إسلام ويب

المسلم بين الظن واليقينللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اليقين أمر مطلوب، وواجب على العبد أن يكون على يقين في إيمانه واعتقاده وعبادته وقبوله ونقله للأخبار، فأهل الظنون والشكوك لا ينظرون إلى العاقبة، ولا يدرون ما يحمله ظنهم من أثر على نفوسهم، وضعف في قلوبهم، وشك في أمرهم، فتجد اعتقادهم مهزوزاً، وإيمانهم مشكوكاً، وهكذا عاقبة كل من لم يسلم إلى نصوص الوحي أمره، ويقدر كتاب الله حق قدره، ويعظم سنة محمد صلى الله عليه وسلم حق التعظيم.

    1.   

    حقيقة الظن في الشرع

    الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، رفع السموات بلا عمد وبسط الأرض ومد، وأفاض النعم بلا حصر وعد، أحمده سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، نحمده جل وعلا حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، خلق فسوى، وقدر فهدى، ودعا إلى الطاعة والإيمان، ووعد عند الاستجابة بالنعيم في الجنان، ونهى عن الكفر والجحود وتوعد على ذلك بعذاب النيران.

    وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، جعله خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولين والآخرين، وبعثه كافة للناس أجمعين، ورحمة للعالمين، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

    فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ورزقنا وإياكم اتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى سائر عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    تعريف الظن في الشرع

    أيها الإخوة المؤمنون! حديث اليوم: المسلم بين الظن والقين:

    نستكمل به صورة الملامح الأساسية للشخصية الإسلامية، وقد سلف لنا حديث عن المسلم بين الفردية والجماعية، واليوم نقف هذه الوقفة مع هذا الموضوع الذي له أهمية كبيرة؛ لما له من تعلق بالواقع في التصورات والاعتقادات، ولما له من صلة وطيدة بالطاعات والعبادات، ولما له من أثر واضح في الممارسات والسلوكيات.

    فالظن: قصور عن العلم القاطع، وعدول عن الدليل الساطع، ورجم بالغيب، واعتساف في غير حق، ولذلك فإن الله جل وعلا قد بين لنا صورة الظن وحقيقته، حتى ندرك أن المسلم ينبغي ألا يكون من أهل الظنون، ولا من أهل الشك والارتياب، وإنما من أهل العلم واليقين بإذن الله عز وجل.

    يقول جل وعلا: وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [يونس:36]، فالحق أمر واضح قاطع، له الأدلة الساطعة، وله مصداقيته في الواقع، والظن بعيد عن هذا، لا يغني عن الحق شيئاً، ولا يكون عنه بديلاً.

    ويقول الله جل وعلا في شأن أهل الكتاب، وما رجموا به من الظنون، وما انحرفوا به من العقائد: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا [النساء:157].

    أثر الظنون على الناس

    ويبين الله سبحانه وتعالى أن الظنون تعصف بالناس عصفاً، وتأخذ بالعقول أخذاً إلا من رحم الله عز وجل من أهل الإيمان.. ومن اعتصم بمنهج القرآن.. وتابع المصطفى صلى الله عليه وسلم: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [الأنعام:116].

    إنهم أقوام رضوا بالتلفيق، وأخذوا بالتشكيك، وما عرفوا النور في آيات الله سبحانه وتعالى، وما عرفوا الاستقامة في منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما عرفوا الثبات على الحق والاعتصام به؛ لأنه الطريق الموصل إلى رضوان الله عز وجل من غير حيرة ولا اضطراب، ومن غير شك ولا ارتياب.

    الظن صورة من صور الجاهلية

    والله سبحانه وتعالى يبين لنا أن الظن في حقيقة أمره إنما هو صورة من صور الجاهلية التي لا تعرف لله عز وجل قدراً، ولا لرسوله صلى الله عليه وسلم وقاراً، ولا تأخذ من نهج كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يقول جل وعلا: (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ [آل عمران:154] أي: كما يظن أهل الجاهلية في الله سبحانه وتعالى.

    ويقول جل وعلا: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى [النجم:23]، فالظن والهوى شيء آخر يختلف عما جاء به الله عز وجل من الهدى والحق واليقين.

    ومن ثم أخي المسلم! لابد أن تكون من أهل الإيمان واليقين، من أهل العلم والمعرفة والحجة، لا تكن ممن يرجمون بالغيب، ويظنون ظن السوء.

    1.   

    وجوب الاستمساك باليقين في الإيمان

    وانظر إلى الملامح المنهجية في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لتدرك أنه لابد لك من الاستمساك باليقين، والبعد عن الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً في أمر الاعتقاد والعبادة، وفي أمر الإيمان، وهو أساس حياة الإنسان المسلم.

    يقول جل وعلا: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19]، إنه إيمان مبني على يقين، وعلى دليل واضح، وعلى حجج وبراهين ساطعة، ينبغي أن يكون هذا هو ديدنك لتدخل في وصف أهل الإيمان الذين قال الله جل وعلا فيهم: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [لقمان:4]، واليقين: علم جازم لا يخالطه شك، ولا يمازجه ريب، ولا يغيره ظرف ولا يبدله قهر، ولا إجبار؛ لأنه مستند إلى أسس ثابتة، وإلى أدلة قاطعة لا تتغير مطلقاً؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد جعلها آيات تتلى في كتابه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

    ثم إن الله جل وعلا قد جعل في هذه الحياة الدنيا من آياته ومن خلقه سبحانه وتعالى شواهد تدل على وجوده وتنبئ عن عظيم صفاته وكماله سبحانه وتعالى، حتى يصل المؤمن إلى اليقين، وحتى يرى هذه الأدلة المبسوطة في كتاب الله عز وجل، والأمثلة التي ضربها النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه عندما وبين لهم المنهج الحق بالاعتقاد الصحيح بالله سبحانه وتعالى، يقول جل وعلا: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام:75]، فإنه لا رضا بدون منزلة اليقين في الإيمان والثبات عليه، والاعتقاد الجازم به.

    ويقول جل وعلا لسائر الخلق أجمعين: وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ [الذاريات:20]، ينبغي أن تكون على بينة من أمرك وعلى وضوح في اعتقادك، لا يمكن للمسلم أن يجعل في إيمانه شكاً، أو أن يدخل في يقينه ظناً، فإن ذلك هو عين الانحراف وهو مبدأ الشرك، وهو طريق الجنوح عن التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى، ولذلك لابد أن يكون موقفك أخي المسلم! موقف الرافض لكل تشكيك في دين الله، وإن كثر القائلون به، وإن كثر الداعون إليه، وإن كثر الملبسون فيه: قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ [الأنعام:57]، لو كفرت الدنيا كلها، ولو شك البشر جميعاً في حقائق الإيمان الثابتة بالآيات القرآنية القاطعة ما تزحزح المؤمن عن إيمانه قيد شعرة، ولا شك في دينه قيد أنملة؛ لأنه على بينة من ربه سبحانه وتعالى.

    وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [الجاثية:32]، هذا المنهج مرفوض عند المسلم ليس له مكان، إذا جاء الحشد الكبير، وإذا جاءت الشبه المتكاثرة فإنها لا قيمة لها عنده، أما أهل الزيغ وضعف الإيمان وأهل قلة العلم، فإنهم يميدون شمالاً ويميناً، وإنهم يضطربون فيقولون: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [الجاثية:32].

    بل لابد لك -أيها المسلم- ألا تلقي بهذه الأمور جانباً فحسب، بل ينبغي أن تدحضها بالآيات والأدلة الواضحة، وأن تكون على بينة من أمرك تحفظ بها إيمانك، بل وتستطيع أن تكشف زيغ الزائغين، وضلال المبطلين، كما قال جل وعلا: قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [إبراهيم:10]، هؤلاء الرسل جابهوا أهل الشك فيما شكوا فيه، وأقاموا الأدلة حتى بينوا بطلان قولهم، فينبغي أن تكون كذلك أيها المسلم! وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ [الحج:3-4].

    لابد أن تدرك أن عندك من الحق ما يدحض الباطل، وأن عندك من نور الوحي ما يبدد كل ظلام للشبهة مهما تكاثف، لابد أن تكون على يقين قوي راسخ بما عندك من الحق، وأنه هو الكمال، وأنه هو الدين الذي يرتضيه الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، لاشك في ذلك ولا ارتياب، وهو الكمال كما قال جل وعلا: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3].

    وانظر يميناً ويساراً، وانظر في كثير من بقاع الأرض، وانظر إلى كثير من أحوال المسلمين لترى كيف تسرب الشك إلى نفوسهم؟ وكيف دب الضعف إلى إيمانهم؟ وكيف صاروا في حيرة من أمرهم؟ ذلك أنهم لم يأخذوا اليقين من منبعه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ذلك أنهم أصغوا آذانهم للباطل، وجعلوا قلوبهم نهباً للشهوات والشبهات، تعمل فيها فتفتك بما فيها من إيمان، لأنه إيمان وراثة وعادة، ولم يكن إيمان يقين وعبادة لله سبحانه وتعالى.

    يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ [آل عمران:65]، ويخاطبهم الله جل وعلا ليبين لنا الطريق الذي ندحض بها حجج المبطلين: هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [آل عمران:66]، وأكثر المتكلمين بغير الإسلام وبغير القرآن والسنة في أمور الاعتقاد وفي أمور الكون وفي أمور الآخرة، إنما هم ممن يظنون ظناً وما هم بمستيقنين، إنما هم من المتبعين للظن الذي لا يغني من الحق شيئاً، إنما هم من أهل الظن الذي هو ظن الجاهلية، وقد كثرت الأقوال في مجتمعات المسلمين حتى بدت تزاحم -عند من ليس عنده ثبات- كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وصار الناس يأخذون من زيد وعمرو، ويأخذون من شرق وغرب، ويقارنون ويقابلون؛ فاضطربوا وتحيروا وزاغوا، وكثرت في مجتمعات المسلمين صور الشرك والانحراف العقدي، وانتشرت بينهم البدع، وتمكنت منهم الخرافات، وصاروا ألعوبة في أيدي أهل الأهواء، وأهل الباطل، وأهل المصالح الذاتية، ذلك أنه إذا لم يكن هناك يقين فهناك مهاوٍ كثيرة، ومشارب عدة مختلفة يبقى فيها الإنسان حائراً مضطرباً حتى يأذن الله عز وجل أن يرده إلى الحق بإذنه سبحانه وتعالى. فهذا أمر اليقين في الاعتقاد.

    1.   

    وجوب الاستمساك باليقين في العبادات

    وأنتقل بك أخي المسلم إلى أمر العبادة، فلابد أن تكون فيها على يقين، وقد يعجب بعضكم ويتساءل: هل نحن في شك مما افترض الله علينا؟! فأقول: إن بعض ما سأشير إليه يبين الواقع أن الارتباط به، والمعرفة له، والثبات عليه ليس كما ينبغي أن يكون من أهل الإسلام والإيمان.

    فينبغي أن تكون على يقين بفرضية العبادة وأهميتها، وانظر أمثلة حية لذلك في سير السلف الصالح رضوان الله عليهم: كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين، أي أنه قد بلغ به الإعياء والمرض والتعب مبلغاً لا يستطيع معه أن يسير إلا معتمداً على رجل عن يمينه وآخر عن شماله.

    كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقف في الصف ليكون مع الجماعة، أولئك قوم عرفوا الفرضية واستيقنوها، أما الذي ينام ملء عينيه وهو يسمع الأذان ويسمع الإقامة، أفيكون يقين هذا قد استكمل في عبادته وفرضية الله سبحانه وتعالى لها عليه؟!

    والنبي صلى الله عليه وسلم عندما يحذرنا ويبين لنا خطورة ترك العبادة أو الصلاة على وجه الخصوص من بين أنواع العبادة إنما يدلنا على الأهمية، وعلى أن اليقين ينبغي أن يبلغ بها مبلغاً عظيماً، فيقول عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم أخالف إلى أقوام لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم)، هذا التهديد والوعيد العظيم يدل على أن أولئك القوم قد قصروا تقصيراً، وفرطوا تفريطاً، ولم يبلغوا من الارتباط واليقين بفرضية العبادة وأهميتها ما ينبغي أن يكون عليه المسلم.

    ولابد لك أيضاً من يقين بأثر العبادة ونفعها، ولذلك صور عملية، فالله سبحانه وتعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:153].

    التطبيق العملي من النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، أي: كلما وقعت معضلة، كلما حصلت مشكلة، كلما حصل بلاء كان الفزع والالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى بالصلاة، تحققاً باليقين في أثر هذه العبادة وفي نفعها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: (الدعاء مخ العبادة) والصلاة فيها الذل والخضوع، وفيها الانكسار والتضرع، وفيها الدعاء والمناجاة لله سبحانه وتعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].

    فهل نحن يقيناً نطبق مثل هذه المعاني الواضحة في الآيات القرآنية، أم أن كثيراً من المسلمين إذا وقعت به مشكلة لجأ إلى هذا وذاك، وفكر في مخرج من هنا وهناك، والتمس طريقاً من يمين ويسار، ولم يتوجه قلبه للارتباط بالله سبحانه وتعالى والدعاء له

    .

    نحن قد رأينا في تاريخ أمة الإسلام أموراً عجيبة وفريدة تدل على كمال اليقين في هذا، ألم يقف النبي صلى الله عليه وسلم -وقد وعد بالنصر في يوم بدر، لما دنا الأمر وأوشكت الصفوف أن تلتحم، ويرفع يديه إلى السماء يقول: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً، اللهم أنجز وعدك الذي وعدتني)، ويلح في الدعاء حتى يسقط رداؤه عن منكبيه صلى الله عليه وسلم؟

    إنه التطبيق العملي الذي يدل على اليقين الراسخ، أين نحن من الدعاء في مواطن البلاء؟ أين نحن من الالتجاء لله عز وجل عند حلول الفتن؟

    أم أن الذي يحصل في واقع كثير من بيئتنا نوع من الجدال والاختلاف والنزاع، وتفرق الآراء، وتعدد الأهواء، وننسى ربنا سبحانه وتعالى، وننسى يقيننا بعبادتنا.

    ثم انظر إلى اليقين الذي ينبغي أن يكون أثره ونفعه في أمر تتعلق به النفوس، وترتبط به القلوب في إخراج الزكاة والإنفاق في سبيل الله عز وجل: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103].

    لابد أن نوقن بهذا المعنى، وأن هذه الفريضة فيها تطهير للنفس من أوضارها ومن أمراضها وأخلاطها، تطهير من البخل والشح والحسد والبغضاء، وأن فيها نماء للمال وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103]، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً فقال: (ما نقص مال من صدقة) فهل عندما نخرج زكاتنا، أو نخرج بعضاً من أموالنا يكون في قلوبنا ذلك اليقين الذي كان في قلب أبي بكر رضي الله عنه لما تصدق بماله كله في سبيل الله عز وجل، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر ؟! قال: أبقيت لهم الله ورسوله

    ذلك هو اليقين الراسخ، لا الظن الذي يقع منا اليوم، فنخرج المال من جهة ونحسب الحسابات من جهة أخرى، ونؤمن للمستقبل من جهة ثالثة، ونعد لما قد يحصل من أمور وظروف؛ لأن اليقين قد ضعف؛ ولأن الظن قد تسرب إلى النفوس؛ ولأن الثقة بالله عز وجل لم تبلغ المبلغ الذي كان عليه صحب محمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    منهجية الإسلام في تلقي الأخبار

    وجوب التثبت في الأقوال ونقل الأخبار

    الظن يقع في مجال ثالث هو من أكثر المجالات التي يقع فيها الاضطراب في مجتمع المسلمين اليوم، في واقع الأخبار تلقياً ونقلاً.

    ما هو منهجك -أيها المسلم- في هذا الأمر المهم؟ كيف تتلقى الأخبار؟ وكيف تعرف الوقائع؟ هل أنت ممن يأخذون بالظنون، ويقبلون الأقوال دون بينة أو حجة؟ أين أنت من المنهج القرآني والمسلك النبوي؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6].

    والنبي صلى الله عليه وسلم في موقف عصيب وشديد يرفع لنا هذا الشعار لئلا نأخذ أي خبر دون تمحيص، ودون اختبار ودون تحقق ولو كان المخبر لنا ممن نحسن به ظناً، فلابد أن يكون عندنا ذلك المنهج في التروي والتثبت والتحقق، يأتي أحد الصحابة وقد رأى أمراً فظيعاً هائلاً خطيراً، وقد رأى مع زوجته رجلاً، فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد غلا الدم في عروقه وانتفخت أوداجه من شدة الغضب، يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: كذا وكذا وكذا، فيقول له النبي عليه الصلاة والسلام: (البينة أو حد في ظهرك).

    إن هذا أمر عظيم! إنها تهمة خطيرة! لابد من الدليل الذي لا ينزل عن مرتبة اليقين حسبما ثبت في الشرع من لزوم أربعة شهود في مثل هذا الأمر، فإن الأمور لا تلقى على عواهنها، وإن الأقوال لا تطلق حسب ما تطلقها ألسنة القائلين بها؛ لأننا نحن أهل إيمان.. أهل برهان.. أهل دليل لا يمكن أن نقبل أي قول وخاصة إن جاءت هذه الأقوال من المجروحين أو المنكرين أو غير المعروفين بالصلاح والاستقامة، أو تلقفتها الآذان من إذاعات شرقية أو غربية لا تدين بدين الإسلام، بل قد يكون عندها مكر به وإرادة سوء بأهله، فينبغي أن يكون هذا دأبنا وهذا نهجنا.

    ثم في نقل الأخبار يأتينا حديث النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح الإمام مسلم : (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)، ما بال الألسنة لاغية؟ ما بالها لا تسمع خبراً حتى تذيعه في كل مكان، وحتى تنطق به في كل مجلس قبل أن تتثبت منه، وقبل أن تنظر بعد التثبت إلى آثاره الإيجابية والسلبية؟! يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما أخرج البخاري في الأدب المفرد: (بئس مطية الرجل زعموا).

    كثيراً ما تسمع قولاً فتسأل قائله: هل رأيت بأم عينيك؟ هل سمعت بأذنيك؟ هل حضرت بنفسك؟ فيقول: كلا، بل قالوا.. أو زعموا.. أو أخبروني.. من أولئك القوم؟ إننا لا نريد هذا المنهج الذي سرت بسببه كثير من الفتن، وكثير من صور الإرجاف في مجتمع المسلمين، والله جل وعلا قد بين لنا أن هذا الاستناد باطل: أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ [الصافات:151-152]، يقولون.. ويقولون.. ويقولون، يقصون.. ويقصون.. ويقصون، يزعمون ويذيعون، لا يعنينا من ذلك إلا ما دل الدليل عليه أو ما احتفت به القرائن.

    كيف نتلقى الأخبار

    بحسبنا أن نحسن كيف نتلقى الأخبار، كما يحسن بنا أن نحسن كيف ننقلها، وإلى من ننقلها، وكيف نعرضها؟ حتى لا يقع من وراء ذلك ما لا تحمد عقباه، والله سبحانه وتعالى قد قص علينا قصة عظيمة تتعلق بهذا الجانب، وبالجانب الذي هو مرتبط به وهو جانب معاملة المسلمين، وأنت.. وأنا.. وبعض منا قد يقع منه ظن السوء في هذا وذاك، وقد يستسلم للشك في إخوانه المسلمين من حوله، لكلمة سمعها أو لمقالة لم يتثبت منها.

    والله عز وجل قد قص لنا في القرآن قصة عظيمة جعل فيها لأمة الإسلام درساً عظيماً ونافعاً، امتد في الزمان شهراً كاملاً، وكان يتعلق بأعظم إنسان كان في هذا الوجود وهو النبي صلى الله عليه وسلم، ويتعلق بعرض عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وذلك عندما أثار أهل النفاق ما أثاروه، فجاء التوجيه لأهل الإيمان: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور:12].

    أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه يدخل إلى بيته، فتلقاه أم أيوب وتقول: هل سمعت يا أبا أيوب ما يقال؟ قال: وما يقال؟ قالت: يقولون في عائشة كيت وكيت! فقال: يا أم أيوب ! أوكنت فاعلة ذلك؟ أي: طبقي ذلك على نفسك، أترضينه لنفسك؟ قال لها: يا أم أيوب ! أوكنت فاعلة ذلك؟ فانتفضت وقالت: معاذ الله! فقال: والله لـعائشة خير منك ولرسول الله صلى الله عليه وسلم خير مني.

    لم هذه الظنون المرجفة؟ لم هذه الأوهام السوداء التي تجعلك تنظر إلى هذا شزراً، وتحمل لهذا غلاً وبغضاً من غير ما شيء إلا كلام ساقط أو اتهام باطل؟!

    انظر إلى الآية القرآنية: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور:12]، وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:16] بهتان أن تنال من عرض أخيك المسلم، بهتان أن تنطق بالفاحشة فتشيعها بين أهل الإيمان وفي مجتمع الإسلام، أين أنت من اليقين؟ أين أنت من (البينة أو حد في ظهرك)؟ سيما إذا تعلق الأمر باتهام في عرض، وأخطر من ذلك باتهام في اعتقاد.. فهذا يكفر.. وهذا يبدع.. وهذا يفسق.. وهذا يرجم بالغيب، نسأل الله عز وجل السلامة من هذا.

    تجنب سوء الظن

    ويأتينا قول الله جل وعلا منبهاً ومحذراً ومبيناً المهاوي والمزالق التي تبدأ بسوء الظن: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12]، قف عند هذه المرحلة، لا تسمح للأوهام والشكوك أن تأتي إلى قلبك عن أخيك المسلم، فإذا لم تفعل قال جل وعلا: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا [الحجرات:12].

    وإذا قادك الظن إلى أن تتجسس لتتحقق فاستمع لقول الله: وَلا تَجَسَّسُوا [الحجرات:12]، فإذا تجسست أو عرفت من غير ما تجسس فأردت أن تقول: فعل وفعل أو قال وقال، جاءك قول الله عز وجل: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [الحجرات:12]، حتى لو كان الأمر حقاً: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته).

    أين منهج الإسلام؟ أين الآداب المحمدية النبوية من مجتمعاتنا التي ضعف فيها مثل هذا النهج الإيماني؟ الظن إن لم توقفه قادك إلى التجسس، فإن لم تقف عنده قادك إلى الغيبة، فإن لم تقف عنده فاستمع إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول كما في الصحيحين: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً) فإن عاقبة ذلك هو التباغض والتدابر، وإذا أردتم أن تكونوا إخوة في الله عز وجل، متآلفين متحابين، فخذوا بهذا المنهج باتباع اليقين، واتركوا الظن والرجم بالغيب من غير بينة ولا حجة.

    أسأل الله جل وعلا أن يعصمنا بالحق، وأن يجعلنا من أهل الإيمان واليقين، اللهم إنا نسألك أن تحسن ظنوننا بإخواننا المسلمين.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    الفرق بين أهل اليقين وأهل الظن والأوهام في المحن

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين!

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من التقوى حسن الظن بالمسلم.

    وقد ذكرت لك أخي المسلم! ما ينبغي أن تكون عليه من اليقين وترك الظن في شأن الاعتقاد والعبادة، وتلقي الأخبار ونقلها، ومعاملة إخوانك المسلمين، وهأنذا أقف وقفة مع بعض الأمثلة القرآنية التي تنبئنا عن العاقبة الوخيمة التي يبلغها الإنسان إذا لم يأخذ باليقين الذي جاء عن رب العالمين، ونرى في ذلك مواقف أهل اليقين، ومواقف أهل الظن والشك والريبة.

    ذكر الله سبحانه وتعالى حال المسلمين في يوم الأحزاب وما أدراك ما يوم الأحزاب؟ يوم اجتمع فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته شدة الجوع مع شدة الخوف مع شدة البرد: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [الأحزاب:10-11]، في المواقف العصيبة الرهيبة: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [الأحزاب:12].

    أولئك أهل الشك والريبة، أولئك أهل الفتنة والنفاق قالوا: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [الأحزاب:12]، أما أهل اليقين: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب:22]، رأوا الجموع تنقض عليهم من كل جانب، وتحيط بهم إحاطة السوار بالمعصم، لكن ما اضطرب يقينهم، ولا ضعفت في الله ثقتهم، ولا حارت في المنهج أفكارهم، بل كانوا على يقين راسخ وزادهم البلاء يقيناً.

    وانظر إلى موقف آخر في قصة قارون الذي كان من قوله: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي [القصص:78].

    ويصور لنا القرآن الحالة التي انقسم فيها الناس إلى فريقين، يقول جل وعلا: فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ [القصص:79]، بهذه الأبهة الدنيوية، والعظمة البشرية، والقوة الإنسانية، فإذا بالضعاف في يقينهم، المختلطين في عقولهم، المشدودين إلى الأرض، المرتبطين بالشهوات؛ يقولون: يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [القصص:79]، لم يلتفتوا إلى كفره وجحوده، لم يلتفتوا إلى فسقه وفجوره، ولكنهم التفتوا إلى دنياه.. إلى عظمته الموهومة.. إلى بهرجه الزائف.

    أما أهل الإيمان: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ [القصص:80]، أولئك قوم يجعلهم يقينهم ينظرون إلى ما وراء الأحداث، ينظرون إلى ما وراء الصور الظاهرة، قوم قالوا: وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا [القصص:80]، اثبت على إيمانك.. وابق على يقينك.. فإن من وراء ذلك أجراً، وإن من وراء ذلك خيراً.

    وهكذا تمضي الأمثلة القرآنية الكثيرة، ومنها مثال أختم به في هذا المقام من أمثلة الاستكبار التي ينجرف إليها أحياناً مجتمع كامل من المجتمعات، يقص الله علينا ذلك في قوله جل وعلا: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ [يونس:24]، هكذا يبين الله عز وجل أن الذين يركنون إلى الدنيا وأسبابها المادية ظنوا أنهم قادرون عليها وعلى حصادها وعلى خيرها، فجاءهم الأمر من الله عز وجل لما شكوا في قدرته، ولما نسوا أقداره وحكمته، وهكذا يقع لصاحب الظن السيئ ما يحل به مما يقدره الله من البلاء.

    فينبغي أخي المسلم أن تعرف موقفك الحق بين الظن واليقين، فلا ترض أن تكون من أهل الضعف أو أهل الشك أو أهل الظنون والرجم بالغيب، وكن من أهل اليقين.

    أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من أهل الإيمان واليقين، وأن يجعلنا من الثابتين على هذا الدين، وأن يجعلنا من الدعاة إليه وإلى دينه سبحانه وتعالى.

    اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم اجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية.

    اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض، ولا تخزنا اللهم على رءوس الأشهاد، اللهم إنا نسألك أن تحسن ختامنا، وأن تجعل خير أعمارنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا، اللهم لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، واغفر لنا إنك رءوف رحيم، اللهم إنا نسألك لقلوبنا الصفاء والنقاء، ولأبداننا الصحة والعافية، ولأعمالنا القبول ومضاعفة الأجر والثواب.

    اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا ذنوبنا، وأن تكفر عنا سيئاتنا، وأن تضاعف لنا حسناتنا، وأن ترفع لنا درجاتنا، وأن تقيل يا ربنا عثراتنا.

    اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين، ومن جندك المجاهدين، ومن ورثة جنة النعيم، اللهم اجعلنا من الدعاة العاملين، واجعلنا من العاملين المخلصين، واجعلنا من المخلصين المقبولين برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك وعظيم سطوتك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم نكس راياتهم، وأذل أعناقهم، وسود وجوههم، اللهم استأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، وفرق كلمتهم، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار! يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، يا من أمره بين الكاف والنون!

    اللهم إنا نسألك رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المعذبين في كل مكان يا رب العالمين؛ اللهم رحمتك بالأطفال الرضع، والشيوخ الركع، والنسوة الثكالى، والصبية اليتامى، اللهم عجل فرجهم، وفرج كربهم، اللهم ارزقهم الصبر واليقين، اللهم ارزقهم الصبر على البلاء، والرضا بالقضاء، اللهم اجعل ما قضيت عليهم زيادة في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم اجعل عمل ولاتنا في رضاك، اللهم ووفقهم لهداك برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اصرف عنا الفتن والمحن، ما ظهر منها وما بطن برحمتك يا أرحم الراحمين!

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2710592777

    عدد مرات الحفظ

    683409803