إسلام ويب

تفسير سورة غافر [4 - 7]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الجدال في آيات الله لا لشيء إلا لردها كفر، وهو دأب الكفار والجاحدين، يجادلون لدفع الحق بباطلهم، وأنى لهم ذلك! فالحق منتصر، والباطل زائل، وأهله وإن تنعموا في الدنيا فإنما هو استدراج، ثم يأتي العذاب الشديد، أما المؤمنون الصادقون فإن عاقبتهم الحسنى، وإكرام الله لهم لا حدود له.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة غافر: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ * وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ * الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر:4-7].

    في هذه الآيات يخبر الله سبحانه وتعالى المؤمنين عن أمر الكفار وجدلهم بالباطل ليدحضوا به الحق -ليزيلوا به الحق- الذي جاء من عند رب العالمين سبحانه، قال تعالى: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [غافر:4]، فالكافرون دائماً أبداً يجادلون بالباطل، قال تعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف:8]، وقال تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة:32].

    وقد ذكر الجدل في هذه السورة خمس مرات، وغاية الكفار من الجدل بالباطل رغبتهم في دفع الحق، فهم يريدون أن يزيلوا ما نزل من عند الله، وأن يمحوا أثره إن استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، قال سبحانه: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [غافر:4]، فالذي يجادل بالباطل ليلبس على الناس دينهم، ويصرفهم عن آيات كتاب رب العالمين بالتشكيك كافر في كل عصر وفي كل مكان، ومن وسائلهم المشتهرة في تشكيك المؤمنين في آيات الله عز وجل أن يجادلوا فيها حتى يدخلوا الشكوك في القلوب، ويزرعوا الشبه في العقول.

    وقوله عز وجل: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [غافر:4]، أسلوب قصر أفادته (ما) النافية و(إلا) الاستثنائية، والمعنى: ما يفعل هذا الجدل إلا الكفار، فدأبهم الجدال بالباطل ليدحضوا به الحق، ولكن الله أخذ هؤلاء وأتلفهم وأهلكهم جزاءً بما قدموا، وقال لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ [غافر:4] أي: فلا يغررك أن تركناهم، إنما نملي لهم ليستوجبوا المزيد من الرجس والعذاب، قال تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [آل عمران:178].

    وقوله: فلا يَغْرُرْكَ [غافر:4] أي: لا تغتر بما أعطيناهم، ولا يخدعك ذلك عن أمر الله وعن دين الله، والإنسان حين يرى الكافر يكفر بالله، ويجادل بالباطل، ومع ذلك يعطيه الله المال والبنين والقوة والرئاسة والمنصب في الدنيا، وإن كان مؤمناً قد يحدث في قلبه شيء مما يرى، ولذا يوجه الله نبيه فيقول: لا تغتر ولا تنخدع بما أعطيناهم، ولا يصرفنك ذلك عن دعوتك فإنك على الحق، ومثل النبي صلى الله عليه وسلم كل داعية في حتمية أن يبتليه الله سبحانه بمثل هؤلاء، فيرى أصحاب القوة والمنصب يتكلمون والناس يسمعون لما يقولون، ويراهم يهرفون بما لا يعرفون، فيتكلمون في دين الله، ويناقشون أهل الدين، وحين يتكلمون يتكلمون بصوت عال، ويراهم قد تملكوا صحفاً وقنوات فضائية تنشر تراهاتهم، وحين يأتي عالم الدين ليتكلم يسكته أذيالهم والمنبهرون بما هم فيه، وهم بذلك يظنون أنهم علوا على المؤمنين، ولا يدركون أنهم مهملين إلى حين، فإذا جاء أجلهم أخذهم الله وقصمهم قصماً شديداً أليماً جزاء بما كانوا يعملون.

    فقوله تعالى: فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ [غافر:4] أي: لا تغتر بتقلبهم في مناصبهم، وأموالهم، وذهابهم ومجيئهم وأسفارهم وهم يتكسبون في هذه الدنيا فإنما هو متاع قليل زائل، وما الذي نصنعه معك بإعطائهم وحرمانك إلا ابتلاء وفتنة ومحنة، قال تعالى: الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:1-2]، بل لا بد وأن يفتن المؤمن ويبتلى حتى إذا قال له ربه: لا تحزن، يصدق ما يقوله الله عز وجل ولا يغتر بما هم فيه من الباطل، ويوقن أن الله ناصره يوماً من الأيام.

    قوله تعالى: فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ [غافر:4] أي: تصرفهم في البلاد في ذهابهم ومجيئهم، في حكمهم ورياستهم وسلطانهم، وكل ذلك لا تغتر به، فلا تغتر إن سلمهم الله سبحانه فجعل فيهم صحة وعافية ومنحهم الأموال والبنين، فإن هذا متاع الحياة الدنيا إلى حين، ثم يسلب منهم حين يأتي أمر الله سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم ...)

    قال سبحانه: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [غافر:5].

    هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل من يصلح له الخطاب أن ارجع بذاكرتك إلى الماضي وتذكر فقد أخبرناك في كتابنا عن كذب الكاذبين، وتكذيب المكذبين، الذين كذبوا على الله وافتروا عليه، وعبدوا غيره سبحانه وتعالى، وإن نوقشوا كانت حجتهم: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23].

    قوله: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ [غافر:5]، فدعا بعضهم بعضاً إلى الكفر بالله سبحانه، وتكذيب نبي الله نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقالوا لنوح: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [الشعراء:116]، أي: إما أن تسكت وإما أن نرجمنك، وقد دعاهم نوح عليه السلام إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً، فكانت دعوة طويلة في عمر مديد، فكان يدعو الأجداد، والآباء، والأبناء، والأحفاد، يذهبون الأول فالأول وهو باق يدعو، حتى كان يوصي بعضهم بعضاً بالكفر بالله سبحانه وتعالى، فيذهب الأولون وقد أوصوا من بعدهم: لا تتبعوا نوحاً -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- وقد أخبر الله عن عملهم ذاك فقال: وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح:23]، وكان من شأنهم أنهم صنعوا أصناماً ثم عبدوها وقالوا: هؤلاء كان يعبدهم آباؤنا وأجدادنا، فإياكم أن تتركوهم لدعوة هذا -يريدون نوحاً عليه السلام- لا تتركوا من كان يعبد آباءكم: وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا [نوح:23-24]، وكان نوح عليه السلام قد دعاهم إلى عبادة الله، وبين لهم أتم البيان؛ بل لم يترك وسيلة ممكنة له تعينه في دعوتهم إلا واستخدمها، قال تعالى: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا [نوح:5-9]، فقد دعاهم بالسر ودعاهم بالعلن، دعاهم بالجهر ودعاهم في الخفاء، دعاهم بالتبشير وبالإنذار، بالتخويف وبالتطميع، ومع ذلك لم يسلم الكثير منهم، فكان يدعوهم لجنة عرضها السماوات والأرض، فيزهدوا فيها؛ لأنهم لا يريدون الجنة، ويخوفهم من نار تأكل أجسادهم خالدين فلا يحذرون منها، فاستحقوا أن يستجيب الله لنوح بإهلاكهم، وقد أشار الله عز وجل في الآية إلى ذلك، قال تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ [غافر:5].

    وقوله تعالى: وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ [غافر:5] الأحزاب هم: الذين تحزبوا، والتحزب هو التجمع، وتحزبوا: تجمعوا على أنبيائهم على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، وقوله: (من بعدهم) أي: من بعد قوم نوح جاءت عاد، وثمود، وأصحاب الأيكة، وقوم لوط، وغيرهم كثيرون، قال تعالى: وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا [الفرقان:38].

    فالله سبحانه وتعالى خلق القرون، وأرسل إليهم رسلاً وأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فدعوهم إلى الله؛ فأبوا إلا الكفر.

    وقوله: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ [غافر:5] أي: قبل هؤلاء المشركين من قريش كذبت قوم نوح، قوله: وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ [غافر:5] أي: كل من تحزب وتجمع على معصية الله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، ولم يتوقف تحزبهم على عدم الإيمان فحسب، بل عزموا أن يؤذوا أنبياء الله، قال تعالى: وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ [غافر:5]، كأن هذه سنة الله في خلقه، فكل أمة يرسل الله عز وجل إليها نبياً أو رسولاً يجتمعون على تكذيبه، وعدم الإيمان به، إلى إن يأتي أمر الله سبحانه وتعالى.

    وقوله: لِيَأْخُذُوهُ [غافر:5] أي: ليأسروه، أو يعذبوه، أو يهلكوه، ولما كان الحق أبلج غالباً لا محالة فقد أخذوا يدفعون حججه بالباطل وهذا دأبهم، قال تعالى: وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ [غافر:5].

    وفي الآية إشارة للنبي صلى الله عليه وسلم: أن يا رسول الله -عليه الصلاة والسلام- لست أول من جادلك قومك بالباطل، بل كل الأمم السابقة جادلوا أنبياءهم عليهم الصلاة والسلام، وتماروا معهم مجادلين بالباطل دافعين للحق، قال تعالى: لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [غافر:5]، قوله: (ليدحضوا) أي: ليزيلوا، والدحضة: الأرض المزلة التي تزحلق الذي يقف عليها، والمعنى: يردون الحق الذي جاء من عند رب العالمين بالباطل الذي يقولونه ويدعونه.

    ثم قال سبحانه: فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [غافر:5] أي: أخذ كل هؤلاء بكلمة واحدة من الله: كن فيكون، وعبر عنها بقوله: (فأخذتهم) فأجمل، وفصل في موضع آخر، قال تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت:40]، فذكر إهلاكهم في الآية الأولى، فهم لا يستحقون سوى ذلك، فانظر كيف كان عقاب الله لهم، قال تعالى: فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [غافر:5]، أي: انظر ما فعلناه بهؤلاء، فقد أخذنا الجميع، فلا ترى منهم من أحد، ولا تحس منهم من أحد، ولا تسمع لأحدهم صوتاً، أخذت الجميع ولم أبق أحداً منهم، كم صرخوا ونهقوا ورفعوا أصواتهم مجادلين بالباطل! كم أنكروا على أنبيائهم، واعترضوا عليهم، وأسكتوهم حين دعوهم إلى الله! كم اشمأزوا وظهر الاشمئزاز على وجوههم حين ذكر الله وحده سبحانه وتعالى! وكم استبشروا حين ذكر غير الله سبحانه وتعالى! قال سبحانه: فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [غافر:5]، وإذا أخذهم الله فلن يتركهم ولن يفلتهم، ولن يعجزوا الله سبحانه.

    وقوله: (فكيف كان عقاب) أي: كيف كانت عقوبتي لهؤلاء؟ وفيها قراءتان: الوقف عليها بالسكون، وهي قراءة الجمهور، والوقف عليها بالياء والوصل وهي قراءة يعقوب ، فيقرؤها: (فكيف كان عقابي)، والمعنى: كيف كان عقابي لهؤلاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا ...)

    قال تعالى: وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ [غافر:6]، قوله: (وكذلك) يفيد تشبيهاً لشيء مذكور قبل ذلك، والمعنى: كهذا الذي ذكرناه أهلكنا هؤلاء السابقين، وقوله: (حقت كلمة ربك) أي: وجبت كلمتنا على كل إنسان كافر مكذب لرسل الله عليهم الصلاة والسلام، مكذب بوعد الله سبحانه أننا نهلكه، فمعنى: وَكَذَلِكَ حَقَّتْ [غافر:6] أي: وجبت، كَلِمَةُ رَبِّكَ [غافر:6]، ومثلها كلمة (العذاب) أي: أنه يعذبهم بالنار سبحانه، وكلمة وكلمات، أي: ما جاء في وعد الله عز وجل في كتابه سبحانه، قال تعالى: لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:119]، فقوله: (لأملأن) وعد من الله سبحانه وتعالى أن يفعل ذلك، فحقت كلمة ربك على هؤلاء أن يجمعهم إلى النار.

    وفي قوله: (حقت كلمة) قراءات: فتقرأ: (كلمات) بالجمع، وهي قراءة نافع وأبي جعفر وابن عامر ، وباقي القراء بالإفراد (كلمة) فيقرءونها: (وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ...)

    قال سبحانه: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر:7].

    قوله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ [غافر:7]، العرش مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى، وهو غير كرسي الله سبحانه، وكلاهما مخلوقان خلقهما الله سبحانه وتعالى، والله مستو على عرشه، خلق الأرض وخلق السماوات فجعلها سبع سماوات، وفوق السماوات كرسي الله سبحانه وتعالى، فلو جمعت السماوات والأرضين وما بينهما، ثم قرنت بكرسي الله سبحانه وتعالى لكانت كالحلقة في الفلاة، فلا وجه للمقارنة بين السماوات السبع العظيمة، وما فيها من أجرام، وما فيها من أفلاك، وما فيها من نجوم، وما فيها من مخلوقات لله عز وجل، وبين كرسي الله سبحانه؛ إذ لو قرن كل هذا بكرسي الله سبحانه لكان كما توضع حلقة في صحراء فتأمل نسبتها منها! والعرش هو السرير الذي يجلس عليه الملك، يقال في ملوك الدنيا: عرش الملك، أي: السرير الذي يستوي عليه، ولله المثل الأعلى، فلا نشبه ربنا سبحانه وتعالى، ولا ننفي ما قاله سبحانه عن نفسه حيث قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5].

    وقد ذكر صفة الاستواء في سبعة مواضع من كتابه سبحانه وتعالى، فالله خلق العرش وهو لا يحتاج إليه، ولكن خلق ذلك ليري الخلق عظمته، فهو العظيم سبحانه وتعالى، فإذا عرفت أن العرش عظيم جداً فكيف بالذي استوى عليه وهو الله سبحانه وتعالى!

    ويحمل عرش الرحمن سبحانه وتعالى الملائكة، وهو مستغن عن العرش وما دونه، وهو فوق كل شيء أحاط بكل شيء سبحانه وتعالى، قال سبحانه: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة:17]، وقد حدثنا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم، أو أذن له أن يحدث عن هؤلاء فقال: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش) أي: أذن له أن يصف هذا الملك بما يقربه للأذهان حتى تدرك عظمة الله سبحانه وتعالى، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)، وإذا كان هذا ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه فكيف برأسه! وكيف ببدنه! وكيف بحجمه كله؟! لا شك أن هذا شيء عظيم جداً.

    وحملة العرش هم أقرب الملائكة لله سبحانه وتعالى، وأشرف الملائكة هم الذين قربهم الله عز وجل من عرشه فهم يحملون العرش.

    وقوله: (ومن حوله) أي: ومن حول حملة العرش، فجعل الله عز وجل وظيفة لأشرف الملائكة وهي أنهم يحملون العرش وكذلك: يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر:7]، فجعل أشرف الملائكة من رحمته العظيمة سبحانه وتعالى يستغفرون للعبد المؤمن، وتقول: يا رب! اغفر لفلان، يا رب! اغفر لفلان، وكون الإنسان بشراً فمن طبعه أنه يقوم وينام، ويصوم ويفطر، ويذكر ويغفل، أما الملائكة فهم في عبادة دائمة، لا يفترون ولا يسأمون من تسبيح الله سبحانه، وذكره ليل نهار.

    يقول إبراهيم النخعي : كانوا يقولون: لا يحجبون الاستغفار عن أحد من أهل القبلة، أي: أن جميع أهل القبلة تستغفر لهم الملائكة.

    ويقول مطرف بن عبد الله : وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ينصحون فيستغفرون للمؤمنين، ويحبون المؤمنين، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشيطان، يغويهم ويمنيهم ويضلهم.

    ويقول يحيى بن معاذ الرازي في هذه الآية: فما في العالم جُنة أرجى منها، آية يستجن بها الإنسان، ويتقي بها غضب الله سبحانه وتعالى، فحق على المسلم أن يحب هذه الآية لما فيها من رحمة رب العالمين، إذ فيها أن الملائكة تستغفر للخلق، فطالما كان العبد على عبادة الله محباً لله وملائكته ورسله متبعاً لدين الله ماضياً على منهاجه الإسلامي القويم، فالملائكة تستغفر له.

    ثم يقول: إن ملكاً واحد لو سأل الله أن يغفر لجميع المؤمنين لغفر لهم، كيف وجميع الملائكة وحملة العرش يستغفرون للمؤمنين؟ وليس كل إنسان يقول: أنا مسلم، وهو تارك لدين الله وراءه، مضيع لصلاته متكاسل عن أمر الله تستغفر له الملائكة، فهم إنما يستغفرون للذين آمنوا، الذين يصدقون ويعتقدون ويعملون بمقتضى ذلك.

    يقول خلف بن هشام البزار أحد القراء العشرة: كنت أقرأ على سليم بن عيسى، فلما بلغت هذه الآية: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر:7]، بكى، ثم قال: يا خلف! ما أكرم المؤمن على الله سبحانه وتعالى! ما أكرم المؤمن على الله نائماً على فراشه والملائكة يستغفرون له.

    فالمؤمن كريم على الله سبحانه وتعالى، فقد جعل سبحانه الملائكة تستغفر له، وتجلس معه في حلق الذكر فتحف الذاكرين بأجنحتها، قال صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)، وقال أيضاً: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض، يبحثون عن مجالس الذكر، فإذا وجدوها تنادوا: هلموا إلى بغيتكم، فيحفون الذاكرين بأجنحتهم..).

    والملائكة لا يسأمون من التسبيح لله تعالى، فهم ينزهونه ويقدسونه سبحانه، ويؤمنون به، ويستغفرون للذين آمنوا، الذين تشبهوا بالملائكة في الإيمان، إذ الملائكة يؤمنون بالله سبحانه، ولذلك بدأ بالتسبيح قبل الإيمان؛ حتى يكون المؤمنون وراء الملائكة، فجمع الاثنين: التسبيح والإيمان بالله سبحانه، ولا غرو أن يقال: أخوة إيمانية.

    قوله: يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [غافر:7] أي: أنهم خلقوا لذلك، وقوله: (بحمد ربهم) أي: حامدين الله سبحانه في تسبيحهم إياه، ثم قال سبحانه: وَيُؤْمِنُونَ بِهِ [غافر:7] أي: يؤمنون بالله سبحانه، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر:7] قائلين: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر:7].

    أي: يا ربنا! يا من وسعت رحمتك كل شيء! إلا تسع هؤلاء المؤمنين، وفي الآية يعلمنا الله سبحانه أدب الدعاء، فيحبذ أن يقول العبد: يا رب! اغفر لي، يا من غفرت للمؤمنين! إلا تغفر لي، يا رب! اغفر لي مع المؤمنين، أنا من المؤمنين، فلا تجعلني أقل خلقك وأحقرهم عندك، فالملائكة يرجون ربهم سبحانه متوسلين بذلك: يا ربنا يا من: وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً [غافر:7] ومعنى ذلك أي: وسعت كل شيء برحمتك وأحطت كل شيء بعلمك.

    ثم يقول سبحانه: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا [غافر:7] أي: فاغفر للمؤمنين الذين تابوا إليك، ولذلك إذا تاب العبد إلى الله تاب الله عز وجل عليه، والملائكة تستغفر لهؤلاء التائبين، كما أثبت لنا ربنا ذلك فقال سبحانه: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر:7].

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2995936512

    عدد مرات الحفظ

    717732672