السر أو أن تفشيه لأحد من الناس، ويجب عليك أن تعلم أبناءك أهمية حفظ السر، ولا تظهر الفرح إذا رجع ابنك يوماً من المدرسة وقال لك: إن رفيقي قال لي سراً وهو كذا وكذا، ولكن علم ابنك أن يتقي الله وأن يراقبه سبحانه ولا يحدث بسر استودعه إياه أحد من الناس.

    وقد كان أهل الجاهلية يعرفون أن الأسرار لا ينبغي أن تنشر لأحد، وكانوا يعيبون على من يفعل ذلك، وقد روي أن شاعراً من الشعراء لما وجد أمه كثيرة الكلام وإذا ما تحدث أحد عندها بحديث تقوم وتفضحه بين الناس، فقال لها هذا الشاعر:

    تنحي فاقعدي مني بعيداً أراح الله منك العالمينا

    أغربالاً إذا استودعت سراً وكانوناً على المتحدثينا

    فالإنسان المؤمن من خلقه أن يحافظ على السر، ودافعه إلى ذلك خوفه من الله، لأن الله يقول: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58]، فهذه أمانة يجب أن تؤديها لأهلها، وذكر عن بعض الصالحين أنه ذهب إليه إنسان وقال له: أخبرك سراً فلا تحدث به أحداً، أخبرك بكذا وكذا وكذا، هل سمعت ماذا قلت لك؟ قال: لم أسمع شيئاً. يعني: من مبالغته في حفظ السر كأنه لم يسمع شيئاً! فالمسلم إذا سمع سراً كان السر في باطنه لا يخرجه لأحد أبداً إلا أن يأذن له صاحب هذا السر.

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على أداء الأمانات.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.