إسلام ويب

مع أعظم داعية [2]للشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبليغ هذا الدين جهاد لا نظير له، فلقد جاهد في الله حق جهاده، وصبر على الأذى، وتحمل البلاء، حتى أذن الله له بالهجرة، فهاجر وأقام أعظم دولة عرفها التاريخ، وخاض المعارك نشراً لهذا الدين، فنصره الله وأظهر دينه على الدين كله، وبعد أن أتم الله به الدين، وأكمل به الرسالة، وأقام به الحجة؛ قبضه الله العلي الأعلى، وأراحه من الدنيا ونصبها، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف إلى مكة

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو، فلا خالق غيره، ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في سبيل ربه حتى أجاب مناديه، وعاش طوال أيامه ولياليه يمشي على شوك الأسى، ويخطو على جمر الكيد والعنت، يلتمس الطريق لهداية الضالين، وإرشاد الحائرين؛ حتى علم الجاهل، وقوم المعوج، وأمن الخائف، وطمأن القلق، ونشر أضواء الحق والخير والتوحيد والإيمان كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار. فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فمع اللقاء الثالث عشر من خواطر الدعوة إلى الله عز وجل، ولا زال حديثنا عن أعظم داعية عرفته الدنيا، عن محمد صلى الله عليه وسلم، ولقد وقفنا في اللقاء الماضي وهو في الطائف تنزف قدماه دماً، ويتألم قلبه، وقد تبدد الأمل الذي ذهب إلى الطائف من أجله، وتمنى أن يجد في أهل الطائف من يمنعه ومن ينصره؛ ليبلغ دين الله ودعوة الله عز وجل. ولكنهم فعلوا به أسوأ ما يفعله الإنسان بأخيه الإنسان، فلقد قام إليهم وهو جائع عطشان يتألم من السير الطويل على قدميه حيث لا راحلة، ولا سيارة مكيفة ولا غير مكيفة، ذهب على قدميه إلى الطائف لا يريد جاهاً ولا مالاً، وإنما يريد أن يخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الشرك إلى التوحيد والإيمان، ثم قام يطلب منهم أن يحيلوا بين مكة وبين خبر زيارته، فأبوا عليه ذلك، وعاد النبي صلى الله عليه وسلم وحالته تفتت الأكباد، وتمزق القلوب الحية. عاد وقد حنت عليه السحاب، وأشفقت لمنظره الجبال والأشجار، واستعدت الجبال الصم الرواسي للانتقام له صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (فانطلقت على وجهي وأنا مهموم، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا سحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني وقال: يا رسول الله ! إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم يا رسول الله! يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: فناداني ملك الجبال وقال: يا رسول الله ! لو شئت أن أطبق عليهم الأخشبين -والأخشبان: جبلان عظيمان بمكة شرفها الله- لو أمرتني أن أطبق عليهم الأخشبين، أي: لفعلت) أتدرون ماذا قال ينبوع الحنان؟! أتدرون ماذا قال نهر الرحمة؟ أتدرون ماذا قال الحبيب وما زالت الدماء تنزف من قدميه؟ (قال: كلا، بل إني أرجو الله جل وعلا أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً) بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، والله لو كان الحبيب ممن ينتقمون لأشخاصهم ولأنفسهم لأمر ملك الجبال أن ينتقم له، فطحنت الجبال تلك الجماجم، وحطمت حجارتها تلك الرءوس الصلبة، ولسالت دماء أهل الطائف حتى يراها أهل مكة في مكة، ولكنه صلى الله عليه وسلم ما خرج إلى الطائف لنفسه، وما جاء لينتقم لذاته ولا لشخصه، إنما جاء ليحمل إلى الدنيا الرحمة والإيمان والسعادة، جاء إلى الطائف وفي قلبه نور يتلألأ، جاء إلى الطائف وفي قلبه أمل يشرق. ولعل في أصلاب هؤلاء من يتنفس الإسلام، ولا يعيش إلا بالإسلام، وهو عليه الصلاة والسلام لم يبعث لعاناً ولا فحاشاً، وإنما بعث رحمة مهداة، اللهم صل وسلم وزد وبارك على ينبوع الحنان، وعلى نهر الرحمة محمد بن عبد الله، يقول: (بل إني أرجو الله عز وجل أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً) وعاد النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف وقد اطمأن قلبه، وثبت هذا النصر الغيبي الكبير الذي أمده الله به من فوق سبع سماوات، عاد ليستأنف رحلته الشاقة الطويلة في الدعوة إلى الله عز وجل.

    1.   

    استمرار النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله

    أقبل موسم الحج للعام الحادي عشر من بعثته المباركة، وخرج الحبيب في ظلام الليل الدامس حيث نام المشركون بعد عناء طويل في النهار من تعذيب الموحدين من المستضعفين! ناموا في هذا الليل، وقام الحبيب صلى الله عليه وسلم وهو لا يعرف النوم الطويل، ولا يعرف الراحة، ولا يعرف الهدوء والاستقرار من يوم أن نزل عليه قول ربه: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:1-2]، فقام ولم يقعد ولم يسترح ولم يهدأ له بال، ولم يستقر له قرار، قام في هذا الليل الدامس حتى لا يحول بينه وبين دعوته أحد من المشركين، قام ليتجول بين خيام القبائل التي أقبلت من كل مكان في أرض الجزيرة، لماذا؟ ليدعوهم إلى الله جل وعلا، ليعرض عليهم دين الله تبارك وتعالى، فمنهم من يسبه، ومنهم من ينهره، ومنهم من يؤذيه، ومنهم من يطرده، والله ما ذهب يطلب مالاً ولا جاهاً، بل لقد ذهب إليهم بنور الدنيا والآخرة، فيطردونه من بين الخيام! ينتقل الحبيب على قدميه المتعبتين من خيمة إلى خيمة، ومن قبيلة إلى أخرى، حتى وصل إلى خيمة بددت الأحزان، وجددت الآمال، وضمدت الجراح، وصل إلى خيمة كريمة مباركة جليلة من بين هذه الخيام الكثيرة المترامية الأطراف، دخل الحبيب إلى خيمة أقوام ورجال من أهل المدينة المنورة شرفها الله، وزادها الله تشريفاً وتكريماً، حيث وجدت دعوته فيها بذوراً صالحة تقية نقية، سرعان ما تحولت إلى شجرات باسقات غيرت وجه الدنيا، وحولت مجرى التاريخ. نعم أيها الأحباب! فلقد جلس الحبيب بين يدي ستة نفر من شباب المدينة، فعرض عليهم الإسلام، فتحركت قلوبهم لدين الله جل وعلا، فشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتجدد الأمل، وتبدد الحزن في وسط هذه الصحراء المترامية بالجهالة والشرك والكفر والإلحاد، تبدد الحزن وأشرق الأمل في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال هؤلاء: (يا رسول الله! إنا سنقدم على قومنا، وسندعوهم إلى الإسلام، فإن جمعهم الله عليك فلا رجل أعز عليهم منك) وعاد هؤلاء بهذا النور الجديد، وبهذا الفجر المشرق، عادوا إلى المدينة المنورة لينفذ نور الإسلام وفجر الإسلام في بيوتها وأرجائها، وأشرق فجر الإسلام على المدينة المنورة على أيدي هؤلاء الأبرار، على أيدي هؤلاء الأطهار الأخيار.

    1.   

    بيعة العقبة الأولى والثانية وأثرهما على الدعوة الإسلامية

    دار الزمن وأقبل موسم الحج التالي، وخرج من المدينة اثنا عشر رجلاً يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصمم هذا الوفد القليل الكبير أن يجتمع برسول الله عليه الصلاة والسلام، وتمت بيعة العقبة الأولى، تلك البيعة التي حطمت الجدران السوداء التي حالت بين نور الإسلام والناس، بين الدنيا ونور الآخرة، وطلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما تمت البيعة أن يبعث معهم رجلاً ليعلمهم دين الله جل وعلا، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم سفير الإسلام الأول، وداعية الإسلام العظيم، ذلكم الشاب المنعم المدلل، الذي كان بالأمس القريب يلبس الحرير، ويكثر من العطر والطيب فإذا مر في طريق من طرقات مكة قال الجميع: لقد مر في هذا الطريق مصعب بن عمير!. إنه الشاب التقي النقي الذي استعلى على الشبهات والشهوات، وتعالى على ملذات الدنيا، ولبس الخشن من الثياب، وأكل الجلد مع رسول الله، وأكل ورق الشجر مع أستاذه ومعلمه في شعب مكة حين الحصار الاقتصادي، يختاره النبي صلى الله عليه وسلم ليكون أول داعية إلى دين الله في المدينة المنورة، ويخرج مصعب بن عمير ليتعهد شجرة الإسلام بنفسه، التي نمت وترعرعت على يديه، حتى عاد في موسم الحج المقبل ليبشر أستاذه ومعلمه بأن فجر الإسلام قد أشرق على المدينة المنورة، واجتمع عدد كبير من الأنصار في هذا الموسم مع رسول الله، وبايعوه صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية، على أن ينصروه إذا قدم إليهم وهاجر إليهم، وأن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم، وتمت البيعة الكبرى، ونظر أبو الهيثم بن التيهان رضي الله عنه إلى رسول الله وقال: (يا رسول الله! إن بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها -أي: إن بيننا وبين اليهود حبالاً وإنا قاطعوها- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك وأظهرك الله عز وجل أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟! فتبسم الحبيب صلى الله عليه وسلم وقال: كلا، بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أسالم من سالمتم، وأحارب من حاربتم) المحيا محياكم أيها الأنصار الأخيار، والممات مماتكم أيها الأنصار الأبرار، أنا منكم وأنتم مني.

    1.   

    الهجرة وتأسيس الدولة الإسلامية العظمى

    تمت البيعة الثانية، واستطاع النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته الصابرة الحكيمة أن يؤسس للإسلام -ولأول مرة- وطناً وسط صحراء تموج بالكفر والشرك والجهالة، وبدأت طلائع الهجرة المباركة للمقهورين والمعذبين في مكة، وبدءوا يصلون إلى المدينة المنورة زادها الله تشريفاً وتكريماً. وهنا أحس المشركون -لأول مرة- بالخطر العظيم الذي صار يهددهم بصورة جلية واضحة، وعقد البرلمان الشركي اجتماعاً طارئاً، وهو أخطر اجتماع في التاريخ، وأصدروا قراراً بالإجماع للقضاء على حامل لواء دعوة التوحيد، وللتخلص من محمد بن عبد الله؛ لقطع تيار نور التوحيد عن الوجود بأسره، ولكن: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21]، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30]، يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف:8]. وهل تستطيع الطحالب ولو اجتمعت أن توقف سير البواخر العملاقة؟! وهل تستطيع الأفواه ولو اجتمعت أن تطفئ نور الله جل وعلا؟! وهل يضر السماء نبح الكلاب؟! ويخرج الحبيب من بين أيديهم وأمام أعينهم: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9]، إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:40]، يخرج الحبيب وصاحبه تحت رعاية الله وتحت عين الله جل وعلا، ومن كان الله معه فمن ضده؟! ومن عليه؟! ووصل الحبيب وأصحابه إلى المدينة المنورة، إلى وطن الإسلام الجديد، واستقبلته المدينة استقبالاً بينت حقيقته تلك الدموع التي سالت على وجوه الرجال والنساء والأطفال، إنها دموع الفرح بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    بناء الدولة الإسلامية

    في المدينة بدأت مرحلة جديدة للدعوة إلى الله عز وجل، حقاً إنها مرحلة جديدة، فلقد أصبح للإسلام دولة حقيقية من حاكم وقائد وقوة وأرض ووطن، أصبح للإسلام دولة، بل وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم يرسل البعوث والسرايا للقيام بحركات عسكرية استطلاعية؛ ليؤذن وليعلم المشركين في مكة واليهود في المدينة أنه أصبح للإسلام قوة تحميه وتدافع عنه، وستقلم أظفار من يتطاول على القضاء عليه بعد اليوم، وعندئذٍ نزل قول الله عز وجل: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:190]. ما نزل الأمر بالقتال إلا بعدما استكملت القوة، وبعد أن أصبح للإسلام دولة، وبعد أن أصبح للإسلام رجال أطهار أبرار، يقفون في وجه كل من أراد أن ينال منه بعد اليوم؛ لأنه لابد للحق من قوة، قوة بالبلاغ والبيان، وقوة بالسيف والجهاد والسنان، ويوم أن تخلى المسلمون عن القوة، وعن قوله عز وجل: وَأَعِدُّوا [الأنفال:60] أذلهم الله لمن كتب الله عليهم الذلة من أبناء القردة والخنازير، وما أحداث الهند بعد أحداث البوسنة والهرسك منا ببعيد، فلقد قام الوثنيون الهندوس بعدما رأوا ما فعل الصرب بإخواننا في البوسنة والهرسك ولم يتحرك منا أحد، فقالوا: ولماذا نقعد نحن؟! المسلمون لا يتحرك منهم أحد، لقد مات المسلمون وكفنوا منذ زمن بعيد! فقام الهندوس الكفرة أهل الوثنية والإلحاد بتحطيم بيت من بيوت الله، حطموا الدين متمثلاً في بيوت الله جل وعلا، للقضاء على المسلمين والمسلمات، فما الذي فعله المسلمون؟! لقد وصلت البلاهة والسفاهة ببعض المسلمين إلى موت الولاء والبراء في قلوبهم، أين الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين؟! أين البراء من الشرك والمشركين؟! ما زلنا إلى يومنا هذا نأتي بالهندوس والسيخ الكفرة إلى بلاد المسلمين ليأكلوا من خيراتنا، ويأكلوا من أرزاقنا، ويقبضوا الأجور من أموال المسلمين، وليرسلوا بها إلى إخوانهم الكفرة والشياطين؛ ليقتلوا بها إخواننا وأخواتنا. والله! إنها لأكبر جريمة ترتكب في حق الإسلام، أن يكون بعد اليوم في بلاد المسلمين هندي هندوسي كافر أو سيخي كافر، فيجب إخراجهم حتى لو تعطلت الأعمال، ووقفت الشركات، لو كان في قلوبنا ذرة إيمان وذرة ولاء وبراء لرحّلناهم ذليلين شريدين مطرودين، ولا نعطيهم ريالاً واحداً، ولا دولاراً واحداً من أرزاق وأموال المسلمين التي هي أمانة بين أيدينا، وسنسأل عنها بين يدي رب العالمين جل وعلا، اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد يا رب العالمين!

    1.   

    معركة بدر وأثرها العظيم على الإسلام والمسلمين

    يشاء الله جل وعلا أن يلتقي الفريقان لأول مرة وجهاً لوجه، فريق الإيمان وفريق الشرك، في غزوة بدر الكبرى، في ميدان البطولة، في ميدان الرجولة، في ميدان الشرف، في ساحة الوغى، يوم أن صمتت وخرست الألسنة الطويلة، وخطبت وتكلمت السيوف والرماح على منابر الرقاب والرءوس. التقى الفريقان وقام الحبيب صلى الله عليه وسلم يرفع أكف الضراعة إلى الله جل وعلا، يناشد الله جل وعلا -كما ورد في صحيح مسلم- يقول: (اللهم هذه قريش أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك وتكذب رسولك، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني). وقام الصديق رضي الله عنه ليضع الرداء الذي سقط من على كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول له: والذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك يا رسول الله. إنه اليقين، إنها الثقة في الله جل وعلا، وأنزل الله جنده من السماء، وأنزل الله نصره على عبده، وأيد الله المؤمنين الصادقين، وفر المشركون من أرض بدر، وتبعثروا في الشعاب والوديان تبعثر الفئران، وعادوا إلى مكة بمنتهى الخزي والذلة والندامة، وقد أذهلتهم المفاجأة الإيمانية الكبرى التي غيرت وجه الدنيا، وحولت مجرى التاريخ. انتصر المسلمون في بدر، وهم الحفاة العراة الجياع! انتصر بلال الحبشي وصهيب الرومي ، وسلمان الفارسي ، انتصر هؤلاء المعذبون، انتصر هؤلاء المقهورون. انتصروا بفضل الله جل وعلا، وقتل السادة والأشراف، قتل أبو جهل وغيره من الصناديد، الذين طالما ساموا هؤلاء المقهورين سوء العذاب، ونصر الله عبده، وأعز الله جنده، وتم النصر الكبير، الذي علم الأقزام في أنحاء الجزيرة العربية أن للإسلام بعد اليوم قوة ستحميه، وستدافع عنه، وستقلم أظفار كل من سولت له نفسه أن ينال بعد اليوم من مسلم فضلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً: أيها الأحباب! لابد للإسلام من قوة، وبعد هذه الغزوة الكبرى ظهرت بوادر هذه القوة في صلح الحديبية، الذي كان هو الآخر نصراً عظيماً لمن سبر غور بنوده وشروطه وأركانه، فلقد تفرغ النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا الفتح الكبير وهذا الصلح العظيم لدعوة الملوك والأمراء، وقام بإرسال الكتب إلى أنحاء الدنيا لدعوة الناس إلى الله جل وعلا، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    1.   

    الآثار العظيمة لصلح الحديبية

    التفرغ للدعوة إلى الله

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فيا أيها الأحباب! بدأت الدعوة مرحلة جديدة عظيمة أخرى بإرسال النبي صلى الله عليه وسلم الكتب والرسائل إلى الملوك والأمراء في جميع أنحاء الأرض، فلقد ثبت في الصحيحين: (أنه أرسل رسالة إلى هرقل عظيم الروم، وقال فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، وختم النبي رسالته الكريمة بقول الله جل وعلا: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64]). وبعث برسالة أخرى إلى كسرى عظيم فارس، والحديث رواه البخاري في كتاب المغازي فقال: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الله، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم المجوس، فلما قرئ على كسرى -أهلكه الله- كتاب النبي صلى الله عليه وسلم مزقه، فلما بلغ ذلك رسول الله قال: اللهم مزق ملكه) فمزق الله ملكه. وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس ملك مصر والإسكندرية. وأرسل إلى صاحب اليمامة. وأرسل إلى صاحب دمشق. وأرسل إلى صاحب البحرين. وأرسل كتبه إلى الملوك والأمراء في شتى أنحاء الدنيا، ليدعوهم إلى الله جل وعلا، وكان رسول الرسول صلى الله عليه وسلم يحمل الكتاب، ويسير في هذه الصحراء شهوراً بطولها؛ ليبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما اليوم فقد تحول العالم كله إلى قرية صغيرة بعد هذا التقدم المذهل في وسائل المواصلات والاتصالات، فماذا صنعنا؟! وماذا قدمنا لدين الله جل وعلا؟! وما الذي فعلناه لدعوة الناس إلى الله، ولتوضيح حقيقة الإسلام بين أبناء الكفار؟ بل لقد وجد الكفار بيننا فماذا قدمنا؟! وما الذي فعلناه لنقيم عليهم حجة الله جل وعلا في الأرض؟! والله إنه لعار علينا أن يكون هذا حالنا، لا نتحرك لدين الله، ولا للدعوة إلى الله عز وجل.

    فتح مكة

    ظهرت ثمرة هذه الدعوة الكريمة المباركة في عشرة آلاف صحابي، رباهم رسول الله بيده، خرجوا معه، وزحف هذا الجيش الكبير الجرار الذي لا عهد لأرض الجزيرة به من قبل، خرجوا جميعاً يحيطون برسول الله صلى الله عليه وسلم، تعلوا رءوسهم راية التوحيد والإيمان، قائدهم محمد صلى الله عليه وسلم، ودينهم الإسلام، زحف هذا الجيش إلى بلد الله الحرام، إلى مكة المكرمة؛ ليطهروها من دنس الشرك والكفر، ليحطموا الأصنام التي رفعت رءوسها على بيت الله الحرام، وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خرج بالأمس القريب طريداً جريحاً مضروباً؛ يدخل إلى مكة فاتحاً في وسط هذه الجموع الموحدة، وها هو يحني رأسه تواضعاً وانكساراً لله جل وعلا! إنه فضل الله، إنه نصر الله، إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:1-3]. ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وحطم الأصنام التي حول الكعبة وهو يقول: (جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً). ويحين وقت الصلاة، فيأمر الحبيب صلى الله عليه وسلم بلالاً رضي الله عنه أن يرتقي على ظهر الكعبة! ذلكم العبد الحبشي الأسود يرتقي على ظهر الكعبة؛ ليرفع كلمة التوحيد خفاقة عالية في أنحاء مكة كلها، يصعد بلال ليرفع أذان التوحيد والإيمان، ليرفع صوته بقوله: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ويعلن وحدانية الله جل وعلا بعدما نكست الأصنام على رءوسها: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، ويثني برسالة محمد بن عبد الله حيث قال: أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، وتنصت مكة بأسرها لهذا النداء الحلو العذب الجميل الذي تسمعه لأول مرة! وتفرح الحجارة! وتبكي الكعبة فرحاً بكلمة التوحيد! التي ارتفعت لأول مرة بعد هذه السنوات الطوال.

    1.   

    حجة الوداع

    بعد فتح مكة رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، ويخرج بعد ذلك إلى حجة الوداع؛ ليلقي النظرة الأخيرة على أحبابه .. على أتباعه .. على أمته، فلقد أدى الأمانة، ولقد بلغ الرسالة، ولقد قام بما أمره ربه خير قيام، أمره ربه بالإنذار فأنذر، وأمره ربه بالبلاغ فبلغ، وأمره ربه بالبيان فبين، ووقف ليأخذ هذا العهد وهذا الميثاق الكبير ويسأل الناس جميعاً ويقول: (إنكم ستسألون عني فماذا أنتم قائلون؟ فقالوا جميعاً: نقول: إنك قد أديت وبلغت ونصحت، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم سبابته إلى السماء ويشير بها إلى الناس ويرفعها ويقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات)، الحديث رواه مسلم .

    1.   

    توديع أعظم داعية للدنيا بعد تمام الدين

    بعد حجة الوداع رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، ويأتي يوم الإثنين لتبكي المدينة مرة أخرى لا من الفرح ولكن من الحزن، فلقد نام الحبيب صلى الله عليه وسلم على فراش الموت، وخرج في صلاة الفجر والمسلمون يصلون، فكشف ستر غرفة عائشة ، ونظر إلى الصحابة ليلقي نظرة الوداع على أحبابه الأطهار الأبرار الأخيار، على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى بلال ، وصهيب ، وعمار ، على هؤلاء الأبرار، وكاد المسلمون أن يفتنوا في الصلاة، فأشار إليهم أن اثبتوا. لقد أديت الأمانة -يا رسول الله- ولقد بلغت الرسالة، وقد حان الأجل، واقترب موعد لقائك بربك جل جلاله، ويدخل الحبيب بيت عائشة رضي الله عنها وملك الموت في انتظاره صلى الله عليه وسلم، ويزداد الكرب عليه، وتزداد السكرات والكربات، وتدخل زهرته فاطمة الزهراء، فترى الكرب يشتد على أبيها وحبيبها، فتصرخ وتقول: (وا كرب أبتاه، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول لها: لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة)، والحديث رواه البخاري . ويشتد الألم على الحبيب؛ فيأمر بركوة فيها ماء، ويدخل يده في هذه الركوة، ويمسح العرق عن جبينه الأزهر الأنور، وهو يقول: (لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، إن للموت لسكرات)، وفي رواية أحمد : (اللهم أعني على سكرات الموت)، فتقول عائشة : (مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري، أسندته إلى صدري فرأيته رفع أصبعه السبابة وسمعته يقول: بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، تقول عائشة : فعلمت أنه يخير، وأنه لا يختارنا). ويقبل ملك الموت على الحبيب صلى الله عليه وسلم لينادي على روح المصطفى: أيتها الروح الطيبة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، ورب راض عنك غير غضبان، يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30]، وتسقط يد الحبيب صلى الله عليه وسلم، وتخرج عائشة وهي تبكي وتقول: مات رسول الله، مات خير خلق الله، مات إمام النبيين، مات سيد المرسلين، مات الحبيب صلى الله عليه وسلم، ويقابلها عمر فيصرخ ويشهر سيفه في الناس ويقول: من قال: إن محمداً قد مات لأعلونه بسيفي هذا، رسول الله ما مات، بل ذهب للقاء ربه كما ذهب موسى بن عمران، وليرجعن رسول الله وليقطعن أيدي وأرجل أناس من المنافقين الذين زعموا أنه قد مات. ويأتي الصديق رضي الله عنه ليدخل على حبيبه، ليدخل على إمام الهدى ومصباح الدجى، ليدخل عليه وقد مات صلى الله عليه وسلم، لن يقوم لك رسولك يا أبا بكر ، ولن يرحب بك حبيبك يا أبا بكر ، فلقد مات الحبيب صلى الله عليه وسلم، ويدخل عليه في غرفة عائشة، ويكشف البردة عن وجهه الكريم الأنور، ويخر على ركبتيه، ويقبل الحبيب بين عينيه، وفي الحديث الذي حسنه شيخنا الألباني في مختصر الشمائل أنه نادي على الحبيب قائلاً: (وانبياه، واصفياه، واخليلاه؛ وانبياه، واصفياه، واخليلاه)، وقال كما في رواية البخاري : (أما الموتة التي قد كتبها الله عليك فقد ذقتها يا رسول الله! ولا ألم عليك بعد اليوم). وخرج الصديق ليعلن هذه الحقيقة الكبرى، لتصل إلى أذن كل سامع، وإلى عقل كل مفكر، فإنه لا يبقى إلا الله الحي الذي لا يموت، خرج وقال: (على رسلك يا عمر! أنصتوا أيها الناس! وتلتف الجموع الملتهبة الباكية حول أبي بكر ليعلن هذه الحقيقة الكبرى: أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144]). اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، اللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، اللهم وكما آمنا به ولم نره فلا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله. اللهم احشرنا تحت لوائه، وأوردنا حوضه الأصفى، واسقنا من حوضه شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً يا رب العالمين! أسأل الله جل وعلا أن يقر أعيننا وإياكم بنصرة الإسلام، وتمكينه لدين التوحيد، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمتي الحق والدين. اللهم قيض لأمة التوحيد أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك ومولاه. اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لما تحبه وترضاه، اللهم وفقهم جميعاً للعمل بكتابك، والاقتداء بنبيك صلى الله عليه وسلم، اللهم اقبلنا، وتقبل منا، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. أحبتي في الله! ما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء. هذا وأكثروا من الصلاة والسلام على نبينا محمد، فإن الله أمركم بالصلاة عليه فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]. اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.