إسلام ويب

تفسير سورة النور (تابع2) الآية [36]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد شرع الله لعباده الصلاة في المساجد، وبين أنها بيوته، وبين فضلها وفضل بُنائها، ووصف المنشغلين بذكر الله عن الملاهي والمغريات بأنهم الرجال، فالرجل الحقيقي: هو الذي يقدم حق الله على حظوظ نفسه وشهواتها، ولقد بين الله جزاء هذا العمل من إكرامه لأهله في الدنيا والآخرة، فكما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل.

    1.   

    فضل المساجد وفضل أهلها وما يقال عند دخولها

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة النور:

    فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [النور:36-38].

    ذكرنا في الحديث السابق هذه الآية وهي قوله سبحانه: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [النور:36].

    ففيها ذكر هذه المساجد التي عظمها الله عز وجل وقضى وأمر برفعها، وأن يذكر فيها اسمه سبحانه، وأن يسبح له فيها في الصلاة وغيرها.

    قوله: (بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) الغدو: أول النهار، ومنه صلاة الغداة أي: الفجر.

    والآصال: جمع أصيل وهو من الظهر إلى العشاء، فدخلت مواقيت الصلوات الخمس فيها، فكأن التسبيح يكون في جميع أوقات الصلاة في المساجد، فهؤلاء هم الرجال الذين من صفاتهم: رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:37].

    فهم يأتون بيوت الله سبحانه فيصلون لله سبحانه وتعالى، ويذكرونه ويسبحونه، ويحضرون حلق الذكر، فتشهد لهم الملائكة بذلك من وقت إتيانهم من بيوتهم إلى رجوعهم إلى بيوتهم، فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون.

    ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنك إذا جئت بيت الله عز وجل ودخلته أن تسمي الله تعالى، وتدخل برجلك اليمنى، وتدعو ربك سبحانه أن يفتح لك أبواب رحمته.

    فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي حميد -أو عن أبي أسيد- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك)، فداخل المسجد طالب للرحمة، والخارج من المسجد طالب لفضل الله سبحانه وتعالى، فالذي يأتي إلى بيت الله يريد المغفرة ويريد فضل الله عز وجل ورحمته، والخارج من المسجد يبحث عن رزقه عندما يرجع إلى بيته، فيسأل الله عز وجل من فضله، وأن يرزقه ويغنيه ويعفه ويعطيه من فضله سبحانه.

    وقد جاء في الحديث الآخر: (إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم، وليصل على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك).

    وجاء في حديث السيدة فاطمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان إذا دخل المسجد قال: باسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم! اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم! اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك).

    فدخول المسجد ليس كدخول غيره، فعندما تدخل المسجد تطلب الرحمة، وعندما تخرج من المسجد تطلب الفضل من الله عز وجل، وهذه مزية لبيت الله سبحانه.

    وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم: (أنه كان إذا دخل المسجد يقول: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم، ويدخل برجله اليمنى ويقول: باسم الله، اللهم صل على محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك)، وجاء في هذا الذكر في قوله: (أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم) يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم).

    فيجب على المسلم أن يحفظ هذا الذكر العظيم، فإذا دخل بيت الله عز وجل قال: (أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم)، فإن الله عز وجل يعصمه من الشيطان الرجيم، (يقول الشيطان: حفظ مني سائر اليوم).

    وإذا دخل صلى على النبي صلى الله عليه وسلم بأي صيغة من صيغ الصلاة عليه، ومن هذه الصيغ كما في هذه الرواية: (اللهم صل على محمد) وفي رواية: (والصلاة على رسول الله)، أو (والسلام على رسول الله) صلى الله عليه وسلم، ثم تسأل الله عز وجل من رحمته.

    فالدخول إلى المسجد يكون بالرجل اليمنى، والخروج من المسجد يكون بالرجل اليسرى.

    1.   

    بعض من أحكام تحية المسجد

    وفي الحديث عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس)، وهذا أدب آخر يختص به بيت الله عز وجل، فإذا دخلت المسجد فلا تقعد حتى تصلي ركعتين تحية المسجد.

    وفي حديث آخر يقول أبو قتادة : (دخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فجلست، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟ قلت: يا رسول الله! رأيتك جالساً والناس جلوس، قال: فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين)، فمن السنة ألا تقعد إذا دخلت بيت الله عز وجل مباشرة، بل لابد أن تفرق بين المسجد وبين غيره، فتصلي ركعتين تحية المسجد، ثم تجلس بعد ذلك.

    وتحية المسجد سنة على قول جماهير أهل العلم، وذهب البعض إلى أن تحية المسجد واجبة، واحتجوا على ذلك: (بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الجمعة فدخل سليك الغطفاني والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فجلس الرجل، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم وأن يصلي ركعتين، وأن يتجوز فيهما)، قالوا: وسماع خطبة الجمعة واجب، فكون النبي صلى الله عليه وسلم يأمره أن يقوم وأن يصلي ركعتين دليل على أنه سيترك الواجب، فليس من الممكن أن يترك الواجب لأجل المستحب على قولهم، فعلى ذلك يترك الواجب للواجب، فقام فصلى ركعتين تحية المسجد، فعلى ذلك تكون ركعتا تحية المسجد واجبتين، وهو قول البعض من الظاهرية، كـداود بن علي، وأما ابن حزم فذهب إلى أنها سنة وليست فريضة، وهو الصواب.

    ودليله ما جاء في حديث المعراج: قال الله عز وجل: (هن خمس في العدد وهن خمسون في الأجر، أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي)، فالصلوات المفروضات خمس من عند الله عز وجل، وهن في الأجر خمسون.

    ومن الأدلة: حديث الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم: (هل علي غيرهن؟! قال: لا، إلا أن تتطوع)، فدل ذلك على أن غير الصلوات الخمس لا تكون فريضة إلا ما كانت الصلاة فيها فرض كفاية مثل: صلاة الجنازة، وأما غير الصلوات الخمس فليست بفريضة إلا أن يكون نذراً نذره الإنسان على نفسه.

    وقد ذكر أهل العلم: أن تحية المسجد لو كانت واجبة لوجب على كل من دخل أن يصليها، ويلزم من ذلك عدم جواز دخول المسجد إلا على وضوء.

    يقول القرطبي رحمه الله: ولا أعلم قائلاً بذلك.

    وهذا الاستدلال صحيح، إذ لو كانت واجبة لما جاز لأحد أن يدخل المسجد إلا وهو متوضئ؛ لأنه يلزمه أن يصلي تحية المسجد، ولكن أهل العلم يقولون بجواز أن يكون متوضئاً أو غير متوضئ، فإن لم يكن متوضئاً جاز له أن يجلس، ولكن الأفضل فيه أن يكون على وضوء حتى يصلي ركعتين تحية المسجد.

    1.   

    حكم تعارض تحية المسجد مع الخطبة في الجمعة أو السلام على الناس وأيهما يقدم

    وإذا كان الخطيب يخطب فليصل ركعتين وليتجوز فيهما، حتى يدرك الخطبة ولا يضيع على نفسه واجباً، فإن ضيع بعضها فلن يضيع الكثير، ويجب عليه ألا يطيل في تحية المسجد، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صل ركعتين وتجوز فيهما)، فأمر بالتجوز في ذلك.

    وقال صلى الله عليه وسلم في صلاة تحية المسجد هنا: (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين).

    ولو أن الإنسان دخل المسجد فسمع شيئاً ينشغل به عن تحية المسجد كسماعه للأذان، فإنه يجوز له أن يصلي تحية المسجد ثم يدرك ترديد ما بقي من الأذان، والأفضل أن ينتظر حتى يردد الأذان مع المؤذن ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو، ثم بعد ذلك يصلي تحية المسجد؛ لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (إذا سمع أحدكم المؤذن فليقل مثلما يقول، ثم يصلي علي، ثم ليسأل الله لي الوسيلة، فإنها منزلة لا تنبغي إلا لعبد واحد وأرجو أن أكون أنا هو)، صلوات الله وسلامه عليه.

    ولو أن الإنسان دخل المسجد فهل يبدأ بالسلام على الناس أم بتحية المسجد أولاً؟

    الصواب فيها: هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، فنهى عن الجلوس حتى يصلي ركعتين، فيجوز له أن يسلم على الناس إذا دخل لقول الله سبحانه: فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً [النور:61]، فإذا دخل الإنسان المسجد بدأ فسلم على الناس، ثم صلى ركعتي تحية المسجد، والتسليم لن يأخذ منه وقتاً، ولن يجلس ليسلم على الناس، والنهي في الأصل ليس عن التسليم وإنما النهي عن الجلوس فقط حتى يصلي ركعتين، ونحن نقول هذا الكلام لأن بعض إخواننا يسأل عن ذلك.

    وأما تسمية هذه الصلاة: بتحية المسجد فلم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث فيه كلمة تحية المسجد، أو أنه سمى هذه الصلاة: تحية المسجد، ولكنه قال: (فليصل ركعتين)، فهذا ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، لكن الفقهاء سموها: تحية المسجد، فالشاهد: أن من قال: إنه يمنع السلام على الناس حتى يبدأ بتحية المسجد فقد أخطأ، وقد قال الله عز وجل: فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا [النور:61]، فجاء بالفاء المفيدة للترتيب والتعقيب مباشرة، فإذا وجدت المسلم أمامك فسلم، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسلام على المسلمين، فإذا وجدت المسلم في طريقك أو في مسجدك أو في أي مكان فابدأه بالسلام، حتى إنه يشرع السلام إذا فرق بينك وبينه شيء من جدار أو شجرة أو نحوه، وتسلم عليه أيضاً إذا التقيتما بعد ذلك، ولا ينبغي لي أن أدخل المسجد والناس أمامي يقابلوني ثم لا أسلم على أحد حتى أصلي ركعتين وبعد ذلك أتوجه إلى الجميع بالسلام، فلم يقل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل ذلك أحد من أهل العلم، وإنما الصواب: أنه يسلم على من لقيه في المسجد أو في غيره، ثم يصلي تحية المسجد بعد ذلك.

    وقد نبهنا قبل ذلك: على أنك إذا جئت والإمام يخطب ودخلت المسجد فلا بد عليك أن تصلي ركعتين ثم تجلس، ولا ينبغي أن تلقي السلام على أحد والخطيب يخطب، فالواجب عليك أن تستمع الخطبة فقط، وكلامنا هنا: هو في إلقاء السلام على الناس إذا لم يوجد ما يمنع من الكلام، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قال لصاحبه: أنصت! والإمام يخطب فقد لغا).

    وفي حديث آخر: (ومن لغا فلا جمعة له)، والإنسان إما أن يتكلم لحاجة أو لغير حاجة، كأن يقطع كلام الخطيب ويكلم الناس، أو يعطس الإنسان فيرفع صوته بالحمدلة، فيجيبه أحدهم بصوت مرتفع فيقول: يرحمك الله، فيرد عليه، فهذا كله لا ينبغي في أثناء الخطبة، لكن إذا عطست والخطيب يخطب فقل: الحمد لله في سرك، ولا ترفع بها صوتك، وإذا رفعت صوتك وقلت: الحمد لله، فلا ينبغي لأحد أن يشمتك إلا إذا سكت الخطيب، فيقول: يرحمك الله؛ حتى لا يكون هناك كلام في أثناء الخطبة، فإن من تكلم في أثنائها فقد لغا، ومن لغا فقد ضيع على نفسه صلاة الجمعة، لكن إذا كان الإنسان خارج المسجد فلا تحية عليه حينئذ، فلا توحد تحية للشارع مثلاً، فإذا جاء والخطيب يخطب وهو في الشارع، فليجلس في الشارع، لكن هل يجوز له أن يسلم على الناس ويرفع صوته مدِّعياً أنه في غير مسجد؟ لا؛ لأن للشارع حكم المسجد في السماع؛ لأنه يسمع الخطيب، فيلزمه أن يستمع للخطبة كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ...)

    جواز الوقف والوصل في قوله تعالى: (يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال)

    قوله سبحانه: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [النور:36]>

    قوله: (يُسَبِّحُ): أي: ينزه الله سبحانه وتعالى عن النقص ويقول: سبحان الله! ويسبح: أي: يصلي لله سبحانه وتعالى، ولذلك سميت صلاة النافلة بالسبحة؛ لأن الله سبحانه يسبَّح فيها.

    وقوله: (يُسَبِّحُ)، فيها قراءتان، قراءة الجمهور: (يُسَبِّحُ).

    وقراءة ابن عامر وشعبة عن عاصم : (يُسَبَّحُ).

    وإذا قرئ بقراءة ابن عامر وشعبة فالمستحسن أن يقف على رأس الآية فيقول: (يسبَّح له فيها بالغدو الآصال)، ثم يبدأ: رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ [النور:37]، وهنا شيء محذوف يدل عليه ما بعده.

    وقوله: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ)، إما أنه عائد على الآية التي قبلها (فِي بُيُوتٍ)، فيكون المعنى: في بيوت رجال؛ لأن (رجال) هنا مبتدأ، و(في بيوت) الجار والمجرور في محل رفع خبر مقدم عليه.

    أو هم رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله على الابتداء والخبر.

    وعلى قراءة الجمهور: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا) بالفعل المبني للمعلوم، فإنه قوله: رِجَالٌ [النور:37] يكون فاعلاً، وبالتالي فلا يجوز الفصل بين الفعل والفاعل، فعلى ذلك يصل بينهما فيقال: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ [النور:36-37]، فيصل الفاعل مع فعله؛ حتى لا تنقطع الجملة.

    المؤمنون لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله سبحانه

    قال تعالى: رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ [النور:37]، فذكر أن هؤلاء الرجال لا يلهيهم شيء عن ذكر الله سبحانه، وأعظم شيء يلهي الإنسان عن الذكر هو المال، وأعظم الأموال: هي التي تكون مكتسبة من التجارة.

    فهؤلاء المؤمنون لا يلتهون عن ذكر الله عز وجل بتجارة ولا ببيع، وقالوا: إن التجارة هي ما يجلب من خارج البلد، والبيع: ما يكون فيما بينهم من تجارة حاضرة.

    قالوا: (لا تلهيهم تجارة ولا بيع)، أي: لا شيء يجيء من الخارج، ولا شيء موجود بينهم يبيعونه.

    عظم أجر الذهاب إلى المساجد والمرابطة فيها

    ووجود الإنسان المؤمن في بيت الله عز وجل فيه أجر عظيم جداً حتى ولو كان جالساً لا يصلي، فلو كان جالساً ينتظر الصلاة أو في عقب الصلاة فله أجر عظيم، بل في مشيه إلى بيت الله سبحانه الأجر العظيم، كما جاء في الأحاديث، ومنها ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه)، وهنا: أن أجر الذي يأتي إلى الصلاة المكتوبة كأجر الحاج المحرم، وليس معنى هذا أنه يغني عن الحج، ولكنه أجر يماثل أجر الحاج المحرم.

    قال: (ومن خرج إلى تسبيح الضحى) أي: وقت صلاة الضحى، ليصلي ركعتين في المسجد.

    قال: (لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين).

    فقوله: (وصلاة على إثر صلاة) أي: صليت الصبح وبعد ذلك رجعت إلى بيتك ثم جئت في صلاة الظهر بشرط ألا تلغو بين الصلاتين، أي: لا تضيع الوقت في كلام فارغ، أو أشياء تأثم عليها أو أشياء مكروهة، فإذا حفظت لسانك فيما بين الصلوات كتب لك كتاب في عليين، أي: أعلى الجنة، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهلها.

    وجاء في الحديث: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)، ومشاء: غير معنى ماش؛ فالماشي قد يمشي مرة أو مرتين، لكن المشاء: هو المداوم على المشي، فهو يواظب على صلاة الفجر، ويواظب على صلاة العشاء في بيت الله عز وجل، فلا يمتنع من ذلك بزعم: أن الدنيا مظلمة، والجو بارد، أو الجو حار، بل يأتي بيت الله عز وجل في كل وقته، خاصة في أوقات الظلم: الفجر والعشاء، فالذي يأتي في الظلام إلى بيت الله سبحانه فليبشر بنور تام يوم القيامة، والنور التام هو عكس النور الناقص، والإنسان يوم القيامة قد يكون له نور يضيء أمامه ما يشاء الله سبحانه، وقد تكون أمامه ظلمات يوم القيامة، فالله عز وجل ينيرها لأصحابها بصلاتهم، وبإتيانهم المساجد في وقت الظلم: في الفجر وفي العشاء.

    وبعض الناس يتقد له النور ويخبو مرة على قدر عمله، وعلى قدر قربه من الله عز وجل؛ ولأنه ابتعد وعصى، فيتقد له نور يرى به قليلاً ثم ينطفئ النور ويظلم عليه، ويتقد مرة أخرى وبعد ذلك يظلم عليه، لكن أهل صلاة الفجر وصلاة العشاء لهم نور تام كامل لا يخبو ولا ينطفئ، وذلك بمواظبته على الصلاة في هذين الوقتين: في العشاء وفي الفجر.

    قوله: (بشر المشائين) أي: المواظبين على صلاة الفجر، (بالنور التام يوم القيامة).

    وقد جاء كذلك في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح). و(النزل): هو طعام الضيف، فتقول: فلان نازل عندي، أو: جهزت له نزله، أو: جهزت له القرى -وهو طعام الضيف- فكأن هذا الذي يغدو إلى بيت الله عز وجل في الصباح، أو يروح وقت العشي ونحوه، كالضيف لله عز وجل، فالله يجهز له في الجنة نزله وطعامه، فالله عز وجل يتفضل على زائر مساجده بأن يعطيه من فضله ورحمته في جنته.

    نسأل الله عز وجل أن يرزقنا من فضله ومن رحمته، وأن يجعلنا من أهل عليين.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.