إسلام ويب

حكم قتل المستأمنينللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المستأمن هو الكافر -يهودياً كان أو نصرانياً أو غير ذلك- الذي أخذ الأمان بدخول دار الإسلام من ولي الأمر أو آحاد المسلمين، وهو هذه الأيام يختص بولي الأمر فقط، ومن صوره المنتشرة هذه الأيام التأشيرة على الجواز، وقد حرم الله تعالى دم المستأمن وماله وعرضه، وهذه الحرمة ثابتة بالكتاب والسنة والعقل وأفعال الخلفاء والصحابة وأهل العلم على مر الزمان، فلا يحل لأحد أن يتعدى عليه في عرضه أو ماله أو دمه.

    1.   

    قدر الله الكوني في تقسيم الناس

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد:

    فلا شك أن الله جل في علاه خلق الخلق وقدر كوناً أنهم سينقسمون إلى قسمين: مؤمنين وسيكونون في موضع، وكافرين وسيكونون في موضع آخر، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن:2] فجعل الناس على قسمين: كافر ومؤمن، وهذا قدر كوني من الله جل في علاه، وهناك أحكام تتعلق بالكفار وأحكام تتعلق بالمسلمين.

    أقسام الكفار

    ينقسم الكفار إلى أقسام وأصناف: فصنف منهم محاربون لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ويسبون الله ورسوله، ويعبثون بمقدسات المسلمين، واليد التي تعبث في مقدسات المسلمين لا يشك مسلم في أن بترها من الوجوب بمكان، فقد أوجب الله جل وعلا ذلك على رسوله وعلى المؤمنين، وكل ذلك داخل تحت إطار قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] أي: في حيز الاستطاعة، فاليد التي تعبث في مقدسات المسلمين، والذين يسبون الله ويسبون رسوله، والذين يحاربون أهل الإسلام وأهله بتر أيديهم من الوجوب بمكان.

    وأما الصنف الثاني: فهم قوم لا يحاربون أهل الإسلام ولا يحاربون الإسلام بل هم أهل ذمة.

    والصنف الثالث: صنف وسط بين أهل الكفر الذين يحاربون أهل الإسلام وبين أهل الذمة، وهؤلاء هم أهل الأمان أو المستأمنون كما سنبين، وفيهم شبه من الذين يحاربون، وشبه من أهل الذمة، فأما الشبه من الذين يحاربون فهو أنهم محاربون أصلاً، وفيهم شبه من أهل الذمة؛ لأن ولي الأمر قد أدخلهم بأمان إلى ديار المسلمين كما سنبين.

    ونحن الآن بصدد الكلام على هذا الصنف الذي هو بين المنزلتين.

    1.   

    تعريف الإيمان لغة وشرعاً

    تعريف الأيمان لغة وشرعاً

    أولاً: الأمان ضد الخوف، تقول: أمنته ضد أخفته، واستأمن أي: طلب الأمان، واستأمنه: طلب منه الأمان، والمستأمن: طالب الأمان، ويمكن أن يقال: المستأمِن ويقال: المستأمَن اسم مفعول، يعني: صار له أو صار آمناً في ديار المسلمين بعد أن قرر ولي الأمر أن يدخل إلى بلاد الإسلام.

    إذاً فالأمان أو نقول الاستئمان: هو طلب الأمان.

    وأما تعريفه شرعاً أو فقهاً أو اصطلاحاً: فهو عقد يبرمه ولي الأمر مع كافر محارب أو غير محارب ليس له عقد ذمة ليدخل ديار المسلمين.

    وقلت: لولي الأمر؛ لأن بعض العلماء يرى أن آحاد المسلمين يمكن أن يعطي هذه الذمة، والجواب: أن المسألة الآن قد آلت إلى ولي الأمر؛ لأنه هو الذي يرى المصلحة في دخوله أو منعه من الدخول.

    إذاً فهو عقد يبرمه ولي أمر المسلمين مع كافر، وهذا العقد مؤقت لوقت معين، وفي عصرنا هذا تنوب عنه التأشيرة ، فيطلب الكافر أو المستأمن التأشيرة أو طلب الدخول بأمان إلى دولة المسلمين فيوقع على ذلك، أو يقبل ذلك، أو يرفض ذلك ولي الأمر، فبموجب هذا القبول أو موجب هذا الإقرار من ولي الأمر يدخل الكافر المحارب إلى ديار الإسلام مستأمناً، وهو عقد غير مؤبد، بل هو عقد مؤقت بين ولي الأمر وبين الكافر، وذلك إذا رأى ولي الأمر أن مصلحة المسلمين في دخوله، فهذا راجع إلى ولي الأمر فينظر في المصالح والمفاسد.

    حكم تأمين الكفار

    إن الذي يقرر حكم تأمين الكفار هو كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولله در من قال:

    العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه.

    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه.

    فهل الله جل وعلا يعطي ذلك لولي الأمر ويمنحه هذه؟ الجواب: نعم، وهل الرسول صلى الله عليه وسلم يمنح لولي الأمر ذلك؟ الجواب: نعم، قال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6]، والمرد بالمشركين هنا الكفار، فإذا طلب منك الكافر الجوار والأمان ليسمع كلام الله فأجره ليسمع كلام الله، فلعل الإسلام وبشاشة الإيمان تدخل في قلبه قال تعالى: فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6]، فهذا دال على أن الوقت إذا انتهى فلابد أن ننتظر حتى يذهب إلى مأمنه ثم بعد ذلك يأخذ أحكام الكفار.

    ومن السنة ما جاء في صحيح مسلم ، ومسند أحمد ، وسنن ابن ماجة ، وسنن أبي داود : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم)، فالذمة هنا الأمان، وقوله(ويسعى بذمتهم) فيها دلالة على العموم.

    وفي رواية أخرى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ذمة المسلمين واحدة يسعى بذمتهم أدناهم) يعني: إذا أمن فرد من آحاد المسلمين كافراً وجب على كل أهل الإسلام أن يأخذوا بهذا الأمان، ولا يخفروا ذمة المسلم، وسنبين العقوبة الشديدة التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم على من يخفر ذمة المسلم.

    وفي رواية في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ذمة المسلمين واحدة، ومن خفر مسلماً أو أخفر مسلماً -يعني: أخفر ذمته- فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) فهذا فيه دلالة على أن هذا من الموبقات ومن الكبائر كما سنبين، إذاً فالنبي صلى الله عليه وسلم يصرح لنا تصريحاً مرعباً لمن يتحدى أو يتعدى هذه الحدود ويتجرأ على محارم الله جل في علاه.

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ذمة المسلمين واحدة) وقد اجتمعت هذه الذمة في ولي الأمر (ومن أخفر مسلماً -يعني في ذمته- فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) .

    وأيضاً في صحيح البخاري : (أن أم هانئ دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم عندما فتح مكة وقالت: إن علي بن أبي طالب قد زعم أنه سيقتل فلاناً ابن هبيرة -، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أم هانئ ! قد أجرنا من أجرت) فأجاز لها الجوار، وأجاز لها الأمان، واعتبر أمانها وجعله أماناً على كل المسلمين.

    وهذه الأسانيد كما قلت موجودة في السير، والإمام أحمد بن حنبل قد نصب لنا قاعدة مهمة جداً وهي: إذا جاءت الأحكام شددنا -يعني: شددنا في الأسانيد فنرى هل هذه الأسانيد قاطعة أم لا- وإن كانت في السير أو في التراجم تسامحنا.

    ففي السير أن أبا العاص زوج زينب رضي الله عنها وأرضاها جاء في سرية من سرايا أهل الإسلام وقد أخذوا تجارته، فجعلت زينب له الأمان، فالنبي صلى الله عليه وسلم وفّى لها أمانها، ورد هذه التجارة لـأبي العاص.

    وسند هذه الرواية فيه ابن لهيعة وابن لهيعة فيه كلام ليس هذا محل التفصيل فيه، لكن هذا يستأنس به مع الأحاديث الصحيحة التي ذكرناها.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم أجار من أجارته أم هانئ، وكذلك وفّي ذمة زينب رضي الله عنها وأرضاها، وهذا كله من الكتاب والسنة، والعقل أيضاً لا يأبى ذلك بحال من الأحوال بل يقرر ذلك، فالكافر مخلوق كما أنك أنت مخلوق، وآدمي كما أنك أنت آدمي، وله حقوق حتى في القتل، فالنبي صلى الله عليه وسلم يبين أن الإسلام له قواعد راسية لابد أن نسير عليها، فقال: (فإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة)، ولما مر على المرأة في السبي وهي تحضن طفلها قال: (ما كانت هذه لترميه في النا)، فهناك أحكام حتى مع الكفار بالله، فعليك أن تتأسى بصفات الله جل في علاه وتطبق ذلك في أخلاقياتك، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما رأيت أحداً أصبر على أذى من الله؛ يسبونه وهو يطعمهم ويسقيهم).

    فلهم أحكام وهذه الأحكام لا بد أن توفى، ولابد لكل مسلم أن يعلمها وأن يتعامل بها، ولابد أن تحترم، ومنها: أنه لو دخل بأمان وطلب الأمان من المسلمين فعليهم أن يوفوا له بهذا الأمان، لا سيما إذا كان دخوله فيه الغاية العظمى السامية التي يسعى إليها المؤمن وهي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لئن يهدي الله بك رجلاً خير لك من حمر النعم)، فتبين له حكم الإسلام، وتدعوه بالموعظة الحسنة، فلعله أن يسلم أو ينتفع به أهل الإسلام، أو تنتفع أنت بما عنده من علم وتقدم، فالعقل يقرر هذا ولا يمكن أن يرد ذلك.

    إذاً فالكتاب والسنة والعقل يقررون مسألة الأمان وأن الإنسان لابد أن يوفي بهذه الذمة.

    الفرق بين عقد الأمان وعقد الذمة

    إن الفرق بين عقد الأمان وبين عقد الذمة يسير وهو: أن عقد الأمان على التوقيت، ولا ضريبة عليه -يعني: لا مال عليه- إلا إذا رأى ولي الأمر أن يضرب عليه في تجارته بعض الضرائب فله ذلك كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وأصالة عقد الأمان أو المستأمن مؤقت.

    وأما عقد الذمة فهو على التأبيد، فمثال عقد الذمة أن يعيش رجل معك في قطرك أو في بلدك، ويأكل مما تأكل، ويشرب مما تشرب، ويدفع لك في كل عام مالاً، وهذا المال يسمى الجزية، كما قال تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، فبموجب هذه الجزية يجب حفظه، وحفظ عرضه، وحفظ ماله، والدفاع عنه، بل وتأديب من يتعدى عليه، وهذا يرجع لولي الأمر.

    إذاً فعقد الذمة وعقد الأمان يستويان، والفرق أن عقد الذمة على التأدبيد بمال محدد، وأما عقد الأمان فليس على التأديب ولكنه على التوقيت، وبعض العلماء والفقهاء وقتوه بسنة، وبعضهم وقته بأقل من ذلك، وبعضهم وقته بأكثر من ذلك، والصحيح الراجح ما رجحه الشوكاني : أنه غير مؤقت؛ إذ الأدلة جاءت على الأمان مطلقة، والقاعدة عند العلماء: أن يبقى المطلق على إطلاقه حتى يأتي المقيد فيقيده، ويبقى العام على عمومه حتى يأتي المخصص فيخصصه، ولا تخصيص ولا مخصص ولا مقيد هنا، إذاً فهو على الإطلاق، فعقد الأمان يستوي مع عقد الذمة.

    وإذا قلنا: بأن عقد الأمان يستوي مع عقد الذمة فموجب عقد الأمان هو موجب عقد الذمة، وقد بينه لنا علي بن أبي طالب في قاعدة تكتب بماء الذهب على الصدور، حتى يتبين للأغرار، وحتى يتبين للذين يجهلون دين الله جل في علاه، وحتى يتبين للذين يتسرعون فيأخذهم الحماس في أنهم يتعدون حدود الله جل في علاه، وحدود رسوله صلى الله عليه وسلم.

    فـعلي بن أبي طالب يقول: إنهم ما بذلوا الجزية إلا لتصير أموالهم كأموالنا، وأعراضهم كأعراضنا، ودماؤهم كدمائنا.

    إذاً فموجب المسألة أن تسوي بين المسلم وبين الذمي وبين المستأمن، والغرض المقصود: أنهما وإن كانا لا يستويان عند الله جل في علاه في الدين، لكن في الحرمة يستويان لقول الخليفة الراشد علي بن أبي طالب السابق، وهو من الخلفاء الراشدين الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجد) ، فـعلي بن أبي طالب قال: والله! ما بذلوا الجزية إلا لتصير أموالهم كأموالنا، وأعراضهم كأعراضنا، ودماؤهم كدمائنا.

    وهما لا يستويان عند الله مثلاً أبداً، فإن المسلم يعلو ولا يعلى عليه، وشتان بين من سجد لله ذلاً وخضوعاً ومسكنة وبين من تكبر على الله جل في علاه وسب الله، لكن يستويان في الحرمة وهذا شرع الله جل في علاه، وهذه من حكمة الله، بل من رحمة الله بهم؛ حتى يوفَّوا حسناتهم في هذه الدنيا.

    موجب عقد الأمان

    إذاً نقول: إن موجب عقد الأمان أمور ثلاثة، وهي من أهم الأمور:

    أولاً: حرمة المال؛ لقول علي : أموالهم كأموالنا، والنبي صلى الله عليه وسلم قد حرم عليك أن تسرق أو تغصب مال المسلم، كما في الصحيحين: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه)، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا) .

    فكل نص جاء بحرمة مال المسلم وضعناه في حرمة مال المستأمن؛ لأن علي بن أبي طالب وهو خليفة راشد جعل استواء الحرمة بين مال الذمي وبين المسلم، وبين مال المستأمن وبين المسلم.

    فإذا ذهب أحد يرتقي إلى أموال هؤلاء الكفرة، أو ليغصب أموال الكفرة ويستحلها ويقول: أموالهم حلال، فهذا كفر بالله جل في علاه وكفر برسول الله، ونأتيه بالنص القاطع الذي يعرفه بحرمة مال هذا المستأمن؛ لأنه دخل بأمان، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمنه، وأشار إليك بأنك إذا أمنت المسلم فقد أمنته على ماله، وأن ماله يستوي مع مال المسلم.

    الثاني: حرمة عرضه في زوجه وابنته أو أي أحد معه يخصه كأمه أو أخته؛ لقول علي بن أبي طالب السابق، فقد جعل عرضه كبعرض المسلمين، وهذا موافق لفعل النبي صلى الله عليه وسلم في قبول الأمان، فأعراضهم كأعراضنا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أموالكم وأعراضكم ودماءكم عليكم حرام).

    والموجب الثالث: حرمة الدم، وهذه هي أم الباب، فلا يجوز بحال من الأحوال للإنسان أن يتجرأ على دم مستأمن، ولا أن يستحل دم مستأمن ولو كان أكفر أهل الأرض؛ لأنه ما دخل إلا بأمان، فقتله خفر لذمة المسلمين، بل إن هذا شيء قد حذر الإسلام منه وهو غدر وخيانة، والله جل في علاه قد بين أن من شيم المنافقين الغدر والخيانة، وأما شيم المخلصين المتقين فهي الوفاء بالعهد وعدم الخيانة، ولذلك جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً وذكر منها: وإذا عاهد غدر).

    إذاً فحرمة دم المستأمن ثابتة بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن تعدى على هذه الحرمة فقد تعدى حدود الله جل في علاه وإن كان يحسب أنه يحسن صنعاً، وهو في الحقيقة يسيء إلى نفسه ويسيء إلى غيره، وكم من مريد للخير لم يبلغه، وهذه مصيبة كبرى، فالشباب الآن يضيعون أنفسهم فترى شاباً يقتل نفسه وهو يحسب أنه بفعله هذا سيدخل الجنان، وهذه مصيبة كبرى، وضلال في الفكر، فلا بد أن يستقيم المرء على الطريق المستقيم حتى يصل إلى ربه سالماً بدلاً من أن تضيع دنياه وآخرته ويحسب أنه يحسن صنعاً، وكما قال ابن مسعود: وكم من مريد للخير لم يبلغه.

    حكم من قتل مستأمناً

    فإذا تجرأ امرؤ على رجل مستأمن فقتله حكمه:

    أولاً: أن هذا الفعل من المهلكات ومن الكبائر، وهناك أدلة متكاثرة تبين ِأن الله جل في علاه وأن رسوله صلى الله عليه وسلم قد جعلا هذه الفعلة في الموبقات والكبائر المهلكات، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: (اجتنبوا السبع الموبقات، وعد منها: قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق) والمستأمن حرم الله دمه حيث قال: فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6]، ويصبح بذلك معصوم الدم والمال والعرض، فإذا قتلت نفساً حرمها الله جل في علاه فإنك تدخل في ذلك الوعيد.

    ومن الأدلة أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم تصريحاً: (من قتل معاهداً بغير حق)، وهذه الرواية في البخاري، ورواية النسائي قال فيها: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة) حتى ولو كان المعاهد كافراً أو منافقاً؛ لأن القضية ليست في كفره، وإنما القضية في أمان المسلمين وعهدهم ووفائهم وعدم خيانتهم لمن عاهدوه.

    وقد قيد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الرواية بقوله: (من قتل معاهداً بغير حق لم يرح رائحة الجنة) فقوله: (بغير حق) تقييد أخرج من نقض أمانه فليست له هذه الأحكام، بل أمره يرجع إلى ولي الأمر فينظر في أمره، بدلاً من الفساد المستشري الذي يحدث من آحاد المسلمين بما ترى الأمة وتسمع في كل البلاد الإسلامية والعربية.

    وخلاصة القول: أن المستأمن معصوم الدم، ومن قتله لم يرح رائحة الجنة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم ذلك يدل على أنه من الكبائر.

    ومما يبين أنه من الكبائر: اللعن، فضوابط الكبائر كثيرة ومنها: إذا لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعل هذه الفعلة فإنها من الكبائر، وهنا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فمن أخفر مسلماً -يعني في ذمته- فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) ، واللعن معناه: الطرد من رحمة الله جل في علاه، فاللعن هنا لأنه خفر ذمة المسلمين؛ ولأنه خالف عهد النبي صلى الله عليه وسلم، إذاً فهي من الموبقات والمهلكات، والكبائر، وعلى الإنسان أن يقف وقفة أمام نفسه؛ حتى لا يتجرأ على حدود الله جل في علاه.

    وخلاصة الأدلة التي تدل على حرمة قتل الكافر الذي دخل بتأشيرة ولي الأمر في بلاد المسلمين من عدة وجوه:

    الوجه الأول: أن قتل المستأمن فيه خيانة الأمانة، وهذه من شيم المنافقين وليست من شيم المؤمنين، والله جل في علاه يحث الأمة على أداء الأمانة، فقال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58] ، وقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، وقال جل في علاه: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ [النحل:91]، وهذا فيه تصريح وعموم.

    بل قد نزع رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان ممن لا أمانة له، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا إيمان لمن لا أمانة له)، ومن قتل مستأمناً فقد غدره، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (يعقد لكل غادر لواء يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان)، حتى ولو كان المغدور به كافراً، لكن بشرط أنه لا يفعل ذلك صراحة في بلادنا، لكن المقصود أن معتقده الكفر بالله والله جل وعلا هو الذي شرع هذا وليس من عند أنفسنا، ولا بد أن ندور مع شرعنا حيث دار، فلا تحركنا العواطف، ولا تحركنا الحماسات ولا الثورات، بل الدين هو الذي يحركنا تحت ظل قول الله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال:42].

    إذاً: فالوفاء بالعهد والوفاء بالأمانة هو أول شيء يذكر في بيان حرمة قتل المعاهد.

    الوجه الثاني: أنه تعد لحدود الله جل في علاه، والله لا يحب المعتدين، كما قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [المائدة:87]، وإذا نفى الله الحب عن عبد فقد أتى هذا العبد كبيرة، وأتى هذا العبد باباً لا يحبه الله جل في علاه، فمن دخل بأمان في ديار المسلمين وهذا الأمان مقرر من ولي الأمر ثم اعتدي عليه من آحاد المسلمين فهذا تعد على حدود الله جل في علاه، وأيضاً فإن الله جل في علاه يقول: فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة:193].

    الوجه الثالث في الحرمة: أن هذا من الظلم، والله لا يرضى بالظلم، وفي الحديث القدسي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قال الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، فإن المستأمن إذا دخل بأمان وقد أمنته على ماله أو أمنه ولي أمرك على ماله وعلى عرضه وعلى دمه، فتجاسرت على هذا الأمان وتعديت هذه الحدود وقتلته، أو سرقت ماله، أو تعديت على عرضه فقد ظلمته ووقعت في الظلم البين، والله لا يرضى على الظالمين ولا يحبهم، وهذه الفعلة فيها مظلمة فقد خفرت ذمة المسلمين وتعديت على أهل الأمان، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة).

    وأيضاً عند الطبراني بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً) وهذا تصريح، فقوله: (اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً) أي: وإن ظلمته وهو يكفر بالله جل في علاه فإن الله لا يرضى بالظلم.

    والدولة الإسلامية إن قامت على الظلم هدمها الله جل في علاه وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الظلم ظلمات يوم القيامة)، والدولة الكافرة التي كفرت بالتوحيد لو قامت على العدل أقامها الله جل في علاه وأدامها، فدولة الظلم لا يمكن أن تستقر ودولة العدل تستقر، ولا محسوبية عند الله جل في علاه، فليس بين الله وبين عباده واسطة.

    الوجه الرابع: أن يقال لمن يقتل المستأمنين: لم فعلتم ذلك؟ فإذا قالوا: نحن نفعل ما أمرنا به النبي صلى الله عليه وسلم، قلنا: بل هذا خلاف أمر النبي صلى الله عليه وسلم، و(شفاء العي السؤال)، ولو تعلمتم وتفقهتم لعلمتم أنكم خالفتم الله، وخالفتم رسوله، وخالفتم الخلفاء الراشدين، وخالفتم المنهج السديد، وهذا غلو وانحراف لا بد من بتره، ولا بد من تعليم الأمة بأن هذا من الانحراف، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما دخل المدينة أعطى العهد لليهود ووفى لهم، وما قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن نقضوا هذا العهد فقاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم وفى لأهل نجران ذمتهم، وهذا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف أنت تخفر الذمة وتقول إنك تأتسي برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ بل أنت خالفت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل رسول الله صراحة، فهذا الأول.

    الثاني: أنك خالفت فعل الخلفاء الراشدين الأربعة الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ) .

    وأيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر) ، فأنت خالفت فعل عمر وخالفت فعل علي وخالفت فعل عثمان ، فـعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه عند موته يوصي بأهل الذمة ويقول: استوصوا بأهل الذمة خيراً، بل يوصي بألا يكلفوا ما لا يطيقون، يعني: لا تكلفهم في الجزية ما لا يطيقون فالغني يعطي من غناه، والفقير يعطي على قدره وبحسبه، والمرأة لا تعطي، والشيخ لا يعطي، والصبي لا يعطي، والمجنون لا يعطي، وفيها حكم المعاملة مع أهل الذمة في الثوابت الذي ضبطها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.

    بل إن في تاريخ الطبري أن عمر بن الخطاب كان يستقبل الوفود ويسألهم عن أهل البصرة ويقول لهم: هل المسلمون يفضون بالأذى إلى أهل الذمة؟ فـعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه خير من وفى بذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخير من وفى بذمة المسلمين، قال: هل يفضون إلى أهل الذمة بأذى؟ فقالوا له: لا والله ما رأينا عليهم إلا الوفاء أي: أنهم وفوا بفضل الله تعالى.

    وهذا عمرو بن العاص يسرد لنا أروع الأمثلة في الوفاء بالذمم، فعندما دخل وترأس مصر وفتحها بفضل الله جل في علاه، كانوا أقباطاً، فدانوا بالسمع والطاعة والولاء لـعمرو بن العاص لحسن صنيعه معهم، ولتطبيق الإسلام الحق معهم، فقد وفى لهم بذمتهم وأخذ منهم الجزية وأحسن معاملتهم ووفوا معه وأحبوا ولايته.

    وجاء أيضاً في قضية عمر بن الخطاب عندما تسابق ابن عمرو بن العاص مع ابن يهودي فلطمه أو ضربه بالجرة وقال: خذها وأنا ابن الأكرمين، فذهب اليهودي إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يشتكي له، فاستنهض عمر فدعا عمرو بن العاص وابنه فجاءا يهرعان، فذهبا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه فجعلت المحكمة العادلة في محفل بين الصحابة فقال عمر لابن اليهودي: اضربه وهو ابن الأكرمين، فضربه ثم قال: اخلع ما على رأسك فجعل عمر بن الخطاب يخلع عمامته وقال له: اضرب صلعة أبيه، ما فعل ذلك إلا بولاية أبيه، قال: لا والله! أخذت حقي يا أمير المؤمنين! فهذا عدل الإسلام، وهذا هو: وفاء للذمة لأهل الذمة، فكيف نخفر ذمة المسلمين؟ وكيف نخفر ذمة ولي الأمر؟ ففي هذه المسألة خطر جسيم ومفسدة عظيمة لا يعلم شرها إلا الله جل في علاه.

    وإذا قلنا: بأنها خلاف لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وخلاف لفعل الصحابي فهي خلاف أيضاً للأئمة الأربعة، بل خلاف للعلماء والفقهاء وأساطين أهل العلم، فمن أين أتوا بهذا العلم حتى أقدموا على هذا الفعل؟ ومن الذي أباح لهم أو أفتى لهم بالجواز؟ وأي دليل يفتى لهم بذلك؟ وأي دليل ناصع حتى نأخذ به ويوضع على رءوسنا؟ والله! ما أرى لهم أي دليل على ذلك، فإن الأئمة الأربعة وأساطيل أهل العلم كـالأوزاعي والليث وغيرهم من أهل الشام، وأهل مصر، وأهل المدينة، وأهل مكة، وأهل الحجاز، كلهم يفتون بغير ذلك، فهذا أبو يوسف يبعث إلى هارون الرشيد ويقول: استوص خيراً بأهل الذمة واستدل على ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (استوص خيراً بأهل الذمة، لا تكلفهم إلا ما يطيقون، ولا يصل إليهم أذى من رعيتك) ، وأخذ بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بأهل مصر خيراً فإن لهم ذمة ورحماً) .

    وضرب لنا الأوزاعي أروع الأمثلة عندما كان الخليفة العباسي قد أجلى بعض أهل لبنان وأكثرهم كانوا نصارى، فخرجوا على الجزية، ونقضوا العهد أو العقد بينهم وبين خليفة المسلمين فقتلهم، وبعد أن قتلهم أخذ البقية الباقية فأجلاهم إلى جبل من جبال لبنان فبعث إليه الأوزاعي -الإمام الثقة أحد علماء الشام- قال: وأما الذين نقضوا العهد فقد قتلتهم، وأما هؤلاء فلم تفعل معهم ذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الظلم ظلمات)، قال الله تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الزمر:7] ، خرجوا فقتلتهم وانتهى الأمر، وبعد أن قتلتهم لا ترجع بالملامة على غيرهم، فإن الله جل في علاه يقول: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8].

    إذاً: فهذا مخالف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومخالف للخلفاء الراشدين، ومخالف لأئمة الدين، فأي وجهة تسمح لهم أن يفعلوا ذلك؟

    والأمر الأخير: وهو أنها مخالفة لمقاصد الشريعة، فمقاصد الشريعة تأبى ما يفعلون وإن كان حقاً، فإن الشريعة ما جاءت إلا باستجلاب كل المصالح ودرء كل المفاسد، وأي المفسدة أعظم من هذه مفسدة أن يقتل مستأمناً بعد خفر ذمة الله، وخفر ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقتل حوله مئات من المسلمين؟! وكيف سيجيب ربه جل في علاه عندما يسأله عن دماء هؤلاء الأبرياء المسلمين؟ هل سيقول: أردت أن أقتل الكافر فقتلت هؤلاء معهم؟ وماذا سيفعل عند ربه جل في علاه عن دماء هؤلاء المسلمين الأبرياء؟ فهذه مفسدة عظيمة، فكيف يتجرأ على ذلك وهو يعلم أن الموضع الذي يفعل به ذلك سيقتل فيه بعض أهل الإسلام؟! وقد كان ابن عباس يطوف بالكعبة ويقول: أنت الكعبة شرفك الله وعظمك، وحرمة دم المسلم عند الله أعظم منك وأشرف، وهذا له حكم الرفع.

    وكذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو تمالأ أهل السموات والأرض على إهراق دم مسلم لأكبهم الله في النار ولا يبالي) ؛ لعظمة دم المسلم عند الله جل في علاه، فهذه المفسدة أعظم من المصلحة المرجوة بحال من الأحوال، والقاعدة عند العلماء: إذا تصادمت المصلحة مع المفسدة فإن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، فالعقل يأبى ومقاصد الشريعة أيضاً تأبى ما يفعلون.

    وبعد أن انتهينا من التأصيل العلمي لهذه المسألة نقول: عند القوم شبهات، فما من أحد يتحرى إلا وهو يريد أن يرضي الله جل في علاه، ونحن لا ندخل في النوايا، فالنوايا لا يعلمها إلا الله، لكن مع النوايا لابد للعامل أن ينضبط بضابط الشرع، فالنوايا لا تفيدك عند ربك في تصحيح عملك، لكن يمكن أن تفيدك عند ربك جل في علاه وتؤجر عليها وعملك مردود، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد) ، وقال (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).

    وقال بعض السلف: كم من مريد للخير لم يبلغه.

    فمن شبههم أنهم قالوا: هم خونة وقد غدروا بنا، وقتلوا إخواننا وأبناءنا، وسلبوا أموالنا، وهذه شبهة قوية عندهم، فنقول: قررنا معكم هذا، فهل جزاء نجازي الخيانة بالخيانة؟ وهل جزاء نجازي الغدر بالغدر؟ فأنت لو غدرت فقد خفرت ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنت لو خنت كنت قد ضربت الإسلام في كبده؛ لأنهم سيقولون: هذا الإسلام فيه الغدر وفيه الخيانة، فالحق أن نقول: هم فعلوا ذلك لكن لا يحملنك ظلمهم أن تظلمهم، ولا يحملنك غدرهم أن تغدرهم بهم، قال الله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا [المائدة:2] .

    وأيضاً قال: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8] ، فلا يحملنكم ظلمهم على أن تظلموهم، وهنا قصة من أروع القصص التي تبين لنا هذا الكلام وإن كانت الأسانيد فيها شيء، ولكن أصل القصة صحيح فإن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه كان يذهب إلى اليهود، والنبي صلى الله عليه وسلم قد عامل اليهود على شطر خيبر فهم يزرعون خيبر وينفقون عليها والشطر يكون للنبي صلى الله عليه وسلم والشطر الآخر يكون لهم، فبعث إليهم عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه يخرص الثمر والزرع حتى يقسم القسمة السوية: نصف لهم ونصف لأهل الإسلام، فلما ذهب إليهم أرادوا رشوته حتى يميل إلى كفة اليهود، فنظر إليهم فقال: قد جئتكم من أحب الناس إلي وأنتم أبغض الناس إلي، ولا يحملني حبي له وبغضي لكم ألا أعدل معكم، فقالوا: هكذا خلقت السماوات والأرض بالعدل.

    فنقول: ولو خانوا أو قتلوا أو سلبوا فليست هذه من أخلاقيات الإسلام، ولا نفعل نحن مثل فعلهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يكون أحدكم إمعة إذا أصلح الناس يصلح، وإذا أفسد الناس يفسد، بل يوطن نفسه على الخير فإذا صلح الناس صلح، وإذا فسد الناس صلح) فلا تجاري أهل الكفر ولا تجاري أهل السوء على سوئهم، بل وطن نفسك على دينك وعلى أخلاقيات دينك، وهذه هي الشبهات التي يوردونها علينا وهذا الرد عليها.

    وأقول نصيحة أخيرة لهؤلاء الشباب؛ لأن القلب كما قلت: يتفطر عليهم، وهم شباب الصحوة فلابد أن يلتزموا بهذا الدين، وأن يترسموا الطريق المستقيم ليصلوا إلى نبيهم صلى الله عليه وسلم بشرف يوم القيامة، ويروا أنفسهم قريبين من النبي، ويشربوا من حوضه صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء الشباب لابد لهم أن يلتفوا حول العلماء، بل هذه نصيحة للدعاة أولاً أن يرشدوا الناس إلى العلماء الربانيين الراسخين في العلم وإلى طلبة العلم المتقنين؛ لأن طالب العلم المتقن -إن لم يوجد العالم- هو الذي يبصر الناس بالطريق الصحيح؛ لأنه لا يسير إلا بقال الله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا بد لهؤلاء الشباب أن يلتفوا حول أهل العلم ويرجعوا إليهم وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم (إنما شفاء العي السؤال) .

    وقلت كثيراً: بأن الله قدر كوناً أن الدنيا تؤذن بخرابها وضياعها بضياع العلماء لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم، ويظهر الجهل) .

    والأمر الثاني: وهو للذي يتجرأ على تفجير نفسه، فأقول له ولو كان في ساحة الوغى: قف وقفات أمام نفسه، وأنا أرجح أن الذي يفجر نفسه ليس بشهيد حتى ولو كان في ساحة الوغى إلا بشروط خمسة قد بينتها قبل ذلك، فالذي يفجر نفسه ليس بشهيد، قال الله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [النساء:29] ، وقال الله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195]، بل إن صاحب الأخدود لولا المصلحة الأعظم من فعله عند ربه جل في علاه لقلنا: هو قاتل لنفسه، فالمصلحة العظمى التي جرت بقتله هي التي غفرت له مقتله، فإنه بقتله أسلمت كل القرية عند أن مكنه من نفسه وقتله فقام الناس بالتوحيد وأسلموا جميعاً، فمن رام الوصول للشهادة بتفجير نفسه فليفعل ما فعل صاحب الأخدود، إذا وصل إلى هذه النتيجة وهذه المصلحة العظمى فله أن يفعل ذلك، وإلا فو الله الذي لا إله إلا هو! أنه سيقع تحت هذه الآية العظيمة: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [النساء:29]، وقوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195]، فلابد لكل إنسان أن يتدبر أمره، ولابد لكل طالب علم أن ينشر ذلك بين الناس؛ لأن الجهل قد عم، والمفاسد قد عظمت، وأنا أردت بقدر الإمكان أن أبرئ من ذمتي أمام الله جل في علاه، وأنصح لإخواني وللأمة بأسرها، وأنكر ما فعل علناً خوفاً على الشباب أولاً، ثم بعد ذلك إرشاداً للأمة إلى ما فيه الخير، أسأل الله التوفيق والتسديد.

    1.   

    الأسئلة

    تكفير الحكام

    السؤال: يذكرون من شبههم أن ولي الأمر كافر، فكيف الرد على هذه الشبهة؟

    الجواب: أول الأصول عندهم هو تكفير الناس، وهناك شريط موجود الآن اسمه: تلخيص التأصيل في قضية التكفير، بينت فيه أن هذه المسألة لا يتجرأ عليها إلا الجهلة، فلا يمكن أن تخرج مسلماً من دائرة الإسلام إلا بدليل أسطع من شمس النهار، ومن فعل ذلك فإنه يعتبر جاهلاً تجرأ على ربه جل في علاه، وترسم لوازم الربوبية، فالكفر والإيمان بيد الله وليس في يدك أنت، أما قال لك: لا إله إلا الله؟ أما رأيته يصلي مرة؟ فكيف تجرؤ على تكفيره؟ وهذه الشبهة قد رددت عليها في الشريط السابق.

    اتخاذ فتوى شيخ الإسلام مسوغاً لقتل الأبرياء من المسلمين

    السؤال: يستشهد بعض المفجرين لأنفسهم بفتوى شيخ الإسلام في جواز قتل المسلمين عند تترس الكفار بهم، فكيف الرد على ذلك؟

    الجواب: فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في التترس بالمسلمين، وما أفتى بذلك إلا للمصلحة العظمى، فإذا كان أهل الإسلام يقاتلون أهل الكفر، وتعسر عليهم فتح الحصن لكون الكفار تترسوا بالمسلمين، ويقيناً أن أهل الإسلام سينتصرون على أهل الكفر لو قتلوا الطائفة الصغيرة معهم من أهل الإسلام، وهنا تدخل مقاصد الشريعة، فإذا كانت المصلحة الأعظم هي الفتح والنصر للمسلمين ولو ماتت طائفة منهم، فهنا يجوز ذلك، وهذه الطائفة التي قتلت تكون فيها الدية، ويغفر الله لهم؛ لمصلحة تمكين الدين.

    وأما اليوم فالمفسدة قد سدت عين الشمس، وهي أعظم مما يتصور الإنسان، ففيها قتل أبرياء ومسلمين، وإهدار دماء المسلمين وأموالهم، وهذه أموال العامة فكيف يتجرأ عليها مسلم؟ هذا أولاً.

    ثانياً: أن كل الأصول التي يعتمدون عليها زائفة ومتهاوية، وهي تدل على الجهل العميق المتمكن فيهم، ولذلك فالواحد منا يبكي دماً بدلاً من الدموع على هؤلاء؛ لأنهم من أفضل البشر، فقد ألزموا أنفسهم دين الله جل في علاه، وبكوا وسعوا ودعوا الله جل في علاه فلماذا يضيعون أنفسهم؟! ولعنة الله على الجهل، وأسأل ربي ألا أكون قد أخطأت في هذه الكلمة، فالجهل هو الذي فعل بالناس هذا، ولذلك نحن ننادي دائماً، بل نقول: هذه نصيحة لنا ولإخواننا ولأولياء أمورنا أنه لابد أن يمكن لطلبة العلم ولأهل العلم؛ لأن أهل العلم هم الذين يبصرون الناس بما يرضي الله جل في علاه، ويبصرون الناس بالنهج القويم الذي ليس فيه غلو ولا جفاء، ولا إفراط ولا تفريط، فالوسطية هي أهم شيء، وهي التي تصل بنا إلى الله جل في علاه.

    حكم العمليات الانتحارية

    السؤال: ما قولكم في الذين يفجرون أنفسهم؟

    الجواب: الذي يفجر نفسه في فلسطين يعد قاتلاً لنفسه، إلا إذا قتل نصف اليهود، أو قتل ربع اليهود.

    وقد بينت أن هناك ضوابط خمسة لابد أن تتوافر فيمن يفعل ذلك وإلا سيقع تحت قول الله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195].

    لأن المتفجر الذي يربط نفسه بالمتفجرات سيموت يقيناً، وأما الذين يحتجون بقول أبي أيوب الأنصاري: إنكم تضعون هذه الآية: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195] في غير موضعها، فقد كنا -يعني: أهل جهاد- مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انشغلنا بالزرع، فأنزل الله هذه الآية، وكان الواحد منا يشق الصف كما كان يفعل الزبير وغيره ويقاتل.

    وقال البراء بن مالك: احملوني، فذهب وفتح الحديقة.

    فنقول: كل هذه الأدلة صحيحة وجيدة لكنها بعيدة بعض الشيء عن محل النزاع، والقياس فيها قياس لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق، فـالزبير لما كان يشق الصف ويضرب عن اليمين واليسار كان لا يستيقن موته، وأما الذي يربط نفسه بالمتفجرات فهذا مستيقن من موته، فيدخل تحت قول الله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [النساء:29]، وقوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195]، فالقياس الذي ذكروه لا يصح، والصحيح الراجح في ذلك: أنه إن أراد أن يفعل ذلك ويتجرأ على أن يضيع نفسه الغالية عند الله جل في علاه فلابد أن يفعل كما فعل صاحب الأخدود، وهذا إن نزل منزلة صاحب الأخدود.

    حكم من ذهب إلى بلاد الكفر وقتل هناك أناساً منهم

    السؤال: ما حكم من ذهب إلى بلاد الكفر وقتل منهم أناساً؟

    الجواب: إن كان دخل بلادهم بأمان فلا يجوز له ذلك في حال من الأحوال؛ لأنه قد غدر بعهده.