إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. محمد حسن عبد الغفار
  4. سلسلة مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية
  5. مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - قلب الحقائق والموازين

مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - قلب الحقائق والموازينللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أسلوب قلب الموازين وعكس المفاهيم أسلوب قديم استخدمه أهل الكفر والشرك مع أنبيائهم، فكانوا يرمونهم بالبهتان والكذب، ويرمونهم بما هو فيهم أنفسهم وهم أولى به، ثم استخدم هذا الأسلوب أهل الباطل والبدع مع أهل السنة، فتراهم يأتون بالباقعة والداهية الدهياء التي لا يسترها ليل ولا يغطيها ذيل ثم بعد ذلك يرمون بها أهل الحق بأسلوب سمج، وبرودة وسخافة، فلا هم بالذين استقاموا على الحق، ولا هم بالذين سكتوا عن الآخرين.

    1.   

    صور لحقائق وموازين أتى بها الأنبياء قلبت

    الصورة الأولى: أهل الجاهلية وتكذيب الرسل

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد:

    قال الله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19]، إن أهل الجاهلية كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم لهم أساليب وصفات وسمات ذمها الله في كتابه، وذمها رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته.

    من هذه الأساليب والسمات والصفات: أنهم يلبسون الحق بالباطل، ويقلبون الحقائق فيجعلون الحق باطلاً والباطل حقاً، ويجعلون السنة بدعة والبدعة سنة.

    قال الله تعالى مبيناً لنا ما فعله أهل الجاهلية لما جاءهم نوح عليه السلام يدعوهم ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً، ووصفوه بأنه في ضلال مبين قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الأعراف:60]، ثم بعدما صنع السفينة سخروا منه واستهزءوا به، وهذا دأب الأمم المكذبة، فإنه ما جاءهم رسول ليبين لهم طريق الرشاد والحق إلا استهزءوا به، وسخروا منه ثم يقلبون الحقيقة فيتهمونه بالكذب والخيانة والضلال والسفاهة.

    وهذا هود عليه السلام كما وصف الله جل في علاه دعا قومه إلى الطريق المستقيم، وإلى طريق النجاة، إلى الله جل في علاه، فقالوا: إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [الأعراف:66]، فاتهموه بالكذب والسفاهة، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام.

    وهكذا فعلوا بصالح، فقد اتهموه بالكذب لما دعاهم إلى الله وأتاهم بالناقة آية من آيات الله جل في علاه: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [الأعراف:75-76]، فقلبوا الحقائق والموازين، وجعلوا الصادق كاذباً، والهادي مضلاً، والأمين خائناً.

    وهكذا فعلوا مع موسى عليه السلام لما بلغ مبلغه مع فرعون أعتى أهل الأرض دعيّ الربوبية، فجاءه موسى بأدب الداعي يدعوه بكلام هين لين عله يسمع ويطيع، فقال فرعون لما جاءه الحق: إن هذا لسحر مبين، فدُهش موسى مما قاله فرعون، وقال: أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ [يونس:77]، فقال قوم فرعون: أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [الأعراف:127]، فقلبوا الحقائق والموازين، فموسى النبي الكريم الذي يرشدهم إلى جنات الله أصبح من المفسدين في الأرض، وهكذا يصنع أهل الجاهلية مع أهل الصلاح والرشاد.

    وبنفس الطريقة قوبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أصدق من في الكون وأعبدهم وأكرمهم على الله سبحانه، فاتهموه بالجنون وبالسحر وبالكذب: وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ [الدخان:14] وقالوا: سَاحِرٌ كَذَّابٌ [ص:4] وقالوا: يفرق بين المرء وزوجه، ورموه بالأباطيل مع أنه الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم.

    وهكذا قلبوا الحقائق، وجعلوا الباطل حقاً والحق باطلاً ليصدوا عن سبيل الله، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الموازين ستقلب بين يدي الساعة فقال: (إن بين يدي الساعة سنوات خداعة، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن الخائن ويخون الأمين، وينطق الرويبضة).

    وهذا الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم قد ذمه الله وبين أن هذا الباطل إنما هو لطمس الحقائق، والعملة الزائفة لا تروج على الله جل في علاه، فإن الغيب عند الله شهادة كما أن الشهادة يعلمها الله جل في علاه.

    ولما جاء وفد نجران من النصارى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الله جل في علاه، وبين لهم أن عيسى عليه السلام عبد من عباد الله، وخلق من خلق الله، ثم أمرهم باتباع سنته، وبين لهم أنه أوحي إليه أنه ما من نبي يلقى رسول الله إلا وأمراً واجباً عليه أن يتبعه.

    وهو قول الله سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا [آل عمران:81]، فلما قال لهم ذلك ثارت ثائرتهم وقالوا: إن محمداً يدعونا لعبادته، وهذه صورة لقلب الحقائق، فقد أمرهم أن يتبعوه، وبين لهم وحياً من الله أن موسى لو كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعه فقال: (والذي نفسي بيده لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني)، فخرجوا يقولون بصوت عال تشويشاً على الحق إن محمداً يدعونا أن نعبده.

    وهكذا فعل المشركون من أهل مكة لما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اعبدوا الله واتبعوني، وذكر عيسى عليه السلام وقصته، فقالوا: يومئ بأن نعبده كما عبدت النصارى عيسى بن مريم عليه السلام، وصدوا عن سبيل الله، فكشف الله زيفهم هذا في كتابه حيث قال: لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ [آل عمران:71].

    وقال الله وهو يتحدث عن بني إسرائيل: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:42].

    وهذه الصفة التي ذمها الله في أهل الجاهلية الجهلاء توجد في عصورنا هذه، فهناك من يطمس الحقائق ويصد عن سبيل الله بقلب الموازين، فيجعل الباطل حقاً والحق باطلاً، ويجعل الصدق كذباً والكذب صدقاً.

    الصورة الثانية: أصحاب الشركيات والعقائد الفاسدة

    إن هذه الصفة في عصورنا هذه أشد ظهوراً مما كانت قبل، إذ قبل لم يستنيروا بكتاب الله، وأما الآن فإن كتاب الله بين أظهرنا ومع ذلك فإن طمس الحقائق موجود في أهل هذا الزمان.

    فهناك من يرى أن سؤال أولياء الله الصالحين الأموات؛ لتفريج الكربات، وقضاء الحاجات هو التوحيد، وإذا قيل لهم: إن هذا شرك، فلا يسأل إلا الله، ولا يعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، لقالوا: هذا هو الشرك بعينه.

    وأكثر هؤلاء يعتقدون بالحلول والاتحاد، فما هو الدكتور زغلول النجار -عالم من علماء الجيولوجيا، وأشهر من نار على علم- سئل مرة في قول الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] فقال: هذا تمثيل، الله في كل مكان، فهذا نص صريح من الرجل، وهو رجل بفضل الله نحسبه على خير وفضل ومع ذلك يجهل أمور العقيدة، فلابد أن يتعلمها.

    فأهل الحلول والاتحاد يقولون: بأن الذي يقول: إن الله فوق العرش أنه قد كفر؛ لأنه يحد من مكان الله جل في علاه، ويقولون: من أشار بإصبعه إلى السماء فلابد أن تقطع يده، هكذا قلبوا الحقائق، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء، فقال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اعتقها فإنها مؤمنة)، فشهد لها بالإيمان لما شهدت بأن ربها فوق العرش، والإنسان جبل بالفطر السليمة أنه إذا أراد أن يسأل ربه أن يرفع بصره ويديه إلى السماء، ولو كان الله في كل مكان ما فعل ذلك، وهذه الفطرة موجودة حتى في العجائز، فالمرأة العجوز التي تموت على سريرها ولا تعرف القراءة والكتابة عندما يقال لهما: أين ربك؟ تقول: في السماء فوق العرش وهؤلاء يقولون: إن الله في كل مكان، احتوشته الكلاب والخنازير، ولذلك قال قائلهم:

    وكل كلام في الوجود كلامه سـواء علينا نثره ونظامـه

    أي: كل كلام نتكلم به حتى وإن كان فاحشاً أو بذيئاً فهو كلام الله، وقال قائلهم: ما في الجبة إلا الله، يتكلم عن نفسه، ولا يفرق بينه وبين ربه جل في علاه، فعندهم أن محض التوحيد أن تذهب إلى قبر الولي الفلاني وتقول له: إن زوجتي مريضة اشفها، أو تسأله إعطاء الحاجات، أو تفريج الكربات.

    فهؤلاء قلبوا الحقائق، وأرادوا طمس معالم التوحيد، وإظهار الشرك على أنه توحيد؛ ولذلك قال قائلهم: إن الله أعطى للولي قوة أن يخلق الجنين في بطن أمه، ثم يقول: لا شرك في هذه الأمة بعد اليوم!!

    والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لن تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوس على ذي الخلصة)؟! وذو الخصلة صنم كان يعبد من دون الله جل في علاه، فالصورة الجاهلية تظهر الآن جلياً، لكنها ظهرت بزي وبرونق آخر.

    الصورة الثالثة: المعطلة

    أيضاً من هذه الصور: أهل التعطيل الذين عطلوا أسماء الله وصفاته، ويرون أن الذين يعتقدون الاعتقاد الصحيح في ربهم جل في علاه أنهم مجسمة ومشبهة وكفرة.

    فمن قال بأن لله يداً تصديقاً بقول الله سبحانه: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10]، أو قال: لله ساق كما قال الله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [القلم:42]، أو قال: لله عين كما قال الله تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14]، أو أثبت لله نزولاً يليق بجلاله وكماله، أو أثبت بأن الله جل في علاه استوى على العرش، وأثبت لله ما أثبته لنفسه وأثبته رسوله، فإنهم يقولون عنه: مشبه، وأنه شبه الخالق بالمخلوق، وأن هذا هو محض الكفر.

    فجعلوا الباطل حقاً والحق باطلاً، والتوحيد شركاً والشرك توحيداً، وهذه من سمات أهل الجاهلية.

    والمعطلة فرقتان: الفرقة الأولى: الجهمية، وهم يرون أن أهل السنة والجماعة حشوية مشبهة، وأنهم على كفر مبين، وذلك لأنهم شبهوا الخالق بالمخلوق، وقالوا: إن لله يداً وللعبد يداً إذاً فيلزم من ذلك أن يد الله شبيهة بيد العبد، فشبهتم الخالق بالمخلوق.

    والجواب عليهم هو أن يقال لهم: أأنتم أعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي وصف ربه بأن له يداً وأعلم من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي الذين وصفوا لله بأنه مستو على العرش، وأن له عيناً ورجلاً وساقاً أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ [البقرة:140]، وأهل التعطيل من الجهمية هم الذين عطلوا الاسم والصفة، فيقولون: لا كريم ولا كرم، ولا سميع ولا سمع، ولا قدير ولا قدرة.

    الفرقة الثانية: المعتزلة، وهم أرقى منهم منزلة، وهم الذين قالوا: إن الله سميع لكن بلا سمع، وبصير بلا بصر، وقدير بلا قدرة، وعزيز بلا عزة.

    وعلى هذا فهم يعبدون عدماً ليس له ذات ولا صفات، وهؤلاء أيضاً قلبوا الحقائق وقالوا: بأن أهل السنة والجماعة الذين يثبتون لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم مشبهة مجسمة كفرة؛ لأنهم أنزلوا الخالق منزلة المخلوق.

    وأما القدرية فهم الذين يقولون: إن الأمر أنف، ومعنى ذلك: أن الله جل وعلا لم يعلم بالأمر حتى وقع، وأنه لا علاقة بين إرادته وإرادة العبد، فالعبد له إرادة مستقلة يفعل الفعل دون أن يتحكم الله في إرادته.

    وأما أهل السنة والجماعة فقد أثبتوا للعبد مشيئة وإرادة، ولكنهم جعلوا هذه المشيئة والإرادة تحت إرادة الله ومشيئته، الله قال الله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30].. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله خلق كل صانع وصنعته)، فأثبتوا للعبد مشيئة لكنها تحت مشيئة الله، وأثبتوا العلم الشامل الكامل، فهو سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.

    فالقدرية لما سمعوا ذلك من أهل السنة والجماعة وهم الذين عضوا بالنواجذ على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى كتاب ربهم جل في علاه، وعلى اعتقاد وفهم السلف الصالح قالوا: هؤلاء جبرية يحرفون الكلم عن مواضعه؛ قلباً للحقائق.

    وصوت هؤلاء الآن مسموع وعال، وأما أهل السنة والجماعة فهم في قلة وإلى قل، كما قال سفيان الثوري وهو يترحم على أهل السنة والجماعة: هم إلى قل -يعني: سيقلون- فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس.

    وأيضاً الروافض الذين يتشيعون لـعلي وآل البيت يقولون عن أهل السنة والجماعة الذين يتقربون إلى الله بحب أبي بكر وحب عمر وعثمان وعلي والصحابة أجمعين، يقولون: هؤلاء نواصب، أي أنهم نصبوا العداء لـعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه.

    بل ارتقوا فوق ذلك وقالوا: إن أهل السنة أدخلوا في الإسلام من خرج منه؛ لأنهم يعتقدون أن أبا بكر وعمر ارتدا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إنهم يقولون في يوم عاشوراء دائماً: اللهم العن صنما قريش، يقصدون بذلك أبا بكر وعمر .

    الصورة الرابعة: استحلال ما حرم الله

    إن أهل البدعة والضلالة ينظرون إلى من تمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقد أن فيها النجاة، وألا عصمة إلا بها، ينظرون إلى أن هؤلاء متشددون متنطعون، فإن تكلمت عن السواك قالوا: أنت متشدد متنطع، وستفرق الأمة بكلامك، فاتق الله ولا تتكلم في هذه المسائل، فمن نادى بالتمسك بكتاب الله وسنة رسوله وأن الرجال لا يعرفون إلا بالعلم، يرمى بأنه ممن يفرق شمل الأمة.

    إن كثيراً ممن يتحايلون على شرع الله ويستحلون ما حرم الله إذا قيل لهم: إن ما وقعتم فيه مخالفة لشرع الله، قالوا: هذا جهل بفقه الواقع، بل إن بعضهم يقول: إن الأمة ما انحدرت وما تراجعت إلا لأنها رزقت بمثل هؤلاء، يقصدون ابن باز وابن عثيمين والألباني الذين هم عظام الأمة وأماجدها وأكارمها، وتجرأ بعضهم فقال: ابن باز عقله مظلم، وابن عثيمين كذلك، بل قالوا عنهم: صب الجاز على ابن باز وابن عثيمين وكذلك قالوا عن الألباني ، بل هو أشد وأنكى، وهكذا فإن أهل البدعة والضلالة لا يرضون بأهل السنة والجماعة، بل يرمونهم بالتشدد والتنطع وتفريق شمل الأمة.

    وأيضاً استحلوا محارم الله بقلب الأسماء عن مسمياتها، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم سوف يشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها؛ حتى لا يظهر للناس فحش حرمتها، فلا يقولون: هي خمر، بل يقولون: هي بيرة، وليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله أن البيرة حرام، لذا فقد بينت لنا السنة أن الأسماء ستغير قبل يوم القيامة، والمقصد من ذلك استحلال ما حرم الله بأدنى الحيل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الطبراني بسند صحيح: (يأتي زمان على أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها)، فيسمونها كونياك، بيرة، مشروبات روحية، أو غير ذلك.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم، يمسي العبد فيها مؤمناً ويصبح كافراً، ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا).

    قال الحسن :- والله لقد رأيناهم أشباحاً بلا أرواح، وجسوماً بلا عقول، يغدو المرء بدرهمين ويروح بدرهمين، يبيع دينه بثمن بخس دراهم معدودة.

    وقد ورد مرفوعاً وموقوفاً عن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (يأتي زمان على الأمة يستحلون خمساً بخمس يستحلون الربا باسم البيع)، والله جل وعلا يقول: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث مستقل بإسناد فيه كلام أنه قال: (يأتي زمان على أمتي يستحلون الربا باسم البيع، ويستحلون الزنا باسم النكاح، ويستحلون الخمر يسمونها بغير اسمها، ويستحلون الرشوة بالهدية، ويستحلون القتل بالرهبة).

    فكثير من الناس اليوم يتعاملون بالتورق، ومسألة التورق فيها خلاف معتبر ولا إنكار في مسائل الخلاف المعتبر ولا ذم، لكن هذه المسألة مثال على هذا الحديث عند من يقول: إن التورق ربا.

    فالجمهور يرون جواز التورق، وفي رواية عن أحمد وهي ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم : أن التورق محرم؛ لأنه تحايل على الربا.

    والتورق: أن يشتري سلعة كسيارة تقسيطاً بمائة ألف ويبيعها نقداً بثمانين، إذاً فقد أخذ السيارة تقسيطاً بمبلغ عالٍ ثم باعها نقداً بمبلغ أقل؛ لأنه لا يريد التجارة وإنما يريد سيولة المال.

    والشاهد في المسألة أنها مثال على قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يستحلون الربا باسم البيع)، عند ابن تيمية وابن القيم الذين يريان أن هذا البيع محرم، لأن المقصود فيه المال، وكأنه أخذ الثمانين وسيردها مائة.

    فهي صورة لقرض جر نفعاً، وكل قرض جر نفعاً فهو ربا، ولذلك قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما صورت له هذه الصورة: ما أراه إلا الربا، وقعد لنا ابن عباس قاعدة قصمت ظهور من خالفه فقال: دراهم بدراهم بينهما حريرة.

    يعني: أن الرجل لا يقصد إلا الدراهم بالدراهم، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (الذهب بالذهب مثلاً بمثل، ويداً بيد، والفضة بالفضة مثلاً بمثل، ويداً بيد وإلا كانت ربا)، ثم قال: (فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم)، فإذا اختلفت الأصناف أي: إذا بيع الذهب بالفضة فبيعوا كيف شئتم بالتفاضل لكن بدون نسيئة بل يداً بيد، فهذا الشرط هو شرط التقابض في المجلس.

    فإذا أخذ ثمانين وأعطى مائة من أجل الأجل كان ذلك قرضاً جر نفعاً فهو ربا.

    فالذين يقولون بأن هذه الصورة محرمة يدخلونها تحت الحديث: (يستحلون الربا باسم البيع)، وكما قال أهل الجاهلية: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة:275].

    قال في الثانية: (ويستحلون الزنا باسم النكاح), وذلك نكاح المتعة فإن اسمه نكاح لكنه زنا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حرمه قالوا: (يا رسول الله حرام؟ قال: إلى أبد الأبد)، أو قال: (إلى أبد الآبدين هو محرم)، فالنبي صلى الله عليه وسلم حرم نكاح المتعة إلى الأبد.

    إذاً: فمن قال بحلية نكاح المتعة فقد وقع في الزنا، ودخل تحت قول ابن عباس : (يستحلون الزنا باسم النكاح).

    وأما الزواج العرفي فهو صحيح؛ لتوفر شروط النكاح فيه.

    قال: (ويستحلون الرشوة بالهدية)، وذلك أن الهدية أصل مشروع من أصول الدِّين، وقد ورد في بعض الأحاديث -وإن كان فيها ضعف-: (تهادوا تحابوا)، (وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها)، لكنهم الآن يعملون ما ظاهره الصحة وباطنه الحرمة، فيستحلون الرشوة باسم الهدية، فإذا أنجز لك أحدهم معاملة قال: أين هديتي أو قهوتي أو كراميتي؟ فسموا الرشوة بغير اسمها، ولكن الله جل وعلا ينظر إلى المعاني، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، وقال: (إنما الأعمال بالنيات).

    وقال: (ويستحلون القتل بالرهبة)، إذاً فالواقع الذي نعيشه هو الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم، فيستحلون خمساً بخمس، أي: يقلبون الأسماء دون مسمياتها.

    ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم نصح هذه الأمة نصيحة عظيمة فقال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فمن رغب عن سنتي فليس مني)، وقال: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي، كتاب الله وسنتي)، وقال: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء).

    ووردت رواية أخرى بزيادة في إسنادها ضعف لكن الشواهد تقويها: (فقالوا: من الغرباء يا رسول الله؟! قال: أناس صالحون قليل هم -أو قليل ما هم- يصلحون ما أفسد الناس).

    فلا تكن إمعة، ولا تسمع للأصوات العالية، ولا تغتر بالكثرة؛ فإن الله جل في علاه قال: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116].

    ولا تعرف الحق بالرجال وإن كانوا أسماء لامعة؛ لأن الله جل في علاه لم يربط الحق بالرجال بل ربط الحق بمعرفة الكتاب والسنة، كما قال علي بن أبي طالب : اعرف الحق تعرف أهله.

    العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه

    العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه

    فهذه هي نبوءات النبي صلى الله عليه وسلم: (بين يدي الساعة سنون خداعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن الخائن ويخون الأمين، وينطق الرويبض)، وقال: (يأتي زمان على أمتي يشربون الخمر، يسمونها بغير اسمها) وقال: (يأتي زمان على أمتي يستحلون الربا باسم البيع).

    فعلى الإنسان أن يتقي الله ربه، ويعلم أن طمس الحقائق بقلب أسمائها من سمات وصفات الجاهلية.

    كما عليه أن يتمسك بكتاب الله وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يستنير بضوء العلماء، ولا يكن كالرعاع الهمج الذين لا يستضيئون بنور العلم، وهم أتباع لكل ناعق.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.