إسلام ويب

تفسير سورة محمد [1 - 4]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • منذ أمد بعيد والحرب قائمة على كل مسلم على وجه المعمورة، فأخبر سبحانه أنه سيبطل وسيحبط أعمال الكافرين المحاربين، وسيكفر سيئات المؤمنين، وسيصلح أحوالهم؛ وذلك أن الكافرين اتبعوا الباطل المستورد من أهوائهم والشيطان، والذين آمنوا اتبعوا الحق المستوحى من ربهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله.. )

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة محمد: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ [محمد:1-3].

    هذه سورة محمد صلى الله عليه وسلم، وذكرنا مقدمات لهذه السورة في الحديث السابق، وبدأها الله سبحانه تبارك وتعالى بتحفيز المؤمنين على الجهاد في سبيل الله سبحانه، وتهييج ما في قلوبهم من إيمان على الدفاع عن دين الله سبحانه تبارك وتعالى، ومقاتلة من يصدونهم عن سبيل الله وعن الدعوة إلى الله سبحانه.

    الَّذِينَ كَفَرُوا [محمد:1] هم الكفار الذين كانوا في أهل مكة، وصدوا النبي صلى الله عليه وسلم ومنعوه من أن يدعو إلى الله سبحانه، وأخرجوه من داره صلوات الله وسلامه عليه، فربنا يذكر المؤمنين بصنيع المشركين؛ حتى يبارزوهم وحتى يدافعوا عن دينهم.

    فإن المؤمنين لو تركوا الجهاد في سبيل الله تسلط عليهم الكفار، فالدنيا إما أن تكون فيها غالباً أو تكون فيها مغلوباً، ولا يوجد وسط في ذلك، والدنيا مثل الغابة، القوي فيها يغلب، والكافر استأسد على المسلم، وأخذ ما عنده، ولم ينفع معه مجادلة بحجة ولا بعقل ولا بشيء، فالكافر يلغي عقله، ويحكِّم سلاحه وقوته، وهذا فعل الكافر، والمؤمن يحكم شرع الله سبحانه، ويحكم دين الله عز وجل، ويخاطب العقول، لكن الكافر أغلق عقله وحكَّم سيفه، وتعرض لأذى المؤمن، فإن لم يكن المؤمن قوياً، ومعه من القوة ما يسكت به ويلجم هذا الكافر، ويدفعه إلى أن يحكم العقل، ويخضع للنقاش، فإما أن تكون ضعيفاً، والكافر قوي غالب مستأسد، غاشم، معتدي، لا يفكر ولا يسمع منك، وتقول: أدعوه، فإلى أي شيء تدعوه؟! وهو الذي يملي عليك الشروط، وهو الذي يلزمك بما يريد، لذلك يقول القرآن: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً [التوبة:8].

    لا تقل: أنا سأناقشه بالعقل وسيسمع مني، فهذا كلام غير مقبول، فإن الذي حكم عليه هو الله سبحانه، وهو عليم بما في نفسه، خبير بذات الصدور وذات الأنفس، يقول لك: كن قوياً؛ حتى تعرف كيف تدعو إلى الله سبحانه تبارك وتعالى، وحتى لا يصدك هذا، وحتى لا يكفر بما جئت به، وحتى لا يستر ويغطي النور الذي معك بقوته، وطغيانه، فيقول لنا: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [محمد:1]، بدأ بذكر هؤلاء وأفعالهم القبيحة. قال تعالى: أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:1] فالله سبحانه أحبط أعمالهم، وأبطل ما يصنعون، وجعلهم في تيه لا يعقلون، فقد أضل أعمالهم في الدنيا وفي الآخرة.

    في الدنيا: أضل أعمالهم بأن جعل على قلوبهم الران والغشاوة، وختم على القلوب، وطبع عليها، فهم لا يعقلون، إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44].

    وفي الآخرة: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ...)

    أما المؤمنون فيقول تعالى عنهم: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ [محمد:2] المقصود المؤمن التقي الذي يعمل بما يرضي الله سبحانه، ويعمل الصالحات من الأفعال والأقوال، وكلها في ميزان حسناته، وميزان الصالحات.

    قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ [محمد:2] أي: صدقوا بما جاء من عند الله، ومن ذلك آيات الجهاد في سبيل الله عز وجل، وقتال المشركين، وآمن بما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قوله: (إنكم إن تركتم الجهاد في سبيل الله سلّط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم).

    وقوله: (وهو الحق) جملة اعتراضية؛ ليبين أنه الحق سواء اعترفتم أو لم تعترفوا بأنه الحق، فالله عز وجل قد أخبر بذلك، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [الفتح:28] فقوله الحق سبحانه.

    والذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم هو القرآن العظيم، والإسلام وهذا الدين، وهذه الشريعة، والحق هو من الله سبحانه تبارك وتعالى، سواء أقروا أو لم يقروا بذلك، فهو الحق من ربهم.

    قال تعالى: كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ [محمد:2] أي: ستر عنهم السيئات التي وقعوا فيها، وغفرها لهم سبحانه تبارك وتعالى، ولم يفضحهم بها لا في الدنيا ولا في الآخرة.

    وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ [محمد:2] البال هو: الشأن، فشأن الإنسان: باله وحاله، فأصلح الله شأنهم، أي: أصلح حالهم، وأصلح أعمالهم، وأصلح أقوالهم سبحانه تبارك وتعالى، ومصالح دينهم ودنياهم وأخراهم أصلحها الله سبحانه، ووجههم إلى الخير في ذلك.

    وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ [محمد:2] على ما يتعلق بأمر دنياهم، وأمر أخراهم، ومن معانيها أيضاً:

    أصلح نياتهم، وأصلح أعمالهم بإصلاح نواياهم، فالبال المذكور هنا بمعنى: الشأن، ويأتي بمعنى: عمل الإنسان أيضاً، إذاً هنا: أصلح الحال، وأصلح الشأن، وأصلح أعمالهم، وأصلح أمورهم سبحانه تبارك وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل..)

    قال تعالى: ذَلِكَ [محمد:3] أي: الأمر الذي ذكره الله عز وجل، وهو إضلال الكفار، وإصلاح حال المؤمنين وهدايتهم، ذَلِكَ [محمد:3] وهي كلمة فصيحة؛ لأنها تعبير عن جملة، وهي أن الذي ذكر هذه الآية أشار إليه بذلك، وكل الذي فعله الله عز وجل من إصلاح حال المؤمنين، وإضلال أعمال الكافرين، من صنع الله سبحانه له سبب وهو: بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ [محمد:3].

    فالكفار اتبعوا الضلال، واتبعوا الباطل، وهم في غيهم يلعبون، ومع ذلك يصدون المؤمنين عن عبادتهم، ويصدونهم عن ربهم سبحانه تبارك وتعالى، والكافر يظن أن المؤمن ليس بأحسن منه، فهو لا يقبل أن يكون المؤمن أفضل منه، حتى وإن قال الكافر: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:6] فلن يسكت أبداً عن المسلم؛ لأن المسلم دينه حق، ولو دعا إليه سيتبعه الناس، فالكافر لا يريد ذلك، فإذا جاء على المسلم ضيق عليه، كما صُنع مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقيل له: إذا أردت أن تقرأ القرآن، فاقرأ في بيتك، ولا تقرأه علينا، فأخذوا الميثاق على ذلك، ونادوا بمن أجار أبا بكر فإذا به يلتزم لهم ألا يقرأ أبو بكر عليهم القرآن، وبنى مسجداً في داره، وجلس يقرأ القرآن فيه، فإذا بنساء المشركين، يتهافتن ويأتين إلى بيت أبي بكر الصديق ، يسمعن من أبي بكر الصديق القرآن، فرفض الكفار ذلك، وقالوا: لا يقرأ حتى لو كان في بيته.

    فالكافر لن يكف عن إيذاء المسلمين، ويقول لك: تصرف على راحتك، وخذ حريتك، هذا غير ممكن، ولن يسكت على ذلك، مع أنه يعرف دينك، والمستشرقون درسوا هذا الكتاب، ودرسوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والقرآن فيه كذا، والسنة فيها كذا، ولو انتشر ذلك هم الذين سيغلبون ويسيطرون على الدنيا؛ لأن كلامهم الحق.

    فهم يضربون المسلمين ضربات قاصمة، من أجل أن يفتتوا الدين، ويفرقوا المسلمين، بعدما كانوا دولة واحدة وخلافة تحكم الدنيا كلها، فتتوها إلى دويلات وإمارات وجمهوريات، وأصبح كل واحد ينظر لما عنده وليس له شأن بأحد، والمسلمون في كل مكان يحصل لهم ما يحصل، وهو يقول: ليس لي شأن، والمهم الذي نحن فيه فقط، والمكان الذي نحن فيه.

    ودخلوا في ديار المسلمين، وأخرجوا نساء المسلمين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لنا: (إن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)، فهي أعظم فتنة، ونادوا بخروج المرأة من البيت، وبدءوا يقننون للزنا والفواحش القوانين تحت ما يسمى: بالحرية والمساواة والعدالة مع المرأة، ومبدأ مساواة المرأة بالرجل، فتخرج المرأة وتفعل ما تشاء، ليس لأحد شأن بها، وبدءوا يتحكمون في بلاد المسلمين.

    وقالوا: إن المرأة مظلومة، فأقرت الأمم المتحدة قانوناً للنساء، لا بد أن يطبق في كل بلد من البلدان، فأصبح المسلمون كلهم يقولون: إن المرأة نصف المجتمع، ولا بد أن نعطي لها مكاناً في البرلمان، واحتجت أمريكا على الدول التي تكون فيها المرأة منقبة، وقالوا: لا بد للمرأة أن تتحرر من هذا النقاب!

    فهم يتدخلون في جميع شئون بلاد المسلمين، ويقولون: لا نسكت على هذا الشيء، لا بد أن تخرج المرأة حتى ينتشر العهر والجنس، وحتى يقع الناس في الزنا، وحتى ينزل عليكم غضب الله سبحانه تبارك وتعالى، وحتى تتركوا دينكم، وحتى لا تنتصروا؛ لأنهم يعلمون أن هذا هو الدين الذي تنتصرون به، فالكفار عرفوا أن المسلمين إن تمسكوا بدين الله، نصرهم الله عز وجل، فبدءوا يدخلون الشبهات والشهوات عقول شباب المسلمين، حتى يصرفوهم عن الجهاد، فأدخلوا لهم المسكرات، وأحلّوا لهم الخمر والحشيش والفواحش، وغيرها من أساليب الإدمان التي تزج بشباب المسلمين إلى المصحات أو القبور.

    وبين الحين والآخر يخترعون أشياء وينزلوها في بلاد المسلمين، وإذا وصل الحال بشباب المسلمين إلى ذلك، لن يكون لهم جيوش، فما دام الشاب سكراناً ومحذراً وضائعاً، فلا قوة للبلدان المسلمة، ولماذا تقوم الدول والحكومات بإنشاء الجيوش؟

    فإذا أراد الكافر في أي يوم أن يضربك، لن تستطيع أن تدافع، ولن يكون أمامي إلا شعبك، لديك مدافع ولديك دبابات، ولكن ليس لها المدى الذي تصل به لطائراتنا، ولا لهجومنا، هؤلاء الكفار الذي حذر الله منهم بقوله: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً [التوبة:8] فهم يقولون: سنضربكم، وندمر دولكم بدعوى وجود الإرهاب في بلادكم، أتينا لنعلمكم الديمقراطية، والحرية، وأتينا نقرر عندكم مبادئ المساواة والعدالة، وإخراج النساء من المنازل، والمسلمون للأسف الشديد حتى إذا لم يصدقوا فهم مغلوبون على أمورهم، وعلى عقولهم، وهم يمضون وراء التيار، لكي لا تضيع الرياسة منهم، ولكيلا تضيع الكراسي منهم، وهم يقومون بإخافتهم بلعبة العصا والجزرة التي يلعبون بها مع القرد أو الأرنب أو غيره، يقولون: نعطيك الجزرة إذا مضيت معنا، ونضربك بالعصا إذا خالفت دربنا، فإذا بهم يمضون وراء هؤلاء في كل ما يقولون!

    ويحذرنا القرآن من ذلك، فإذا ظهروا عليكم لن يرقبوا فيكم إلاً ولا ذمة، وأكبر دليل على ذلك ما يصنعون في العراق، ففي كل يوم يضربون العراق وأهله، وهم إذا أرادوا قتل جماعة من الناس في أي دولة من الدول فإنهم يطلقون على هذه الجماعة وابلاً من الرصاص والمدفعيات وغيرها من الأسلحة ثم تقول الدولة والإدارة: قتلوا بنيران صديقة!

    وهم يريدون تطبيق مبدأ المساواة التي يريدونها، وفي الحقيقة أن المساواة والعدالة معدومة تماماً في سجونهم ومعتقلاتهم.

    فلذلك من ابتعد عن كتاب الله وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعب به الشيطان، ولعب به هواه، ولعب به الكفار وتحكموا فيه، والله مع المؤمنين إذا اعتصموا بالله، والله سيضل الكافرين؛ لأنهم اتبعوا الباطل.

    قال تعالى: وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ [محمد:3]، فهداية المؤمنين منوط بذلك، فالمؤمن لا بد أن يكون متبعاً للحق من عند الله، وليس مبتدعاً، ولا بعيداً عن دين الله سبحانه، تاركاً له وراء ظهره، ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ [محمد:3]، ما هي نتيجة هذا الشيء؟ أن الله مع المؤمنين، وأن الله يكيد للكفار، وأن الله يغلبهم ويمحقهم سبحانه.

    كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ [محمد:3] أي: كهذا البيان الذي ذكر الله عز وجل يوضح الله لكم في كتابه، فاعقلوا عن الله ما يريد بكم من خير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب..)

    قال تعالى: فَإِذا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:4] هذا هو الحكم الذي مهد له فيما تقدم، فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا [محمد:4] والكافر إذا حارب المسلم، فلا يقول له المسلم: أسالمك، وافعل بي ما تريد، فأنا مسالم، وسأعمل على تحقيق هدنة من طرف واحد! هذا خطأ حذر الله منه، فطالما المؤمن مستضعف نفسه، فإن الكافر يستأستد عليه.

    فعلى المؤمن أن يكون قوياً، ويجهر بالحق، مع إعداد القوة التي أمر الله عز وجل بها، وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60] (ما استطعتم) من ألفاظ العموم، أي: كل ما استطعتم من قوة، ولذلك فإن المؤمن يتقن عمله في كل مجال؛ حتى يعد العدة لهؤلاء الكفار، كما أمر الله سبحانه، ولا بد للمسلمين أن ينبغوا -كما كانوا قبل ذلك- في كل المجالات، وكل في مجاله، فالآن العلم أصبح شبكة متداخلة فالطب أصبح في الهندسة، والهندسة دخلت في الطب، فيوجد الطب الوراثي، والهندسة الوراثية والزراعة وغيرها..

    إذا لم يتعلم المؤمن هذه الأشياء فسوف يدخل الكفار إلى بلاده، فيخربون بلادهم، ومثال ذلك: عندما استوردنا البذور من إسرائيل، فسدت المزارع، ولم ينبت الزرع، وهذا نتيجة أنهم وصلوا في الزراعة لأعلى الدرجات، فاليهود أعلم الناس بالزراعة، فإذا أنت لم تكن على نفس الدرجة الذي هو عليها، فإنك ستحتاج إلى ما يقدمونه وخصوصاً إذا كان بسعر رخيص.

    وعندما ترك المسلمون ذلك، دخل الطلبة الامتحانات بأجهزة إلكترونية بغرض أن يغشوا بها، فزوروا ودفعوا رشاوى لكي ينجحوا، وتركوا العلم فلم يتعلموا أمور دنياهم، ولا أمور دينهم، واعتمدوا على بعض المدرسين الذين حضروا الدكتوراه، والذين حضروا الماجستير في رسالة معينة، ثم رميت في الدرج، وأقفل عليها ولم ينظر أحد إليها بعد ذلك.

    أصبحت رسائل العلماء في الأبحاث التي يعملونها مرمية، واعتمدنا على الغرب أن يعطينا، فأعطونا هذه الصفعات المتتالية التي لا نقوم منها، وبين الحين والآخر يحصل شيء في غير صالح الأمة، تأتي أنفلونزا الطيور، فلا نستطيع محاربتها إلى أن يبعثوا لنا بالمصل من الخارج، ونصرف كذا مليار من أجل أن نحضر المصل من الخارج، فنحن لا نفعل شيئاً، حتى الإبر نستوردها من الصين، والأوراق نستوردها كذا، في الخارج القمامة التي في البيوت يأخذوها، ويقسمون القمامة، فيضعون الورق في جانب، والبلاستيك في جانب، والزجاج في جانب، فتباع لأصحاب القمامة؛ من أجل أن يشجع الناس ألا يفسدوها، وتأتي شركة الورق تبحث عن الورق الهالك هذا، ويستفيدون منه في إعادة تصنيع الورق، ولو أننا نعمل هذا فإنه من الممكن أن نستفيد بمقدار 65% مما نستورده منهم، ولكن الناس يفسدون الورق، ويضع الورق على الماء، وعلى النجاسة، ونحن لا نحتاج الورق، فنحن لا نعرف ماذا نفعل به، وهذا نتيجة عدم الفهم، فهل الكافر أذكى منا لأنه يفكر بهذا الشيء، ونحن ليس لدينا هذه العقول؟ فعقولنا أصبحت عقولاً سفيهة غبية؛ لأنها تركت دين الله عز وجل.

    فعلى المسلمين إذا لقوا الكفار أن يكونوا أقوياء، قادرين على الصمود، أما الآن فأخبار جرائدنا عبارة عن: هجوم صاروخي على البلدة الفلانية في بداية الصفحة، وتحتها: هجوم لفريق كرة القدم على الآخر!

    فهذا الذي أصبحت الشعوب مهمة فيه، وإخواننا يضربون في بلدانهم، ونحن لا نعقل ولا نفهم، وكل الذي في عقولنا: ماذا سنأكل غداً؟ ماذا سنفعل؟ رزقنا قليل البلد ليس فيه عمل، لأن الله سلط بعضنا على بعض، فانشغل الناس بالدنيا، وتركوا دين الله سبحانه، بل أصبحوا يحاربون دين الله سبحانه.

    وتجد شاباً ملتحياً قدم بطلب وظيفة في شركة خاصة لكي يعمل بها، فلم يتم قبوله؛ لأن الشخص الملتحي ممنوع من العمل في شركة خاصة وفي الشركات الحكومية أيضاً!

    وكل هذا محاربة لدين الله سبحانه؛ لأن الكفار يقولون لهم ذلك، بحجة أنهم إرهابيون، ولكنه بعد أن حلق لحيته تم قبوله، فلماذا بعدما حلق لحيته أصبح جيداً، ودخل الشركة مع أنه نفس الشخص ولم يغير نفسه، وعندما كان بلحية كان إرهابياً؟! يقولون: إن شركتنا لا تقبل ملتحين، ومنظرك لن يكون مناسباً، ولكن تجد المنسق الأوروبي لحيته كثيفة، فلماذا لحية هذا لم تفسد عليه الاجتماع الذي هو فيه؟! هذا يدل على عدم التفكير، وعلى الهوس في التفكير، والبعد عن دين الله سبحانه، فيسلط الله عز وجل عليهم أعداءهم، يملون عليهم أن افعلوا كذا من دون تفكير، وهذا كله سببه الضعف الكامن في قلوبهم، فهم ضعيفون في عقائدهم، وفي نفوسهم، وقد استخزوا فأخزاهم الله، واستذلوا فأذلهم الله، واستهانوا بأنفسهم فأهانهم الله، وما لجرح بميت إيلام.

    فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [محمد:4] وكنتم على قوة، وأعددتم لهم ما تستطيعون من قوة، فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ [محمد:4] ولا يكون المن والفداء إلا بعدما تكون قادراً، وبعدما تخيف عدوك، ولا يكون هذا وأنت ضعيف فسيستهين بك، ويلعب بك، ولا تقدر معه على شيء.

    فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ [محمد:4] يعني: اضربوها ضرباً، فهذا مصدر يفيد جملة محذوفة تقديرها: اضربوا رقاب الكفار ضرباً.

    فَضَرْبَ الرِّقَابِ [محمد:4] ورقبة الإنسان أعز ما عليه، فعندما أقول: اضرب رقبته، يعني: أزل رأس فلان، ففيها من القوة ومن الشدة، فهي أقوى من أن يقول: اقتله، قال: فَضَرْبَ الرِّقَابِ [محمد:4] أي: أزيلوا رقاب هؤلاء؛ حتى يكون بعضهم عبرة لبعض، وقد يقول بعض الكفار: أنتم تعملون هذا الشيء من ضرب للرقاب، متناسين القنابل التي ينزلونها على بلاد المسلمين، القنابل الفسفورية والعنقودية والذرية الصغيرة والكبيرة، وكلها تجرَّب في بلاد المسلمين، ويدمرون بها المسلمين، ويدمرون بها الحقول, وعندما تنزل تخرج الماء من باطن الأرض، فما الذي يفعلونه بالمسلمين؟! أليس ضرباً للرقاب بهذه القنابل، وحرق البلاد والعباد وإفساد الأرض؟ فإذا لقيتم الذين كفروا فاضربوا رقابهم، الذين يصدونكم عن سبيل الله ويصدونكم عن دين الله سبحانه، ويمنعون تبليغ دين الله سبحانه، لا ينفع معهم إلا أن تجاهدوهم.

    وإن الحرب التي يتحدثون عنها هي: حرب صليبية، مهما قالوا: إنها من أجل الديمقراطية فهذا كذب بين، وهذه حقيقة حروبهم مع المسلمين، وأن الإسلام هو عدوهم.

    ولذلك لما انهار الاتحاد السوفيتي قال الأمريكان في اجتماعهم: انتهينا من عدو، وبقي لنا الآن عدو آخر وهو: الإسلام، فبعد الاتحاد السوفيتي، والحرب الباردة، وحرب النجوم، لا بد أن نشن الحرب على الإسلام، وفعلوا ذلك، والمسلمون في غفلة، يقولون: لا، هذه ليست حرباً على الإسلام، هؤلاء يقصدون المتطرفين من المسلمين!

    والحقيقة أنهم يضربون المسلمين الملتزمين وغير الملتزمين، يضربون الجميع، ولا يفرقون بين أحد وآخر، بل يحاولون إبادة كل شخص يطلق عليه مسلم، لذلك لا بد أن يعود المسلمون إلى عقولهم، ويعودون إلى دينهم، ويقرءون التاريخ فيعرفون كيف يصنع الكفار بالمسلمين حين يتمكنون منهم.

    نسأل الله عز وجل أن يعز الإسلام والمسلمين, وأن يذل الكفر والمشركين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007962970

    عدد مرات الحفظ

    720577345