إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [1]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التوحيد هو الأمر المطلوب من جميع الخلق، وهو أساس دعوة الرسل، فما من رسول إلا ودعا قومه إلى عبادة الله جل وعلا، ابتداء بنوح عليه السلام وانتهاء بخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، فمن الناس من أجابهم إلى ذلك ومنهم من أشرك في عبادة الله وتوحيده، وقد توعد الله كل من هذه حاله بالخلود في النار والعياذ بالله.

    1.   

    موضوع كتاب التوحيد

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا.

    أما بعد:

    فيقول الشيخ الإمام عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب في شرح كتاب التوحيد: [ وأما كتابه المذكور فموضوعه في بيان ما بعث الله به رسله من توحيد العبادة، وبيانه بالأدلة من الكتاب والسنة، وذكر ما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر ونحوه، وما يقرب من ذلك أو يوصل إليه، وقد تصدى لشرحه حفيد المصنف، وهو الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله تعالى، فوضع عليه شرحاً أجاد فيه وأفاد، وأبرز فيه من البيان ما يجب أن يطلب منه ويراد، وسماه "تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد"، وحيث أطلق شيخ الإسلام فالمراد به أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، والحافظ فالمراد به أحمد بن حجر العسقلاني ].

    قال الشارح رحمه الله: [ ولما قرأت شرحه رأيته أطنب في مواضع، وفي بعضها تكرار يستغنى بالبعض منه عن الكل، ولم يكمله، فأخذت في تهذيبه وتقريبه وتكميله، وربما أدخلت فيه بعض النقول المستحسنة تتميماً للفائدة، وسميته: "فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد"، وأسأل الله أن ينفع به كل طالب علم ومستفيد، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وموصلاً من سعى فيه إلى جنات النعيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ].

    1.   

    الكلام على البسملة وأحكام الابتداء بها

    الهدي في ابتداء الكلام

    قال الشارح رحمه الله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم).

    ابتدأ كتابه بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز، وعملاً بحديث: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع) أخرجه ابن حبان من طريقين، قال ابن الصلاح : والحديث حسن. ولـأبي داود وابن ماجة : (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أو بالحمد فهو أقطع)، ولـأحمد : (كل أمر ذي بال لا يفتتح بذكر الله فهو أبتر أو أقطع)، وللدارقطني عن أبي هريرة مرفوعاً: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أقطع)، والمصنف قد اقتصر في بعض نسخه على البسملة؛ لأنها من أبلغ الثناء والذكر، وللحديث المتقدم، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقتصر عليها في مراسلاته، كما في كتابه لـهرقل عظيم الروم، ووقع لي نسخة بخطه رحمه الله تعالى بدأ فيها بالبسملة، وثنى بالحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله.

    وعلى هذا فالابتداء بالبسملة حقيقي، وبالحمدلة نسبي إضافي، أي: بالنسبة إلى ما بعد الحمد يكون مبدوءاً به ].

    إن الله جل وعلا خلق العباد لعبادته، وهم ملكه يتصرف فيهم كيف يشاء، فإذا امتثلوا أمره واتبعوا شرعه فإن الله يكرمهم ويثيبهم، ويعطيهم من العطاء الذي لا يتوقعونه، وفوق ما يتصورون، أما إذا عصوا وتمردوا على الله جل وعلا، فلن يفلتوا من الله ولن يعجزوه، فهم في قبضته، وكل شيء ملك له، وهو رب كل شيء، ومالك كل شيء، وبيده كل شيء، وإليه مرجع كل أحد.

    فالإنسان يجب عليه أن يمتثل أمر الله جل وعلا، وقد أرسل الله جل وعلا الرسل تبين أمره وشرعه للناس، ومن ذلك ما ذكر هنا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أقطع)، ومعنى (أقطع): ناقص غير تام؛ لأنه لم يمتثل فيه أمر الله جل وعلا، فيكون منزوع البركة، ممحوقاً فيما يراد به، فالله أمر العباد أن يستعينوا باسمه تعبداً له في كل شيء، والأمر ذي البال: الأمر الذي يكون له قيمة: (كل أمر ذي بال) يعني: له وقع وقيمة عند الإنسان، ومن هذا القبيل أمر الأكل وأمر النوم ودخول المنزل وغير ذلك، وكلها شرع لنا أن نذكر الله جل وعلا في ابتداء ذلك، وهذا وإن لم يكن واجباً متعيناً على الإنسان فهو مستحب ومندوب إليه، وفيه الفضل والخير، وإذا لم يبارك للإنسان في سعيه وعمله وأكله وشربه، لم يزل في خصاب -نسأل الله العافية-، ومن ذلك ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر به ويفعله، تعليماً لأمته، وهداية لهم إلى الحق، فكان في فعله الذي هو أسوة للأمة يذكر اسم الله عند كل أمر مستحق مرغوب فيه، وإذا كان الأمر غير مرغوب فيه تعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا معناه داخل في قول الله جل وعلا: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، فهو يدخل في هذا المعنى؛ لأن الإنسان إذا قال عند أكله: (باسم الله)، فقد دعا ربه جل وعلا بهذا الاسم الكريم، وطلب نزول البركة وحصول المقصود والمأمول له ببركة هذا الاسم، فهو عبادة يتعبد الله جل وعلا بها، وكذلك إذا أراد دخول المنزل أو دخول المسجد أو النوم أو غير ذلك، وكذلك إذا أراد الذبح مع أن التسمية عليها واجب، فلو تركها الذابح عمداً لصارت ذبيحته ميتة، فهي محرمة لا يجوز الأكل منها؛ فإن الله جل وعلا يقول: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام:121]، وعلى هذا يدخل في ذلك من باب أولى كتابة كتب العلم والتأليف، فهو يقول: أفعل ذلك مستعيناً باسم الله وبالله، ذاكراً اسمه الذي به تحصل البركة، وهذا يصدق عليه كل ذكر لله جل وعلا، كقوله: (بسم الله الرحمن الرحيم)، أو (الحمد لله) وما أشبه ذلك، وإذا جمع بينهما فهو أفضل وأتم، وإذا اقتصر على أحدهما كفى، وقد اقتصر البخاري رحمه الله تعالى كتابه الصحيح على البسملة فقط، قال: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب الوحي، باب بدء الوحي، وهذا اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان يبدأ كتبه التي يرسلها إلى الملوك وغيرهم بالبسملة فقط، كما ذكر هنا أن هذا في كتابه إلى هرقل ، وهرقل هو رئيس دولة الروم في ذلك الوقت، فكل رئيس للروم يسمى هرقل من الكفار، وكل رئيس للفرس من الكفار يسمى قيصر، وكل ملك للحبشة من الكفار يسمى النجاشي، وكل ملك للقبط من الكفار يسمى فرعون، فالمقصود أنه كتب صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، أما بعد: فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثمك وإثم الأريسيين يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64]، فهذا نص كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله إليه، ولهذا يقول العلماء: ينبغي أن يقتدى برسول الله فيبدأ المرسل باسمه كما بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم باسمه العلم؛ وذلك لأنه في الدعوة إلى الله وكونه رسول الله، ولهذا وجب على المتشهد الذي يشهد أن لا إله إلا الله، أن يذكر اسمه العلم، "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" وكذلك في الصلاة عندما يصلي عليه.

    فالمقصود أنه اقتصر على البسملة، وهنا المعلق اقتدى بذلك فاقتصر على البسملة، وإذا جاء في بعض النسخ ذكر الحمد، فيكون الابتداء الحقيقي بـ(باسم الله)؛ لأنه يبدأ بها قبل كل شيء، وأما الحمد فهو إضافي، أي: للإضافة إلى الكلام الذي يأتي بعده، وإذا جمع بينهما فهو أولى وأفضل.

    تقدير المحذوف المتعلق بالبسملة

    قال الشارح رحمه الله: [ والباء في (باسم الله) متعلقة بمحذوف، اختار كثير من المتأخرين: كونه فعلاً خاصاً متأخراً.

    أما كونه فعلاً فلأن الأصل في العمل للأفعال.

    وأما كونه خاصاً فلأن كل مبتدىء بالبسملة في أمر يضمر ما جعل البسملة مبدأً له.

    وأما كونه متأخراً: فلدلالته على الاختصاص، وأدخل في التعظيم، وأوفق للوجود؛ ولأن أهم ما يبدأ به ذكر الله تعالى.

    وذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى لحذف العامل فوائد منها: أنه موطن لا ينبغي أن يتقدم فيه غير ذكر الله.

    ومنها: أن الفعل إذا حذف صح الابتداء بالبسملة في كل عمل وقول وحركة، فكان الحذف أعم. انتهى ملخصاً ].

    الكلام على كونه متعلقاً بمحذوف أو بفعل أو بمعنى الفعل، هذا لأنه في اللغة العربية لا يجوز إلا كذلك؛ لأن الجار والمجرور قبله لا بد أن يكون له عامل يعمل به، وسواء قدر فعلاً كما قدره الكوفيون، أو قدر اسماً كما قدره البصريون، فكله صحيح، وإذا قدر فعلاً فمعناه: بسم الله أؤلف، أو باسم الله آكل، أو باسم الله أدخل، أو باسم الله أنام، وما أشبه ذلك، ودل على هذا قول الله جل وعلا: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]، فجعل الجار والمجرور متعلقاً بفعل، وقدم هنا لأن المقام يقتضيه، أما تأخيره فيما ذكر فلأنه ينبغي أن يكون أول ما يطرق اللسان ويواطئ اللسان عليه القلب ذكر الله تعالى فكان أنسب، وأما تقديره اسماً بمعنى الفعل فقد جاء في قول الله جل وعلا: بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا [هود:41]، فـ(مجرى): مصدر، ويأتي بمعنى الفعل، فيصح هذا وهذا، والمقصود أن هذا معروف في لغة العرب، وأنه سواء قدر فعلاً أو اسماً فكلاهما صحيح.

    دلالة حرف الجر في (باسم الله)

    قال الشارح رحمه الله: [وباء (باسم الله) للمصاحبة، وقيل: للاستعانة، فيكون التقدير: باسم الله أؤلف حال كوني مستعيناً بذكره متبركاً به، وأما ظهوره في اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]، وفي بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا [هود:41]؛ فلأن المقام يقتضي ذلك كما لا يخفى، والاسم مشتق من السمو: وهو العلو، وقيل: من الوسم، وهو العلامة؛ لأن كل ما سمي فقد نوه باسمه ووسم ].

    من دلالات اللغة العربية: أن الاسم هل هو مشتق من السمو وهو الرفعة، أو مشتق من السمة وهي العلامة والوسم الذي يوسم عليه؟ وكلاهما جاءت به الأدلة من اللغة العربية، جاء ما يدل على هذا وهذا، وقد يقال: هما قولان، ويكون كلا القولين تدل عليه الأدلة التي جاءت فيكونان بمعنىً واحد.

    معنى لفظ الجلالة وأصل اشتقاقه

    قال الشارح رحمه الله: [ قوله (الله) قال الكسائي والفراء : أصله (الإله)، حذفوا الهمزة وأدغموا اللام في اللام، فصارتا لاماً واحدة مشددة مفخمة.

    قال ابن القيم رحمه الله: الصحيح أنه مشتق، وأن أصله (الإله)، كما هو قول سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذ، وهو الجامع لمعاني الأسماء الحسنى والصفات العلى].

    الاشتقاق هنا ليس معناه أن له مادة متقدمة عليه اشتق منها، كما توهمه بعضهم، وإنما معناه أنه يلاقي المعنى الذي دل عليه، ويكون معناه مثلما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: (الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين) ذو الألوهية يعني: الذي تألهه القلوب وتعبده وتحبه، وبين سيبويه أن هذا أصله، فأصله (إله)، وأنه مثل الناس، فأصلهم أناس، فأدخلت (أل) على (إله) ثم أدغمت، فأدغمت اللام في اللام ثم فخم فصار (الله)، وهو علم على الذات الإلهية الكريمة المقدسة، تجري عليه جميع الأسماء، وقد قيل: إنه الاسم الأعظم، لأنه في جميع الموارد موارد الأسماء يأتي متبوعاً لا تابعاً، وقد جاء في موضع من القرآن تابعاً، ولكن الغالب الكثير أنه يأتي متبوعاً، كقوله جل وعلا: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الحشر:22-23]، فصارت كلها تتبع هذا الاسم (الله)، لهذا قالوا: إنه هو اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، وإذا استغيث به أغاث، ولكن هذا في الواقع حسب ما يقوم في قلب الإنسان من العبودية والإخلاص والتذلل لله جل وعلا، أما إذا دعا الإنسان وقلبه ساهٍ أو غافل أو معرض، أو هو متلبس بالمعاصي فهذه من موانع الإجابة، وإن سأل بالاسم الأعظم.

    والمقصود أن أسماء الله جل وعلا أسماء وأوصاف، فهذا معنى الاشتقاق، أنها تكون أسماءً أعلاماً عليه، ولكن في معناها الصفات، والأصل أنها مشتقة من الصفات، والصفات هي الأصل، كما قال سيبويه هنا وجماعة من كبار أهل اللغة كـالخليل بن أحمد : إن أصله (إله) أو (الإله).

    وهذا يكون مثلما قالوا في قوله: لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [الكهف:38] يكون أصلها: (لكن أنا هو الله ربي)، فلما حصل الإدغام -إدغام الحرف في الحرف- صار: (لكنَّا هو الله ربي)، وكما مثلنا في قول سيبويه : إن (الناس) أصله (أناس)، فلما جاءت (أل) التقى ساكنان فحذفت الهمزة وأدغم واحد في الآخر فصار (الناس)، فكذلك (الله)، فهو مأخوذ من (الإله) الذي يؤله، وتألهه القلوب وتحبه وتئوب إليه رغبة ورهبة وخوفاً ورجاءً.

    قال الشارح رحمه الله: [ والذين قالوا بالاشتقاق إنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى، وهي الإلهية، كسائر أسمائه الحسنى كالعليم، والقدير، والسميع، والبصير ونحو ذلك، فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب وهي قديمة، ونحن لا نعني بالاشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى، لا أنها متولدة منه تولد الفرع من أصله.

    وتسمية النحاة للمصدر والمشتق منه أصلاً وفرعاً، ليس معناه: أن أحدهما متولد من الآخر، وإنما هو باعتبار أن أحدهما يتضمن الآخر وزيادة ].

    يعني أن المصدر يتضمن ما اشتق منه وزيادة، بخلاف الفعل فإنه لا يتضمن ذلك، وهذا سبب الذي جعلوه مشتقاً، وهذا من مباحث النحو.

    قال الشارح رحمه الله: [ قال أبو جعفر بن جرير : (الله) أصله (الإله)، أسقطت الهمزة التي هي فاء الاسم، فالتقت اللام التي هي عين الاسم، واللام الزائدة وهي ساكنة، فأدغمت في الأخرى، فصارتا في اللفظ لاماً واحدة مشددة، وأما تأويل (الله) فإنه على معنى ما روي لنا عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، قال: (هو الذي يألهه كل شيء، ويعبده كل خلق)، وساق بسنده عن الضحاك عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، قال: (الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين) ].

    معنى قول ابن عباس هذا: (الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين) أنه المستحق أن يؤله ويعبد من جميع الخلق، يعني أن هذا أمر واجب عليهم حتم، فإن تركوه عذبوا؛ لأنهم تركوا الألوهية التي تجب عليهم له أن يعبدوه ويتألهوه، والتأله هو محبة القلب، أن يحبه حب عبادة، يقال: أله يألهه، أي: أنه أحبه حباً يتضمن الذل والتعظيم، هذا هو التأله، وهذا لا يجوز أن يكون إلا لله جل وعلا، ولا يجوز أن يكون لمخلوق من الخلق، فإن وقع لمخلوق فقد وقع الشرك؛ لأن هذا خالص حق الله جل وعلا، أما العبودية فهي بمعنى الإلهية، ولا يوجد بينهما فرق، فالعبودية والألهية شيء واحد مثل التأله والتعبد لا فرق بينهما.

    قال الشارح رحمه الله: [ فإن قال لنا قائل: وما دل على أن الألوهية هي العبادة، وأن الإله هو المعبود، وأن له أصلاً في فعِل ويفْعَل قيل: لا تمانع بين العرب في الحكم، وذكر بيت رؤبة بن العجاج :

    لله در الغانيـات المـده سبحن واسترجعـن من تألـهي

    يعني من تعبدي وطلبي الله بعملي، ولا شك أن التأله التفعل، من (أله يأله)، وأن معنى أله -إذا نطق به- عبَدَ الله ].

    ومجرد النطق لا يكفي، وإنما عول عليه هذا الشيء لهذا المعنى، أي: للعبادة.

    قال الشارح رحمه الله: [ وقد جاء منه مصدر يدل على أن العرب قد نطقت منه بـ(فعِل يفعَل)، بغير زيادة، وذلك ما حدثنا به سفيان بن وكيع وساق السند إلى ابن عباس رضي الله عنه أنه قرأ: وَيَذَرَكَ وَإلِهَتَكَ [الأعراف:127]، قال: عبادتك ويقول: إنه كان يُعبد ولا يَعبد ].

    هذه قراءة شاذة (ويذرك وإلهتك) يعني: عبادتك التي تعبد؛ لأنه قد كان يُعبد فرعون، أي أن: موسى يذرك وعبادتك التي جعلتها على قومه، فإنه قال لهم: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، فهو كان يُعبد.

    أما القراءة المعروفة السبعية فهي: (ويذرك وآلهتْك)، أي: التي تعبدها، فعلى هذه يكون فرعون له آلهة يعبدها غير الله جل وعلا، أما القراءة الأولى فيكون هو المألوه الذي يؤله، والمقصود أن هذا جاء على أن العرب قد نطقوا به، والقراءة الشاذة تكون دليلاً وإن لم تجز القراءة بها ولا تثبت قراءة في الصلاة، فلا يجوز القراءة بها ولا تكون من القرآن حتى تتواتر وتتفق مع رسم المصحف وتشهد لها اللغة العربية، فلا بد من هذه الشروط الثلاثة: أن يثبت التواتر، وتتفق مع رسم المصحف العثماني، وتكون صحيحة المعنى في اللغة العربية، وإذا تخلف واحد من هذه الشروط الثلاثة لا يجوز أن تثبت قراءة، ولكن يستدل بها وتكون دليلاً كأخبار الآحاد التي يرويها فرد عن فرد من الناس.

    [ وذكر مثله عن مجاهد ثم قال: فقد بين قول ابن عباس ومجاهد هذا أن أله: (عَبَد)، وأن الإلهة مصدره، وساق حديثاً عن أبى سعيد مرفوعاً أن عيسى أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه، فقال له المعلم: اكتب (باسم الله) فقال عيسى: أتدري ما الله ؟ الله إله الآلهة ].

    هذا حديث لا يثبت فهو ضعيف، فلا يصلح أن يكون حجة، وعيسى نبي كريم علمه الله جل وعلا وهو صبي كما جاء نص القرآن بذلك، ثم جاءت به أمه تحمله إلى قومها وهو رضيع صبي: قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ [مريم:27-29]، يعني: قالت: كلموه، قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [مريم:29]، فأقبل عليهم وقال: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا [مريم:30] أي: من ذلك الوقت، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ [مريم:31]، فأول ما نطق به قوله: (إني عبد الله) يعني: أعبده، وهذا رد له لما فعلوه ولما سيكون بعد؛ لأنهم قالوا: إنه الله أو إنه ابن الله أو إنه ثالث ثلاثة، تعالى الله وتقدس عن قولهم، والمقصود أن هذا الحديث لا يثبت ولا يصلح أن يكون دليلاً.

    خصائص اسم الله المعنوية

    قال الشارح رحمه الله: [ قال العلامة ابن القيم رحمه الله: لهذا الاسم الشريف عشر خصائص لفظية ساقها ثم قال: وأما خصائصه المعنوية فقد قال أعلم الخلق به صلى الله عليه وسلم: (لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)، وكيف نحصي خصائص اسم لمسماه كل كمال على الإطلاق، وكل مدح وحمد، وكل ثناء، وكل مجد، وكل جلال وكل كمال، وكل عز وكل جمال، وكل خير وإحسان وجود وفضل وبر فله ومنه.

    فما ذكر هذا الاسم في قليل إلا كثره، ولا عند خوف إلا أزاله، ولا عند كرب إلا كشفه، ولا عند هم وغم إلا فرجه، ولا عند ضيق إلا وسعه، ولا تعلق به ضعيف إلا أفاده القوة، ولا ذليل إلا أناله العز، ولا فقير إلا أصاره غنياً، ولا مستوحش إلا آنسه، ولا مغلوب إلا أيده ونصره، ولا مضطر إلا كشف ضره، ولا شريدٍ إلا آواه.

    فهو الاسم الذي تكشف به الكربات، وتستنزل به البركات، وتجاب به الدعوات، وتقال به العثرات، وتستدفع به السيئات، وتستجلب به الحسنات، وهو الاسم الذي قامت به الأرض والسماوات، وبه أنزلت الكتب، وبه أرسلت الرسل، وبه شرعت الشرائع، وبه قامت الحدود، وبه شرع الجهاد، وبه انقسمت الخليقة إلى السعداء والأشقياء، وبه حقت الحاقة ووقعت الواقعة، وبه وضعت الموازين القسط، ونصب الصراط، وقام سوق الجنة والنار، وبه عبد رب العالمين وحمد، وبحقه بعثت الرسل، وعنه السؤال في القبر ويوم البعث والنشور، وبه الخصام، وإليه المحاكمة، وفيه الموالاة والمعاداة، وبه سَعِد من عرفه وقام بحقه، وبه شقي من جهله وترك حقه، فهو سر الخلق والأمر، وبه قاما وثبتا، وإليه انتهيا.

    فالخلق به وإليه ولأجله، فما وجد خلق ولا أمر، ولا ثواب ولا عقاب إلا مبتدئاً منه ومنتهياً إليه، وذلك موجبه ومقتضاه: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:191].. إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى ].

    ذكر هنا: المعاني التي دل عليها هذا الاسم، ومن المعلوم أن البحث في أسماء الله وطلب معانيها من أعظم ما ينبغي أن يعتني به الإنسان، وهو الفقه الأكبر في الواقع، ليس قريباً من فقه الأحكام وأفعال المكلفين، بل هو أعظم من ذلك بكثير، والناس يتفاوتون عند الله جل وعلا بالدرجات بفقههم، ويتميزون بمعرفتهم لأسماء الله وأوصافه وعبادة الله جل وعلا وطاعته، وهذا الاسم -الذي هو الله- دل على العبادة، والعبادة خلق من أجلها الناس، كما قال الله جل وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وأرسلت بها الرسل، كما ذكر الله جل وعلا في القرآن أن كل نبي يقول لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59]، قال ذلك نوح، وقاله هود، وقاله صالح، وقاله إبراهيم عليه السلام، وقاله لوط، وقاله شعيب، وقاله موسى وعيسى، وقاله أيضاً خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: (لا إله إلا الله)، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)، وهذا معنى كلام ابن القيم ، يعني أنه دل على هذه العبادة -عبادة الله جل وعلا- الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، والعبادة وعدمها خلقت لأجلها الجنة والنار، وكذلك شرع الجهاد، جهاد الكفار، حتى تعلو كلمة الله، فهذا معنى هذا الاسم، حتى يكون عالياً على الأديان، وحتى ترفع درجات من يقاتل في سبيل الله ويقتل من أجل ذلك، وحتى يهلك من هلك، وعلى ذلك يكون الحساب يوم القيامة، وعليه يبعث الناس، وعنه يسأل المقبور في القبر، فإذا وضع في قبره أتاه ملكان يسألانه، أول ما يقولان له: من كنت تعبد؟ من ربك؟ ومعنى (من ربك) هنا: من المعبود من الذي تعبده؟ فإن أجاب وثبت عن اقتناع وإلا عذب في قبره، وكذلك الله جل وعلا أخبر عنه خلق السماوات والأرض بالحق، والحق الذي أخبر أنه هو كون العبادة له وحده، والملك له وحده، والسلطان له، وهو الذي يتصرف في كل شيء، وكل هذا تابع لكونه الإله جل وعلا، كما سيأتي أن أنواع التوحيد متلازمة، يلزم من الإتيان بواحد منها الإتيان بالبقية، فهذا معنى كلام ابن القيم رحمه الله.

    اسما (الرحمن الرحيم) وما لهما من خصائص

    قال الشارح رحمه الله: [ قوله: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]، قال ابن جرير : حدثني السري بن يحيى قال: حدثنا عثمان بن زفر ، قال: سمعت العرزمي يقول: الرحمن بجميع الخلق، والرحيم بالمؤمنين. وساق بسنده عن أبى سعيد -يعني: الخدري - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن عيسى ابن مريم قال: الرحمن: رحمن الآخرة والدنيا، والرحيم: رحيم الآخرة) ].

    هذا هو الحديث السابق وقلنا: إنه ضعيف، بل قالوا: إنه موضوع، فهذا الحديث لا يصلح أن يكون دليلاً، فقول ابن جرير رحمه الله فيما رواه: (الرحمن بجميع الخلق والرحيم بالمؤمنين). هذا روي عن بعض السلف، فيكون الفرق بينهما أن الرحيم أخص، والرحمن أعم، فالرحمن رحمة واسعة تعم الخلق كلهم، والرحيم يكون خاصاً ويختص بالمؤمنين، ولهذا جاء أنه كان بالمؤمنين رحيماً، وما جاء أنه بالمؤمنين رحمن، ولكن يشكل على هذا قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحج:65]، فالناس لفظ مطلق يعم جميع الخلق كافرهم ومؤمنهم، فيكون هذا مخالفاً لما سبق، والصواب في هذا أن (الرحمن والرحيم) كلاهما اسمان ووصفان لله جل وعلا، ولكن الرحمن أكثر معنىً للمبالغة ولزيادة البناء؛ فإن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى في اللغة العربية، و(الرحمن) يدل على تعلق الصفة بالرب جل وعلا، و(الرحيم) يدل على قيام الصفة للمرحوم، فـ(الرحمن) يدل على وصفه القائم بذاته جل وعلا، و(الرحيم) يدل على وصفه الذي يفعله، فهذا هو الفرق بينهما الذي لا يشكل عليه ما ذكر، وقد قال بهذا طوائف من العلماء، هذا والله أعلم بالصواب في ذلك؛ لأنه إذا قيل: إنهما اسمان رقيقان كما جاء عن ابن عباس ، وجعل لكل واحد معنى الآخر يكون في ذلك تكرار، وليس في كلام الله وفي أسمائه تكرار جل وعلا، بل لكل واحد منهما معنى يخصه.

    استحباب أن يدعى الله بالأسماء الدالة على المعاني المطلوبة

    قال الشارح رحمه الله: [ قال ابن القيم رحمة الله تعالى عليه: واسمه (الله) تعالى دل على كونه مألوهاً معبوداً يألهه الخلائق محبة وتعظيماً وخضوعاً، ومفزعاً إليه في الحوائج والنوائب، وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته، المتضمنتين لكمال الملك والحمد، وإلهيته وربوبيته ورحمانيته وملكه مستلزم لجميع صفات كماله؛ إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي، ولا سميع، ولا بصير، ولا قادر، ولا متكلم، ولا فعال لما يريد، ولا حكيم في أقواله وأفعاله.

    فصفات الجلال والجمال أخص باسم (الله)، وصفات الفعل والقدرة والتفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع، ونفوذ المشيئة، وكمال القوة، وتدبير أمر الخليقة أخص باسم (الرب).

    وصفات الإحسان، والجود والبر والحنان والمنة والرأفة واللطف أخص باسم (الرحمن) ].

    هذه من معاني أسماء الله جل وعلا، فالتأله والعبادة والدوام على ذلك تختص باسم (الله) جل وعلا؛ لأنه مأخوذ من (الإله)، والملك والتصرف والعذاب والانتقام والرزق والإحياء والإماتة وجميع الأفعال تختص باسم (الرب) جل وعلا؛ لأن معنى الرب: المالك والمتصرف، والعطاء والإحسان والعفو عن الإساءة ونحو ذلك من الكرم والجود أخص به اسم (الرحمن) و(الرحيم)، فأسماء الله جل وعلا كل اسم له معانٍ تخصه، ويجب أن يدعى الله به، وإذا طلبت منه تلك المعاني يدعى الله بهذا الاسم الدال عليها، ولا ينبغي أن يدعى بشيء لا يناسب المعنى، فإذا طلب التوبة قال: يا تواب، وإذا طلب الرزق يقول: يا رزاق! وإذا طلب المغفرة يا غفور! وهكذا، وهذا من معنى قوله جل وعلا: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، وأسماء الله جل وعلا كلها حسنى، ومعنى كونها حسنى أنها قد بلغت غاية الحسن، أي أنها كاملة لا يتطرق إليها نقص ولا عيب في المعاني، بخلاف أسماء المخلوقين فإنها وضعت أعلاماً تميز واحداً عن الثاني فقط، وليس لها من المعاني شيء، ولهذا ضل من قال: إن أسماء الله أعلام عليه، ولم يعرف الله جل وعلا حق المعرفة التي تجب عليه.

    قال الشارح رحمه الله: [وقال - ابن القيم رحمه الله- أيضاً: الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم.

    وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله تعالى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:43]، إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:117]، ولم يجيء قط رحمان بهم ].

    وقد جاء في الحديث: (رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما)، وهذا يناقض ذلك، وكلاهما يدل على صفة تقوم بالله جل وعلا، ولكن هذا يدل على صفة الذات، وهذا يدل على صفة الفعل والعلم لله جل وعلا.

    أسماء الله هي أسماء ونعوت دالة على صفات الكمال

    [إن أسماء الرب تعالى هي أسماء ونعوت؛ فإنها دالة على صفات كماله، فلا تنافي فيها بين العلمية والوصفية، فالرحمن اسمه تعالى ووصفه، فمن حيث هو صفة جرى تابعاً لاسم الله، ومن حيث هو اسم ورد في القرآن غير تابع، بل ورود الاسم العلم، كقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، انتهى ملخصاً ].

    يعني أنه ورد اسم الرحمن وجاء مستقلاً متبوعاً علماً، كقوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وأيضاً جاء تابعاً كما في آية سورة الحشر، بل قد جاء اسم (الله) في قراءة تابعاً، في قوله: صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي [إبراهيم:1-2]، فيكون على هذه القراءة تابعا، أما على قراءة الرفع فلا يكون تابعاً، وإنما يكون مستقلاً، ولا يكون في هذا إشكال.

    1.   

    الحديث عن الحمد والثناء

    الحمد والشكر والعلاقة بينهما

    قال الشارح رحمه الله: [ قال المصنف رحمه الله تعالى: (الحمد لله). معناه: الثناء بالكلام على الجميل الاختياري على وجه التعظيم، فمورده اللسان والقلب. والشكر يكون باللسان والجنان والأركان، فهو أعم من الحمد متعلقاً وأخص منه سبباً؛ لأنه يكون في مقابلة النعمة، والحمد أعم سبباً وأخص متعلقاً؛ لأنه يكون في مقابلة النعمة وغيرها، فبينهما عموم وخصوص وجهي، يجتمعان في مادة وينفرد كل واحد عن الآخر في مادة ].

    معنى ذلك أن الشكر يكون متعلقه عاماً، ولكن سببه خاص؛ لأنه يكون مقابلاً للنعمة فقط، و(متعلقه) يعني أنه يتعلق باللسان وبالجوارح، فيتعلق باللسان بالقول والثناء، ويتعلق بالجوارح بالعمل، كما قال الله جل وعلا: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا [سبأ:13]، فجعل العمل شكراً، فيكون الذي يصدر منه الشكر أعم، أما سببه الباعث عليه فيكون أخص من الحمد، والحمد يكون أعم سبباً، فسببه عام ومتعلقه أيضاً أخص، وذلك أن الله جل وعلا يحمد على كل شيء، فيحمد على جميع أفعاله، ويحمد على خلقه، ويحمد على جزائه، ويحمد على فعله، ولهذا أخبر جل وعلا أن له الحمد في المبدأ وفي المنتهى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام:1]، هذا في المبدأ، أما المنتهى فإنه جل وعلا لما ذكر جزاءه للكفار والأنبياء وحكمه بين الأنبياء والشهداء والمؤمنين والكفار، وأنه أدخلهم النار وأدخل المؤمنين الجنة فقال: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا [الزمر:71]، إلى آخر الآيات، ذكر في خاتمة ذلك قوله تعالى: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر:75]، فقوله: (وقيل) يدل على العموم المطلق، فجميع الخلق قالوا هذا القول، حتى أهل النار حمدوه على قضائه بينهم؛ لأنهم لا يستحقون إلا ذلك، ولا يليق بهم إلا ذلك، فهو يحمد على جميع ما يفعله، يحمد على فعله سواء أكان قضاء، أم كان عقاباً، أم كان إثابة وجزاء، أم كان خلقاً وإيجاداً، أم كان حكماً، أم كان شرعاً أم غير ذلك يحمد عليه، فهذا معنى قوله: إنه أعم سبباً، فأسبابه عامة؛ لأن كل ما يصدر من الله جل وعلا يحمد عليه.

    الحمد والمدح والعلاقة بينهما

    يبقى الفرق بين الحمد وبين المدح، فالمدح يكون في ذكر الصفة التي يستحق عليها الثناء، ولكن لا يلزم أن يكون الحب والتعظيم في المدح، أما الحمد فلا بد أن يكون فيه ذلك، محبة مع تعظيم، ولهذا جاء في الأثر حديث: (أعوذ بك من أن يكون لفاجر علي منة فيوده قلبي)؛ لأن المنة يحمد عليها، والحمد يكون إذا ذكر الوصف الذي هو فعل الجميل الاختياري فإنه يتضمن الحب والتعظيم، ثم الحمد يكون على الفعل الذي يفعله مختاراً، أما المدح فيكون على ذلك وعلى غيره، أي: على الشيء الذي لا دخل له فيه وهو من فعل غيره.

    1.   

    أحكام الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم]

    قال الشارح رحمه الله: [أصح ما قيل في معنى صلاة الله على عبده ما ذكره البخاري رحمه الله تعالى عن أبى العالية قال: صلاة الله على عبده ثناؤه عليه عند الملائكة. وقرره ابن القيم رحمه الله ونصره في كتابيه (جلاء الأفهام) و(بدائع الفوائد) ].

    الثناء قد قيل: إنه صلاة الله، أما صلاة الخلق فمعلوم أنها الدعاء، قال تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة:103] يعني: ادع لهم، فالصلاة من الخلق الدعاء، أن يدعى الله جل وعلا لهم بالخير والمغفرة أو الهداية، وكان صلى الله عليه وسلم إذا أتاه آت بزكاته صلى عليه، قال عبد الله بن أبي أوفى جاء أبي بالزكاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم صل على آل أبي أوفى)، فقوله: (اللهم صل) دخل فيه أمر الله جل وعلا بأن يصلي عليهم، وبأن يسأل الله له أن يصلي عليه، فالمقصود: أنها من العبد السؤال والدعاء ، فالرسول صلى الله عليه وسلم يسأل الله أن يصلي على آل أبي أوفى، وكذلك صلاته على الميت تسأل الله أن يغفر له، وكذلك غيره من الخلق.

    وكذلك من الملائكة، فهم قد أخبر الله جل وعلا عنهم أنهم يقولون: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر:7] إلى آخر الدعاء الذي جاء عنهم، وغير ذلك.

    وأما الصلاة من الله فلا يجوز أن نقول فيها: الصلاة من الله الدعاء فالله لا يدعو لأحد، فقال قوم: الصلاة من الله الرحمة، ولكن الله جل وعلا فرق بين الصلاة والرحمة، كقوله جل وعلا: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة:156-157]، فجعل الرحمة غير الصلاة، مما يدل على أنها غيرها، فكان الأولى بل الصواب والأصح أن يقال: إن صلاة الله على عباده هي ثناؤه عليهم في الملأ الأعلى، أن يثني على عبده عند الملائكة، وإذا أثنى الله جل وعلا على أحد فحسبه ذلك؛ لأنه امتثل أمر ربه وأرضى ربه، فيكون كل شيء راضياً عنه، وكل عباد الله يدعون له، ويسألون له، ويطلبون محبته وموالاته، فهذا من أفضل الأعمال وأعظم الخصائص التي يخص بها ربنا جل وعلا من يشاء من عباده، فإذا قال الإنسان: (اللهم صل على محمد) فمعناه: اذكره مثنياً عليه عند أخص خلقك الذين هم ملائكتك، وهذا يكون أخص من الرحمة، والآية -مثلما قلنا-: دلت على أن الصلاة غير الرحمة.

    [ قلت: وقد يراد بها الدعاء، كما في المسند عن علي مرفوعاً: (الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه) ].

    وهذا ليس فيه إشكال؛ لأن هذا من المخلوقين، ولكن الإشكال في الصلاة من الله، هل يقال: الصلاة من الله الرحمة أم الدعاء؟ هذا محل إشكال، والصلاة هي الدعاء من جميع الخلق ملائكة، وأنبياء، ومن المؤمنين، والأصل في الصلاة الدعاء، فالصلاة الشرعية التي تفتتح بالتكبير وتختتم بالتسليم وتشتمل على القراءة والركوع والسجود وغير ذلك أصلها مأخوذة من الدعاء، فهذا هو أصلها.

    المراد بالآل في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    قال الشارح رحمه الله: [ قوله: (وعلى آله) أي: أتباعه على دينه، نص عليه الإمام أحمد رحمه الله هنا ].

    هذا هو أرجح أقوال السلف والعلماء، أن آل النبي صلى الله عليه وسلم هم أتباعه على دينه؛ لأنه جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في صحيح مسلم وغيره- أنه قال: (ألا إن بني فلان ليسوا لي بآل) وسمى أناساً معينين من الأقرباء نسباً، فمعنى ذلك أنه لما لم يكونوا من أتباعه أخبر صلى الله عليه وسلم أنهم ليسوا له بآل، فكذلك جاء أن أتباعه على دينه هم آله بنص ورد عنه صلى الله عليه وسلم، وهذا لا ينافي كون آله هم الذين حرمت عليهم الصدقة، أو هم أزواجه، وأزواجه يدخلن في ذلك من باب أولى، ولا ينافي ذلك، ولكن هذا عند الصلاة والدعاء يكون عاماً شاملاً.