إسلام ويب

مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - أهمية اتباع السنةللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي الموضحة والشارحة والمبينة لكتاب الله، فقد بعث الله سبحانه نبيه ليبين للناس ما نزل إليهم، ولا يتحقق إيمان العبد إلا بحب الله سبحانه، ولا برهان على حب الله إلا باتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. فكتاب الله وسنة رسوله هما المرجع عند الاختلاف والتنازع، وقد كان الصحابة الكرام والتابعون من بعدهم وأصحاب المذاهب المشهورة لا يقدمون على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم قول أحد.

    1.   

    اتباع النبي دليل محبة الله

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فإن من الصفات التي كان يتصف بها أهل الجاهلية وجاء الإسلام بإقرار القليل منها وإنكار الكثير منها: أنهم كانوا يزعمون -على ما هم فيه من فساد وشرك وفسق وفجور- أنهم أحب إلى الله من غيرهم، وأن لهم الكرامة عند الله جل في علاه في الدنيا والآخرة، وقد بين الله جل وعلا ذلك جلياً في كتابه، وأنهم ترسموا خطى أهل الكتاب من قبلهم، حيث صرح أهل الكتاب بذلك بقولهم كما ذكر الله تعالى عنهم: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة:18]، فكذبهم الله في هذا الزعم، وقال: فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ [المائدة:18].

    فكثير من أهل الجاهلية كان يزعم أنه قريب من الله جل في علاه، وأن له الكرامة عند الله، كذلك الرجل الذي قال: وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا [الكهف:36]، وفي الآية الأخرى قال: إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى [فصلت:50]، وصور الله سبحانه هذه الجرأة العجيبة فقال: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا [مريم:77].

    ولما زعم أهل الجاهلية أن لهم الكرامة عند الله جل في علاه، وأنهم أقرب إلى الله من غيرهم، أراد الله أن يمتحنهم بعدما أبطل الله هذا الزعم، وبين كذبهم في هذا الزعم، فذكر لهم أن حبه جل في علاه له برهان، وما من أحد يزعم زعماً إلا ولا بد أن يبرهن على هذا الزعم، فامتحنهم الله جل وعلا ومحصهم تمحيصاً شديداً وقال لهم: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31].

    هذه الصفة الجاهلية موجودة في عصورنا هذه، فكثير منا يزعم زعماً كاذباً والعملة الزائفة لا تروج على الله جل في علاه، فليس حب النبي صلى الله عليه وسلم أو حب الله عز وجل بإنشاء السرادقات، ولا توزيع المطعومات والمشروبات وغير ذلك من الأفعال التي يفعلها من يزعم أنه يحب الله ويحب رسوله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: من وجد في نفسه أنه يتصف بهذه الصفة فلا بد أن يسارع إلى الله جل في علاه، ويبتهل إليه حتى يزيل الله عنه هذه الصفة، ومن وجد أن الله حفظه من هذه الصفة السيئة فليحمد الله على ذلك؛ فإن الله امتحن القوم الذين زعموا محبته فقال: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ [آل عمران:31] فبرهان ذلك فَاتَّبِعُونِي فاتباع النبي صلى الله عليه وسلم علامة على صدق من زعم أنه يحب الله جل في علاه.

    وليعلم الناس أنه لا أحد يتقدم بين يدي الله وبين يدي رسوله صلى الله عليه وسلم، فالآيات متوافرة ومتضافرة وكلها تبين أن مناط القبول عند الله لا يكون إلا باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، حيث يقول الله جل في علاه: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80]، فجعل طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة الله، وقد أناط الله فيها الإيمان بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

    1.   

    الأمور التي يناط بها الإيمان

    لقد أناط الله جل في علاه صدق الإيمان بأمور ثلاثة: الأمر الأول: بتحكيم رسول الله وسنته عند الخلاف، قال الله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ [النساء:65]، فكل تنازع وشجار وخلاف لا يمكن أن تصل به إلى رضا الله حتى ترده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل تنازع لا بد فيه من حكمه صلى الله عليه وسلم.

    الأمر الثاني: عدم الخروج من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا [النساء:65] أي: أنك لا تجد في نفسك حرجاً من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تجد فيه أي غضاضة؛ فإن الكثير من الناس إذا قلت لهم: هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم تشمئز قلوبهم، ولو قلت: قال مالك، أو قال الشافعي، أو قال أبو حنيفة فإنه يسر لذلك، ولا يسمع منك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن هؤلاء الأئمة العظام الأماجد الأكارم قد قدموا رسول الله على أنفسهم، بل وقدموه على الدنيا بأسرها.

    الأمر الثالث: التسليم لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، ولو انتفت الثالثة انتفت الباقيات، فهي محض الإسلام والاستسلام لله جل في علاه، ومحض الانقياد والإذعان لأمره عز وجل.

    1.   

    الأدلة على اتباع النبي والتمسك بسنته

    أولاً: الأدلة من الكتاب

    فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

    وقال الله مادحاً إبراهيم: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة:131]، ما من صاحب علم وحكمه تأتيه المسألة أو يعن له الخلاف ثم يقال له: قال فيها رسول الله كذا. إلا قال: سمعت وأطعت وسلمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا مناط تمحيص الإيمان في قلب العبد وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، ولا يجد في نفسه جرجاً، ولا يجد من نفسه إلا الانقياد والاستسلام، هذا هو الذي آمن إيماناً كاملاً بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم.

    وأيضاً قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]، فلا اختيار مع أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإن جاءك الأمر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما لك إلا أن تقول: سمعت وأطعت، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا ألفين أحدكم على أريكته شبعان يأتيه الأمر من أمري فيقول: نعرضه على كتاب الله، فإن وجدناه فيه أخذنا به، وإلا لم نأخذ به، ألا وإن ما أحل رسول الله كما أحل الله، وما حرم رسول الله كما حرم الله).

    وقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59]، فجعل الحسْن كل الحسْن أن ترد المتنازع فيه لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10]، فهذه الآيات المتضافرة تبين أن مناط محبة الله جل في علاه هو اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فإن كمال الإيمان بل وأصله هو اتباع المرء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما المتهمين للمتمسكين بالسنن ويسمونهم بالتشدد والتطرف؛ بسبب التزامهم بتقصير الثوب، أو بالمحافظة على السواك، فيقال لهم: هذه هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا غرو ولا عجب أن يتمسك المسلم بها، وقد أناط الله الإيمان بالتمسك بهذه السنن.

    ثانياً: الأدلة من السنة

    أما الأحاديث فكثيرة جداً، ويظهر منها جلياً تطبيق الصحابة والتابعين والفقهاء الأربعة وأصحابهم لهذه القضية العظيمة الجليلة، وهي: أن محض الإيمان هو محض الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم، ففي مسند أحمد عن العرباض بن سارية قال: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عليكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي -ثم قال صلى الله عليه وسلم-: فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي)، فكأن سائلاً يسأل: وماذا نفعل يا رسول الله! إذا وجدنا هذا الاختلاف الكثير، فقال صلى الله عليه وسلم: (فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور)، إلى آخر الحديث. والشاهد قوله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور).

    وعن النبي صلى الله عليه وسلم كما عند ابن أبي عاصم والمستدرك للحاكم بسند صحيح: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي)، والسنة هي من كتاب الله جل في علاه، وكثير من السلف كانوا يقولون: السنة قاضية على كتاب الله.

    قال الله تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب:34]، قال الشافعي : آيات الله الكتاب، وأما الحكمة فهي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، قوله: (وما آتاكم الرسول) أي: من كتاب أو سنة، فهما وحيان من الله، فالكتاب لفظه من الله جل في علاه، والسنة معناها من الله ولفظها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل أمتي يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)، فكيف يصبو امرؤ إلى سب وانتقاص من يتمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويهون من شأنها، ويقول: الدين قشر ولباب؟ إن ذلك تجاسُر وجرءة على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولن ينجو العبد عند ربه إلا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أغلق الله كل باب إلا باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فمن رغب عن سنتي فليس مني)، وهذا الحديث أشد ما يكون زجراً لهؤلاء، ففي يوم القيامة يرد الناس على حوض النبي صلى الله عليه وسلم، فمنهم من يذاد عن حوضه؛ لأنهم ليسوا من أمته، ثم يرد عليه أناس يعرفهم الرسول الله صلى الله عليه وسلم ليشربوا من حوضه، لكنهم يذادون أيضاً من بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيقول: (أصحابي أصحابي، فيقال له: يا محمد! إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، أي: لم يأخذوا بسنتك، ولم يقتفوا أثرك، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم زيادة في النكاية بهم: (سحقاً سحقاً بعداً بعداً لمن بدل بعدي)، نعوذ بالله أن نكون من هؤلاء.

    ففي يوم القيامة يكون الكرب شديداً، فالشمس تقترب فيه مقدار ميل من الرءوس، ويحتاج المرء فيه إلى شربة ماء تروي ظمأه، وعندما يأخذ الإناء ليشرب يقال له: (سحقاً سحقاً بعداً بعداً لمن بدل بعدي).

    ثالثاً: الأدلة من الآثار السلفية

    أما الآثار الدالة على اتباع السنة فكثيرة جداً، فعن عمر بن عبد العزيز أنه بعث إليه رجل فقال: اعلم أخي المسلم أن النجاة في السنة، والتزم السنة تعصم. أي: أن العصمة بالتزام السنة.

    وكان سفيان الثوري يبعث ويقول: أعزوا أهل السنة فإنهم غرباء.

    ويقول البخاري: رحمة بأهل السنة فإنهم إلى قل، أي: هم قليل.

    وأبو بكر بن عياش رحمه الله ورضي الله عنه وأرضاه كان يقول: غربة أهل السنة في أهل الإسلام كغربة أهل الإسلام بين الأديان.

    وقال ابن القيم : ليست الغربة التي يجدها المرء المسلم بين أهل الأديان، لكن الغربة كل الغربة التي يجدها الذي يتمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم بين أهل الإسلام.

    ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتمسكون بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويعضون عليها بالنواجذ، وما أتتهم الرفعة والعزة إلا بتطبيقهم لهذه الآية العظيمة، والبرهنة الواضحة الجلية على حب الله جل في علاه قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31].

    قال الحسن البصري زعم أناس محبة الله فامتحنهم الله باتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    لقد كان أبو بكر رضي الله عنه الله أعظم الناس قدراً، وأرفع الناس شرفاً، وأحسنهم مكانة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما اعتلى عرش هذه المكانة إلا بشدة تحريه لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فعندما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما قال أبو هريرة -؛ وارتد من العرب من ارتد، جهز أبو بكر جيشاً وأمر عليه أسامة ، وكان هذا الجيش قد أعده النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يوصي به قبل أن يموت، فكانت وصية النبي صلى الله عليه وسلم بين عيني أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، وقد ظهرت الردة في كل مكان ولا يمكن أن ينفذ هذا الجيش؛ لأن هؤلاء المرتدين قد يدخلون المدينة فيقتلون الخيار من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام مجلس الشورى يعارضون أبا بكر وأولهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، ويقول: كيف تنقذ هذا الجيش وأنت تعلم أن العرب قد ارتدت ورمت الإسلام عن قوس واحدة؟ فقال أبو بكر مبيناً أن التمسك بأمور النبي صلى الله عليه وسلم وبوصاياه فيها العزة، فقال: والله لأنفذن جيش أسامة، ولأفعلن ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فلما وجد عمر ذلك التصميم من أبي بكر عرف أن الحق مع أبي بكر ، ثم عارضه مرة أخرى فقال: كيف تؤمر أسامة على جيش وفيه الأشياخ من المهاجرين والأنصار؟ وكان وأسامة لم يبلغ العشرين من العمر، فقال عمر : أمر غيره. فقال: لا والله لا أنزع أميراً أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فالشاهد من هذا: معرفة شدة تحري أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه وتتبعه لخطى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك هو الذي كتب له الفوز من هذه المخاطرات، ومن هذه الضوائق والبليات التي نزلت عليهم، فلما نفذ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم أُرعبت الأمم التي ارتدت ورجعت إلى جحورها ولم تهاجم المدينة، وقال رضي الله عنه كلمته المشهورة: والذي نفسي بيده! لو جرت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين لأنفذن جيش أسامة . أي: لن أرد وصية الرسول الله صلى الله عليه وسلم التي أوصى بها.

    وقد ظهر تمسك أبي بكر بسنة النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة بأسرهم، ففي صلح الحديبية عندما لم يطق عمر بن الخطاب بنداً من بنود هذا الصلح، وهو: لا بد من رد أهل الإسلام إلى الكفار، وإذا كفر منهم أحد لا يردوه إليهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يذعن لهذه الشروط، لكن أبا بكر كان موفقاً مسدداً من قبل الله جل في علاه، فقد كان يقتفي أثر النبي صلى الله عليه وسلم ويتحرى سنته، فجاء عمر بن الخطاب يستنفر أبا بكر لعله يقنع رسول الله، فيقول: يا أبا بكر ! ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ فقال: بلى، قال: ولم نعط الدنية في ديننا؟ أي: اذهب واستنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو بكر كلمات تحفر على الصدور بماء الذهب، ويظهر منها شدة تحري وتمسك أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: هو رسول الله فالزم غرزه، يعني: تمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن جاءك الأمر ولم تستطع فهمه فلا بد أن تقبله، وإن لم تستطع تطبيقه فقل قبلته، ولعل الله جل وعلا يقويني على تطبيقه، لكن لا ترد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنا نخشى عليك الفتنة، قال الله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]. والفتنة تستلزم الشرك أو الكفر أو النفاق أو البدعة أو العذاب أليم.

    فقال: هو رسول الله، يعني: أنصحك نصيحة يا عمر ! عليك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم فعض عليها بالنواجذ، قال: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن يضيعه الله، فكانت الغلبة والقوة والعظمة مع تحري أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه في تمسكه بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    كما ظهر تمسكه ذلك في المسائل الخلافية الفروعية والأصولية، كما يقول أهل التفريق بين الأصول والفروع، مع أن الدين كله متكامل لا فرق بين أصل وفرع، فقد جاءت الجدة إلى أبي بكر تسأل ميراثها بعدما مات عنها حفيدها، تقول: مات عني ابني فمالي من الميراث؟ قال: لا أعلم في كتاب الله لك من ميراث، ثم عقد جلسة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم: هل جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لها قسطاً أم لا؟ فقال محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة : (جعل النبي صلى الله عليه وسلم لها السدس)، فأمضى لها السدس تمسكاً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    يا للروعة! ويا لعظم هؤلاء الأخيار الأماجد! فحق لنا أن نفتخر بهؤلاء؛ لأنهم ما ارتفعوا وما ارتقوا إلا بتمسكهم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ برهنة على حب الله: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31].

    وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه وهو الوزير الثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضرب لنا أروع الأمثلة في تمسكه بالسنة، وأنه لا يقدم قول أحد على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فقد كان الأشياخ من المهاجرين والأنصار يجلسون في مجلس التحديث والمذاكرة، فذكروا مسألة وهي: إذا جامع الرجل امرأته ولم ينزل فماذا عليه؟ فاختلف الصحابة على قولين، القول الأول: إذا لم ينزل فلا غسل عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الماء من الماء)، أي: إنما الغسل من إنزال المني.

    والقول الثاني: عليه الغسل، والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل)، أي: إذا داعب الرجل امرأته فلامس ذكره فرجها ومس ختانه ختانها فقد وجب عليهما غسل الجنابة، وهذا ما ذهب إليه عثمان رضي الله عنه وجمهور الصحابة.

    فلما نظر عمر قال: لا بد من رد المسألة إلى رسول الله عملاً بقول الله تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]، فبعث إلى عائشة رضي الله عنها وأرضاها وأخبرها بهذه المسألة، فقالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ويغتسل)، ثم ذكرت حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل).

    وحديث: (إنما الماء من الماء) كما قال ابن عباس : ليس منسوخاً، ولكنه في الاحتلام، أي: أن الرجل إذا رأى في منامه أنه يجامع امرأة وأحس بشهوة ثم قام فلم يجد بللاً فليس عليه غسل، وقد صرح بذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود : (أن الرجل إذا استيقظ فوجد في ثيابه بللاً كان من احتلام فعليه الغسل، وإن لم يجد البلل فليس عليه غسل).

    والمقصود أن عمر بن الخطاب رد التنازع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليبين لنا أن أي مسألة مهما يكن فيها من خلاف لا بد من ردها إلى الله ورسوله، لا إلى أبي بكر أو عمر أو إلى الشافعي أو أبي حنيفة : وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10]، وقال عز وجل: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31].

    وهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه يبين لنا شدة تحريه لسنة النبي صلى الله عليه وسلم حتى في طريقة الوضوء، فقد روي أنه أوتي بوضوء، ثم غسل يديه ثلاثاً، ثم توضأ كما توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم حذو القذة بالقذة.

    وهذا ليس تنطعاً ولا تطرفاً، بل هو التماس لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فتوضأ كما توضأ النبي وقال: لقد توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو وضوئي هذا وقال: (من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه).

    فهذا الثواب العظيم لمن يتحرى سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه ينهى عن المتعة في الحج ويقول بحج الإفراد والقران فقط، فسمع الناس له وأطاعوه، فقال له علي رضي الله عنه وأرضاه: تنهى عن المتعة وتعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بها! والله لا أقدمن قول أحد على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، لبيك اللهم بعمرة متمتعاً بها إلى حجة.

    فـعثمان رضي الله عنه الله عنه الذي كانت تستحي منه الملائكة لم يكن لينازع علياً مخالفة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كان ذلك اجتهاداً منه رضي الله عنه.

    وسئل أبو موسى الأشعري عن مسألة في الميراث وهي: توفي رجل عن بنت وبنت ابن وأخت، فقال: البنت لها النصف وللأخت الباقي تعصياً مع الغير، ثم قال: اسألوا ابن مسعود فسيوافقني، فقيل لـابن مسعود: قال أبو موسى كذا أتقول بقوله؟ قال: لو قلت بقوله قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، بل أقول بقول الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر أن للينت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وللأخت الباقي تعصيباً مع الغير.

    وهذا عبد الله بن مغفل رضي الله عنه وأرضاه ضرب لنا أروع الأمثلة في التمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم فقد روي أنه رأى قريباً له يحذف بالحصى، فقال له: (يا ابن أخي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحذف)، وكان على قريبة هذا أن يقول: سمعنا وأطعنا؛ امتثالاً لقول الله: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور:51]، فجعل الله الفلاح لهم بالسمع والطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مر عليه بعد أيام فوجده يحذف فقال له: أقول لك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وتفعله؟ والله لا أكلمك أبداً. فخاصمه من أجل سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهو من أقربائه.

    بل الأشد من ذلك والأرقى دليلاً ما فعله ابن عمر كما في الصحيح مع ابنه عندما قال له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، فقال له أحد أبنائه: والله لنمنعهن، إذاً يتخذنه دغلاً، يعني: للكلام فيما لا فائدة فيه والغيبة والنميمة كما يحدث من النساء.

    وهذا القول من ولد ابن عمر كان اجتهاداً، كما اجتهدت عائشة رضي الله عنه وأرضاها وقالت: لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء وما يفعلن لمنعهن من المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل.

    فلابد من ضوابط تنضبط بها المرأة إذا خرجت من المسجد، فلما قال ذلك عظمت المسألة أمام ابن عمر وقال: أقول قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا)، وأنت تقول: والله لمنعنهن، فقال له بعدما وكزه وكزة شديدة في صدره: لعنة الله عليك، واللعنة طرد من رحمة الله، لأنه خالف النبي صلى الله عليه وسلم، فالويل والثبور لمن ينتقص من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والويل ثم الويل لمن لم يعرف عظم قدر سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وفي أنه قال له: لا أكلمك ما حييت.

    وكذلك ابن عباس وكان مذهبه وجوب التمتع، وكان يضرب عليه، ويقول: سنة نبيكم، فقام له رجل وقال: تأمر بالتمتع وتعلم أن أبا بكر وعمر ينهيان عن ذلك؟! فقال: أوشكت السماء أن تمطر عليكم حجارة، أقول لكم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر!

    ولما قالوا لـابن عمر رضي الله عنه وأرضاه: أنت تأمر بالمتعة وأبوك ينهى عنها، قال: أمرت أن أتبع رسول الله وما أمرت أن أتبع أبي.

    ولكن كيف ذلك وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر

    والجواب: أن هذا الحديث إذا لم يكن هناك تعارض بين قول النبي صلى الله عليه وسلم وبين قول أبي بكر وعمر، وأما إذا كان هناك تعارض فيقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم على اجتهاد أبي بكر وعمر .

    وكان سالم بن عبد الله يرى جواز الطيب في مفرق الرأس عند الإحرام والطيب في مفرق الرأس عند الإحرام سنة ثابتة، والدليل على ذلك قول عائشة رضي الله عنها: (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلي وإحرامي)، أي: عند الإحرام كانت تطيبه وعند الحل كانت تطيبه، حتى إنها بعدما طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدى الإزار والرداء ولبى قالت: (كنت أرى وبيص المسك يلمع في مفرق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    وكان ابن عمر يقول: لأن أتطين بالزفت والقار خير لي من أن أتطيب بالمسك، فقيل ذلك لـسالم بن عبد الله سالم -وكان ثقة قريناً لـنافع الذي يروي عن ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه- فقال: الطيب سنة، فقيل له: أبوك ينهى عن ذلك، قال: سنة النبي أحب إلي من أبي.

    العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه

    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه

    ما جاء عن الأئمة الأربعة في شدة تمسكهم بالسنة

    إن الكثير من الناس اليوم قلدوا المذاهب على جهل، وارتبطوا بقول الشافعي أو أبي حنيفة أو مالك وليس هذا انتقاص منهم، فلابد أن نجل هذه المذاهب وأصحابها؛ لأن الله جل في علاه يقول: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115]، ولكن كل عالم من هؤلاء الأعلام قال: فخذوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم واضربوا بقولي عرض الحائط.

    وقد قال الشافعي رحمه الله: أجمعت الأمة على أن من استبانت له سنة النبي صلى الله عليه وسلم ليس له أن يدعها لقول أحد كائناً من كان.

    وكان مالك رضي الله عنه وأرضاه من شدة تعظيمه للنبي صلى الله عليه وسلم يمشي في المدينة حافياً احتراماً وتقديراً لصاحب القبر، ثم يقول: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر.

    فـالشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد أصلوا لمذاهبهم، فجاء الأصحاب يأخذون بتأصيلهم، ولكن المقلدة الذين لا يعقلون عن الله ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم، بل ولا عن أئمتهم شيئاً قدموا أقوال الأئمة على أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـمالك رحمه الله لشدة تحريه وتمسكه بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يفتي إلا بقال الله قال رسول الله، وإذا غابت عنه سنة قال: لا أعلم، ولذلك جاءه رجل ضرب أكباد الإبل من المغرب إلى المدينة ليسأل عن مسألة فقال: ليس لي فيها سنة ائتني بعد أيام، فأتاه بعد أيام ثم فقال ما تبين لي فيها شيء، فقال الرجل: ضربت أكباد الإبل لأسأل مالكاً أعلم أهل المدينة، ويقول لي: لا أعلم فيها شيئاً، فقال: ارجع إلى من بعثك فقل له ذلك، فرجع إلى المغرب وقال لهم ما قاله الإمام مالك، فانتحل أهل المغرب مذهب مالك؛ لتعظيمه سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وجاءه رجل وقال: سأحرم من قبل ذي الحليفة -أي: قبل الميقات- فقال له: لا تفعل، قال: ولم؟ قال: يا بني! كيف تفعل أمراً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يا بني! إني أخشى عليك أن ترى أنك فعلت أمراً قد قصر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكون عليك فتنة، قال الله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].

    وكان الإمام الشافعي جالساً مع بعض أصحابه فدخل رجل فسأله فقال أحد تلامذة الإمام الشافعي : هذه المسألة سئل فيها رسول الله وقال فيها كذا، فقال الرجل وكان من الجهلة: يا شافعي ! أتقول بقول هذا الرجل؟ وهذا من الجهل، فإن كثيراً من الناس لا يسمع إلا للمشهورين مع أنهم قد يخالفون حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في السنن بسند صحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد هدي، ومن أشير إليه بالبنان فلا تعدوه)، وفي هذه العصور نرى تطبيقاً لما قاله النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال له الشافعي رحمه الله: وما لي لا أقول بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرأيتني خرجت من كنيسة؟! أرأيت في وسطي زناراً؟!

    وفي هذا تأسيس وتأصيل للطلبة وللمستفتي أن المسألة قال الله قال رسوله، لا يمكن أن تتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأيضاً فإن أبا حنيفة الذي يقال عنه: إنه صاحب الرأي والقياس، وإنه يلقي بالأحاديث خلفه، كان من أشد الناس تحرياً للسنة، لكنه كان يعيش في زمان كثر فيه الوضاعون والكذابون فما كان يأخذ منهم الأحاديث، ولا يثق بهم، فلهذا كان يقيس، لكن إذا استبانت السنة عض عليها بالنواجذ، ولذلك كان يقول: بأن الرجل إذا نكح في الحج صح نكاحه، ويستند إلى ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم)، ولكن ذلك كان وهماً من ابن عباس رضي الله عنه، كما قال سعيد بن المسيب : وهم ابن عباس ، ما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة إلا وهو حلال، لكن هذا دليل على أن أبا حنيفة كان يتمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويقدمها على أقوال الآخرين.

    وأحمد بن حنبل رحمه الله كان يقول: لا تأخذوا عني ولا عن الثوري، وخذوا من حيث أخذنا، يعني: من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد نقل عنه بالتواتر أنه قال: الحديث الضعيف أولى عندي من القياس.

    تأويل ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية : كان في عرف المتقدمين أن الحديث ينقسم إلى قسمين: صحيح وضعيف، والضعيف يأتي فيه ما هو محتج به وما ليس بمحتج به، والمحتج به هو الذي ارتقى إلى درجة الحسن وهو ما بين الصحيح والضعيف، والغير محتج به هو الضعيف إذاً: معنى قول الإمام أحمد بن حنبل أن الحديث الحسن الذي فيه راوٍ خفيف الضبط هو الذي يقدمه على القياس، فكان يأخذ بقول النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بقول الصحابة، ثم بقول الشافعي إن لم يجد، أو يأخذ بالقياس في أضيق الأحوال.

    إن أصحاب المذاهب رفعوا الأئمة إلى أعظم المكانات لكنهم لم يقلدوهم كما قلدهم الكثير من الناس، فالإمام مالك رحمه الله كان يرى المسح في السفر دون الحضر، لكن أصبغ وهو من أتباع الإمام مالك قال: وقد ثبتت سنة النبي صلى الله عليه وسلم بالمسح في الحضر والسفر، وهي أحب إلينا من قول مالك .

    فأصحاب مالك وهم الذين يدونون مذهب مالك وينصرونه، عندما يسمعون قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يقدمون عليه قول أحد، وهذه هي وصية مالك حيث قال: (كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، يعني: قبر النبي صلى الله عليه وسلم).

    وذكر ابن العربي المالكي أن مالكاً قال: لا صلاة على الغائب، وأنها خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال ابن العربي المالكي رحمه الله: وقال مالك ذلك والسنة أحب إلينا؛ إذ الأصل عدم الخصوصية، فقد عمل بها النبي صلى الله عليه وسلم فلتعمل بها الأمة، والدليل على ذلك أن الله تعالى يقول: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [الطلاق:1]، فالخطاب للنبي هو خطاب للأمة بأسرها، وعمل النبي صلى الله عليه وسلم عمل للأمة بأسرها.

    وأيضاً فقد كان مالك رحمه الله لا يرى التتريب في غسل الإناء من ولوغ الكلب، فقال القرافي : لا يرى مالك التتريب، والسنة أحب إلينا من قول مالك.

    ويقول الإمام الشافعي رحمه الله: إذا قلت قولاً خالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضربوا بقولي عرض الحائط، ثم قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي.

    ولذلك جمع البيهقي كتاباً كاملاً سماه معرفة السنن والآثار، يقول فيه: وهذا مذهب الشافعي، مع أن ذلك لم يقله الشافعي لا في كتابه الأم ولا في غيره، وليس ذلك لا في الجديد ولا في القديم، ومع ذلك ينسبه البيهقي إلى الشافعي ويقول: علق الشافعي الحكم على صحة الحديث وقد صح الحديث، وهو (أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل إحدى نسائه وذهب للصلاة من غير وضوء) ومذهب الشافعي أن لمس المرأة بشهوة أو بغير شهوة ينقض الوضوء.

    ثم قيل له: حديث عروة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه وذهب وصلى ولم يتوضأ)، فقال الشافعي : إن صح الحديث أقول به، فقال البيهقي : وقد صح الحديث فهو مذهب للشافعي .

    وأيضاً كان الشافعي يرى في قول الله تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238] أن الصلاة الوسطى هي: الفجر، وأتى بأدلة على ذلك، قال الماوردي : إن الشافعي قال إذا ثبت الحديث فهو مذهبي، وقد ثبت الحديث في البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حبسونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)، فالصلاة الوسطى في مذهب الشافعي هي صلاة العصر تمسكاً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد عرف عن النووي أنه لا يمكن أن يخرج عن مذهب الشافعية قيد أنملة إلا إذا جره الدليل القوي، وفي شرح مسلم قال: واختلف العلماء في الوضوء من لحم الإبل على أقوال: فقال الشافعي والجمهور: إنه لا وضوء مما مست النار سواء كان لحم إبل أو غنم، قال: والحجة في الدليل، والدليل مع من يقول بالوضوء من أكل لحوم الإبل. فخرج عن الشافعية وذهب إلى ما ذهب إليه الحنابلة؛ لأن الحديث هو مذهب كل مسلم.

    العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه

    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول الفقيه

    إن هذه الصفة والسمة التي كان يتصف بها أهل الجاهلية وهي زعمهم محبة الله جل في علاه ولا يبرهنون على هذا الزعم قد فشت فينا، فزعمنا حب الله وتركنا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فبرهان هذا الزعم أن نعض على سنة النبي صلى الله عليه وسلم بالنواجذ، وكذلك سنة أصحابه الكرام الأماجد.