إسلام ويب

مخاطر الاغتيالاتللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أعظم وأخطر الاغتيالات الموجودة الآن في الساحة: اغتيال التدين الذي إذا ذهب واغتيل سفكت الدماء، وانتهكت الأعراض، وفشت الفاحشة وأعلن بها والعياذ بالله! وإن أعظم خطر قاتل للتدين والورع هو خطر القنوات الفضائية، فهي التي سلبت الحياء، وأمرضت النفوس، وأضعفت الإيمان، فكانت بئس المعول، ولم تثمر لنا إلا المر والحنظل.

    1.   

    حرمة اغتيال النفوس ومفاسدها

    الحمد لله جعل الإيمان عزاً وأماناً وجعل الإسلام فخراً وسلاماً، له الحمد سبحانه وتعالى أحسن إلينا بشريعته، وأكرمنا بطاعته، وجملنا بالتزام أحكامه، له الحمد سبحانه وتعالى كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد كثيراً طيباً مباركاً دائماً ما دامت السماوات والأرض.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ما من خير إلا وأرشدنا إليه، وكان أسبقنا إليه، وما من شر إلا وحذرنا منه وكان أبعدنا عنه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم، واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! مخاطر الاغتيالات، حديث يهمنا كثيراً، وبادئ ذي بدء: ليس حديثي مركزاً ولا مقصوراً على الاغتيالات بمعناها الذي تعرفونه، بما تشتمل عليه من قتل الغيلة، لأن الاغتيال في معناه إلحاق الشر أو القتل أو الضر بالإنسان خفيةً أو خدعةً، وكلنا يعلم هذه المخاطر من هذا المعنى المعروف، والأحداث التي جاءتنا قريباً في العاشر من هذا الشهر، وليس حديثنا عن هذا لأن حكمه معلوم، فإن القتل بغير حق حرام من أعظم الكبائر في دين الإسلام، وإن المفاسد التي تترتب على ذلك عظيمة لا تكاد تخفى على أحد، ولها أثر وخيم، وضرر كبير لا تخطئه العين.

    فكل قتل بغير مسوغ وسبب شرعي ظاهر فهو من أعظم المحرمات، والقتل العشوائي الذي لا يفرق بين كبير ولا صغير، ولا رجل ولا امرأة، ولا صالح ولا طالح، هو قطعاً مما يعلم أنه ليس له في الحل والمشروعية مكان ونصيب، إذ لم يكن مقصوداً به أعداء الله عز وجل من الكفرة والمحاربين المعتدين، وهناك مفاسد عظيمة ليس هذا حديثنا فيها، ومقامنا عنها، ولكننا نذكرها تمهيداً لما نريد الحديث عنه، ومنها: ترويع المسلمين، وإشاعة الخوف في قلوبهم.

    وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن من كان معه سهام ودخل إلى مسجد، فليأخذ بنصال سهامه لئلا يؤذي أو يروع المسلمين)، فكيف ومثل هذا القتل والاغتيال يجعل كل أحد يرى أنه قد يكون هو الضحية في ذلك؟! فلا يكاد أحد يأمن على نفس وروح، ولا على مال وملك، ولا على عرض وشرف.

    وفيه مفسدة أخرى وهي الاستهانة بالدماء، وهي من أعظم ما حرم الله عز وجل وعظم شأنها، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء).

    الدماء وما أدراك ما الدماء، كل شيء يهون بعد الإيمان والاعتقاد الصحيح، قال صلى الله عليه وسلم (لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً).

    وهذا القتل العشوائي الكبير الواسع كأنما يجرئ الناس على هذا الفعل، ويجعل النفس رخيصة لا قيمة لها، وذلك ليس من أحكام الإسلام، ولا من مقاصده، بل هي على النقيض من ذلك، وفيها مفسدة حصول الفتنة والاضطراب، وحيرة الآراء، وتبلبل الأفكار، واختلاف الظنون، وحصول كثير من هذه الأمور العظيمة التي تضطرب بها الأحوال، إضافة إلى إفادة أعداء الإسلام والمسلمين، فإن التفريق ليس بحاصل على وجه يدركه العاقل، بحيث يكون تمييزاً تاماً وكاملاً بين مسلم وآخر، ثم هو من جهة أخرى إضعاف لمواجهة الكفرة المعتدين المحتلين، لأن كل جهد يصرف في باب غير بابه، وفي أولوية غير أولويتها لا شك أنه يؤثر، وهذا أمره ظاهر بين، ولذا لا أفيض فيه.

    1.   

    اغتيال التدين والورع

    ومقصدي الأعظم هو نوع آخر من الاغتيالات لا يقل خطراً ولا يستهان به ضرراً، ولا يغفل عنه فتكاً، إذ هو اغتيال ينفذ إلى سويداء القلوب، وإلى أعماق النفوس، إنه اغتيال يجتث أصول وجذور التدين من قلوب المؤمنين، وهو إلى ذلك ينزع عنهم ما يجملهم من الأخلاق الفاضلة والقيم السامية، فيمسخهم حتى يصيروا كالبهائم والحيوانات، لا تعرف في حياتها إلا شهوة بطنها وفرجها.

    ذلكم الاغتيال الذي يسري بين صفوفنا، وتتشربه عقولنا، ويتسرب إلى نفوسنا، ويجوس بين ديارنا، ويختطف أبناءنا وبناتنا، ويغزونا في عقر دارنا، ويجري على ألسنتنا، ولا تخطئه عيوننا، ولا أسماعنا، أفلا ترون أنه أشد خطراً من قتل تزهق به النفس مرة واحدة؟!

    وقتل الروح والبدن أعظم من قتل الإيمان والخلق، فإن الإنسان بلا إيمان ولا أخلاق ليست له قيمة في دنياه، وليس له في الآخرة إلا جهنم وساءت مصيراً، ثم لا يرتقب منه إذا تجرد من إيمانه وخلقه، إلا كل فساد وضرر وخطر، ليس على نفسه فحسب، بل على البشرية كلها.

    تعريف الورع وفضله في الدين

    أولاً: اغتيال الورع والتدين:

    أيها المؤمنون! أيها المسلمون! يا أتباع محمد صلى الله عليه وسلم! يا من تستضيئون بضياء آيات القرآن، وتسترشدون بهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم! إن أعظم ثروة تملكونها، وأغلى قيمة تنطوي في صدوركم وقلوبكم هو ذلك الإيمان الذي يشع بالتدين والخوف من الله، والمراقبة له، والحياء منه، والرغبة والشوق إليه، ذلكم المعنى العظيم الذي يتحقق به الورع.

    ومن جميل ما في لغة العرب أنهم يقولون: إن الورع هو الكف عن المحارم والتحرر منها، وقال المناوي رحمه الله: الورع ترك ما يريبك، ونفي ما يعيبك، والأخذ بالأوثق، وحمل النفس على الأشق.

    وقيل في معناه: تجنب الشبهات ومراقبة الخطرات.

    وقيل: ترك ما لا بأس به حذراً مما به بأس.

    وأجمع وأوجز ابن القيم فقال عن الورع: هو ترك ما يخشى ضرره في الآخرة.

    يوم تعمر القلوب بالإيمان، وتصفو وتسمو وترتفع، فيكون أدنى محرم بل أيسر ما فيه شبهة، بل ربما ما فيه حل، تبتعد عنه طلباً للكمال، وسمواً إلى مرضاة الرحمن سبحانه وتعالى، فلا تجد إلا بصراً غاضاً عن الحرام، ولساناً كافاً عن الآثام، وجوارح متزينة بزينة التقوى، متحلية بحلية الإيمان.

    ولذلك انظروا إلى كلام علمائنا وأئمتنا وهم يجلون لنا هذا المعنى العظيم في التدين والورع، فيقول الراغب : إنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: واجب وهو في ترك المحارم، ومندوب وهو في ترك الشبهات، وفضل وهو في ترك بعض المباحات، هذا التدين والورع والمراقبة التي نكاد اليوم نفقدها إلا من رحم الله.

    استمعوا إلى حديث حذيفة بن اليمان وهو يروي عن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم كلمات من جوامع كلمه، يقول فيها عليه الصلاة والسلام: (خير دينك الورع) رواه البزار والطبراني والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.

    وكلكم يستمع ويذكر الحديث المشهور عن وابصة بن معبد رضي الله عنه، قال: (جئت أسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإثم، فقال: جئت تسأل عن الإثم؟ قلت: يا رسول الله! ما جئت إلا لذلك، فقال: عليه الصلاة والسلام: البر ما انشرح له صدرك، والإثم ما حاك في صدرك وإن أفتاك عنه الناس) رواه الإمام أحمد وجود المنذري إسناده.

    أي قلب هذا الذي نستفتيه اليوم وهو اليوم يكاد يفتي في المحرمات المقطوع بها بأنها حلال زلال، أصفى من الماء؟

    وأي صدور تلك التي تضيق بالمنكرات، وقد أصبحت في كل حركة وسكنة، وفي كل لحظة وثانية، وفي كل مكان حتى في عقر البيوت؟

    السلف الصالح واهتمامهم بالورع

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29].

    أي: يجعل لكم قلوباً حية بالإيمان، مشرقة بالتقوى، تفرق بين الحق والباطل، وتنقبض من الباطل وإن لم تعرف دليلاً على حرمته، وتمتنع عن الشبهة وإن لم تعرف وجه الاشتباه فيها، ذلك ما كان عليه أهل الإيمان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ومن تبعهم على ذلك بإحسان.

    فهذا الحسن البصري رحمه الله يقول: (أدركت أقواماً هم أخوف منكم من سيئاتكم، من أن تقبل منهم حسناتهم)، أي: خوفهم أعظم منكم، ليس خوفاً من السيئات، بل خوفاً من عدم قبول الحسنات (وكانوا يدعون ما لا بأس فيه، مخافة أن يكون فيه بأس، وأصبحتم تفعلون ما فيه بأس رجاء أن لا يكون فيه بأس).

    واستمعوا إلى حديث أبي قتادة وأبي الدرداء رضي الله عنهما، قالا: (أتينا رجلاً من أهل البادية فقلنا له: هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً؟ قال: سمعته عليه الصلاة والسلام يقول: إنك لن تدع شيئاً لله عز وجل إلا أبدلك الله به ما هو خير منه)، وفي رواية أخرى: (إنك لن تدع شيئاً اتقاء الله عز وجل إلا أعطاك الله خيراً منه)، أورده الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رواه أحمد بأسانيد ورجاله رجال الصحيح.

    أين هذا الفقه الإيماني؟ أين القلوب التي تترك المحرمات والشبهات والمباحات، تعلقاً بما ترجوه من الثواب والحسنات والدرجات؟!

    أين أولئك الذين يعفون ويمتنعون وللأبصار يغضون، وعن الحرام لأيديهم يكفون؟!

    أين تلك المعاني الإيمانية؟ أين التدين الذي تمتلئ به النفس ويفيض به القلب، ويذكره الإنسان في كل لحظة وسكنة، ويتمثله في كل كلمة وقول؟!

    تأملوا معي ما تعرفونه وتحفظونه جزماً حديث الحسن بن علي رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، دع ما فيه شك واتركه، واذهب إلى ما لا شك فيه، كم من أمور تراودنا الشكوك، بل أحياناً تكون أقطع وأظهر من الشمس في رابعة النهار، ثم نفعلها ونقولها ونمارسها، ونقول لعلها كذا وكذا.. وفي المسألة قولان، وهناك من قال بغير ذلك، ولماذا تكون متشدداً؟! واليوم قد أصبح على ما كان عليه من قبل، إلى غير ذلك من الترهات وأحابيل الشيطان، وإغواء النفس، وأظاليم أهل الفسق والفجور، ومكر أهل الكفر بأهل الإسلام.

    ثم انظر كذلك إلى ما رواه عطية السعدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس)، رواه الترمذي وابن ماجة في سننهما، وحسنه ابن الأثير .

    خطر القنوات الفضائية على التدين والورع

    واستمعوا إلى ما هو أخطر من ذلك، فإن أمر اغتيال التدين والورع معناه: أن تموت القلوب، وأن يذهب نورها وإشراقها، فلا يعرف حينئذ حلال من حرام، ولا تعرف حرمة من شبهة، بل تنقلب الأمور، ويصبح المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، وتلتبس على الناس الآراء، وتستبد بهم الأهواء، كلنا يعلم أن ذلك واقع.

    وحديثي اليوم عنه في هذه الوسائل الإعلامية، التي لا بد من تكرار الحديث عنها وعن خطرها وضررها، وأنها يمكن أن تصل بك إلى أن تقتلع جذور الإيمان الحقيقي من قلبك، وأن تمسخك مسخاً من كل فضيلة وخلق.

    أفليس هذا الذي ذكرناه من نزع معنى الحرمة من القلوب، ومن اقتلاع جذور المراقبة والتدين لله عز وجل من النفوس، ظاهراً في هذه الأحوال التي تبثها الفضائيات الفاسدة المفسدة؟ يقولون لنا: إن هناك مسائل مختلفاً فيها، فوجه المرأة أو كفاها للعلماء فيها أقوال، لكنني وأنتم معي، وكل عاقل ومسلم في شرق الأرض وغربها، لم نسمع أن هناك اختلافاً في كشف الشعور، وإظهار الصدور، وإبداء النحور، والتميع والتكسر، والتخنث والتهتك، والفسق المعلن، والمجاهرة بالمعصية فيما يسمونه غناءً، وكلماته الآثمة، وحركاته المثيرة المغرية.

    وليس ذلك فحسب، بل ذلك يكرر على الناس صباح مساء حتى فرغت له القنوات، منذ انشقاق الفجر إلى انقضاء الليل وأنت لا ترى إلا أجساداً عارية، وحركات مائلة، ورقصاً داعراً، وحركات بين رجال ونساء، ثم بعد هذا كله يقال: إن هذا فن ترقى به الأمة.

    ويأتونك بذلك الرجل، أو بتلك المرأة ولا أجد حرجاً في أن أقول: الداعر والداعرة، أو الساقط والساقطة، ليكون لهم معهم مقابلة، وما هي معاناته في ذلك، وما هي مشاريعه المستقبلية، وماذا يود أن يقول لجمهوره، وما هي آراؤه وخدماته للناس وللأمة، بل أكثر من ذلك: يقدم لنا على أنه النموذج الأمثل لأبنائنا وبناتنا.

    بل إنكم تعلمون ما يبث من البرامج، يجمع بين الشباب والشابات، في ضحك ولعب وقبل وعناق، لا حرمة لاختلاط، ولا حرمة لكشف عورات، ولا حرمة لقبلات، ولا حرمة لكل هذه الأمور المجزوم المقطوع بحرمتها، تطبع المنكرات، ويراد أن تتقبلها النفوس، وتتشربها القلوب، وتقتنع بها العقول، ثم يضفى عليها هالة من الاحترام، رغم أنها ليس لها منه أدنى حظ ولا نصيب، وكم نرى ونسمع عن أولئك ما يندى له الجبين.

    أقول: إن هذا خطورته أنه يغتال المعاني الإيمانية، والورع والتدين، ويقلب الأمور رأساً على عقب، ويجعل صاحب الحرام الذي ينبغي أن يستتر به إذا ابتلي، يظهر به أمام الناس، ويبيعه ويشيعه ويعلنه، وهناك من يدفع له المال من جيوب المسلمين، ومما أنعم الله به عليه، ثم يبثه للناس ليوظف هذا المال الذي هو من نعمة الله في حرمة قاطعة وإفساد عظيم، ويتقلب هذا الأمر ليصبح اليوم واقعاً، حتى إنك تسمع من المسلمين المؤمنين من قد يقول: بأن هذا الحرام فيه نظر.

    وبالأمس جاءني من يسألني سؤالين عجبت لهما، وهو يسألني بعد انقضاء الصلاة عند باب المسجد، وهذان السؤالان يكشفان لنا عما يدور بين الناس، وما حصل من فتك واغتيال لمعاني التدين والفضيلة في نفوسهم وعقولهم، قال: ما حكم رجل يريد من زوجته أن تقدم لأصدقائه الضيافة، وأن تدخل عليهم بلا حجاب، بل يريدها أن تختلط بهم، وأن تعطيهم من مفاتنها ومحاسنها، وتكون معهم وترفه عنهم؟! فقلت: هل يسأل عن مثل هذا وحكمه مسلم؟!

    ثم زاد سؤالاً آخر، قال: وما حكم هذا الرجل إذا كان يحاول ممارسة شيء من الفاحشة والأفعال القبيحة مع زوجة ابنه، ويسأل عن هذا سؤالاً يريد له جواباً لينقله لغيره، أقول هذا لا لنعظم الأمر ونجعل الصورة سوداء، ولكن لا بد من أن نحذر وأن ننتبه، وأن المسألة تبدأ قليلاً ثم تعظم وتتضاعف، وتزداد إلى أن نصل إلى الأمر الخطير، قالوا لك في الغناء خلاف، لكنهم لم يقولوا في شأن غناء النساء، وفي شأن غناء النساء مع التهتك والتبرج، وفي شأن الغناء اليوم الذي لا يتم إلا بجمع رجال ونساء في أحوال لا يشك عاقل في أنها مقصودة؛ لكي تقلب الأمور، وتغير القلوب والنفوس، والله جل وعلا يقول: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النحل:116].

    قال ابن كثير في تفسيره: ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلل شيئاً مما حرم الله أو حرم شيئاً مما أحل الله، بمجرد رأيه وتشهيه، وهؤلاء يحلون اليوم ما حرم الله، ليس استنباطاً بل نصاً من أقوالهم، فهم يقولون لك: إنه ليس هناك حرمة في الفن، وليس هناك حرمة في كذا وكذا.. ومقصودهم ظاهر بين ذلك، بل يتحدثون به عن أنفسهم وعن العمل الذي يقومون به، والفن الذي يقدمونه، وهو اليوم يكاد تظهر فيه هذه المرأة المغنية وهي لا تلبس إلا ما يستر السوأة، مع ما تقدمه من حركات وكلمات بذيئة فاحشة، والله سبحانه وتعالى يقول: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا [يونس:59].

    قال: ابن كثير : والله سبحانه وتعالى قد أنكر على من حرم ما أحل الله، وأحل ما حرم بمجرد الآراء والأهواء التي لا مستند لها ولا دليل عليها، والأمر في هذا ظاهر، والخطر فيه عظيم، وهو أخطر من اغتيال القتل المعلوم، لأن قتل التدين في النفوس أشد خطراً وضرراً.

    نسأل الله عز وجل أن يحفظ علينا إيماننا وأخلاقنا، وأن يعصمنا وأبناءنا وبناتنا وأسرنا من هذا الفسق والفجور، وعظائم الأمور، إنه ولي ذلك والقادر عليه، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.