إسلام ويب

الإيمان والكفر [19]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جرى اليهود والنصارى في سلوكهم وأعمالهم على تشريع الأحبار والرهبان ولا على ما شرعه الله لهم في التوراة والإنجيل، وهم يعلمون ذلك، ويدعون أن حق النسخ هو لهم من دون الله، فجمعوا في ذلك بين فساد العقيدة وفساد العمل، وهذا خضوع بالظاهر والباطن، وهو على عكس الخضوع للطواغيت فإنه لا يكون إلا بالظاهر فقط.

    1.   

    عبادة اليهود والنصارى للأحبار والرهبان

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل على محمد النبي الأمي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد:

    حدود الإسلام وأركانه من وجهة نظر الكاتب

    فقد مررنا على معظم القضايا التي هي محل أخذ ورد فيما يتعلق بكتاب حد الإسلام، والذي ذكرنا أنه يقوم على اعتبار أن حد الإسلام يتكون من ركنين:

    الأول: تصديق خبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جملة وعلى الغيب.

    والثاني: التزام شريعته جملة وعلى الغيب.

    وذكرنا أيضاً: أنه يعتبر أن لهذا الحد ثلاثة أركان: النسك، والولاية، والحكم.

    وذكر أن تحقيق التوحيد في هذه الأركان الثلاثة هو الحد الأدنى من الدين الذي يجب تحققه في كل إنسان حتى تثبت له صفة الإسلام ابتداءً، والذي يؤدي تخلفه أو تخلف جزء منه إلى تخلف الدين كله.

    وناقشنا تفاصيل القضية في النسك والولاية، وشرعنا في الكلام على الركن الثالث، وهو: نفي الحكم عن غير الله عز وجل.

    وذكرنا أن فكرة الكاتب في هذا المقام تتلخص في: أن قبول شرع الله ورفض ما سواه، له يتعلق بالتوحيد في جانبيه القولي والعملي، فهو يتعلق بالتوحيد القولي من حيث كونه إثباتاً لصفة من صفات الله عز وجل وهي صفة الحكم، ويتعلق بالتوحيد العملي من حيث كونه ركناً من أركان العبادة، وذكرنا أن هذه النقطة الأولى هي محل خلاف؛ لأن الآيات والنصوص تواترت على ألا حكم إلا لله.

    فلا شك أن قضية الحكم وإفراد الله عز وجل بالحاكمية من الأركان الأساسية لعقيدة التوحيد، وبين الله عز وجل أن الشرك في الحكم تماماً مثل الشرك الذي يكون في العبادة، كما قال الله عز وجل: فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]، وقال في الحكم: وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف:26]، فسمى هذا شركاً كما سمى هذا شركاً، وقال عز وجل: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21]، وقال عز وجل: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ [التوبة:31]، والآيات في هذا كثيرة جداً والتي تتعلق بالفكرة الأولى التي أتى عليها هذا البحث.

    الفكرة الثانية: أن قبول التكليف من غير الله عز وجل كفر أكبر بغض النظر عن هذا التكليف، يعني: سواء كان هذا التكليف بما يخالف شريعة الله عز وجل أو بما يوافقها، أما الاستجابة لرواية فليس لها تكييف شرعي محدد، وإنما تتوقف على نوع الفهم. وسبق أن ذكرنا أن هذا الكلام ليس على إطلاقه، فمجرد قبول التكليف لا يشترط أن يكون كفراً أكبر على التفصيل الذي ذكرناه.

    أيضاً قال: إن قبول شرع الله يتحقق بعدم الرد -وهو الإباء- من قبول الفرائض والأحكام، وقبول شرع غيره يتحقق بعدم الرد، وأدنى درجة الرد: كره القلب، ودلالته الاعتزال وعدم المشايعة بالعمل عليه.

    الفكرة الثالثة هي: رفض الكاتب تفسير الربوبية في بني إسرائيل المذكور في قوله عز وجل عن بني إسرائيل: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ [التوبة:31]، فهو قدر هذه الربوبية بأنها طاعتهم في الاعتقاد، واجتهد في إثبات ذلك بعديد من الأدلة، مبيناً أن في تفسيرها بالطاعة في الاعتقاد من اللوازم الفاسدة ما يرده أكثر العقلاء.

    نقض تفسير عبادة الأحبار والرهبان بالطاعة في الاعتقاد

    أولاً: بالنسبة لتفسيره للربوبية التي وقع فيها بنوا إسرائيل، وذهابه إلى أن هذه الربوبية لم يكن مردها إلى الطاعة في الاعتقاد بمجرد أنهم قبلوا الأحكام بذلك حتى لو اعتقدوا حكم الله كما أنزله الله، واعتقدوا فيه عقيدة قلبية صحيحة، لكن أطاعوا الأحبار والرهبان فيما أحلوه وحرموه مخالفاً لشريعة الله، فمجرد قبول الأحكام كفر أكبر بغض النظر عن اعتقادهم في ذلك.

    فالمناط المذكور في الآية هنا هو الطاعة في التشريع وليس الطاعة في الاعتقاد أو المعصية.

    وتوضيحاً لهذا الكلام: فهذه الآية في سورة التوبة تتحدث عن حالة من حالات الانحراف التي جمح فيها أصحابها بين فساد الاعتقاد وفساد العمل: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31] .

    أيضاً هؤلاء القوم الذين أطاعوا الأحبار والرهبان في هذه الأشياء فسدت عقيدتهم؛ لأنهم أقروا لأحبارهم ورهبانهم حق النسخ والتبديل في أحكام الله عز وجل، فاعتقدوا أنما يربطه الأحبار والرهبان في الأرض يكون مربوطاً في السماء، وما أحلوه في الأرض يكون محلولاً في السماء، فالحلال عندهم ليس حلال الله والحرام ليس حرام الله، وإنما الحلال عندهم ما أحله الأحبار والرهبان وإن كان خلافاً لما يعرفونه هم من حكم التوراة التي أنزلها الله عز وجل عليه، والحرام عندهم أيضاً ما حرمه الأحبار والرهبان وإن كان ذلك خلافاً لما يعرفونه من إباحته في التوراة.

    فهذه الطاعة كانت طاعة لها علاقة بالاعتقاد لا بمجرد قبول الحكم، فهم أعطوا حق نسخ شريعة الله وتحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله.. أعطوا هذا الحق للرهبان والأحبار، فبذلك صدق عليهم وصفهم بأنهم اتخذوهم أرباباً من دون الله عز وجل.

    فهذه طاعة في الاعتقاد قبل أن نقول: إنها طاعة في قبول الأحكام من الأحبار والرهبان، فهم تركوا تحريم التوراة وتحليلها إلى تحريم الأحبار والرهبان وتحليلهم تأسيساً لهم على الإقرار لهم في الحق بذلك.

    تلاعب الأحبار والرهبان بالتوراة والإنجيل

    يقول ابن القيم رحمه الله وهو يحكي صوراً من تلاعب الشيطان باليهود لعنهم الله: ومن تلاعب الشيطان بهم: أنهم يزعمون أن الفقهاء إذا أحلوا لهم الشيء صار حلالاً، وإذا حرموه صار حراماً، وإن كان نص التوراة بخلافه، وهذا تجويز منهم لنسخهم ما شاءوا من شريعة التوراة، فحجروا على الرب تعالى وتقدس أن ينسخ ما يريد من شريعته وجوزوا ذلك لأحبارهم وعلمائهم.

    حتى في المناظرات المعروفة ينتقد اليهود وبل النصارى المسلمين لاعتقادهم أن الله عز وجل له أن ينسخ ما يشاء من آياته وأحكامه، فهم يعتبرون هذا موضع نقد وطعن في الإسلام، فهم عطلوا هذا الحق لله عز وجل: أنه ينسخ ما يشاء، ويبدل ما يشاء من أحكام لمصلحة العباد، ولما يشاء عز وجل من الحكم العظيمة: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:106] ؟ بلى. فهم حجروا هذا الحق ومنعوه عن الله تبارك وتعالى الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وأعطوا نفس هذا الحق إلى الأحبار والرهبان، فأقروا لهم بجواز النسخ في الأحكام وتحليل الحرام وتحريم الحلال.

    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فإن المسلمين لا يجوزون لأحد بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يغير شيئاً من شريعته، فلا يحلل ما حرم ولا يحرم ما حلل، ولا يوجب ما أسقط ولا يسقط ما أوجب، بل الحلال عندهم ما أحله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والحرام ما حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والدين ما شرعه الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، بخلاف النصارى الذين ابتدعوا بعد المسيح بدعاً لم يشرعها المسيح عليه السلام، ولا نطق بها شيء من الأناجيل ولا كتب الأنبياء المتقدمة، وزعموا أن ما شرعه أكابرهم من الدين فإن المسيح يمضيه لهم، وهذا موضع تنازع فيه الملل الثلاث: المسلمون، واليهود، والنصارى، كما تنازعوا في المسيح عليه السلام وغير ذلك.

    فنحن اعتقادنا في المسيح يختلف عن اعتقاد اليهود عن اعتقاد النصارى، فنعتقد في المسيح: أنه عليه السلام نبي ورسول من أولي العزم من الرسل، وأنه عبد الله عز وجل ورسوله، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء:171]، كما قال الله عز وجل، إلى آخر العقيدة المعروفة عند المسلمين في حق المسيح عليه السلام.

    أما اليهود -والعياذ بالله- فهم يرمون مريم عليها السلام بالبهتان والإثم والفاحشة، وهذه نظرة النصارى أنفسهم للمسيح عليه وعلى نبينا عليه الصلاة والسلام فهم قد عبدوا المسيح، وألهوه وضلوا فيه ضلالاً مبيناً.

    أيضاً هؤلاء اليهود يختلفون معنا في نظرتنا إلى قضية النسخ، فاليهود لا يجوزون لله سبحانه وتعالى أن ينسخ شيئاً من شريعته أو من أحكامه، والنصارى يجوزون لأكابرهم أن ينسخوا شرع الله عز وجل بآرائهم، أما المسلمون فيعتقدون أن الله جعل له الخلق والأمر، فلا شرع إلا ما شرعه الله على ألسنة رسله عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولله تبارك وتعالى أن ينسخ ما شاء بما يشاء، كما نسخ بالمسيح عليه السلام ما كان شرعة للأنبياء قبله: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران:50]، فهذا نسخ.

    فالنصارى تضع لهم عقائدهم وشرائعهم أكابرهم بعد المسيح عليه السلام، وليس هذا متعلقاً فقط بالأحكام، بل أحبار النصارى الضالون بدلوا صلب عقيدة التوحيد التي جاء بها المسيح عليه السلام، حتى صار أمراً مقرراً في مجامعهم المقدسة، فبدلوا العقيدة فضلاً عن الأحكام، كما وضع لهم الثلاثمائة والثمانية عشر الذين كانوا في زمن قسطنطين الملك الأمانة التي اتفقوا عليها، ولعنوا من خالفها من الأريسية وغيرهم.

    وفيها أمور لم ينزل الله عز وجل بها كتاباً، بل تخالف ما أنزله الله من الكتب مع مخالفتها للعقل الصريح. هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    ثم طفق رحمه الله يذكر بعض الأمثلة على ما أحدثه النصارى من الدين بعدما ذكر تبديل العقيدة من أصلها، وانحرافهم عنها، واخترعوا هذه العقيدة الشركية الوثنية عقيدة الإله والأقانيم الثلاثة، إلى آخر ما وضعوه من الشرك والكفر الأكبر بالله عز وجل، واعتقدوا أن هذا هو قانون الإيمان، ولا يعد مؤمناً إلا من اعتقد به.

    فيقول شيخ الإسلام : وكذلك تعظيمهم للصليب، لأن الصليب في زعمهم هو الذي صلب عليه إلههم الذي يعبدونه، وعلى هذا لو واحد قتل أباك بسكين فتأتي أنت تعبد هذه السكين وتعظمها وتتبرك بها وتقدسها، فهذه نظرتهم: تقديس وتعظيم الصليب التعظيم المعروف عند القوم.

    أيضاً: استحلالهم لحم الخنزير، وتعبدهم بالرهبانية: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ [الحديد:27]، يعني: ما كتبنا عليهم الرهبانية لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله.

    أيضاً: امتناعهم من الختان، وهو تبديل لشريعة الله عز وجل، وتركهم طهارة الحدث والخبث، ولا يوجبون غسل جنابة ولا وضوء، ولا يجتنبون شيئاً من الخبائث في صلاتهم، لا العذرة ولا البول ولا غير ذلك من الخبائث.

    هذه كلها من الشرائع التي أحدثوها وابتدعوها بعد المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ودان بها أئمتهم وجمهورهم ولعنوا من خالفهم فيها. انتهى كلام شيخ الإسلام .

    أمثلة لتشريعات الأحبار والرهبان

    قال القرطبي رحمه الله أيضاً: اعلم أن هؤلاء القوم وضعوا لأنفسهم قوانين توافقوا عليها، وارتبطوا بها من غير أن يشهد بصحة تلك القوانين شاهد من التوراة ولا من الإنجيل، فمن خالفها عندهم سموه خارجياً تارة وكافراً أخرى، والخروج عن تلك القوانين هو الذنب عندهم، ثم تلك الذنوب منقسمة إلى ما لا يغفرونه وإلى ما يغفرونه.

    قال أيضاً القرطبي قال لهم بولش : هل رأيتم سارحة تسرح من عند ربها وتخرج إلا من حيث تؤمر به؟ قالوا: لا، قال: فإني أرى الصبح والليل والشمس والقمر والبروج إنما تجيء من هاهنا -يعني: من المشرق- وما أوجب ذلك إلا وهو أحق الوجوه أن يصلى إليه، قالوا: صدقت، فأمرهم أن يستقبلوا القبلة إلى جهة المشرق بهذه الحجة.

    ثم قال لهم بعد زمان: رأيت رؤيا، قالوا: هات، فقال لهم: ألستم تزعمون أن الرجل إذا أهدى إلى رجل هدية وأكرمه بالكرامة فردها شق ذلك عليه، وإن الله سخر لكم ما في الأرض وجعل ما في السماء لكم كرامة، فالله أحق ألا ترد عليه كرامته، فما بال بعض الأشياء حرام وبعضها حلال ما بين البقة إلى الفيل حرام؟ قالوا: صدقت! ولهذا تلاحظ أن النصارى لا يسألوا عن حكم أي شيء، هل هذا حلال أو حرام؟ لأنهم أصلاً ليس عندهم شريعة، بعكس هذا الدين الكامل والشريعة الخاتمة التي تحكم الإنسان في كل سلوكه وكل حياته، فلذلك تجد النصراني المفروض ألا ينزعج إذا حكم بغير دينه، فهذا لا يمسه في قليل ولا كثير؛ لئلا يقع في تصادم بين الواقع الذي يعيشه وبين العقيدة التي يدين بها.

    وعكس الحال بالنسبة للمسلم الذي تضبط شريعته كل أحواله وتصرفاته، ولا ينفك الإنسان في حال من الأحوال عن العبودية لله تبارك تعالى، فلذلك المسلم إذا حكم بغير شريعة الله يعيش التناقض المؤلم والواقع المرير الذي يصير عذاباً في عذاب، حيث تكون شريعته تشرق، والنظم الحاكمة بغير الإسلام تغرب، فيعيش في صراع دائم في مواقيت الصلاة، في ظهور المنكرات في المجتمع، في غير ذلك من النظم واللوائح التي تصادم عقيدته.

    فهم ليس عندهم شريعة أصلاً حتى يقلقوا أو ينزعجوا، بل كما يقول ابن القيم رحمه الله عز وجل ما في دين النصارى من الباطل أضعاف ما فيه من الحق، وحقه منسوخ، فما بقي عندهم من خير بعد هذا التحريف.

    أيضاً يقول هذا الذي يدعونه البابا، وهذا فيها شيء من التعظيم لأئمة الكفر، حتى للأسف أحياناً نجد بعض الإخوة تجري على فمهم كلمة البابا، هذا أبوهم هم، أنت لماذا تقول: بابا؟ فهذا لقب فيه نوع من التعظيم، هو رفيع على أمثاله من الكفار، أما أنت فما ينبغي لك أن تقول هذا، فضلاً عما يحصل من السقطات المذهلة من بعض الناس الذين ينتسبون إلى الدعوة حين يخاطبون هؤلاء بقولهم: قداسة البابا، ونيافة البابا، ليست قداسة بل هي نجاسة وركاسة.

    فيقول: قداسة البابا، كيف يكون فيهم قديس؟ كيف نصفه بأنه قديس وهو نجيس نجس مشرك، يقول الله عز وجل: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة:28] ، فكيف أنت تعتقد مثل هذه الأشياء.

    يقول أحد بابواتهم: إن ابن الله والعياذ بالله أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها، وإن أساقفة روما ورثوا سلطات بطرس في تسلسل مستمر متصل، ولذلك فإن البابا ممثل الله على ظهر الأرض، ويجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين حكاماً كانوا أو محكومين.

    فهذا معنى اتخاذ الأحبار والرهبان، فقد كان له علاقة وثيقة بالاعتقاد، وليس مجرد قبول التشريع، فإنهم أعطوا هؤلاء الأحبار والرهبان سلطات التحليل والتحريم وإن خالفت ما يعلمونه قطعاً من شريعة الله عز وجل؛ فبالتالي لا ينبغي النظر فقط إلى جانب قبول الأحكام منهم، لكن هذا أمر وراءه أمر اعتقادي، وهو إعطاؤهم حق التشريع والتحليل والتحريم.

    الفرق بين الإسلام والنصرانية في قبول التجارب العلمية

    سبق الإشارة إلى خطورة هذه القضية، والفرق بين الإسلام والنصرانية وغيرها في هذا الباب في الكلام على العلمانية منذ زمن، وقلنا: إن بعض المقلدين والببغوات حينما يذهبون إلى الغرب أو يتعلمون الثقافات الغربية، ولما كان الغرب عنده عقدة من الكنيسة بسبب هذه الأشياء وغيرها كثير، وحصل رد الفعل العلماني، وفصل الدين عن الحياة، بسبب أن ما ولدوه يتصادم مع فطرتهم من العقيدة الوثنية التي تسربت إلى النصرانية، وبسبب البغي والطغيان الذي حصل من الكنيسة، وبسبب صراع الكنيسة مع العلم وردها لأي شيء من البحوث والاكتشافات العلمية الجديدة إذا صادم العلوم الكنسية فكان رد الفعل المغالى فيه: أن رفضوا الكنيسة، ورفضوا كل شيء يمت إلى الدين، والببغوات حينما تأثروا بالقول هذا فنقلوا هذا الكلام إلى بلاد المسلمين، فطالبوا أيضاً بالعلمانية أو شجعوا الاتجاهات العلمانية تأثراً بهذه الخلفية التي نشأت عما وقع في الغرب من صدام بين الدين وبين العلم.

    فهذا يتعلق بدينهم لكن نحن ما عرفنا في الإسلام تصادماً مع العلم، وبفضل الله الإسلام عقيدة توافق الفطرة لا تتصادم مع أي أمور تصادم العقل أو الفطرة كما هو معلوم، وما أخطر الآيات التي تقول: أَفَلا يَعْقِلُونَ [يس:68] ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد:4]، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الرعد:3]، يَتَدَبَّرُونَ [النساء:82]، وترفض الظن والتخمين والحدث إلى غير ذلك.

    فالإسلام دين العلم.. دين الفطرة.. دين التوحيد.. دين الشريعة الكاملة.. دين التسامي.. في كل شيء وفي كل أبوابه، فمن الظلم أن نأخذ النتيجة التي بنيت على الماضي الأسود المظلم في الكنيسة ونطبقها على الإسلام وعلى بلاد المسلمين. هذا فيما يتعلق بعقائدهم.

    حقيقة الربوبية للأحبار والرهبان الواقعة في بني إسرائيل

    أما بالنسبة لأعمالهم: فهم جروا في سلوكهم وأعمالهم على تشريع الأحبار والرهبان وليس على ما شرعه الله لهم في التوراة، فجمعوا في ذلك بين فساد العقيدة وفساد العمل، فالربوبية على أساس هذا الكلام التي ذكرها الله وحكاها عن بني إسرائيل: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31]، كما تتمثل في ادعاء الأحبار والرهبان حق النسخ والتبديل في أحكام الله، واستحداث شرائع وشعائر لم يأذن الله عز وجل بها، وفي إقرار بني إسرائيل هؤلاء الأحبار والرهبان على ذلك، وتعبدوا بما يتلقونه عنهم وإن كان مخالفاً لما في التوراة والإنجيل، فهذا بخلاف أنواع أخرى من الربوبية إنما تنشأ سلطة قاهرة غاشمة، أو سلطة سياسية من دولة تفرض أحكامها بالقهر والبغي والعدوان على شعوبها.

    فما وقع من الربوبية عند اليهود والنصارى أو عند بني إسرائيل إنما اعتمد على سلطان التدين، وهيمنتها على النفوس، فهم تعبدوا بذلك، وأعطوا هؤلاء الحق في التحليل والتحريم، حتى ولو خالف ما يعلمونه من أحكام التوراة والإنجيل، ففي عقيدتهم الأحبار والرهبان يمثلون الله في الأرض، وما عقده الله في الأرض يكون معقوداً في السماء، وما يحله يكون محلولاً في السماء.

    فالحلال ما أحله هؤلاء، والحرام ما حرموه، والدين ما شرعوه، حتى فيما يتعلق بالقربات والحرمات صكوك الغفران، حتى أعطوهم التحكم في إدخال الناس في الجنة وإخراجهم إلى النار، أعطوا الرهبان أو الأحبار هذا الحق، ولا توجد طريقة للتوبة إلا إذا ذهب إلى القسيس ويخلو به، ويجلس على كرسي الاعتراف، ويفصح له بكل تفاصيل الجرائم أو المعاصي التي ارتكبها، حينئذ يتوسط القسيس بينه وبين الله حتى يغفر له، والذي يملك أن يعطي حق إدخال الجنة يملك أيضاً عندهم أن يعطي حق أن يحرم من النار، وفي هذا مهازل عجيبة جداً.

    فهذا هو الفساد الاعتقادي في قضية الربوبية التي وصفهم الله عز وجل بها، جاء في إنجيل متى: الحق أقول لكم كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء، وكل ما ستحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء. فكانوا إذا حزبهم أمر عقدوا له مجمعاً ينسخون فيه ما يشاءون، ويستحدثون فيه ما يشاءون، حتى آل الأمر ببني إسرائيل إلى أن أصبح الدين كله صناعة بشرية من صناعة الأحبار والرهبان، فهذا معلوم بالضرورة من تاريخ النصرانية المحرفة.

    تحريف التوراة والإنجيل بأيدي أصحابها

    يقول الله عز وجل: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة:79].

    وإذا تأملنا الآية تجد الكتابة بصيغة الماضي، أما كسب الوزر ووزر هذه السنة فمستمر إلى ما شاء الله، ولذلك أتى بصيغة المضارع التي تفيد الاستمرار، كما قال عليه الصلاة والسلام: (من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاًوَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ [العنكبوت:13]، فيقول الله عز وجل: (( فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ ))، يعني: الكتابة والتحريف حصل، (( وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ))، يعني: مما يكسبون من الوزر حين تضل أجيال بعد أجيال بسبب هذا التحريف في دين الله عز وجل.

    ويقول عز وجل: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:78] ، فهذا حال عامة بني إسرائيل أنهم يدينون للأحبار والرهبان بهذا الحق في التحليل والتحريم، ويتعبدون بما يستحدثونه لهم من العبادات.

    فما يسمى بـ: البابا ليس مجرد مفتي مثلاً، أو شخص عادي كشيخ أو عالم مجتهد! لا، البابا عندهم مشرع، له عندهم هذا الحق في التحليل والتحريم، وكما ذكرنا ليس فقط في العبادات بل لابد من الرجوع إليهم أيضاً فيما يخص الذنوب والخطايا، ومهازل صكوك الغفران مما يؤيد ذلك.

    التفريق بين حال الطواغيت والجبابرة الذين يحكمون المسلمين

    إن حكام المسلمين في هذا الزمان في شتى بقاع العالم الإسلامي يحكمونهم بالحديد والنار والقهر، ويجبرونهم على الخضوع والإذعان للشرائع التي تخالف شريعة الله، وبين اليهود والنصارى أو بني إسرائيل الذين كانوا يتعبدون بإعطاء الأحبار والرهبان هذا الحق وفي استحداث ما يشرعونه لهم. فكانوا يعتقدون أن لهم هذا الحق، وإن كانوا يعلمون أن هذا مخالف للتوراة والإنجيل، فهذا الخضوع من بني إسرائيل وذلك القبول هو من جنس الخضوع للدين، والطاعة لأحكامه، والتعظيم لشعائره طعماً في الخلاص في الآخرة، ودرجات الخلود في ملكوت السماوات، فهذا تدين كانوا يتدينون به.

    أيضاً: الآية في سورة التوبة لم ترد في معرض التقرير والتحرير لقضايا أصول الدين، وإنما تحكي وتصف انحراف حال أمة من الأمم اتخذ انحرافها طابعاً معيناً، وهو: ادعاء فقهائهم أنهم يمثلون الله، وأنهم النواب عن رسل الله تبارك وتعالى، وبالتالي يكون لهم حق في ممارسة أمر النسخ والتبديل في أحكام الله عز وجل، واستحداث شرائع وشعائر لم يأذن بها الله، حتى أصبح دين بني إسرائيل كله من هذه الصناعة الآدمية.

    يقول الله تبارك وتعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21]، يعني: الطاعة في التشريع إن كانت من جنس الابتداع في الدين كما وردت الآية: (( شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ))، فلا جدال أنها شرك وكفر أكبر، ولا تكون الطاعة في التشريع وقبول التشريع من غير الله عز وجل شركاً أكبر إلا إذا دان الإنسان بهذا التشريع، بأن يتدين بهذا التشريع، ويعتقده كما يعتقد الدين، فيرجع الأمر في الحقيقة إلى الاعتقاد وليس إلى مجرد قبول الحكم، أما إذا كانت الطاعة من جنس اتباع الشهوات، ومن باب الاستجابة لداعية الهوى فهي ذنب من الذنوب يختلف الحكم على صاحبه باختلاف موضوع هذا الذنب.

    فلو أن حاكماً من الحكام أمر الناس بالزنا، وشرع لهم إباحته، فأطاعه بعض الناس التزاماً للحكم بإباحته، ورداً لما أنزل الله من تحريمه، وأطاعه آخرون ليس إيماناً بهذه الإباحة، ولا كفراً بما أنزل الله من التحريم، لكن لأن هذا وافق هوى في نفوسهم ومرضاً في قلوبهم مع بقاء إيمانهم وتصديقهم، كما يتواجد في بعض بلاد الكفار الذين يستبيحون مثل هذه الفواحش؛ فمن قبل هذا تديناً فهو كافر كفراً أكبر بلا شك.

    أما من وجد القوم يعيشون في مثل هذه الغابات الكافرة وتابعهم على ذلك لمجرد أن هذا يوافق هواه، وهو يعتقد أن هذا حرمه الله عز وجل، فلا شك أن الحكم في حالة التدين يختلف عن الحكم في الحالة الثانية، فالأولون كفار مشركون، والآخرون عصاة مذنبون.

    من هنا يكون الفرق بين الخضوع للأحبار والرهبان الذي كان في بني إسرائيل، والخضوع للطواغيت من ذوي السلطان، فالأحبار والرهبان يخضعون الظاهر والباطن، والناس يتدينون بذلك، ويخضعون الأجسام والأرواح والنفوس لما اعتقده الناس فيهم من أنهم يمثلون الله، أو ينوبون عن المسيح الذي يعبدونه، وأن المسيح -كما يفترون- أجاز لهم في السماء كل ما يريدونه هم على الأرض.

    أما الطواغيت فإنهم يخضعون الظاهر فقط، ويقهرون الأجسام فحسب، ومن هنا كان لابد أن تقيد الطاعة لهم بالكفر بأحكام الله، إما على سبيل التكذيب وإما على سبيل الإباء والرفض، أما التعبد بما يقول الأحبار والرهبان خلافاً لحكم الله؛ فإنه يتضمن بذاته هذا القيد، فلا يحتاج إلى التنصيص عليهم، يعني: مجرد كلمة التعبد تفيد أن هذا شيء يعتقدونه ويدينون الله به.

    1.   

    أنواع الكفر

    أما بالنسبة لقضية الحاكمية، وما هو المناط الذي يترتب عليه الحكم بالكفر في هذه القضية. فقد سبق أن ذكرنا أن أصل الإيمان هو التصديق والانقياد، ومن لم يوجد في قلبه التصديق والانقياد فهو كافر، يقابل التصديق التكذيب أو الشك، كما يقابل الانقياد الإباء أو الإعراض.

    ومن ثم فإن أنواع الكفر أربعة أنوع:

    كفر التكذيب

    كفر الإباء والاستكبار

    الثاني: كفر الإباء والاستكبار، فهو لا يكذب الرسول، بل يعتقد أنه صادق، وأن الله أوحى إليه، لكن يكفر إباءً واستكباراً عن متابعته، فهؤلاء الذين قالوا: لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31] ، كان هذا هو محل الاعتراض، فهذا هو الغالب على كفر أعداء الرسل عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. ومن كفر الإباء والاستكبار: كفر إبليس، هل إبليس كان يشك في أن الله هو الذي أمره بالسجود؟! كان إبليس يعلم أن الله هو الذي أمره بالسجود لكنه: أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:34]، فهذا كفر الإباء والاستكبار. فيمكن أن يعتقد الإنسان أن الله شرع رجم الزانية، لكنه يأبى ويستكبر أو يقدح في حكمة الله عز وجل في هذا التشريع، فهذا أيضاً يصير منضماً إلى أخيه إبليس الذي سن له هذا النوع من الكفر. كذلك كفر أبي طالب : استكبر عن أن يستمع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومشهور عنه قوله وهو يمدح دين النبي عليه الصلاة والسلام: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا وأصر على عدم الانقياد لشريعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يعتقد أنه صادق. كذلك كفر من كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم من أهل الكتاب، وهذا حال اليهود بالذات. وهناك حديث اليهودي الذي زنى بامرأة من اليهود، وقال يهودي من بينهم: هلموا إلى ذلك النبي -يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم- الذي أتى بالتخفيف، هم علموا من طبيعة هذه الشريعة أنها تخفف كما قال الله: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157]، اليهود أنفسهم يعلمون هذه الخاصية من خصائص الإسلام، وهو أنه دين التيسير والسماحة والحنيفية السمحة، فلذلك قالوا: لا نرجمهم، بل نذهب إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بشيء دون الرجم أخذنا بكلامه، وحاججنا الله عز وجل يوم القيامة، وقلنا: نحن أخذنا بشريعة نبي من أنبيائك، وأنكروا أن يكون الله قد حكم عليهم بالرجم. فالشاهد: أن هؤلاء كانوا يعرفون أن الرسول عليه الصلاة والسلام رسول الله حقاً وصدقاً، لكن حسداً من عند أنفسهم حسدوا هذه الأمة أن يصطفيها الله بأن يبعث منها هذا النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم. وفي قصة عبد الله بن سلام ، وكان من أكبر علماء اليهود في المدينة، لما أسلم وهداه الله عز وجل إلى الإسلام أمره النبي عليه الصلاة والسلام ألا يظهر إسلامه أمام أحبار وعلماء اليهود، فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقد اختبأ عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فوقف فيهم وقال: (أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: فما تقولون إن أسلم؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عليهم عبد الله بن سلام وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، والله إنه للنبي الذي تجدونه في التوراة، فقالوا: شرنا وابن شرنا، وأجهلنا وابن أجهلنا)! وأخذوا يسبونه رضي الله عنه. فشأن اليهود الجحود، فهم يعرفون النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكنهم حسداً من عند أنفسهم يجحدون ولا يقرون. وهذا فرعون كان كفره كفر استكبار وعناد وجحود، ففرعون كان يؤمن أن موسى رسول الله حقاً، والأدلة على ذلك معروفة في القرآن، مثل قول الله تبارك وتعالى حاكياً: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ)، يعني: يا فرعون، ونحن نصدق موسى عليه السلام في خبره: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ [الإسراء:102]، يعني: الآيات، إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء:102]، وفي سورة النمل يقول الله عز وجل عن فرعون وقومه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا [النمل:14] ، كان عندهم يقين، وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14] ، فهذا هو فرعون ، وهو من أكفر خلق الله، ومع ذلك كان يصدق موسى عليه السلام، لكن لم ينقد لدينه وما جاء به من الحق.

    كفر الإعراض

    الثالث: كفر الإعراض. الإنسان يعرض عن الحق، لا يصدقه ولا يكذبه، ولا يواليه ولا يعاديه، بل لا يلتفت إليه ألبتة، وذلك كما قال أحد بني عبد ياليل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقاً فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك، وإن كنت كاذباً فأنت أحقر من أن أكلمك. يعني: كأن القضية لا تهمه، وهذا حال أغلب الكفار الآن في العالم الغربي، فهم في الحقيقة لم يعودوا نصارى ولا يهوداً، وربما اليهود ما زالوا متمسكين في عامتهم، لكن النصارى هم الآن شر من اليهود، هم يصفون العصور الوسطى بأنها عصور الظلام. وهم يعيشون الآن في ظلم أشد من ظلمة العصور الوسطى في الحقيقة، وهم الآن في عامتهم لا دين لهم، وأقرب ما يكونوا للوثنيين، وهذا يعلم من حال القوم، يقول الله عز وجل: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:83-84]، ويقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ [الأحقاف:3]، قضية الدين هذه مثل الأكل والشرب والألوان والروائح والمذاق والطعم، كل إنسان بالنسبة له هي قضية شخصية بينك وبين ربك، إن شئت أن تؤمن تؤمن، وإن شئت أن تكفر تكفر، تعتقد ما تشاء، وتفعل ما تشاء، قضية الدين ليست على بالهم أصلاً. فهذا كفر الإعراض صاحبه لا يبالي ولا يبحث عن الحق، ولا يكلف نفسه حتى اتخاذ موقف الموالاة أو المعاداة، القضية لا تهمه في قليل ولا كثير. فهذا كفر الإعراض.

    كفر الشك

    الرابع: كفر الشك، وهو كفر من ارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون، لا يصدقون ولا يكذبون، بل يقولون: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [الجاثية:32]. وهذا الشخص الذي يعاني من التردد والشكوك والذبذبة بين التصديق والتكذيب، ويتردد بين الظن وغيره.. إذا تدبر في آيات الله عز وجل فإنه يهتدي إلى اليقين في آيات الله عز وجل، لكن إذا انضاف إليه الإعراض واستمر على إعراضه فيبقى في هذا التردد والشك. بناءً على هذا الكلام نستطيع أن نوضح ونبين ما هو الأساس الذي نستطيع أن نحكم به على الشيء بأنه يكفِّر أو لا يكفِّر فيما يتعلق بقضية الحاكمية بسهولة ويسر، فيقال: إذا رجع الخلل إلى أحد الأصلين أو كليهما، أي: إذا رجع الخلل الذي نشأ في قضية الحاكمية إلى التصديق أو الانقياد فهذا كفر، لكن إن سلم للإنسان أصل التصديق والانقياد لشريعة الله فهذا يكون من الفروع. هذه الحالة الأولى. الحالة الثانية: إذا سلم أصل التصديق وبرئ من كفر التكذيب والشك، وإذا سلم أصل الانقياد وبرئ من كفر الإعراض وكفر الجحود والاستكبار والعناد؛ فالإنسان في قضية الحاكمية إذا سلم من هذه الأنواع الأربعة من الكفر، وحصل خلل في شيء من أمور الحاكمية، فما دام أنه سلم له أصل التصديق والانقياد فهذا يرجع إلى الفروع. أما إذا حصل خلل في قضية التصديق والانقياد فهذا يرجع إلى العقيدة ويكون كفراً أكبر. فحالة الفروع تمس التصديق والانقياد، وحينئذٍ يصدق على فاعل هذا الشيء ما أثر عن السلف الصالح رحمهم الله ورضي الله عنهم من قولهم في تفسير قوله عز وجل: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، قالوا: إن هذا ليس بالكفر الذي تذهبون إليه؛ أو ليس الكفر الذي ينقل عن الملة. وبهذا يكون المناط المكفر في قضية الحاكمية له صورتان: الأولى: ما كان الخلل فيها راجعاً إلى أصل التصديق، وهذه هي صورة الجحود، والجحود في اللغة: هو الإنكار بعد العلم، فمن حكم بغير ما أنزل الله جحوداً لحكم الله فهو كافر بلا نزاع، وهذه الصورة تئول وترجع في النهاية إلى كفر التكذيب؛ لأنه يكذب بحكم الله عز وجل. الحالة الثانية: إذا كان الخلل راجعاً إلى أصل الانقياد، فهذه صورة الرد: أنه يرد حكم الله عز وجل.

    الأول: كفر التكذيب

    الثاني: كفر الإباء والاستكبار

    فهو لا يكذب الرسول، بل يعتقد أنه صادق، وأن الله أوحى إليه، لكن يكفر إباءً واستكباراً عن متابعته، فهؤلاء الذين قالوا: لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31] ، كان هذا هو محل الاعتراض، فهذا هو الغالب على كفر أعداء الرسل عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    ومن كفر الإباء والاستكبار: كفر إبليس، هل إبليس كان يشك في أن الله هو الذي أمره بالسجود؟! كان إبليس يعلم أن الله هو الذي أمره بالسجود لكنه: أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:34]، فهذا كفر الإباء والاستكبار.

    فيمكن أن يعتقد الإنسان أن الله شرع رجم الزانية، لكنه يأبى ويستكبر أو يقدح في حكمة الله عز وجل هذا التشريع، فهذا أيضاً يصير منضماً إلى أخيه إبليس الذي سن له هذا النوع من الكفر.

    كذلك كفر أبي طالب : استكبر عن أن يستمع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومشهور عنه قوله وهو يمدح دين النبي عليه الصلاة والسلام:

    ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا

    لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا

    وأصر على عدم الانقياد لشريعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يعتقد أنه صادق.

    كذلك كفر من كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم من أهل الكتاب، وهذا حال اليهود بالذات.

    وهناك حديث اليهودي الذي زنى بامرأة من اليهود، وقال يهودي من بينهم: هلموا إلى ذلك النبي -يعنون رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم_ الذي أتى بالتخفيف، هم علموا من طبيعة هذه الشريعة أنها تخفف كما قال الله: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157]، اليهود أنفسهم يعلمون هذه الخاصية من خصائص الإسلام، وهو أنه دين التيسير والسماحة والحنيفية السمحة، فلذلك قالوا: بدل ما نرجم، وهو حكم التوراة نذهب إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بشيء دون الرجم أخذنا بكلامه، وحاججنا الله عز وجل يوم القيامة، وقلنا: نحن أخذنا بشريعة نبي من أنبيائك، وأنكروا أن يكون الله قد حكم عليهم بالرجم.

    فالشاهد: أن هؤلاء كانوا يعرفون الرسول عليه الصلاة والسلام وأنه رسول الله حقاً وصدقاً، لكن حسداً من عند أنفسهم حسدوا هذه الأمة أن يصطفيها الله بأن يبعث منهم هذا النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم.

    وفي قصة عبد الله بن سلام ، وكان من أكبر علماء اليهود في المدينة، ولما أسلم وهداه الله عز وجل إلى الإسلام أمره النبي عليه الصلاة والسلام ألا يظهر إسلامه أمام أحبار وعلماء اليهود، فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقد اختبأ عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فوقف فيهم وقال: (أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: فما تقولون إن أسلم؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عليهم عبد الله بن سلام وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، والله إنه للنبي الذي تجدونه في التوراة، فقالوا: شرنا وابن شرنا، وأجهلنا وابن أجهلنا)، وأخذوا يسبونه رضي الله عنه.

    فهذا شأن اليهود الجحود، فهم يعرفون النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكنهم حسداً من عند أنفسهم يجحدون ولا يقرون.

    بل أكبر من ذلك فرعون، من أي نوع كان كفر فرعون؟ كفر استكبار وعناد وجحود، فرعون كان يؤمن أن موسى رسول الله حقاً، والأدلة على ذلك معروفة في القرآن، مثل قول الله تبارك وتعالى حاكياً: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ)، يعني: يا فرعون، ونحن نصدق موسى عليه السلام في خبره: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ [الإسراء:102]، يعني: الآيات، إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء:102]، وفي سورة النمل يقول الله عز وجل عن فرعون وقومه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا [النمل:14] ، كان عندهم يقين، وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14] ، فهذا هو فرعون ، وهو من أكفر خلق الله، ومع ذلك كان يصدق موسى عليه السلام، لكن لم ينقد لدينه وما جاء به من الحق.

    الثالث: كفر الإعراض

    الإنسان يعرض عن الحق، لا يصدقه ولا يكذبه، ولا يواليه ولا يعاديه، بل لا يلتفت إليه البتة، وذلك كما قال أحد بني عبد ياليل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقاً فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك، وإن كنت كاذباً فأنت أحقر من أن أكلمك.

    يعني: كأن القضية لا تهمه، وهذا حال أغلب الكفار الآن في العالم الغربي، فهم في الحقيقة لم يعودوا نصارى ولا يهوداً، وربما اليهود ما زالوا متمسكين في عامتهم، لكن النصارى هم الآن شر من النصارى، هم يصفون العصور الوسطى بأنها عصور الظلام. وهم يعيشون الآن في ظلم أشد من ظلمة العصور الوسطى في الحقيقة، وهم الآن في عامتهم لا دين لهم، وأقرب ما يكونوا للوثنيين، وهذا يعلم من حال القوم، يقول الله عز وجل: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل:83] * حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:84]، ويقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ [الأحقاف:3]، قضية الدين هذه مثل الأكل والشرب والألوان والروائح والمذاق والطعم، كل إنسان بالنسبة له هي قضية شخصية بينك وبين ربك، إن شئت أن تؤمن تؤمن، وإن شئت أن تكفر تكفر، تعتقد ما تشاء وتفعل ما تشاء، قضية الدين ليست على بالهم أصلاً.

    فهذا كفر الإعراض صاحبه لا يبالي ولا يبحث عن الحق، ولا يكلف نفسه حتى اتخاذ موقف الموالاة أو المعاداة، القضية لا تهمه في قليل ولا كثير. هذا كفر الإعراض.

    الرابع: كفر الشك

    وهو كفر من ارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون، لا يصدقون ولا يكذبون، بل يقولون: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [الجاثية:32].

    وهذا الشخص الذي يعاني من التردد والشكوك والذبذبة بين التصديق والتكذيب، ويتردد بين الظن وغيره.. إذا تدبر في آيات الله عز وجل فإنه يهتدي إلى اليقين في آيات الله عز وجل، لكن إذا انضاف إليه الإعراض واستمر على إعراضه فيبقى في هذا التردد والشك.

    مناط التكفير في قضية الحاكمية

    بناء على هذا الكلام نستطيع أن نوضح ما هو الأساس الذي يكفر أو لا يكفر فيما يتعلق بقضية الحاكمية بسهولة ويسر، يقال: إذا رجع الخلل إلى أحد الأصلين أو كليهما، وإذا الخلل الذي نشأ في قضية الحاكمية رجع إلى التصديق أو الانقياد فهذا كفر، لكن إن سلم للإنسان أصل التصديق والانقياد لشريعة الله فهذا يكون من الفروع. هذه الحالة الأولى.

    الحالة الثانية: إذا سلم أصل التصديق وبرئ من كفر التكذيب والشك. وإذا سلم أصل الانقياد وبرئ من كفر الإعراض وكفر الجحود والاستكبار والعناد؛ فالإنسان في قضية الحاكمية إذا سلم من هذه الأنواع الأربعة من الكفر، وحصل خلل في شيء من أمور الحاكمية، فما دام سلم له أصلي التصديق والانقياد فهذا يرجع إلى الفروع. أما إذا حصل خلل في قضية التصديق والانقياد فهذا يرجع إلى العقيدة ويكون كفراً أكبر.

    فحالة الفروع تمس التصديق والانقياد، وحينئذٍ يصدق على فاعل هذا الشيء ما أثر عن السلف الصالح رحمهم الله ورضي الله عنهم من قولهم في تفسير قوله عز وجل: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، فهنا يصدق عليهم قول السلف: إن هذا ليس بالكفر الذي تذهبون إليه؛ أو ليس الكفر الذي ينقل عن الملة.

    وبهذا يكون المناط المكفر في قضية الحاكمية له صورتان:

    الأولى: ما كان الخلل فيها راجعاً إلى أصل التصديق، وهذه هي صورة الجحود، والجحود في اللغة: هو الإنكار بعد العلم، فمن حكم بغير ما أنزل الله جحوداً لحكم الله فهو كافر بلا نزاع، وهذه الصورة تئول وترجع في النهاية إلى كفر التكذيب؛ لأنه يكذب بحكم الله عز وجل.

    الحالة الثانية: إذا كان الخلل راجعاً إلى أصل الانقياد، فهذه صورة الرد: أنه يرد حكم الله عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )

    من كان حكمه بغير ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، وقد قام بجمع الأقوال في تفسير الآية وتحقيقها الأخ علي حسن علي عبد الحميد الحلبي في كتاب أسماه: (القول المأمون في تخريج ما ورد عن ابن عباس في تفسير: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] ).

    ومجمل الكلام الذي نقل عن ابن عباس أو غيره: أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن الآية، وكان أول ما نقل في كتب التفسير في الآية عن ابن عباس أنه كان يقول: من جحد بما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق. يعني: دون الكفر الأكبر.

    فعلى هذا الأساس ممكن أن نتخذ هذه القاعدة التي وضعها ابن عباس رضي الله عنهما نبراساً نرى في ضوئه رؤية صحيحة الروايات الأخرى التي جاءت عنه في تفسير هذه الآية، فمثلاً: هو سئل في موضع آخر عن هذه الآية؟ فقال: إذا فعل ذلك فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وبكذا وبكذا، يعني: فاعله يسمى كافراً، لكن يكون كفراً كما في الروايات الأخرى: ليس الكفر الذي تذهبون إليه، فليس كفراً ناقلاً عن الملة.

    ومعروف أن الكفر يطلق على المعاصي، والإيمان يطلق على أضعاف الإيمان أيضاً. وهذا نظائره كثيرة، كقوله: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، وقوله: (لا ترجعوا بعدي كفاراً). وإلا نصير مثل الخوارج الذين يكفرون بأي شيء يطلق عليه لفظ الكفر.

    يقول ابن عباس : إذا فعل ذلك فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر. هذا في من لم يخرج عن الملة في قضية الحاكمية.

    أيضاً في رواية أخرى، قال: هي به كفر وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقال أيضاً: إنه ليس بالكفر الذين يذهبون إليه، إنه ليس كفراً ينقل عن الملة: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، كفر دون كفر.

    أما ما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه وعن الحسن أيضاً فنقل عنهم القرطبي وغيره أنهما قالا: هي عامة لكل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، أي: معتقداً ذلك ومستحلاً له، فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرماً فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.

    أما مجاهد فقال: من ترك الحكم بما أنزل الله رداً لكتاب الله فهو كافر ظالم فاسق.

    وقال أبو مجلز كما روى الطبري : أن ناساً من بني عمرو بن سدوس سألوه عن آيات المائدة ليلزموه الحجة في تكفير الأمراء؟ هؤلاء كانوا من الإباظية فرقة من فرق الخوارج، أرادوا أن يلزموه بالتكفير، فسألوه عن الآية: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] ، فقال: هو دينهم الذين يدينون به، وبه يقولون. الكلام هنا عن تطبيق الآية على الأمراء، والأمراء هؤلاء كانوا مسلمين وإن بغوا في بعض الأحكام أو ظلموا أو حادوا لغرض دنيوي فهم لا يكفرون بذلك، فيقول: هو دينهم الذين يدينون به وبه يقولون وإليه يدعون، فإن هم تركوا شيئاً منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنباً.

    وقال الطبري في تفسيره: إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون، يعني الإمام الطبري قال: إنهم ينطبق عليهم الكفر الأكبر إذا كانوا جاحدين، كما ذكرنا في القاعدة التي قرأنها في بداية الكلام.

    الانحراف في قضية الحاكمية إذا أحدث خللاً في أصل التصديق أو أصل الانقياد فهو كفر أكبر، وإن لم يمس التصديق والانقياد فهو كفر دون كفر، كذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً هو بالله كافر. كما قال ابن عباس . هذا كلام الطبري .

    كذلك يقول: في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به هو بالله كافر، كما قال ابن عباس ؛ لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي.

    أما ابن الجوزي يقول: وفصل الخطاب: أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً له وهو يعلم أن الله أنزله كما فعلت اليهود فهو كافر، ومن لم يحكم به ميلاً إلى الهوى من غير جحود فهو ظالم فاسق.

    الرازي نقل قول عكرمة وصححه، وهو قوله في الآية: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [المائدة:44]، قال: إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله، وأقر بلسانه كونه حكم الله إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بأمر الله تعالى، ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية، وهذا هو الجواب الصحيح. هذا كلام الرازي .

    أما الحافظ ابن كثير رحمه الله فقال عند قوله عز وجل: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] ، قال: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعدل إلى سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات والضلالات وكما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب أحكام اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، حتى الياسق كان أفضل من القوانين الوضعية الآن؛ لأنه كان يأخذ من كتب أصلها سماوي، لكن الآن تؤخذ الشرائع والحلال والحرام من شرائع بشرية.

    يقول: وهو عبارة عن كتاب أحكام اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً يقدمونها عن الحكم بالكتاب والسنة، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير. هذا كلام الحافظ ابن كثير .

    ونقل عند تفسير الآية: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] ، ما روي عن ابن عباس وطاوس : من أنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، وأنه ليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما روي عن ابن عباس من التفريق بين الجاحد والمقر.

    فخلاصة الكلام الذي ذكره ابن كثير : أنه يفرق في القضية على أساس الجحود أو الإقرار، إن كان جاحداً فهو كافر كفراً أكبر، وإن كان مقراً فهو كفر دون كفر.

    أما الألوسي فقال رحمه الله: احتج الخوارج بهذه الآية على أن الفاسق كافر غير مؤمن، ووجه الاستدلال: أن كلمة (من) فيها عامة شاملة لكل من لم يحكم بما أنزل الله تعالى، فيدخل فيها الفاسق المصدق أيضاً؛ لأنه غير حاكم وعامل بما أنزل الله تعالى.

    يعني: الخوارج أخذوا من الآية: أن الفاسق وإن كان مصدقاً بحكم الله فهو غير حاكم بما أنزل الله، واستدلوا بهذه الآية على تكفير الفاسق، وحتى ولو كان مصدقاً بحكم الله بمجرد عدم تطبيقه وحكمه بما أنزل الله.

    يقول الألوسي : وأجيب بأن الآية متروكة الظاهر، فإن الحكم وإن كان شاملاً لفعل القلب والجوارح لكن المراد به هنا عمل القلب وهو التصديق، ولا نزاع في كفر من لم يصدق بما أنزل الله تعالى، فإذا عرفنا أن المقصود بالتصديق هو التصديق الانقيادي، حينئذٍ ندرك أن عبارة الألوسي توافق القاعدة العامة التي ذكرناها.

    معنى كلام الألوسي : أنه أجيب على الخوارج بأن الآية متروكة الظاهر؛ بأن الحكم وإن كان شاملاً لفعل القلب والجوارح، ولكن المراد به هنا عمل القلب وهو التصديق، ذكرنا من قبل عند كلامنا على حد الإيمان، ومعرفة الإيمان عند السلف، واختلافهم في معنى الإيمان، وأنه قول وعمل أو هو مجرد التصديق، وقلنا: يحمل كلام العلماء الذين قالوا: الإيمان هو مجرد التصديق، أنه لابد أن تضاف كلمة: التصديق الذي يستلزم الانقياد، أما مجرد التصديق فقد يقع في الشخص الذي هو متلبس بكفر الإعراض والاستكبار والجحود والعناد كما ذكرنا عن إبليس وفرعون وبني إسرائيل .

    فمجرد التصديق لا يدخل في الإيمان، ولابد معه من الانقياد للشريعة، فمعنى كلام الألوسي : ولا نزاع في كفر من لم يصدق بما أنزل الله تعالى، يعني: التصديق الذي يوجب الانقياد.

    أما المراغي رحمه الله فيقول في تفسيره: وخلاصة المعنى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [المائدة:44]، مستديلاً به منكراً له كان كافراً لجحوده به واستخفافه لأمره.

    العلامة الشنقيطي رحمه الله يقول في أضواء البيان: والظاهر المتبادر من سياق الآيات: أن آية: فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] نازلة في المسلمين؛ لأنه تعالى قال قبلها مخاطباً مسلمي هذه الأمة: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا [المائدة:44]، ثم قال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] ، فالخطاب للمسلمين كما هو ظاهر متبادر من سياق الآية، وعليه فالكفر إما كفر دون كفر، وإما أن يكون فعل ذلك مستحلاً له، أو قاصداً به جحد أحكام الله وردها مع العلم بها.

    الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله أيضاً يقول في المنار: وقد استحدث كثير من المسلمين من الشرائع والأحكام نحو ما استحدث الذين من قبلهم، وتركوا بالحكم بها بعض ما أنزل الله عليهم، فالذين يتركون ما أنزل الله في كتابه من الأحكام من غير تأويل يعتقدون صحته؛ فإنه يصدق عليهم ما قاله الله تعالى في الآيات الثلاث أو في بعضها كل بحسب حاله، فمن أعرض عن الحكم بحد السرقة أو القذف أو الزنا غير مذعن له لاستقباحه إياه، وتفضيل غيره من أوضاع البشر عليه فهو كافر قطعاً.

    يعني: الإنسان عندما يعرض عن حكم الله عز وجل في هذه الحدود -والعياذ بالله- كما يقع من هؤلاء المرتدون حين يصفون الحدود بأنها وحشية وتخلف، وهمجية، وأنها أحكام البدو والصحراء، ولا تناسب القرن العشرين... إلى آخره؛ فلا شك في أن هذا مرتد، ولا حظ له في دين الإسلام على الإطلاق. قال الشيخ رشيد رضا رحمه الله: ومن لم يحكم به لعلة أخرى؛ فهو ظالم إن كان في ذلك إضاعة للحق، أو ترك العدل والمساواة فيه، وإلا فهو فاسق فقط.

    أما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فيقول: ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر. يعني: هو يصدق أن هذه أحكام الله، لكن لا يعتقد أنه يجب أن تطبق، يقول: ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباع بما أنزل الله فهو كافر، فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل. كل أمة تدعي أنها تحرص عن العدل. يقول: وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم. نحن في ديننا: المسلم الذي يستحق وصف الإسلام هو الذي يعرف من العدل أنه ما أمر الله به، وهو ما شرعه الله، وكل من خالف حكم الله فهو ظلم وكفر وانحراف، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله كسواليف البادية، وكانوا الأمراء المطاعين، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر، وهذا ما زال للأسف الشديد قائماً في كثير من القبائل في البدو والصحراء، سواء في مصر أو غيرها، عندهم عادات وتقاليد وقوانين تلقوها عن آبائهم وأجدادهم.

    والعجيب أن الدول العلمانية سواء بطريقة صحيحة أو بطريقة مقنعة في علمانيتها يقرون للبدو بهذا الحق، فالأحكام الوضعية في المدن لا تسري على البدو في الصحراء ولكنها نفس الأحكام التي تطبق في القوانين العامة في المدن.

    فهم يسمحون بالخروج على قوانينهم لكن بشرط ألا يكون هناك شيء اسمه ذكر الله: وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر:45]، فهم يعطون أهل البادية هذا الحق، لكن إذا ذكر اسم الله فهذا ما لا يطيقونه: (( وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ))، أي: من الشركاء والأنداد: (( إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ))، ويقول تبارك وتعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا [الحج:72]، فهذا شأن القوم إذا كانت العادات والأحكام تخرج عن القانون وتخالف قوانيهم، لكن ما دام ليس فيها ذكر الله، وليس فيها ما يمت إلى الإسلام بصلة فأهلاً وسهلاً ومرحباً.

    يقول شيخ الإسلام في هؤلاء القبائل الذين يدينون بالحاكمية لغير الله عز وجل، ويأخذون بقوانين وسواليف الأمراء والكبراء: فيرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر، فإن كثيراً من الناس أسلموا ولكن لا يحكمون إلا بالعادات الجارية التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار. هذا فيما يتعلق بالكلام في هؤلاء.

    ينبغي أيضاً أن تعلمهم أنه يجب التحاكم إلى شريعة الله، وأن الإعراض عنها كفر، فإذا استحلوا ذلك بعد قيام الحجة عليهم وبلوغ الأدلة بطريقة لا يبقى معها شبهة حينئذٍ يحكم عليهم بهذا الحكم.

    يقول شيخ الإسلام رحمه الله: فمن فعل المحارم مستحلاً لها فهو كافر بالاتفاق، فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل، والاستحلال: اعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارةً بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية، وخلل في الإيمان بالرسالة ويكون جحداً محضاً مبنياً على غير مقدمة، وتارةً يعلم أن الله حرمها، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرم الله، ثم يمتنع من التزام هذا التحريم ويعاند المحرم، يعني: يقر بأن هذا حكم الله، لكن عناداً واستكباراً يتركه، وهذا أشد كفراً ممن قبله. وقد يكون هذا مع علمه أن من يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه، ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته، فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمرداً أو اتباعاً لهوى، وحقيقته كفر.

    الحقيقة أن قضايا الحاكمية شديدة الحساسية، ولها ارتباط وثيق جداً بالعقيدة؛ فإذا كانت أي دولة لها قوانين، ولها دستور، ولها أوضاع تقدسها.. إذا كان هؤلاء يغارون ويثأرون ويهيجون إذا طعن في شرائعهم وقوانينهم، ويهددون ويتوعدون من يخالفهم في ذلك أو يحاول تغييرها، إذا كان هذا فعلهم في حق شريعتهم الباطلة أو قوانينهم الكفرية، فأولى ثم أولى بأهل الحق الذين يعتقدون في هذه القضية إما هذا كفر أو إسلام أن يشهروا ذلك، فهي ليست عقيدة سرية، بل إننا نعتقد أن من لم يحكم بغير ما أنزل الله أنه كافر، وليس هناك أسرار في العقيدة. هذا هو القرآن، وهذا هو حكم الله عز وجل، فإذا كان أهل الباطل يغارون على باطلهم هذه الغيرة فأولى ثم أولى بأهل الحق ألا تتزحزح هذه البديهية الإيمانية في قلوبهم قيد شعرة.

    يقول الشيخ الإمام ابن القيم رحمه الله: والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة وعدل عنه عصياناً مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب يعني: أن هذا حكم الله والحكم به غير واجب، فهذا كفر أكبر، فإن جهل وأخطأ فهذا حكمه حكم المخطئين.

    يعني إن كان أتى الباب من بابه، وكان رجلاً من أهل الاجتهاد، وبذل وسعه في الاجتهاد فخالف حكم الله وأخطأ في اجتهاده. فهذا مأجور مع أنه خالف حكم الله، فإن أصاب فإنه يضاعف له الأجر.

    1.   

    خلافات التكفير بين الاتجاهات الإسلامية المعاصرة

    الكلام في هذه القضية له خلاف كبير بين الناس، وكل من ينتمي إلى الاتجاهات الإسلامية التي تجعل الإسلام هو مبدأها ومعادها والحاكم عليها، والخلاف فيها إنما هو خلاف نظري إلى حد بعيد.

    فهناك اتفاق بين كل من ينتمي إلى هذا الدين وللدعوة الإسلامية على أن من كذب بحكم الله، أو رد حكم الله عناداً واستكباراً، فهذا كافر كفراً أكبر خارج عن الملة، حتى الذين يعتقدون أن الإيمان هو التصديق، فهم لا يطيقون هذا التعبير ويضيفون إليه ضابطاً وقيداً هو: والتصديق الذي يستلزم الانقياد، والدليل على ذلك: حال المشركين والكافرين، فأئمة الكفر الذين صدقوا أن الرسول رسول من عند الله، لكنهم لم ينقادوا لشرعه.

    فالخلاف الذي يقع في هذه القضية هو الخلاف في ناحية التطبيق وليس في الناحية النظرية، وهذا ينبغي استصحابه عند مناقشة مواقف الجهات الإسلامية من قضية التكفير، فلابد أن يستحضر الإنسان أن الذي يخالف في هذه القضية هو لا يدافع عن الكفر، هو في الحقيقة يصف الكفر بأنه كفر، فلا نتصور مسلماً أبداً يصح له إسلامه وهو يعتقد أن من كذب بحكم الله، أو رد حكم الله، أو طعن في حكم الله يبقى له من الإسلام قيد شعرة، فهذا لا يختلف عليه، لكن الكلام هو في الجانب التطبيقي منه، وبالذات تطبيق صورة الرد، متى نحكم على شخص أنه رد حكم الله؟ التكذيب لا يقع إلا في النادر، والتكذيب الصريح يتحاشى الطواغيت الوقوع فيه، وإنما هم يستترون في الغالب وراء التكذيب المقنع، فمنهم من يصرح، ومنهم من يلمح، ومنهم من يلتمس وينتحل المعاذير.

    فمن الظلم البين في هذه القضية ذلك السلاح الذي يشهره بعض أصحاب الاتجاهات، فهو عندما يشعر بالوحشة بسبب ما هو فيه من البدعة، فيحاول أن يستأنس ويزيل هذه الوحشة، بالذات إذا كان مخالفوه على شيء من العلم، فيحاول أن يمارس نوعاً من الإرهاب الفكري، ويشهر السيف المعروف وهو قاعدة: من لم يكفر الكافر فهو كافر، وسنأتي إلى ذلك بعد بالتفصيل، لكن هذه صورة من صور التكذيب: أنك إذا لم توافقه تصير أنت أيضاً كافر، إذا ما كفرت فلاناً باسمه فتصير أنت أيضاً كافر؛ لأن هذا يعني أنك راض بكفره، والرضا عن الكفر كفر.

    وهذا مزلة خطيرة، لابد للإنسان أن ينتبه في هذه الحال، الشرط الذي يتورع عن التكفير هو لا يدافع عن الكفر ولا يخاف على الحاكم بغير ما أنزل الله بقدر خوفه على نفسه هو؛ لأنه يستحضر حينئذ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال لأخيه: يا كفر! فقد باء بها أحدهما)، إن أخطأ في هذا الأمر سوف يرتد إلى الكفر.

    ونبهنا مراراً: أن أولى الناس بالحذر والخوف والتورع في جانب التكفير هم الذين يعتقدون أنه ليس هناك كفر دون كفر؛ لأنه إذا أخطأ في تكفير شخص من المسلمين وهو في الحقيقة مسلم، فإن لم يكن كافراً في الحقيقة فسوف يعود عليه حكم الكفر، لكن كيف يفهم هو هذا الحديث: (من قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال وإلا حارت أو عادت عليه) هل هو يعتقد: أن هذا كفر دون كفر كما يعتقد أهل السنة والجماعة في من أخطأ في الحكم على غيره؟ لا، هو يعتقد أنه سيخرج من الملة، وسيصير مثل فرعون وهامان وقارون وغيرهم من أئمة الكفر، فلذلك هو أولى بالتورع؛ لأنه إذا أخطأ فسوف يدخل -في نظره هو- كفراً أكبر، فينبغي أن يكون حظه من الاحتياط والتورع أعظم من غيره ممن يعتقد أنه إذا أخطأ ستكون مجرد معصية.

    فرفع سلاح: من لم يكفر الكافر فهو كافر. هذه صورة من الإرهاب الفكري، وفي نفس الوقت صورة من الانحراف العلمي؛ لأنه هو غير راض بكفره، لأن الخلاف في الجانب التطبيقي فقط. فما في شك أن من اشتبهت عليه قضايا مثل الحكم بالكفر ليس أمراً هيناً، وإنما يترتب عليه من الآثار العظيمة في الدنيا والآخرة ما الله به عليم، ويكفي من بعض هذه الآثار في الدنيا فقط: ما رأينا من وقوع القوم في استحلال كثير من المحرمات، وانتهاك الأعراض حينما يكفرون شخصاً ويأخذون بعض نسائهم ويتزوجونهن، وهو غارق في وحل الكبيرة والفاحشة ويتصور أنه يطبق حكم الله عز وجل؛ لأن هذه امرأة رجل كافر، وهو أنقذها من أن تكون زوجة لهذا الكافر الذي يكفره هو، فيستحلون الأعراض والأرواح، والأموال، ومعروف في التاريخ التصفية الدموية التي كان يمارسها الخوارج المعاصرين من جماعة شكري مصطفى ، وما أحدثوه من الفساد العريض في الأرض.

    فهذا خطأ يترتب عليه سلوك عملي وليس مجرد ترف فكري، أو خلاف شكلي، إنما الذي يترتب عليه استحلال كثير من المحرمات، فالتورع في هذا الباب لمن يخشى الزلل والسقوط، هذا أمر محمود ولا ينبغي أن يعاقب ولا يلام عليه فضلاً عن وصفه بأنه تنطبق عليه من لم يكفر الكافر فهو كافر.

    فهو في الحقيقة يكفر الكافر كنوع.

    أما التعيين: فإذا قال الشخص مثلاً: أنا أقول ما يقوله العلماء، أو إذا وجد قضاء شرعي يحكم في هؤلاء بحكم الله، فهذا أحسن ما يتخلص به الإنسان من والوقوع في ورطة القول على الله تبارك وتعالى بغير علم.

    فالحقيقة أن الخلاف التطبيقي إنما يكاد ينحصر في: كيف نحكم على الشخص أنه رد حكم الله؟ لأنه يندر جداً أن تجد حاكماً يصرح بأنه يكذب حكم الله، كذلك أيضاً يندر من تجده يطعن في حكم الله، ويصفه مثلاً بالرجعية أو الهمجية أو الوحشية، فإن عامة القوم يتحاشون من ذلك ويهربون إلى حيل أخرى، لكن الخلاف غالباً يكون: على أي أساس نحكم على شخص بأنه رد حكم الله تبارك وتعالى؟

    ذكرنا: أن الرد عكس القبول، ويعني هذا: أن شخصاً يعلن أنه لا يقبل الحكم بشريعة الله تبارك وتعالى، وأنه لن ينقاد لهذه الشريعة في واقع الحياة، وهاتان هما صورتا الرد: أنه يعلن أنه لن يقبل الحكم بالشريعة، فهذه صورة مكفرة من صور الرد.

    أيضاً: أنه لن يقبل الانقياد لهذه الشريعة في واقع الحياة، هذا في الواقع العملي له صور متعددة وأنواع متفاوتة، لكن كلها يجمع بينها هذا القدر.

    أيضاً: قد يكون الرد متفاوتاً في درجة وضوحة؛ فبعض الناس يرد رداً واضحاً وجلياً، ومنه أنواعاً دقيقة ملتبسة قد أخفى على عموم الناس وما بينهما درجات متفاوتة، ومنها ما يكون أقرب إلى النوع الأول وواضح جلي، ومنها ما يكون أقرب إلى النوع الثاني.

    فمثلاً: لو أن رجلاً أعلن أن الشريعة الإسلامية غير مناسبة للتطبيق، أي أنها لا تناسب هذا العصر، أو انتقدها، أو ندد ببعض الأحكام الشرعية، فلا خلاف بين اثنين أن هذه من أقبح صور الرد وأصرحها، وكل المسلمين يتفقون على كفر صاحبها، ولا يختلفون في ذلك طرفة عين.

    فإن كان ثمة خلاف فالخلاف لن يتعلق بالأصول، وسوف يتعلق بالفروع والإجراءات كمدى اعتبار عارض الجهل بالنسبة لهؤلاء أو عدم اعتباره، لكن لا يختلفون أن هذا الفعل كفر أكبر، لكن هل هناك من عذر أو تأويل أو غير ذلك من العوارض التي أشرنا إليها من قبل؟

    هذا هو محل الخلاف؛ لأن صور الرفض ليست بنفس الدرجة من الوضوح والصراحة، لذلك ينشأ الالتباس والنزاع بين الناس في هذه القضية.

    أيضاً: بالنسبة لمسألة تحكيم القوانين الوضعية، وإظهار أحكام عامة ملزمة لكافة الناس تتقيد بها الأجيال الحاضرة والمستقبلة، وهذه الأحكام تكون معارضة لحكم الله عز وجل، معطلة لحدوده، محلة لحرمته، وتقديم الحكم بها والتحاكم إليها على الحكم والتحاكم إلى الكتاب والسنة، بل والحلف، والقسم على الإخلاص لها في الظاهر والباطن، هذه الصورة لا شك أنها صورة جلية من صور الرد والرفض لما أنزل الله تبارك وتعالى.

    أيضاً: بعض الناس قد يوردون هنا شبهة على هذا الوضع، فيقولون: إن هؤلاء ورثوا هذه الأحكام ممن قبلهم ولم يستأنفوها هم أو لم يفعلوها، كما أنهم أيضاً لم يعلنوا إلغاءها من ناحية، ولم يعلنوا رفضهم الكامل للشريعة من ناحية أخرى، فتجتمع في حكم ما يظهر أمور متعارضة، فهم باستمساكهم بالقوانين الوضعية وتحكيمها في الأمة، وإلزام الأمة بها، وعقوبة الخارج على هذه القوانين قد تحقق لديهم ما تحقق لدى من استأنفوا إصدار هذه القوانين من رد ما أنزل الله تبارك وتعالى، وهذا الرد أحد المناطين المكفرين في القضية.

    أيضاً: هم حينما يعلنون الإيمان بالشريعة من جانب آخر، وأنهم يسعون إلى تطبيقها، ويزيدون بذلك في مختلف المناسبات، ويعتذرون عن التباطؤ في ذلك؛ لأنهم يريدون تهيئة الظروف وتحقيق الملائمة السياسية وغير ذلك مما ينتحلونه أو ينتحل لهم من المعاذير عند من يحسن الظن بهم تنتفي حينئذ دلالة الرد السابقة، ولا يحكمون عليهم بأنهم ردوا حكم الله، وإنما يلتمسون ويقبلون مثل هذه المعاذير.

    فالناس ينقسمون في هؤلاء إلى أقسام عدة: فمنهم من يقضي باعتبارهم كفاراً مارقين؛ لأن الحال الظاهر يكذب ما يدعونه من العمل على التغيير، وأن هذا خداع للأمة لا غير، فهؤلاء إذا تحقق كذبهم في ادعاء التغيير، حينئذ يثبت في حقهم أنهم ردوا الأحكام الشرعية، وهذا كما ذكرنا من المناطات المكفرة.

    لكن من الناس من صدق هذه المعاذير، وقضى باعتبارهم من أئمة الجور؛ لأنهم يعلنون الإسلام من ناحية ولا يتحقق في حالهم، ولم يثبت أنهم ردوا بالفعل الأحكام الشرعية من ناحية أخرى بناء على ما يدعونه من السعي في التغيير وإعلان الإيمان بالشريعة، بل منهم من يغلو في إحسان الظن بالتصريحات التي يصدرونها فيعذرهم في تعويق الأحكام الشرعية بما يدعونه من المعاذير، فلا يشهد عليهم لا بكفر ولا بجور ولا بظلم، وبل يعطيهم من الولاء ما يعطى للخلفاء الراشدين وأئمة العدل المهديين.

    أيضاً من الناس من يقضي باعتبارهم منافقين؛ لأنهم يظهرون خلاف ما يبطنون، ويسرون خلاف ما يعلنون.

    هذا التباين في حكم الناس في هذه القضية يجد أن الأساس في الخلاف ليس هو في وصف الكفر بأنه كفر أو المعصية بأنها معصية، إنما الخلاف في تحقيق هذا الواقع، ومدى دقة كل طرف في رؤية الأحداث وتحليلها بهذه الدقة.

    ففي الحقيقة هذا ليس خلافاً حول بعض أصول الدين حتى يكفر من يخالف في هذه الفوائق الذي ذكرناها، فالخلاف ليس راجعاً إلى قضية من أصول الدين؛ لأن كلاً منهم يعتقد أن من رد حكم الله، ومن كذب بحكم الله فهو كافر، فهذا موضع اتفاق بين جميع المسلمين الموجودين في الساحة الإسلامية.

    فهذا خلاف في الحقيقة حول رفض الواقع، وتحليل أحداثه، والبناء عليها، فالشبهة نشأت من أن القوم الذين يحكمون بغير ما أنزل الله قد ورثوا هذه الأحكام ممن قبلهم، وأنهم بين وقت وآخر يكررون الإعلان بأنهم ساعون في التغيير، وأنهم عاملون على تهيئة المناخ الملائم لتطبيق هذه الشريعة.

    هذا ما يتعلق باختصار حول قضية الحاكمية، وحول بعض النقاط التي هي محل نظر في البحث المسمى بحد الإسلام وحقيقة الإيمان.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2738065987

    عدد مرات الحفظ

    684530973