إسلام ويب

تفسير سورة القصص [27 - 29]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أرسل الله سبحانه وتعالى الأنبياء رحمة لهذه البشرية، وجعلهم أهلاً لحمل هذه الرسالة وتبليغها إلى جميع الناس، وكان من تربيته لهم سبحانه أن جعلهم يرعون الأغنام ليتعلموا سياسة أمور الناس، ويتعلموا الرقة والرحمة والعطف عليهم، ولنا في قصة موسى في مدين عظة وعبرة، فقد كتب الله له الزواج فيها، واصطفاه بالرسالة إلى فرعون وقومه في طريق رجوعه إلى مصر.

    1.   

    ذكر ما يستفاد من قصة موسى مع الرجل الصالح الذي زوجه ابنته في مدين

    الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة القصص:

    قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ * فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص:27-30].

    يذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآيات الكريمة، كيف خرج موسى صلوات الله وسلامه عليه هارباً من مصر، متوجهاً إلى مدين في بلاد الشام، ومن الله سبحانه تبارك وتعالى عليه بالأمان، وسقى للفتاتين أغنامهما وأنعامهما، ثم جاءته إحداهما تمشي على استحياء، ودعته لأبيها فذهب، وقالت له: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25] فذهب موسى إلى أبيها، فقص عليه قصته، مع فرعون، وكيف أنه فر هارباً منه، فقال مطمئناً له: لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:25].

    وذكرنا أن هذا الرجل على قول الكثيرين من المفسرين هو شعيب النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، واستبعد ذلك بعض المفسرين، والأرجح أنه ليس شعيباً وإنما هو رجل صالح، ولعله من أبناء شعيب، أو أبناء أخي شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    وهذا الرجل الصالح قالت له ابنته: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26]، فوصفته بأنه قوي، ووصفته بالأمانة، فقال الرجل: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ [القصص:27].

    فأراد الرجل الصالح أن يزوج موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام من إحدى ابنتيه؛ حتى يمكث عنده في بيته، وفي بلده، فيكون أجيراً عنده، ثمان سنوات، ولم يذكر ما هي الأجرة التي سيأخذها موسى مقابل خدمته ثمان سنوات أو عشر سنوات؟ ولكن ذكر المفسرون أنه قال له: إنه لك من هذه الأغنام جزءاً، وفي بعض الروايات: أن له ما ولدت الأغنام في سنة من السنين على خلاف ألوان أمهاتها، فإذا كانت الأمهات سوداً فولدت بيضاء فهي لك، وإذا كانت الأمهات بلقاء فولدت حمراء فلك هذه، يعني: ما كان من أغنام على خلاف لون الأصل، قالوا ذلك، ولكن الله عز وجل لم يذكر لنا هنا ما الأجرة التي يأخذها موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    لكن جاء في حديث ذكره الإمام القرطبي وإسناده فيه نظر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر أن موسى آجر نفسه على عفة فرجه، وعلى إشباع بطنه.

    لكن هذا كله لم يذكره الله عز وجل، لم يذكر إلا لفظ: قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ [القصص:27] أي: على أن تكون أجيراً عندي خلال هذه الفترة.

    وماذا سيكون مهر هذه الفتاة التي تزوجها موسى ؟

    أيضاً لم يذكر هنا إلا الإجارة، قالوا: إذاً سيكون أجيراً، والإجارة هي لنفع الرجل نفسه، فهل يأخذ من مهر ابنته ويشترط لنفسه؟ قد يكون هذا في شرعهم جائزاً، أما في شرعنا فلا يجوز، المهر في شرعنا للبنت، وليس لأبيها، فليس للأب أن يأخذ مهرها لنفسه، إلا ليزوجها به، وليحضر لها أثاثها وأمور بيتها مثلاً، أما أن يأخذ لنفسه المهر فليس له ذلك؛ لأنه ليس في شرعنا هذا الشيء، ولكن قد يكون هذا جائزاً في شرعهم.

    أو قد يكون المعنى أعم، أنه يكون أجيراً عنده، وأيضاً لنفع بناته من هذه الإجارة، فيخدم ويرعى الأغنام والأنعام، فيكون الناتج من ذلك جزء منه للأب وجزء للبنت، ولم يوضح لنا ربنا سبحانه ذلك، إنما ذكر عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ [القصص:27].

    وقوله تعالى: فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا [القصص:27] أي: إذا مكثت عشر سنين عندي فيكون هذا من عندك زيادة، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى مكث الأجل الأتم والأفضل والأكمل.

    قال له الرجل الصالح: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ [القصص:27] يعني: لن تجد من أخلاقي الصعوبة والعسر، ولكن ستجد مني التيسير وتجد مني الصلاح إن شاء الله، قال: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [القصص:27].

    سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ [القصص:27] هذه قراءة الجمهور.

    وقرأ نافع وأبو جعفر : (ستجدنيَ إن شاء الله من الصالحين)، فهنا الإنسان لا يمدح نفسه أنه من أهل الصلاح إلا أن يستثني فيقول: إن شاء الله أكون على ذلك، فلا يدري هل يستمر على ذلك أم ينقلب عن الصلاح.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال ذلك بيني وبينك ...)

    قال تعالى: قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ [القصص:28] يعني: هذا العقد، أو هذا العهد بيني وبينك.

    قوله: أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ [القصص:28] يعني: أياً من الأجلين، سواء ثمان سنوات ثم أنا اكتفيت فيكون لي ذلك، أو عشر سنوات وفيها زيادة فلك ذلك.

    أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ [القصص:28] يعني: لا حرج علي في ذلك، وإنك لا تلزمني بأن أمكث الأجل الأكثر بحسب ما يشاء الله سبحانه وتعالى.

    وقوله: وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [القصص:28] فجعل الله سبحانه وتعالى وكيلاً على ما يقولان، يعني: على ما يعقدان فيما بينهما.

    ومكث موسى هنالك عشر سنوات يرعى الأنعام، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (ما من نبي إلا ورعى الغنم).

    والحكمة في ذلك: أن الأغنام كثيرة الشرود والنفور وتحتاج إلى من يرعاها ويحوطها ومن يقوم بأمرها، وفيها الضعيفة، فيحمل الضعيف منها، وفيها المريضة، فيطعم المريضة ويراعيها وينظر في شأنها، فراعي الغنم فيه رقة، وفيه رحمة، وفيه حنان، فما من نبي إلا ورعى الأغنام.

    ولذلك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن التواضع والرقة في رعاة الأغنام، وأن الكبر والخيلاء في الفدادين الذين هم رعاة الإبل وأصحابها، فصاحب الإبل متعود على أن يركب فوق سنام الجمل، وينظر إلى الناس من عل، فيتعالى على الناس إلا من رحم الله عز وجل.

    فلذلك لم يجعل ربنا سبحانه الأنبياء رعاة إبل، وقد تكون الإبل عند هذا الرجل الصالح تبعاً للغنم، عنده أغنام كثيرة والإبل قليل، أو كل ما كان عنده أغنام كما ذكر البعض من المفسرين، لكن الله عز وجل يعلم الأنبياء كيف يسوسون الناس بهذا الأمر، ولا يكون ذلك إلا برعيهم الغنم، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم وأنت ؟ قال: (وأنا)، فقد رعى النبي صلى الله عليه وسلم الغنم لأهل مكة على قراريط.

    فهذا من الله تأديب لأنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام، وتعليم لهم وتخليق لهم على الحلم وعلى الصبر؛ لأن الأغنام تحتاج لصبر كثير من صاحبها في رعايتها، وأنه لو غفل عن أغنامه، جاء الذئب وأخذ منها، أو عاث فيها فساداً، والأغنام فيها شيء من الحمق، لو أن إنساناً ساق غنمة من أغنام كثيرة، فجرت الغنمة وقفزت من أعلى الجبل على الأرض لتبعها القطيع كله وقفز من فوق الجبل، ومات القطيع كله.

    ولذلك يحتاج راعي الغنم إلى أن يكون بصيراً برعاية الغنم، وإلى أن يعرف كيف يطعم هذه الأغنام، وكيف يكون معها، فالغنم تنفر بسرعة، ولو أن راعي الغنم أمسك عصاً وهي ذاهبة تشرب الماء؛ ليجعلها على الماء، لتركت الماء وهربت من خوفها وجبنها.

    فالأغنام تحتاج إلى من يسوسها، فالله عز وجل لحكمته جعل الأنبياء يعتادون على ذلك حتى يكون في أخلاقهم الحلم والصبر، وسياسة الأمر، كيف يسوسون أمر هذه الأغنام فيعتادون على سياسة أمور الناس إلى طريق رب العالمين سبحانه وتعالى.

    قال موسى وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [القصص:28] فجعل الله هو الشاهد على ما فعل هو والرجل الصالح.

    وهنا لم يذكر الله لنا من شهد هذا الزواج، وقد تزوج موسى ولم يكن حتى هذا الحين من الأنبياء، إلا في علم الله سبحانه وتعالى، ولكن الله عز وجل ذكر أنه تزوج من إحدى الفتاتين، قال: قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ [القصص:27]، يا ترى هل هذا زواج على الإبهام ؟ هذا تخيير في البداية، فلما انتقى موسى إحداهما، قالوا: إنها الصغرى منهما، فصارت معينة فزوجه منها بهذا الشرط الذي اشترطه: عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ [القصص:27].

    ولم يذكر هنا شهوداً، واختلف العلماء في هل يشترط في النكاح الشهود أو يكتفى فيه بالإعلان ؟ وقد ثبت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) إذاً: لا بد من الشهود، ولكن كما يقول الإمام مالك رحمه الله: إنه إذا انتشر الخبر بين الناس واستفاض فحضروا، كفى الإعلان عن الشهود، فإن لم يعلن فلا بد من الشهود، وإلا فلا يصح النكاح.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله ...)

    قال الله تعالى: فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا [القصص:29] يذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى أن موسى قضى الأجل، ويذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى عليه السلام قضى أكملهما وأتمهما، والأجل الأكمل والأتم عشر حجج، أي: عشر سنين.

    ولما قضى موسى الأجل وانتهت الفترة سار بأهله؛ لأن الرجل أحق بأهله، ولذلك يقول العلماء: إن الرجل أحق بأهله أن يذهب بها حيث يشاء في أمر حياته ومعاشه، مع حاجته لذلك، إلا أن يكون شرطاً في النكاح عدم الذهاب بها، فجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج)، فإذا تزوج إنسان من فتاة وأبوها شيخ كبير، وأمها امرأة عجوز، ويحتاجان لخدمتها، فزوجاها من إنسان واشترطا عليه أنها لا تخرج من هذه البلدة التي فيها أبواها؛ فتزوج الرجل منها ثم أراد أن يأخذها إلى بلدة أخرى، فلها شرطها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج).

    إذاً: طالما كانن الشرط مع النكاح أو قبل النكاح وفيه مصلحة للمرأة، فلا بد من الوفاء بهذا الشرط.

    فموسى عليه الصلاة والسلام لم يشترط عليه الرجل أن البنت تمكث معه، ولكن عشر سنوات وينتهي الأمر، وانتهى الأجل، فسار موسى بأهله وآنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا [القصص:29] إذاً: هو خارج من الشام متوجه إلى مصر فتاه في الطريق عليه الصلاة والسلام، والله يريد ذلك حتى يربي موسى، وكان موسى قوياً شجاعاً عليه الصلاة والسلام، ولكن في النهاية خاف من فرعون ومن معه لما أرادوا قتله، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يملأ قلبه بالتوكل عليه سبحانه وتعالى، وعدم الخوف إلا منه وحده سبحانه وتعالى، فالله يخلق الأنبياء ويربيهم.

    ولذلك رأينا نبينا صلى الله عليه وسلم يوم أن فر عنه الناس يوم حنين، قام وحده صلى الله عليه وسلم يقاتل ويدافع في سبيل الله سبحانه وتعالى، وفي يوم حنين كان جيش المشركين عشرة آلاف من هوازن، وجيش النبي صلى الله عليه وسلم كان اثني عشر ألفاً، وجيش النبي صلى الله عليه وسلم حسب أمر الانتصار لصالحه، فخرجوا للقتال حسراً، أي: ليسوا لابسين دروعاً، وانتظرهم الكفار فوق الجبال، فلما وصل جيش المسلمين رشقوهم بالنبال، وفر الجيش كله، ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا سبعون من اثني عشر ألفاً، وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يترجل عن ناقته، ويتوجه إلى الكفار، ويقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) صلوات الله وسلامه عليه.

    وهذه شجاعة منقطعة النظير، إذ إن المطلوب في هذا القتال هو النبي صلى الله عليه وسلم وليس غيره، ومع ذلك يقول ذلك، وهذا مما خلقه الله عز وجل عليه، ووهبه له سبحانه من الشجاعة العظيمة والقوة العظيمة، حتى كانوا يقولون عنه صلى الله عليه وسلم: إنه أوتي قوة أربعين رجلاً صلوات الله وسلامه عليه، يقولون: كنا إذا احمي البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: عندما تشتد المعركة ويشتد القتال يحتمون بالنبي صلوات الله وسلامه عليه.

    فالله هو الذي يربي أنبياءه على الأخلاق العظيمة الفاضلة ويعصمهم سبحانه وتعالى، فأراد الله لموسى بهذه التربية أن يحسن التوكل على الله ولا يخاف إلا من الله سبحانه وتعالى، إذاً: لا بد أن يلاقي موقفاً من المواقف الصعبة التي يثبته الله عز وجل فيها، فمرنه ربه بهذا الليل، فهو في ليل بهيم مظلم وفي برد شديد قاس، وفي مكان تاه فيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فإذا به لا يعرف أين يذهب هو ومن معه من أهله، فسار بأهله ولم يعرف الطريق فإذا بالله سبحانه وتعالى يريه ناراً في مكان، قال تعالى: آنَسَ [القصص:29] أي: بعد أن كان مستوحشاً استأنس بهذه النار التي رآها من بعيد، وذلك بعدما استوحش من الظلمة، وتاه في الأرض.

    قال تعالى: آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ [القصص:29] أي: من جانب الجبل في سيناء عند جبل الطور، كأنه وجد ناراً هنالك، قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [القصص:29].

    إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ [القصص:29] يأمر أهله أن ابقوا وامكثوا في هذا المكان، وأنا أذهب.

    وهنا حكمة من الله أن يذهب وحده عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فيترك أهله في مكان ويطمئنهم، ويذهب هو وحده إلى هذه النار، حتى يأتي بخبر أو جذوة منها، فهو يريد أن يعرف أين الطريق، أو يريد شخصاً يخبره عن الطريق.

    فقوله تعالى: آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ [القصص:29] أي: طالما أن النار موجودة فلا بد أن أحداً أوقدها، إذاً: سيكون هناك شخص يدلني عن الطريق، وإذا لم أجد أحداً، أجد على الأقل جذوة من النار نستدفئ بها في هذا البرد الشديد في ليل الصحراء القاسي.

    وقوله تعالى: أَوْ جَذْوَةٍ [القصص:29] أي: قبس من النار، يعني: قطعة من النار، أو خشبة أشعلها من النار فنستدفئ بها.

    لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [القصص:29] لعلكم تستدفئون بهذه النار.

    والقراءات في هذه الآية:

    فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا [طه:10] قراءة الجمهور.

    وقراءة حمزة : (قال لأهلهُ امكثوا) بضم الهاء فيها.

    قوله تعالى: إِنِّي آنَسْتُ نَارًا [القصص:29]، قراءة الجمهور، بسكون الياء في لفظ: إِنِّي .

    وقراءة نافع وأبي جعفر وأبي عمرو وابن كثير (إنِّيَ آنست ناراً).

    ومثلها: لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا [طه:10] هذه قراءة الجمهور.

    وفي قراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر : (لعلِّيَ آتيكم) وقوله: (بخبر أو جذوة من النار) فيها ثلاث قراءات:

    قراءة عاصم وحده: (جَذوة) بالفتح فيها.

    قراءة حمزة وقراءة خلف أيضاً: (جُذوة من النار).

    قراءة باقي القراء: (جِذوة من النار لعلكم تصطلون).

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.