إسلام ويب

شرح العقيدة الواسطية [24]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إنكار القدر يأتي على درجتين: فإما أن يكون من باب إنكار العلم والكتابة، وهذا ما وقع من غلاة القدرية، وهو كفر بلا خلاف، وإما أن يكون من باب إنكار أن تكون صفة الخلق والمشيئة عامة وشاملة مع إثبات الصفة، وهذا ضلال مبين لكنه لا يصل إلى الكفر، وأهل السنة يؤمنون بأن القدر هو علم الله وكتابته وعموم مشيئته، وأن الله خالق كل شيء، ولا يقع إلا ما يشاء سبحانه.

    1.   

    السبب في تقسيم القدر إلى درجات ومراتب

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه ما لا يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسوله ونهاهم عن معصيته.

    وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد، والعباد فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم.

    والعبد هو: المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم.

    وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق وقدرتهم وإرادتهم؛ كما قال تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:28-29].

    وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم: (مجوس هذه الأمة)، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات، حتى سلبوا العبد قدرته واختياره، ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها].

    الدرجة الأولى من القدر جعلها تتضمن شيئين، والدرجة الثانية جعلها تتضمن شيئين، والسبب في هذا التقسيم: أن عدم الإقرار بالدرجة الأولى كفر بالله جل وعلا، فيكون الذي لم يقر بها ولم يؤمن بها ليس بمسلم.

    وأما الدرجة الثانية فإنكارها ليس كفراً، ولكنه ضلال بين، والسبب في هذا: أن الدرجة الأولى تتضمن علم الله وكتابته، وعلم الله صفة من صفاته الأزلية، لم يزل جل وعلا عليماً ولا يزال كذلك، ولا يمكن أن يقع شيء لم يعلمه الله جل وعلا.

    والكتابة كذلك أخبرنا ربنا جل وعلا في كتابه في آيات متعددة، وأخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله كتب كل شيء، فإنكار هذه الدرجة إنكار لما ثبت ضرورة في دين الإسلام فكان منكرها كافراً.

    1.   

    إنكار القدرية لعموم صفة الخلق والمشيئة

    أما الدرجة الثانية: فهي إنكار القدرية عموم الخلق وعموم المشيئة فقط، ولم ينكروا الصفة التي هي مشيئة الله، ولم ينكروا الصفة التي هي خلق الله، وإنما أنكروا أن تكون عامة شاملة في كل شيء، فكانت هذه أقل من الأولى بكثير، ولذلك لم يحكم بكفرهم، وإن كانوا قد ضلوا ضلالاً بيناً، ولكن فرق بين هذه والتي قبلها، وهذا هو سبب تقسيم المؤلف رحمه الله هذا التقسيم، فالدرجة الأولى تحتها شيئان، والدرجة الثانية تحتها شيئان، فمن أجل ذلك فرق هذا التفريق، وإلا فالقدر: هو علم الله وكتابته وعموم مشيئته فلا يقع إلا ما يشاء، وأنه هو الخالق لكل شيء، هذا هو القدر وهذا أمر لابد من الإيمان به، وقد جعله الرسول صلى الله عليه وسلم ركناً من أركان الإيمان، فلا يتم إيمان المسلم إلا به، ولهذا حكم الصحابة رضوان الله عليهم: أن من لم يؤمن بالقدر فهو كافر كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر أنه قال: (والذي يحلف به ابن عمر لو أن لأحدهم ملء الأرض ذهباً ثم أنفقه في سبيل الله لم يقبله الله منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره).

    1.   

    الشر وجوده نسبي ولا يجوز إضافته إلى الله

    وسبق أن وصف القدر بأن فيه خيراً وشراً، وهذا بالنسبة للمخلوق، أما بالنسبة للخالق فكله خير وعدل وحكمة؛ لأن الله جل وعلا يوصف بالأسماء الحسنى وفعله فعل حسن جميل عدل، وكذلك حكمه وقوله، فلا يجوز أن يضاف إليه شر، وإنما الشر يكون إما بالأثر وإما في المخلوق، وإما أن يكون شراً نسبياً، فمثلاً: الله حكم بأن السارق تقطع يده، وهذا الحكم بالنسبة لله جل وعلا خير وعدل، وهو كذلك بالنسبة للمجتمع خير وعدل وحماية وصيانة لأموالهم، ولكنه بالنسبة للسارق المعين قد يكون شراً حيث قطعت يده، ومن ناحية الألم وفقده العضو، أما من ناحية أنه كفارة لهذا الفعل الذي فعله، فيكون خيراً، فالخيرية أكثر والشر يكون جزئياً، وهكذا يقال في كل قضية من القضايا، فشر القدر أو حلوه ومره نسبي، ومعلوم أن الأعمال التي يعملها الإنسان في الدنيا من فعل الشهوات والمشتهيات أن عاقبتها تكون شراً عليه، وإن كان يجد لها لذة ساعة فعلها.

    فالمقصود: أن يذكر العموم: وهو أن الله جل وعلا خلق كل شيء.

    عرفنا الدرجة الأولى التي هي علم الله، وأن الله عليم بكل شيء وأنه لا يخلو من علمه شيء من الأشياء أزلاً وأبداً وهذا أمر واضح وجلي، وهذا الأمر عام مطلق يشمل الموجود والمعدوم والذي لا يوجد يعلمه لو وجد كيف يكون، كما سبق التمثيل في ذلك، وأما الكتابة فإنه كتب علمه الذي علمه في المخلوقين قبل وجودهم كما في بعض النصوص كحديث عبد الله بن عمرو الذي في صحيح مسلم : (إن الله كتب مقادير الأشياء قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة)وكذلك حديث عبادة : (أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة)، وسبق الجمع بين هذين الحديثين وأنه ليس بينهما اختلاف، فقوله: (إن الله كتب مقادير الأشياء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) قوله: (وكان عرشه على الماء) جملة حالية يعني: في حالة الكتابة كان عرشه موجوداً على الماء.

    1.   

    معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (أول ما خلق الله القلم)

    وأما قوله في حديث عبادة : (أول ما خلق الله القلم) جاءت فيه روايتان: إحداهما: (أولُ) بضم اللام (أولُ ما خلق الله القلمُ) فيكون أول مبتدأ والقلم خبره وهذه جملة، (فقال له: اكتب) وهذه جملة أخرى.

    الرواية الثانية: (أولَ ما خلق الله القلم قال له: اكتب) بالنصب، ويكون (أولَ) معمولاً لخلق والمعنى: الإخبار بأن خلق القلم وقعت بعده الكتابة مباشرة بدون فرقن فلما خلقه قال له: اكتب فلم يحصل فاصلاً بين خلقه وبين الكتابة، وهذا هو القول الصحيح، فيكون موافقاً لحديث عبد الله بن عمرو ، ولم يرد به: الإخبار عن أولية المخلوقات وإنما أريد الإخبار بأن الكتابة وقعت بعد خلق القلم مباشرة بدون فرق فيكون موافقاً لحديث عبد الله بن عمرو ، ويكون خلق العرش والماء قبل خلق القلم؛ لأنه في حالة الكتابة كان العرش والماء موجودين.

    وهذه الكتابة كتابة عامة شاملة لم يخرج عنها شيء دقيق ولا جلي بل كل شيء كتب قبل وجوده، وهذا من تمام علم الله جل وعلا، أما الإشكال الذي يترتب على هذا فسيأتي حله إن شاء الله.

    1.   

    الكلام على درجة المشيئة وأقسامها

    ثم ننتقل إلى الدرجة الثانية: وهي المشيئة العامة، وهي أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، يعني: أن مشيئته عامة شاملة فلا يقع شيء بغير مشيئته سواء كان من الخير أو من الشر، أو كان من الطاعات أو من المعاصي.. من الإيمان أو من الكفر، فكل شيء يقع بمشيئة الله جل وعلا فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ويجب أن يعلم: أن كل شيء ملك لله جل وعلا وأنه لا يخرج من ملكه شيء، وأنه خلق الخلق بإرادته ومشيئته وهم عبيد له، ولكن الله جل وعلا جعل لبعضهم عقولاً وإدراكاً وكلفهم، وبعضهم جعلهم مسخرين للعقلاء أو خلقهم لعبادته، وسبق بيان الفرق بين المشيئة وبين الإرادة وأن الإرادة تنقسم إلى قسمين:

    إرادة دينية أمرية شرعية، تتضمن أمر الله وشرعه كقوله جل وعلا لما فرض الصيام ثم خفف عن عباده المرضى والمسافرين: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ [البقرة:185] فإرادة اليسر وعدم إرادة العسر أمر شرعي.

    وإرادة كونية قدرية: فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125] فهذه إرادة كونية، وهذه الإرادة الكونية تتفق مع المشيئة، والمشيئة لا تنقسم، بل هي واحدة، وهي مشيئة عامة لا يخرج عنها شيء، والإرادة الكونية تتفق معها وهي مرادفة لها، فمشيئته جل وعلا عامة كقدرته، فلا يمكن أن يوجد شيء لا يشاؤه الله، ولا يعدم شيء يشاؤه الله. فمشيئته جل وعلا تتعلق بالموجودات وبالمعدومات يعني: بالشيء الموجود والشيء الذي لا يوجد إذ لو أراد وجود المعدوم لوجد، ولكنه لم يرد ذلك فصار معدوماً، وهذه ردها القدرية ولم يؤمنوا بعمومها فقالوا: إن الكافر هو الذي يشاء الكفر، والمؤمن هو الذي يشاء الإيمان، والله لا يشاء الكفر؛ لأن الله حكم عدل، ولو شاء الكفر للكافر للزم من ذلك أنه يعذبه على شيء هو من فعل الله، هذه الشبهة التي عرضت لهم فلم يقبلوا عموم المشيئة، ويأتي الجواب عن هذا إن شاء الله.

    1.   

    الكلام على مرتبة الخلق

    أما الخلق فالله جل وعلا خالق كل شيء، ويجب أن لا يكون هناك شيء مخلوق لغيره، وإن كانت كثير من الأشياء من أفعال الناس، ولكن الله هو الذي أوجد لهم القدرة على هذا الخلق كما قال جل وعلا: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ [النحل:80] ومعلوم أن الناس هم الذين يصنعون بيوتهم ويبنونها ومع ذلك قال جل وعلا: (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً) وكذلك الجلود التي يستظل بها ويستدفأ بها فتمنع الحر والبرد، والخيام وغيرها، وكذلك ما يتخذ من اللباس من أصواف الأنعام ومن أوبار الإبل ومن أشعار المعز وغيرها كلها لابد أن تدخلها صناعة الإنسان وفعله، ومع ذلك جعلها خلقاً له جل وعلا؛ لأنه هو الذي خلقها؛ ولذلك قال جل وعلا: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96] يعني: الذي تعملونه قد خلقه، وليس في هذا متعلق لأهل القدر، وهذه الدرجة -وهي درجة الخلق- رد عمومها القدرية الذين ينكرون أن يكون الرب جل وعلا خالقاً لأفعال الناس للشبهة التي ذكرنها وهي: أنه لو كان خالقاً لأفعالهم للزم أن يكون معذباً لهم على فعله هو، وسيأتي حل هذه الشبهة والجواب عنها إن شاء الله.

    ولهذا قال: (وأما الدرجة الثانية فهي: مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة) النافذة يعني: الماضية التي لا ترد، والشاملة العامة التي لا يخرج عنها شيء، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، يعني: كل موجود وجد بمشيئته، وكل معدوم فقد بمشيئته جل وعلا، هذا عموم لا يخرج عنه شيء.

    قوله: (وأنه ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله جل وعلا) كل شيء يتحرك سواءً كان ذلك بفعل العاقل الاختياري أو ليس بفعله الاختياري كنبض عروقه وكحركة الأشجار وسقوط الورق وغير ذلك، كل شيء يتحرك فهو بمشيئته، وكل شيء يسكن فهو بمشيئته؛ لأنه جل وعلا هو المالك لكل شيء، وهو عليم بكل شيء، وقدير على كل شيء تعالى وتقدس.

    قوله: (لا يكون في ملكه إلا ما يريد) فكل شيء ملك له وليس لأحد من الخلق شيء، ولكنه يعطي ما يشاء ويُملِّكُ من يشاء ملكاً مستعاراً يزول منه ويذهب.

    قوله: (وأنه سبحانه على كل شيء قدير) يعني: أنه خلق الخلق بقدرته، وأنه لا يخرج عن خلقه شيء، فهو على كل شيء قدير، و(شيء) هنا عام لا يجوز أن يخرج منه شيء، فدخل فيه أفعال الخلق التي تصدر منهم سواء كانت صالحة أو فاسدة، يعني: سواء كانت طاعات أو معاصي فهي داخلة في هذا العموم والله خالقها.

    قوله: (من الموجودات والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه وتعالى، لا خالق غيره ولا رب سواه) والرب هو: الموجد الذي يوجد الشيء ثم يربيه بما يلزم من إيجاد النعم ودفع النقم ودفع كل ما يضاد الحياة أو يذهب بها، فهو المالك المتصرف المنعم، ومع ذلك -يعني: مع هذا العموم وهو كونه جل وعلا لا يقع الشيء إلا بمشيئته وكونه جل وعلا الخالق لكل شيء- أمر العباد بالطاعة ونهاهم عن المعصية، وأمره بالطاعة ونهيه عن المعصية لا يخالف كونه جل وعلا لا يقع إلا ما يريد، وكونه الخالق لكل شيء، وكونه كتب كل شيء، بل يتفق معه؛ لأن الله جل وعلا علم هذا المخلوق قبل وجوده وعلم أنه سيفعل كذا وكذا باختياره فكتب علمه، وليس معنى ذلك أن الكتابة مجبرة ومرغمة للإنسان على أن يفعل كذا، وإنما أمره بالشيء الذي يستطيع أن يفعله باختياره، فإذا أقدم على شيء فإنه يقدم عليه باختياره وقدرته.

    1.   

    الاعتماد على الأسباب شرك وإنكارها قدح في العقل

    ثم إن الله جعل لكل شيء سبباً، فالأسباب وما يترتب على الأسباب مخلوق لله جل وعلا ومقدر، ولهذا يقول العلماء: النظر إلى الأسباب والاعتماد عليها شرك؛ لأن الواجب أن يعتمد الإنسان على ربه جل وعلا، ويفعل السبب على أنه سبب وليس هو الذي يؤثر ويوجد بسببه، وكذلك الإعراض عن السبب قدح في العقل، فالذي يترك السبب لا يكون عاقلاً، فلا يمكن أن يوجد عالم بلا تعلم، ولا تاجر بلا عمل ولا تجارة، ولا يوجد ولد بلا نكاح، فالذي يترك الأسباب ويعطلها يكون غير عاقل، والإعراض عن الأسباب أيضاً وتركها نهائياً وعدم النظر إلى أنها تؤثر بقدرة الله ومشيئته قدح في الشرع؛ لأن الله جعل لكل شيء سبباً وأمر بفعل السبب، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، ثم احرص على ما ينفعك ولا تعجزن، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل) فقوله: (احرص على ما ينفعك) أمر بفعل الأسباب، والمؤمن الضعيف هو الذي لا يفعل السبب الفعل التام ويكون عنده ضعف وهذا الضعف لا يحبه الله جل وعلا، فالله يحب أن يكون قوياً، ولا يكون قوياً إلا بفعل الأسباب، ولهذا يقول جل وعلا: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ [الأنفال:60] والإعداد: هو فعلهم، وإن كان فعلهم مخلوقاً لله جل وعلا، ولكنه باختيارهم.

    قال: (ومع ذلك) يعني: مع كونه هو الخالق لكل شيء، وأنه لا يقع شيء إلا بمشيئته: (فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسوله ونهاهم عن معصيته) ومخالفة رسله، وأمره ونهيه لا يخالف قدره ولا يخالف مشيئته كما زعم الكفرة الذين كفروا بالله جل وعلا.

    قوله: (وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين)، المتقي: هو الذي يفعل المأمور ويترك المنهي عنه، هذا هو المتقي، والمحسن: هو الذي يبالغ في ذلك ويعمل غاية جهده في إحسان عمله ابتغاء مرضاة الله جل وعلا، والله يحب ذلك، وهذا من فعلهم حقيقة.

    1.   

    لا تعارض بين الخلق والمشيئة والرضا

    قوله: (والمقسطين) المقسط: هو العادل، يعني: أنه يحب الذين يعدلون في أحكامهم وأقوالهم وما ولوا مما وكل إليهم، فهو يحب أن يقع منهم؛ لأنه أمرهم به.

    قوله: (ولا يحب الكافرين) مع أن الإحسان والعدل لا يقع إلا بمشيئته وإرادته، ولا يقع إلا بخلقه فأحب وقوعه من العباد؛ لأنه أمر به، ويكره الكفر ويبغضه والمعاصي والمخالفات وهي لا تقع إلا بمشيئته، ولا تقع إلا بخلقه، ومع ذلك يكرهها ويبغضها وليس في هذا تعارض فهو لا يحب الكافرين (ولا يرضى عن القوم الفاسقين ولا يأمر بالفحشاء) والفحشاء: هي كل فعل يكون فاحشاً قبيحاً ويكرهه ويبغضه ذوو النفوس السليمة والعقول المستقيمة، سواء كان من الأقوال أو الأفعال.

    قوله: (ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد)، يعني: أن أمره جل وعلا يتفق مع محبته، فإذا أمر بشيء أحب وجوده، ولكن مشيئته وخلقه لا يلزم أن يكون راضياً بما شاء وجوده وما شاء خلقه، فقد يكون راضياً عنه وقد يكون كارهاً له ساخطاً عليه، وهذا مثل وجود إبليس وجنوده فإنه وجد بمشيئته وبخلقه وهو جل وعلا يكره وجوده، وكذلك مثل وجود الكفر من عباده ووجود المعاصي من العاصي، فإنه لا يوجد الكفر والمعاصي إلا بمشيئته وبخلقه وهو يكره وجوده ويبغضه.

    1.   

    قدرة العباد الحقيقية على فعل أفعالهم لا تعارض دخولها تحت مشيئة الله

    ثم قال بعد ذلك: (والعباد فاعلون حقيقة)، يعني: أنهم يفعلون أفعالهم، فإذا آمن الإنسان فهو المؤمن حقيقة، وإذا كفر فهو الكافر حقيقة، وإذا صلى فهو المصلي حقيقة، كما أنه إذا أكل فهو الآكل حقيقة، وإذا شرب فهو الشارب حقيقة، وإذا نام أو جلس فهو أو النائم الجالس حقيقة، وإذا جاء فهو الجائي وإذا ذهب فهو الذاهب حقيقة، فالأفعال تضاف إليه حقيقة، وهذا رد على الجبرية الذين ينكرون أن يكون فعل الإنسان حقيقة.

    قوله: (وللعباد قدرة على أعمالهم) وهذه القدرة ظاهرة؛ لأنه لو لم يكن له قدرة ما وقع منه الفعل، (ولهم إرادة) وبالإرادة مع وجود القدرة تحصل أعمالهم، وهذا جواب عن قول الجبرية الذين أنكروا أن تكون الأفعال واقعة في فعلهم حقيقة، كما قال تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:28-29]، (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) فجعل الاستقامة موكولة إلى مشيئتهم، ثم نفى أن تقع مشيئتهم خارجة عن مشيئته، وهذا ليس فيه تناقض؛ لأن مشيئتهم مضافة إليهم مخلوقة لهم، والله خلقهم وخلق مشيئتهم، فهي لا يمكن أن توجد بلا خلقه وبلا مشيئته، ولكنها إذا وجدت فهم يفعلون بها حقيقة، وفعلهم الذي يقع منهم يقع بمشيئتهم وبإرادتهم حقيقة، والآية ظاهرة في هذا.

    1.   

    تكذيب القدرية بخلق الله لأفعال العباد

    قال: (وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم: (مجوس هذه الأمة)) جاءت تسميتهم في أحاديث كثيرة بأنهم مجوس هذه الأمة، وهذه الأحاديث رواها أهل السنن وغيرهم، وهي بمجموعها صحيحة، ولا يشكل بذلك قول بعضهم: إن هذا لا يصح؛ لأن وجود القدرية وقع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومثل هؤلاء يرد عليهم بالقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم يخبر بما يوحيه الله جل وعلا إليه، ونظير هذا إخباره بالمستقبلات التي ستقع وهذه منها فإنها وقعت بعده، والتسمية بأنهم مجوس؛ لأن المجوس يقولون: إن الموجودات بين اثنين: خالق للخير وخالق للشر، فإله الخير إله نوراني، وإله الشر إله ظلماني -مأخوذ من الظلمة- ولهذا السبب صاروا يعبدون النار؛ لأنها هي مصدر النور -على حد زعمهم- فصاروا يعبدونها، ويقولون: إن النور هو الذي يخلق الخير، والشر تخلقه الظلمة، ويجعلون خالق الخير غالباً لخالق الشر، هذه ديانة المجوس، وهؤلاء قالوا: إن الأفعال التي تصدر من العقلاء هم الذين يخلقونها، وأما ما عدا ذلك فالله يخلقه، وهذا هو وجه الشبه بينهم، وكونهم من هذه الأمة يعني: أنهم ممن استجاب للرسول صلى الله عليه سلم في العموم، ولكنهم ضلوا.

    1.   

    أقسام الناس في أفعال العباد وحججهم في ذلك

    قوله: (ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات، حتى سلبوا العبد قدرته واختياره، ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها).

    بهذا يتبين لنا أن الناس في القدر ثلاثة أقسام: قسمان متقابلان تمام المقابلة، فطائفة تقول بإثبات القدر عموماً، وأن الإنسان لا قدرة له، بل إن كل شيء يقع فهو فعل الله، كما قال البخاري في الرد عليهم، قالوا: الأفعال كلها لله، يعني: ليس للإنسان فعل، وقسم آخر قابلوهم فقالوا: العباد العقلاء هم الذين يخلقون أفعالهم وليس لله فيها دخل ولا يشاؤها، بل هم الذين يشاءونها، وهؤلاء مقابلون لأولئك تماماً، وبالضرورة عند العاقل على أقل تقدير لابد أن يحكم بأن أحد القولين باطل، والحق أن كلا القولين باطل.

    أما الطائفة الأولى فاحتجوا بمثل قول الله جل وعلا: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17] واحتجوا بعموم قدرة الله ومشيئته، وأنه هو القادر على كل شيء، وأنه هو الخالق لكل شيء، وهذا الاحتجاج صحيح، ولكن لا يلزم منه سلب العباد قدرتهم وأفعالهم، فأما قوله جل وعلا في: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ [الأنفال:17] يعني: أن الأسباب التي حصل بها قتلهم وإن كانت في أيديكم، فالله جل وعلا هو الذي هيأها وهو الذي يسر لكم الطريق إليها، وأما قوله: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ [الأنفال:17] فالمقصود به: رميه صلى الله عليه وسلم الكفار بالحصباء، فإنه أخذ كفاً من التراب ثم رماه نحو الكفار يوم بدر، فذهب هذا الكف من التراب ودخل في أعينهم ومناخرهم، فالمنفي غير المثبت، فقوله: (وَمَا رَمَيْتَ) يعني: ليس بقدرتك واستطاعتك أن توصل هذه الرمية إلى أعينهم ومناخرهم، وقوله: (إِذْ رَمَيْتَ) إثبات لرميه، وهو أخذه الحصباء ورميه بها، وبهذا يتبين أن المنفي غير المثبت، وأن المثبت للرسول صلى الله عليه وسلم شيء والمنفي عنه شيء آخر، وأن هذا ليس دليلاً لهم على نفي وقوع الأفعال من العباد اختياراً، واحتجوا كذلك على هذا المذهب بالحديث الذي في الصحيح، وهو: حديث احتجاج موسى على آدم واحتجاج آدم عليه بالقدر، وفيه: (أن آدم عليه السلام قال لموسى لما قال له: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ قال له: كم وجدت بين خروجي من الجنة وبين خلقي في التوراة التي كتبها الله لك بيده؟ قال: وجدت أربعين سنة بين قوله: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه:121] وبين خروجك، فقال: أتلومني على شيء كتب علي قبل أن أخلق بأربعين سنة فحاج آدم موسى) يعني: غلبه بالحجة، فقالوا: إذاً: القدر يكون حجة، وهذا في الواقع ضلال وتأويل للحديث على غير وجهه، ومعلوم أن موسى عليه السلام لا يلوم آدم على ذنب قد تاب منه، فهو لم يلمه على الذنب وإنما لامه على المصيبة، والمصيبة ترتبت على الذنب، يعني قال: لماذا أخرجتنا؟ والخروج مصيبة، فهو ما قال: لماذا أذنبت؟ لأنه تاب من الذنب، فلا يلومه على الذنب، وإنما لامه على الخروج والخروج مصيبة، فاحتج آدم عليه بالقدر؛ لأن المصيبة مكتوبة وقد وقعت ولا يمكن تداركها، والشيء الذي لا يمكن تداركه يمكن أن يحتج الإنسان عليه بالقدر كما في الحديث الذي ذكرنا: (إذا أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل) يعني: هكذا وقع القدر؛ لأنه ليس بالإمكان استدراكه.

    1.   

    الرد على المحتجين بالقدر على معاصيهم

    إذاً: فليس لهم فيه حجة، وهذا كثيراً ما يتعلق به أهل المعاصي، وقد يقول الإنسان: هذه الأمور مقدرة ومكتوبة عليَّ، فكيف أصلي وأنا ما كتب لي أن أصلي؟ وكيف أهتدي وأنا ما كتب لي أن أهتدي؟ والواقع أن هذه مغالطة يراد بها إلقاء اللوم على القدر وإعفاء النفس من تبعة الذنب، وقد ضرب لذلك مثل في رجل موغل في الاعتماد على ذلك فيقول: كل شيء هو فعل الله، وأنا لا اختيار لي، وله أموال وقد وكّل وكلاء في تصريف أمواله، وكان معه رجل ناصح ينصحه بترك مخالفته، ويقول: اتق الله فإن الله أمرك بالطاعة ونهاك عن المعصية، فقد أمرك بالشيء الذي تستطيعه، ونهاك عن الشيء الذي تستطيع تركه، فيقول: أنا لم يكتب لي أن أطيع ولكن كتب علي أن أعصي، فكان هذا الناصح يترقب الفرص لينصح صاحبه، فجاء في أحد الأيام وكيل هذا التاجر الذي وكل بدوابه، فقال له: هلكت الماشية كلها، فقال: كيف هلكت؟ قال: رعيتها في أرض مجدبة ليس فيها شيء، فقال: كيف ترعاها في أرض مجدبة وعندك الأرض المخصبة؟! فقال: هذا قدر الله، فازداد غضباً وحنقاً عليه، ثم بينما هو كذلك إذ جاءه وكيله الثاني فقال: المال هلك! فقال: لماذا؟ قال: إني سلكت طريقاً فيه قطاع الطريق فأخذوه، قال: كيف تسلك الطريق الذي فيه قطاع الطريق وهناك طريق آمنة، فقال: هكذا القدر فازداد عليه غضباً، وبينما هو كذلك إذ جاءه الذي وكله بأولاده، فقال: أمرت الأولاد أن ينزلوا في البئر ليتعلموا السباحة فغرقوا، فقال: كيف تأمرهم وأنت تعرف أنهم لا يحسنون السباحة ولم تنزل معهم؟! فقال: هكذا القدر، فازداد غضباً أكثر مما سبق، فقال له الناصح: يا هذا ألا تتقي الله؟! أتعتذر مع ربك جل وعلا بمثل ما يعتذر هؤلاء الوكلاء وأنت لا تقبل ذلك من وكلائك؟ فإن كان ما تقوله حقاً فهم أولى بالعذر، وإن لم يكن حقاً فيجب عليك أن تتنبه وتعامل ربك بما يجب أن يعامل، فانتبه الرجل، وقال: جزاك الله خيراً الآن انتبهت وأيقنت معنى قوله جل وعلا: عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ [البقرة:216] فهذه المصائب وإن كانت مصائب فهي خير لي؛ لأني تنبهت واهتديت، فهذا مثال الذي ينكر أن تكون الأفعال وقعت باختياره، فإذا نهي عن المعصية، قال: هذا قدر الله! مع أن ترك المعصية يستطيع أن يفعله، وإن كان ذلك بالقدر فيجب أن يعالج القدر بالقدر، فالأقدار تدفع بالأقدار، كما وقع من أمير المؤمنين لما رجع عن دخول الشام لما أصابها الطاعون، حيث استشار الصحابة فأشير عليه بالرجوع، فقال له أبو عبيدة : أفرار من القدر؟ فقال: لو غيرك قالها، ثم قال: نعم فرار من القدر بالقدر، ثم قال له: أرأيت لو كان لك إبل وعندك واد جانب منه مخصب والجانب الآخر مجدب أيهما ترعى؟ فقال: أرعى المخصب، قال: أليس رعيك بقدر الله، قال: نعم، فقال: رجوعنا بقدر الله، فالمقصود: أن الإنسان يجب أن يفعل فعله الذي يرى فيه خيراً ومصلحة ويكون ذلك واقعاً بقدر الله، وعليه أن يفعل ما أمر به وينتهي عما نهي عنه.

    1.   

    الرد على القائلين بأن الله لم يخلق أفعال العباد

    أما الطائفة الثانية التي قالت: لو كانت الأفعال واقعة بمشيئة الله وبخلقه لكان معذباً للناس بغير فعلهم، ويكون ذلك ظلماً؟! والجواب عن هذا أن يقال: أولاً: ألستم تقرون بأن الله خالقكم؟ فهنا لابد أن يقولوا: نعم إن الله خلقنا، فإذا أقروا بأن الله خالقهم، نقول: هل فيكم جزء من الأجزاء لم يكن خلقاً لله، يعني: هل أنتم الذين خلقتم الرأس أو اليد، أو الرجل، أو القلب، أو شيئاً من الأعضاء؟! أو أن الخلق كله من الله؟! فلابد أن يقروا بهذا، فيقال: لا فرق بين هذه وبين الصفات، يعني: القدرة والإرادة التي في الإنسان هل الإنسان خلقها؟ لا يمكن أن يقال: إن الإنسان هو الذي خلق القدرة والإرادة؛ لأنه لو كان هو الذي يخلق قدرته فلن يرضى أن يكون فلان أنشط منه وأقوى منه وأقدر منه، ولكن القدرة التي فيه والاستطاعة مخلوقة لله، وكذلك الإرادة، وبالقدرة والإرادة يوجد الفعل، فإذا وجد الفعل بالقدرة والإرادة قلنا: إنه مخلوق لله جل وعلا، فالله خلق القدرة والإرادة في الناس، ثم أمرهم بالشيء الذي يستطيعون فعله بهذه القدرة وبالإرادة فكانت أفعالهم واقعة بقدرتهم وإرادتهم وباختيارهم، وهذا أمر واضح جلي، وبهذا يتبين أنهم ضلوا في ذلك؛ لأنهم اتبعوا أهواءهم.

    1.   

    حكم التوغل في باب القدر

    ثم بعد هذه نقول: إن العلماء قد نهوا عن التوغل والتعمق في مسألة القدر فقالوا: إن القدر سر الله في خلقه فلا ينبغي للإنسان أن يقع فيه، فهل معنى هذا: أننا لا نبحث في هذه المسائل حتى نعلمها ونوقن بها؟ فالجواب: ليس هذا هو المقصود، ولكن المقصود أسرار الأشياء من الأوامر وغيرها، كأن يبحث الإنسان عن أمور لا يدرك الحكمة منها ولا غايتها ولا المصلحة من خلقها، كأن يقول مثلاً: لماذا خلقت الحيات والعقارب والذباب، وما أشبه ذلك من الأمور التي لا خير فيها وإنما فيها مضرة؟ ففي مثل هذه عليك أن تقول: إن الله عليم بكل شيء، وإن الله لا يخلق إلا لحكمة قد يدركها الإنسان وقد لا يدركها وهو الغالب، فعليك بالتسليم، والله جل وعلا جعل العقل في الإنسان حتى يذعن ويعبد ربه حقيقة، وإذا لم يقر لله جل وعلا بالإذعان وينقاد فالعبادة لم تكمل، ومن ذلك كذلك الأمور التي قد يؤمر بها الإنسان فلا يجوز له أن يبحث عن الأسرار فيها، مثل أن يقول: لماذا إذا أردنا أن نصلي نغسل وجوهنا وأيدينا وأرجلنا ونمسح برءوسنا، ما المقصود بهذا وما السر وما الحكمة؟! نقول: هذا أمر الله وعليك أن تنقاد له وتذعن ولا تبحث عن السبب والحكمة، وكذلك إذا قال القائل: لماذا أمرنا بقصد مكة والطواف بالبيت؟! وكذلك لماذا أمرنا برمي الجمار؟ وما الفائدة من أن يتزاحم الناس على هذه الجمار ويقتل بعضهم بعضاً ويتأذون ويتكوم الحصى في هذا المكان؟ نقول: يجب عليك أن تذعن لذلك وتنقاد، ولا تبحث عن السبب والحكمة.

    ولهذا يقول العلماء: إن أمور العبادة تبعدية، فما معنى تعبدي؟ معناه: أنه يجب أن تخضع له وتعبد ربك بالانقياد في ذلك ولا تبحث عن الأسرار في هذا، وهكذا الأمور التي تخفى على الخلق، ولكن الذي أمر الله جل وعلا به ونهى عنه أمر واضح فيجب أن يجتنب النهي وأن يطاع الأمر، ثم ليس بين مشيئته جل وعلا وخلقه وأمره مناقضة.

    1.   

    الأسئلة

    معنى ربط الأسباب بمسبباتها

    السؤال: ما معنى ربط الأسباب بمسبباتها؟

    الجواب: إن من سنن الله الكونية أن جعل لكل شيء سبباً، فلا يوجد الشيء إلا بسببه، فالولد لا يوجد بلا والد ووالدة، لابد أن يكون هناك سبب يترتب عليه المسبب، وإن كان الله على كل شيء قدير، ولكن لابد من ربط الأمور بأسبابها، فإذا أراد الإنسان أن يكون عالماً فلابد من السبب وهو الطلب والاجتهاد، فهذا هو ربط الأسباب بمسبباتها.

    التوعد بالنار لا يلزم منه التكفير

    السؤال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (أن هذه الأمة تفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه)فهل هذا الحديث يدل على أن جميع الفرق في النار أم أنها تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى؟

    الجواب: هذا الحديث يدل على أن الثلاث والسبعين فرقة كلها من المسلمين، هذا منطوق الحديث؛ لأنه قال: (أمتي) والمقصود بالأمة أمة الإجابة؛ لأنه لا يقول على اليهود والنصارى: إنهم افترقوا على كذا وكذا، بل جعلهم مثالاً فقال: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة) فدل هذا على أن المقصود بالأمة أمته التي استجابت له، أما قوله: (كلها في النار) فهذا من نصوص الوعيد الذي لا يجوز أن يحمل على ظاهره، بل يتوقف فيه الإنسان ويقول: الله أعلم بمراد رسوله صلى الله عليه وسلم، كقوله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً [النساء:10]، فإذا رأيت إنساناً يأكل مال اليتيم فلا يجوز أن تقول: إنه في النار وإنه كافر، ولكن أمره إلى الله؛ لأنه مسلم.

    لا فرق بين المجيء والإتيان

    السؤال: ما الفرق بين المجيء والإتيان والصبر والحلم، وأيهما صفة ذاتية؟

    الجواب: نثبت المجيء والإتيان لله جل وعلا كما جاء في النصوص وإلا فالمعنى واحد، ولكن نقول: إنه جاء هذا وجاء هذا، ونحن نقف مع النص.

    الإرادة الكونية هي المشيئة

    السؤال: هل المشيئة هي الإرادة الكونية؟

    الجواب: الإرادة الكونية هي المشيئة لا فرق، والمشيئة لا تنقسم بل هي شيء واحد، أما الإرادة فتنقسم إلى كونية وقدرية أو إلى كونية وأمرية شرعية، فالكونية هي المشيئة.

    معنى قول: (القدر قدرة الله)

    السؤال: ما معنى قول الإمام أحمد يرحمه الله: القدر قدرة الله؟

    الجواب: معنى قول الإمام أحمد : (القدر قدرة الله) أن الله على كل شيء قدير، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا يقع إلا ما يشاء، ويدخل في قدرته جل وعلا علمه بكل شيء، وكتابته لكل شيء، فيكون قد شمل بكلامه هذا مراتب القدر، ولهذا استحسن هذه الكلمة من الإمام أحمد العلامة ابن عقيل رحمه الله، فكان يقول: هذا يدل على عمق الإمام أحمد في علمه.

    كيفية توجيه القول: إن الحسنة والسيئة من الله

    السؤال: كيف نجمع بين قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء:78] وبين قوله تعالى: وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79]؟

    الجواب: نقرأ الآية من أولها: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ [النساء:78]، ثم قال جل وعلا: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:78-79] المقصود بالحسنة في هذا: مثل نزول المطر، وكثرة الخير من النعم، ووجود الولد، أما المصيبة: فمثل الجدب وموت الولد وذهاب المال هذا هو المقصود بها، وكان الكفار يتشاءمون بالأنبياء فإذا أصيبوا بخير قالوا: هذه النعم من الله، وإذا جاءهم شر قالوا: هذه بشؤم محمد يتطيرون به، فقال الله جل وعلا: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) يعني: التقدير والجزاء والخلق والإيجاد كله من عند الله، مع أنها تابعة لأسبابها، ولهذا قال بعد ذلك: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ) يعني: النعم من العافية والرزق وغيره هي من الله: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) يعني: بسبب نفسك؛ لأنك لا تصاب إلا بسبب ذنوبك، فليس فيه تعارض.

    معنى قوله: (وهديناه النجدين)

    السؤال: قال تعالى: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10]، هل هذا دليل على أن الإنسان هو الذي يختار الكفر أو الإسلام؟

    الجواب: هناك أدلة كثيرة أوضح من هذا وأبين تدل على إثبات هداية التوفيق من الله تعالى، أن الله أمر بالإيمان ونهى عن الكفر.

    وقد جعل في وسع المرء أن يختار الهداية، كما قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة:286]، أما قوله: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) فمعناه: أن الهدى مقدر، سواء فيما يدخل في الحياة والوجود أو فيما تئول إليه حياته ووجوده من خير وغيره، ومعلوم أن كل شيء بيد الله جل وعلا.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017285403

    عدد مرات الحفظ

    724028498