إسلام ويب

غزوة بدرللشيخ : عبد الله الجلالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كانت معركة بدر الكبرى في اليوم السابع عشر من رمضان، وكانت معركة حاسمة غيرت مجرى التاريخ، وقد سمى الله تعالى ذلك اليوم بيوم الفرقان؛ لأنها فرقت بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وبين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وقد جعل الله تعالى فيها من العبر والدروس ما يجب على المسلمين أن يستفيدوا منها في واقع حياتهم، ولا يجعلوها ذكرى عابرة للاحتفال، والإكثار في المجالس من القيل والقال، بل علينا أن نستفيد منها في الأعمال والفعال.

    1.   

    سبب معركة بدر ووقتها وبدايتها

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قوته لا تقهر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.

    اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! اتقوا الله تعالى وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، وسيروا على النهج القويم تدركوا النصر.

    يقول الله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران:123-128].

    معشر المسلمين! إن شهر رمضان ميدان للجهاد في سبيل الله، وليس للنوم واللهو واللعب كما يتصوره طائفة من البشر، إنه ميدان للجهاد المقدس الذي رفع شأن المسلمين وأقام دولة الإسلام الشامخة، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ففي مثل هذه الأيام بل في مثل يوم غد وقف الإسلام والكفر وجهاً لوجه، فكان النصر فيه للمسلمين الذين عاهدوا الله عز وجل على الجهاد في سبيله، والذين بذلوا أنفسهم وأموالهم ودماءهم في سبيل الله.

    لقد وقف الإسلام والكفر، فانتصر الإسلام نصراً خارقاً، وحينئذ بالرغم من قلة العدد وكثرة العدو فلقد تعطلت كل نواميس الحياة، واختلت المقاييس المادية حينما وقف الإيمان بحق في وجه الكفر، لقد كانت موقعة بدر في مثل هذه الأيام، وانطلق موكب صغير في حجمه، عظيم في قدره، يريد أن يأخذ عيراً لقريش؛ ليسترد شيئاً من أمواله التي خلفها هناك في مكة على غير استعداد ولا إرادة قتال، وحينئذ أصبح لا مناص من القتال حينما أقبلت قريش بخيلها وخيلائها: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة:32].

    استشارة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وبدء المعركة

    وحينئذ وقف عليه الصلاة والسلام يستشير قومه أصحاب العدد القليل في القتال، فيحبذ المؤمنون القتال، ويقوم زعيم المهاجرين المقداد بن الأسود رضي الله عنه فيقول: يا رسول الله! والله لقد آمنا بك وصدقناك، فلو خضت بنا برك الغماد لخضناها معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]، ولكن: اذهب فقاتل فإنا معك مقاتلون. فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال مرة أخرى: (أشيروا علي معشر القوم -وكأنه يريد أن يأخذ رأي الأنصار- فقام سعد بن معاذ رضي الله عنه وقال: يا رسول الله! لعلك تعنينا، والله لقد آمنا بك وصدقناك، وعلمنا أن ما جئت به هو الحق، والله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه وراءك -يشير إلى البحر الأحمر- ما تخلف منا رجل واحد، وإنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، وإنا لنرجو أن يريك الله منا ما تقر به عينك). فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقضى ليلة سبعة عشر من رمضان -أي مثل هذه الليلة- ما بين ساجد وراكع لله عز وجل، يمد أكف الضراعة ويستدر رحمة الله عز وجل، ويقول لربه: (اللهم أنجزني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصبة لا تعبد في الأرض).

    وهكذا يكرر رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة توسله بين يدي الله، حتى إذا كان الصباح وبدأت المعركة، كانت قد أعطت لوناً جديداً من الجهاد لم يعرفه تاريخ الإنسان منذ القدم، لقد وقف هذا العدد القليل أمام ذلكم الحشد المسلح، ثم ينتصر المسلمون في المعركة! ولقد وصفها لنا أحد أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يقول: والله إننا لنرى الرأس يطير، ونرى اليد تقطع، ولا نرى من الذي يفعل ذلك! لأن الله سبحانه وتعالى يقول: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:12-13].

    انتصار المسلمين في المعركة

    1.   

    أخذ العبر والدروس من معركة بدر

    إن هذه الآية تتجدد بعد كل فترة، فإذا ضعف المسلمون وتأخروا عن دينهم برزت تلك الآية، ولعل هذه الآية تبرز اليوم كثيراً ونحن نسمع مئات الملايين من المسلمين؛ بل نسمع عشرات الملايين من العرب يغلبون أمام عدد قليل؛ لأنهم تركوا الجهاد في سبيل الله بحق؛ لأنهم عصوا الله في أيام الأمن والرخاء، فيرفع الله سبحانه وتعالى يده عنهم أيام الشدة، إنها آية عظيمة، هذه الآية حينما نرى المسلمين اليوم يعيشون معذبين تحت مطارق الكافرين، بالرغم من تلكم الإحصائيات الضخمة أمام أعدائهم، وما عرف المسلمون الهزيمة في تاريخهم الطويل، اللهم إلا إذا تأخروا عن دينهم وركبوا المعاصي والآثام، أو تهاونوا بالواجبات.

    إن المسلمين اليوم يستحقون النصر لو كان لهم قائد أعلى مثل محمد صلى الله عليه وسلم، يقضي ليلة المعركة ما بين ساجد وراكع لله، بعد أن يطهر مجتمعه من الفساد والانحراف والمعصية.. إنهم يستحقون نزول الملائكة اليوم لو كان فيهم قادة أمثال سعد بن معاذ والمقداد بن الأسود ، لا يبالون بأن يركبوا الماء بدون سفينة في سبيل الله.. إنهم يستحقون هذا النصر لو كان فيهم جنود مثل عمير بن الحباب رضي الله عنه، الذي ما كاد يسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقاتلهم اليوم مؤمن صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا وجبت له الجنة)، وكان يحمل تمرات في قرنه فيقذفها على الأرض ويقول: والله إنها لحياة طويلة إن أكلت هذه التمرات قبل أن ألقى الله عز وجل!

    أما اليوم وقد ركب الناس هذه المعاصي والآثام، وتدربت كثير من جيوش المسلمين في بلاد الكفر وركبوا هناك كثيراً من المعاصي، وتدرب الناس عامة أو أكثرهم على موائد التلفاز والفيديو، وعلى الأفلام الخليعة التي غيرت مجرى حياتهم؛ فرفع الله عز وجل النصر عنهم.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران:123].

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    حكم إحياء ليلة سبعة عشر من رمضان

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحبه ربنا ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! إن معارك الإسلام ومواقفه المشرفة لا يجوز أن تتحول إلى ذكريات بعد أن كانت حقائق رفعت شأن الإسلام والمسلمين، وإذا كان هناك طائفة ممن يشعرون بالهزيمة اليوم في أيامهم أمام هذه الجيوش التي رفع الله عز وجل يده عنها، يريدون أن نكتفي من موقعة بدر بذكريات نقيمها ليلة سبعة عشر من رمضان! إن هذه بدعة لم ينزل الله عز وجل بها من سلطان، فما أحيا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الليلة أبداً في غير تلك المعركة، وما فعل ذلك أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إن هذه الذكرى يجب ألا تمر مر الكرام في أذهان المسلمين، يجب أن يفتشوا في أنفسهم، وينظروا في واقعهم المرير وهم يعيشون مستضعفين تحت مطارق الكافرين، وحينئذ عليهم أن يعاهدوا الله عز وجل على التوبة، وعلى العمل الصالح: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30].

    ونحن في هذه الذكرى وهي تمر بنا في هذه الأيام، ونحن نرى العالم الإسلامي كله محاطاً بأعدائه، محاطاً بالشيوعية وأعوانهم من كل جانب، وباليهودية من جوانب أخرى، هذه الذكرى يجب ألا تمر عابرة، ويجب على كل مسلم أن يفتش عن نفسه، وأن يسعى في إصلاح مجتمعه؛ لتعود لهذا المجتمع عزته وكرامته وقتئذ؛ فإن نصر الله قريب، وإن الله يقول: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171-173].

    حينما نكون من جند الله، وحينما نبرم العهد مع الله عز وجل؛ فإن نصر الله قريب، وإن رحمة الله قريب من المحسنين.

    1.   

    فضل العشر الأواخر من رمضان

    معشر المسلمين! إننا نستقبل أياماً فاضلة، أيام العشر الأواخر من رمضان، التي فيها ليلة القدر التي يقول الله سبحانه وتعالى فيها: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:3]، ويقول: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [الدخان:3].

    فانتبهوا لهذا الأمر، وعاهدوا الله على العمل، وجددوا التوبة مع الله، واجتهدوا في مثل هذه الأيام الفاضلة، وأكثروا من الركوع والسجود والتضرع بين يدي الله، فإننا نعيش فتنة عمياء، ومصيبة لم يمر مثلها في تاريخ الإنسان الطويل، فأكثروا من السجود والركوع والتضرع بين يدي الله عز وجل، واسألوه مخلصين له الدين أن يرد المسلمين إليه رداً جميلاً، وأن يعيد للأمة الإسلامية مجدها وعزتها وكرامتها.

    عباد الله! إن أصدق الحديث كتاب الله، وإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة.

    إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

    اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارض عن آله وأصحابه وأتباعه وأزواجه، اللهم ارض عنا معهم، وارزقنا حبهم، واجمعنا بهم في مستقر رحمتك.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم إنا نتوجه إليك في هذه الساعة الشريفة من هذا اليوم المبارك ونحن نستقبل ليلة بدر ويومها أن تعيد للأمة الإسلامية عزها ومجدها، اللهم أيد المجاهدين في سبيلك، اللهم قوّ جانبهم، وخذ بأيديهم إلى ما تحب وترضى، اللهم قوّ إخواننا المجاهدين في أفغانستان، وفي إرتيريا، وفي فلسطين، وفي سوريا، وفي كل مكان من الأرض يعذب الكافرون فيه المؤمنين.

    اللهم رد المسلمين إليك رداً جميلاً، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

    عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].