إسلام ويب

سؤالات الجامع الكبيرللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كثيراً ما تقدم للشيخ أسئلة لا يتسع الوقت للإجابة عليها، وقد اختار بعضاً منها ليقوم بالإجابة عليها في هذا الدرس، وقد صنفها إلى ثلاثة أصناف: تناول في الصنف الأول أحاديث منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد بين صحيحها وحسنها وضعيفها وموضوعها. وتناول في الصنف الثاني الكتب التي تهم طالب العلم. وتناول في الصنف الثالث بعضاً من أحوال المذنبين والعصاة وتوبتهم ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليهم مع تلبسهم بالذنوب والمعاصي.

    1.   

    أحاديث منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعــد:

    فهذه هي الحلقة الخامسة عشر من سلسلة الدروس العامة تنعقد في هذه الليلة، ليلة الإثنين 15من شهر محرم لعام (1411هـ).

    وفي هذه الحلقة نبدأ -إن شاء الله تعالى- بمجموعة من الحلقات المتفرقة، رأيت أن أطلق عليها عنوان "سؤالات الجامع الكبير".

    وسؤالات جمع سؤال أي أن هذه الحلقة، وحلقات أخرى متفرقة غير متتالية، سوف تخصص للإجابة على أسئلة مختارة مما تبقى من الدروس السابقة.

    وفي هذه الليلة وقع اختياري على مجموعة من الأسئلة، من بين نحو (350 سؤالاً) توفرت عندي من الحلقات الماضية كلها، فاخترت منها مجموعة من الحلقات، كتبت أسئلتها، وأشرت إلى طرف منها، وسوف أجيب عليها الآن بإذن الله تعالى.

    أ- فالقسم الأول من هذه الأسئلة: يتعلق بالأسئلة عن بعض الأحاديث المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدى صحتها.

    فمن هذه الأحاديث:

    1.   

    الأسئلة

    حديث: ويل للذي يحدث فيكذب

    السؤال: يسأل أحد الإخوة عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: {ويل لمضحك القوم، ويل له، ويل له

    الجواب: هذا الحديث حديث حسن، رواه الإمام أحمد في مسنده صفحة [5/75] وأبو داود،[5/265] والترمذي في كتاب [الزهد] من "سننه" [رقم 2316].

    وقال الإمام الترمذي: وهذا [حديث حسن] ونسبه الإمام المنذري للنسائي، ولعل ذلك في "سننه الكبرى" وليس في "السنن الصغرى"، ورواه الحاكم في "مستدركه" أيضاً [1/46] كلهم من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده؛ وجده هو معاوية بن حيدة، صحابي جليل معروف.

    ولذلك قال الحاكم عقب رواية الحديث: لا أعلم خلافاً بين أكثر أئمة أهل النقل في عدالة بهز وأنه يجمع حديثه.

    ولذلك كان الحديث كما قال الترمذي وغيره حديثاً حسناً، ولفظه: {ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك القوم، ويل له، ويل له}.

    فقد توعد الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث من يكذب في حديثه، من أجل أن يضحك الناس، توعده بالويل، وكرر ذلك ثلاث مرات، كعادته عليه الصلاة والسلام في الأمور الهامة.

    وقد سبق الكلام في موضوع المزاح، وموضوع النكت والطرائف، وهذا الحديث من الأحاديث التي تدل على تحريم الكذب، وإن كان الإنسان هازلاً يقصد الإضحاك.

    وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {أنا زعيم بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً.

    حديث: البذاذة من الإيمان

    السؤال: الحديث الثاني: يسأل أحد الإخوة عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: {البذاذة من الإيمان

    الجواب: البذاذة: هي عدم الاعتداد بالملبس؛ تواضع الإنسان في ملبسه، وبعده عن الرفاهية، والتوسع في جمال الملابس وهيئتها.

    وحديث {البذاذة من الإيمان} أيضاً [حديث صحيح] أخرجه ابن ماجة في "سننه" [رقم 4118] من حديث أبي أمامة الحارثي، وأخرجه الحاكم في "مستدركه" [1/9] وأخرجه أبو داود [رقم 4161] والطحاوي في "مشكل الآثار" [1/478].

    وقال الإمام العراقي: هو حديث حسن، وقال الديلمي، وابن حجر: هو حديث صحيح، وهو كما قالا.

    وفي هذا الحديث: دليل على أن تواضع الإنسان في ملبسه، وهيئته، وغير ذلك، أنه من الإيمان، ولعل من المناسب أن أذكر أن للشرع في هذه الأمور؛ أمور الملابس وغيرها مسلكان:

    الأول: الترغيب في الزهد فيها، والبعد عن المظاهر الكاذبة، كما في هذا الحديث {البذاذة من الإيمان}.

    فنقول: من تواضع في ملبسه لله جل وعلا، وبَعُد عن المبالغة في الزينة لله جل وعلا، من أجل البعد عن الكبرياء، فإن هذا من الإيمان، لكن في مقابل هذا الحديث لدينا مجموعة أخرى من الأحاديث الصحيحة الكثيرة، تدل أيضاً على أن حسن الملبس قد يكون من الإيمان، كما في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم لما قال عليه الصلاة والسلام: {لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. فقال رجل: يا رسول الله! إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله جميل يحب الجمال}.

    فدل على أن كون الثوب حسناً والنعل حسناً مما يحبه الله جل وعلا.

    ومثله ما ورد عن أصحاب السنن من طريق جماعة من الصحابة، وهو [حديث صحيح] {أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أشعث رأسه، رثة ملابسه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من أي المال آتاك الله؟

    فقال: يا رسول الله، من كل المال قد آتاني الله: من الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، فذهب الرجل، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد رَجَّل رأسه، ولبس من أحسن ثيابه وتعطر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا خير من أن يأتي أحدكم أشعث الرأس، كأنه شيطان}.

    إذاً: ترجيل الشعر ودهنه واستعمال الطيب وحسن الملابس وحسن النعل، هو أيضاً من الإيمان، فكيف نجمع بين هذين المسلكين؟

    الجمع بينهما يكون من طريقين:

    إما أن يقال: إن من الناس من يصلح له هذا، ومن الناس من يصلح له ذاك، فإن الله تعالى خلق خلقه متفاوتين في كل شيء؛ في أشكالهم، في قامتهم، في أخلاقهم، في علمهم، في عقولهم، في أموالهم، في كل شيء.

    فمن الناس من جبل محباً للجمال في هيئته، وملبسه، ونعله، وسيارته، وثوبه ونحو ذلك، فهذا يقال له: اعتنِ بهذه الأمور، ولكن بنية إظهار نعمة الله تعالى عليك، والتحدث بها، وبيان أن هذا لا يُعارِض الاستقامة، ولا يعارض الزهد في الدنيا، فيكون نوعاً من الدعوة إلى الله جل وعلا.

    ومن الناس من جبل على الزهد في هذه الأمور، والإعراض عنها، والتعلق بغيرها، فلا يحب هذه الأمور، ولو تكلف أن يحسن ثوبه يوماً فإنه سرعان ما يعرض عن ذلك، وقد تأتيه يوماً وقد تكلف لتحسين هندامه وبزته، فلبس ثوباً جديداً، ولبس غترة جديدة مغسولة مكوية، فبعد يوم تأتيه وقد قلب المرزاب، وأصبحت الغترة طرفها عند كتفه، وأصبح ثوبه بهيئة أخرى، وكأنه قد لبسه منذ زمن طويل؛ لأنه لا يحب هذا، ولم يفطر عليه.

    فيقال: {كل ميسر لما خلق له} فمن كان يصلح له هذا فليفعله بحسن نية، ويؤجر عليه، ومن كان يصلح له ذاك، فيفعله بحسن نية، ويؤجر عليه، ولا ينبغي أن يلوم هذا هذا، ولا هذا هذا.

    لا ينبغي للإنسان أن ينظر إلى شخص قد تجمَّل ليظهر نعمة الله عليه، ويدعو إلى الله تعالى بحسن بزته، ويبين أن هذا لا يعارض الإسلام، فلا يلام هذا، ويقال: هذا إنسان متكبر!

    أو هذا إنسان مهتم بمظهره! كما أنك لو رأيت إنساناً متواضعاً في ملبسه، لا تقل: هذا يشوه الإسلام! وهذا يعطي صورة غير جيدة، وهذا يتظاهر بالزهد وليس كذلك، فلا يلوم أحد أحداً، ولا ينكر أحدٌ على أحد.

    وهو في نظري أجود وأحسن.

    الوجه الثاني أن يقال: إنه يجمع بين النصوص؛ بأن المقصود أن يكون الأمر على سبيل الاعتدال.

    فليس الحث على الجمال مدعاة لأن يسرف الإنسان فيه، ويضيع وقته في تحصيله، وليس الحث على البذاذة مدعاة إلى أن يبالغ الإنسان في ذلك، فيتعدى فيه حد الاعتدال.

    فيكون الجمع بين هذه النصوص بأن يقال: إن المقصود في كلا النوعين من النصوص الاعتدال والتوسط.

    حديث: إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه

    السؤال: الحديث الثالث الذي يسأل عنه بعض الإخوة هو قوله صلى الله عليه وسلم: {إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه}

    الجواب: هذا الحديث لم أجده إلا في كتاب "شعب الإيمان للبيهقي الذي طبع أخيراً في [4/334] رقم [5312-5314] وقد نسبه المناوي في فيض القدير [2/87] إلى أبي يعلى، وابن عساكر، لكنني لم أجده في "مسند أبي يعلى" المطبوع.

    والحديث ضعفه السيوطي في جامعه الصغير رمز له بالضعف قال: [ض] يعني: ضعيف، وعلل المناوي سبب ضعف الحديث: بأن في سند الحديث بشر بن السري، وقال المناوي: متكلم فيه من قبل التجهم -يعني: كأن الرجل مطعون في عقيدته، أنه يميل إلى عقيدة الجهمية- لكن هذا الكلام الذي ذكره المناوي، وقبله أشار إليه السيوطي، كلام لا يعول عليه فيما يظهر لي.

    فقد ترجم الحافظ ابن حجر في كتابه تهذيب التهذيب لـبشر بن السري هذا في [1/451] وذكر عن يحيى بن معين أنه قال: رأيت بشر بن السري وقد استقبل الكعبة، وهو يدعو على قوم يرمونه برأي جهم، ويقول: معاذ الله أن أكون جهمياً! معاذ الله أن أكون جهمياً!!

    إذاً، لم يثبت عن بشر بن السري أنه جهمي، بل هذه تهمة باطلة، والله تعالى أعلم، ولا ينبغي الطعن في عقائد الناس إلا بحجة بينة.

    ثم إن بشراً هذا قوي من قبل حفظه، لا يكاد أحد من الأئمة يطعن فيه، فهو ثقة فيما يظهر، وأقل أحواله أن يكون حسناً، ولذلك أن يكون صدوقاً، ولذلك [فالحديث حسن].

    وممن حسنه: الشيخ الألباني كما في صحيح الجامع [2/144].

    حديث: إزرة المؤمن إلى نصف ساقيه

    السؤال: من الأحاديث التي يسأل عنها أيضاً حديث: {إزرة المؤمن إلى نصف ساقيه}.

    الجواب: الحديث صحيح بلفظ: {إزرة المؤمن } بالهمزة المكسورة، {إزرة المؤمن إلى نصف ساقيه} بل ورد في هذا أحاديث وليس حديثاً واحداً، منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: { إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه} وقد رواه أبو يعلى كما في [11/526] والطيالسي [1/352] والإمام أحمد في "مسنده" [2/504] وزاد الإمام أحمد: {إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، ثم إلى الكعبين، فما كان أسفل من ذلك ففي النار}.

    فبين أن الإزرة (الثوب) إلى نصف الساق، فإن كان ولا بد فإلى الكعبين، أما ما أسفل من الكعبين فهو في النار، والحديث سنده حسن، وهو صحيح لغيره.

    ومن الأحاديث في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: {إزرة المؤمن إلى نصف الساق، ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، فما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، ومن جر إزاره بطراً لم ينظر الله تعالى إليه}.

    وهذا الحديث رواه مالك في موطئه" [2/914]، وأحمد [3/5] وأبو داود [رقم 4093] وابن ماجة [رقم3573]، وأبو يعلى [2/ 268]، ورواه أيضاً ابن حبان وصححه، والبيهقي كلهم عن أبي سعيد الخدري [وسند الحديث صحيح].

    الحديث الثالث أيضا:ً {إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه } رواه النسائي عن ابن عمر، وروى مسلم في صحيحه [3/ 1653] عن ابن عمر رضي الله عنه قال: {مررت على النبي صلى الله عليه وسلم وفي إزاري استرخاء، فقال: يا عبد الله ارفع إزارك، فرفعته. فقال: زد، فزدت. قال ابن عمرفما زلت أتحراها بعد، فقال له بعض القوم: إلى أين؟ قال: إلى أنصاف الساقين}.

    إذاً: هذه الأحاديث صحيحة، وقد روى النسائي في سننه أيضاً [2/206] عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {موضع الإزار إلى أنصاف الساقين والعضلة، فإن أبيت فأسفل، فإن أبيت فمن وراء الساق، ولا حق للكعبين في الإزار}.

    فهذه أربعة أحاديث عن أبي هريرة، وابن عمر، وأبي سعيد، وحذيفة، كلها صريحة في أن إزار المؤمن إلى نصف الساق، فإن أبى وأصر، فإلى الكعبين، وما كان أسفل من الكعبين ففي النار.

    ولي على هذه الأحاديث الأربعة تعليقاً.

    أولها: قال الله عز وجل: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36] وقال عز وجل: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65].

    وبناءً عليه: فإن المؤمن بالله ورسوله بعد أن يسمع هذه الأحاديث الصحيحة -وغيرها كثير مما لم أذكره- فإنه ينبغي ألا يمقت أو يستهجن أو يشمئز إذا رأى إنساناً قد رفع ثوبه إلى نصف الساق، فإن هذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه في أحاديث صحيحة، سقت بعضها، وليس من شأن المؤمن أن يعترض أو ينكر ما يعلم أنه يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الكلام أسوقه للمؤمنين.

    وأقول: إن من ينكر، أو يستهجن من يرى أنه يقصر ثوبه، فلا شك أنه جاهل أو معاند، أحسن أحواله أن يكون جاهلاً، فإنه من علم سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه ليس له أن يدعها لقول أحد، كما قال ابن المنذر، والشافعي، وغيرهما من أهل العلم: "أجمع أهل العلم على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد".

    ثانياً: نقول للذين لا يعجبهم هذا الكلام، ممن ليسوا من أهل التدين والصلاح أصلاً، وإنما هم من أهل الريب والوقيعة في العلماء والدعاة وطلاب العلم، وممن يستغلون مثل هذه الأشياء للسخرية والعيب للمؤمنين والصالحين من الشباب وغيرهم.

    فأقول لهم: إذا كنتم لا تقبلون ما تسمعونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تنصاعون له، وقد ارتضيتم لأنفسكم هدياً غير هديه وسنة غير سنته، فأصبحتم تعارضون رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يأمركم -معشر الرجال- بتقصير ثيابكم، نبصر الواحد منكم وقد أطال ثوبه، وجره وراءه، وإذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم نساءكم بالستر والتصون والعفاف، ورخص للنساء كما في حديث أم سلمة وغيرها {أن يرخين الثوب ذراعاً ولا يزدن على ذلك} وجدنا نسائكم يقصرن ثيابهن يوماً بعد يوم، حتى إن المرأة أصبح ثوبها أحياناً إلى نصف الساق! وما ذلك إلا محادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فنقول لهم:

    إذا كنتم رضيتم لأنفسكم بهدي غير هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك من باب تقليدكم للغرب واتباعكم لآثارهم وسيركم على سننهم وطريقتهم، كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم: {لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لدخلتموه} كما رواه الشيخان، فلماذا خالفتم هدي سادتكم من الغرب في هذه المسألة؟!

    فإننا رأينا هؤلاء الغربيين الذين تقلدونهم، وتسيرون على طريقتهم، رأيناهم يعتبرون مسألة الثياب من قضية الحرية الشخصية، فتأتي إلى بلاد الغرب وهم لا يلبسون إلا البنطلونات -الملابس الإفرنجية المعروفة- فيلبس الإنسان منا ثوباً من الثياب العربية هذه، وهو غريب مستنكر عندهم، فلا يجرؤ أحد منهم على أن ينظر إليه، فضلاً عن أن ينكر عليه.

    وقد رأيت بعيني: إذا رآنا الصبيان الصغار والتفتوا إلينا، فإن الأب يجر ولده بشدة، ويصرف بصره، يعني يقول: لا تنظر، ما شأنك! هذه حريات شخصية، لا ينبغي لأحد أن يتدخل فيها بشأن أحد.

    فإذا كنتم لا تؤمنون -والخطاب للذين يسيرون وراء اليهود والنصارى والغربيين في تقاليدهم وعاداتهم وأزيائهم- إذا كنتم لا تؤمنون بهذه السنة أفلا أدخلتموها في باب الحرية الشخصية، فقلتم: هذا الشاب الذي رفع ثوبه فوق الكعبين أو إلى نصف الساقين، أو إلى ما أسفل من الركبة، أيضاً هذا من باب الحرية الشخصية ولا شأن لكم به!

    ونحن نرى لاعبي الكرة وهم يلبسون السراويل القصيرة إلى الفخذين، وربما أقل من ذلك، فلا يعيب عليهم أحد، بل لو لبسوا غير ذلك لعيب عليهم، بل لمنعوا من ذلك بمقتضى القوانين الدولية الرسمية التي تحكم في كل مكان، بما في ذلك هذه البلاد، ولا يجرؤ أحد على مخالفتها!

    فالتعليقة الثانية أن نقول للذين لا يقبلون أن هذه سنة: اجعلوا هذا من باب الحريات الشخصية، ولا تتدخلوا في شئون الآخرين، إنسان طول ثوبه، قصر ثوبه، لبس نوعاً معيناً من الثياب، أو نوعاً آخر، اجعلوا هذا في باب الحرية الشخصية، ولا تتدخلوا في ذلك.

    ثالثاً:- إن الذي يقرأ سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته يلحظ بشكل جلي أن هذا الأمر الذي كان أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أنه فعله أحياناً كثيرة، إلا أن من الظاهر -والله أعلم- أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن يفعله هو وأصحابه على الدوام، ومن ذلك مثلاً:

    في صحيح البخاري وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم {لما كسفت الشمس خرج فزعاً يجر إزاره يخشى أن تكون الساعة} يجر إزاره، قال أهل العلم: إنما جره صلى الله عليه وسلم لإزاره على سبيل العجلة لاستعجاله في خروجه عليه الصلاة والسلام، لكن فقه الحديث أن إزار النبي صلى الله عليه وسلم لو كان إلى نصف الساق، أو فوق ذلك -والله تعالى أعلم- لما كان ينجر من العجلة مهما استرخى؛ قد يسترخي فيكون إلى حول الكعبين، أو قريباً منهما، أما أن ينـزل بحيث ينجر فهذا بعيد.

    ومثل ما ورد في الصحيح: {أن أبا بكر قال: يا رسول الله! إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده -وذلك لأن أبا بكر رضي الله عنه كان رجلاً نحيف الجسم ضعيفاً، فكان ثوبه يسترخي، فيتعاهده -يرفعه- ثم يسترخي- ويرفعه، ثم يسترخي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنك لست ممن يصنعه خيلاء}.

    والذي يظهر لي أن أبا بكر رضي الله عنه لو كان إزاره إلى نصف الساق، أو إلى ما تحت الركبة بأربعة أصابع كما يذهب إليه البعض، لم يكن حين يسترخي ينـزل إلى ما تحت الكعبين، والله تعالى أعلم.

    فلا بأس أن يفعل الإنسان هذا حيناً، وهذا حيناً، أو يفعل هذا إن كانت المصلحة تقتضيه، ويفعل هذا إذا كانت المصلحة تقتضيه.

    التعليقة الرابعة في هذا الموضوع: وهي للدعاة وطلاب العلم خاصة أقول: لا ينبغي أن نجعل مثل هذا الأمر المتفق على إباحته -أعني إنـزال الثوب إلى ما فوق الكعبين- لا ينبغي أن نجعل مثل هذا الأمر هو الفيصل بيننا وبين الناس، فإذا وجد الشاب الداعية، أو طالب العلم، في مجتمع يرفض ذلك ويمقته، كما هو الحال في كثير من المجتمعات التي عمَّ الجهل فيها وطم وغلب، واختفت فيها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فينبغي أن يقبل الشاب على تعليم الناس العقيدة الصحيحة، وتحريرهم من التصوف ومن عبادة القبور، وتحريرهم من أكل الربا، وتربيتهم على إقامة الصلاة في الجماعة وعلى الصيام وعلى الحج وعلى أداء الزكاة وعلى غير ذلك من الواجبات الأساسية والفروض الكبيرة، ويجعل مثل هذه السنن مما يعلمهم إياها بين الحين والحين بطريقة لبقة، فإذا رأى أنهم ينفرون منها أجلها حتى تتروض نفوسهم وتعتاد مثل هذه الأشياء.

    وعلى كل حال؛ فإن من الحكمة التي ورثناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن نتدرج في دعوة الناس، ونبدأ بالأهم ثم المهم.

    روى الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـمعاذ حين بعثه إلى اليمن:{إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم} الحديث.

    فبين الرسول صلى الله عليه وسلم أهمية التدرج في الدعوة، ابدأ بالعقيدة، ثم الصلاة، ثم الزكاة.

    وهكذا الداعية، ليس من الحكمة أن يأتي في مجتمع متصوف مثلاً، مجتمع منحرف، مجتمع أهله لا يصلون في الجماعة، البيت مليء بالكبائر والجرائم والموبقات، ثم يبدأ بقضية رفع الثوب وتشميره إلى ما تحت الركبة بأربعة أصابع، فتثور معركة حامية الوطيس، وتحترق جميع أوراقه فيقولون: لا نقبل منه صرفاً ولا عدلاً!

    هذا ليس من الحكمة في شيء، بل ينبغي للداعية إذا نشأ في بيئة كهذه أن يتدرج معهم، ويبدأ بالأمور الكبيرة، الأمور المهمة، الواجبات، ولو ترتب على ذلك أن يؤجل فعل بعض السنن التي يسعه تأجيلها، بل أقول مؤمناً بذلك واثقاً به إن شاء الله تعالى: يؤجر على تأجيل تطبيقها، إذا كان قصده التدرج في دعوة هؤلاء القوم، خاصة وأنه لم يرتكب بحمد الله حراماً.

    وقد أجمع أهل العلم على أنه يجوز للإنسان أن ينـزل إزاره إلى ما فوق الكعبين، ولو كان أسفل من نصف الركبة، ولو كان أسفل من نصف الساق، المهم {ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار} فلا حرج على الداعية -إن شاء الله- أن يراعي في ذلك المصلحة في دعوته إلى الناس، ولسنا نقول: المصلحة من أجل أن يلام الداعية، أو لا يعاب، أو لا يتعرض للشتم، فإن الداعية يقول: نفسي ومالي وعرضي ودمي فداءٌ لدين الله ودعوته وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن شاء الله كلنا نقول ذلك، نحن لسنا نقول ذلك حفاظاً على عرضك أو على نفسك أو على دمك. لا، نقول: حفاظاً على دين الله وعلى الإسلام وعلى الدعوة إلى الله جل وعلا.

    حديث أسئلة اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال: من الأحاديث التي سأل عنها بعض الإخوة حديث طويل سألني عنه منذ زمن، وكنت أبحث عنه، لكني في الواقع لم أعثر لهذا الحديث على أثر.

    وهو حديث ذكره أبو الليث السمرقندي في كتاب تنبيه الغافلين.

    يقول: روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: {بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس مع المهاجرين والأنصار، إذ أقبل إليه جماعة من اليهود، فقالوا: يا محمد إنا نسألك عن كلمات أعطاهن الله تعالى لموسى بن عمران، لا يعطيها إلا نبياً مرسلاً أو ملكاً مقرباً.

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سلوا.

    فقالوا: أخبرنا عن هذه الصلوات الخمس التي افترضها الله على أمتك.

    قال: أما الظهر: إذا زالت الشمس يسبح كل شيء لربه، وأما العصر: فإنها الساعة التي أكل فيها آدم من الشجرة، وأما المغرب: فإنها الساعة التي تاب الله عليه... إلى آخره وأما الفجر: فإن الشمس إذا طلعت تطلع بين قرني شيطان.

    فقالوا: صدقت يا محمد! فما ثواب من صلَّى؟

    فذكر ثواب الصلوات الخمس. ثم قالوا له: صدقت يا محمد! ولم افترض الله على أمتك الصيام ثلاثين يوماً؟!

    فقال: إن آدم عليه السلام لما أكل من الشجرة بقي في بطنه مقدار ثلاثين يوماً، فافترض الله على ذريته الجوع ثلاثين يوماً، ويأكلون بالليل تفضلاً من الله تعالى على خلقه، قالوا: صدقت يا محمد! فأخبرنا ما ثواب من صام؟

    قال: ما من عبد يصوم من شهر رمضان يوماً محتسباً إلا أعطاه الله تعالى سبع خصال؛ يذوب اللحم الحرام من جسده، ويقربه من رحمته، ويعطيه خير الأعمال، ويؤمنه من الجوع والعطش، ويهون عليه عذاب القبر، ويعطيه الله نوراً يوم القيامة حتى يجاوز به الصراط} إلى آخر الحديث؟

    الجواب: هذا الحديث مما أجزم ولا أتردد وأقطع بأنه حديث موضوع.

    وإن كنت بحثت في كتب الأحاديث، صحيحها وحسنها، وبحثت في الأحاديث الموضوعة والمشتهرة، فلم أعثر له على أثر، لم أقف على هذا الحديث.

    لكن أجزم بأن هذا الحديث موضوع، وأمارات وضعه طويلة منها:

    أنه من الأحاديث الطويلة التي يظهر عليها أثر الوضع في هيئتها وطولها وركاكة أسلوبها.

    ومنها: أن الحديث يقول: جاء جماعة من اليهود، فكانوا كلما قال النبي شيئاً، قالوا: صدقت يا محمد! صدقت يا محمد! ولم تكن العادة أن اليهود يصدقون الرسول عليه الصلاة والسلام فيما قال، بل بالعكس، الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يصدقهم أو يكذبهم، كان يسألهم عن شيء يقول: تصدقونني، فيقولون: نعم نصدقك، فإذا سألهم كذبوه فيقول: كذبتم، ثم يخبرهم بالحق.

    كما ورد هذا في حديث الفرقة الناجية وغيره، فلم تكن العادة أن اليهود يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يصدقونه.

    ومن علامات وضعه، والله تعالى أعلم: ذكر الصلوات الخمس، وأنهم يقولون: أعطاها الله تعالى لموسى بن عمران، والمشهور المعروف أن صلوات الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام كانت عند طلوع الشمس وعند غروبها.

    إلى غير ذلك من التفاصيل التي زعموا أن الله تعالى أعطاها لموسى، ولم يوجد دليل أن الله تعالى أعطاها لموسى، بل الظاهر أن الله تعالى خص بها محمداً صلى الله عليه وسلم.

    ومن الأدلة على وضعه: أن هذا الحديث لا يعرف في شيء من كتب السنة، وكفى بذلك دليلاً على أن هذا الحديث موضوع لا يصح، ولو كان الحديث صحيحاً من حيث معناه، لكن لم ينقل لنا بإسناد صحيح ولا حسن ولا ضعيف، فإننا نجزم بأنه من الأحاديث الموضوعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    * هذا هو القسم الأول من الأسئلة وهو ما يتعلق بالسؤال عن أحاديث من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

    أهم كتب التفسير

    ب- القسم الثاني: أسئلة تتعلق بالسؤال عن بعض الكتب.

    السؤال الأول منها يسأل عن بعض الكتب في التفسير:

    السؤال: يقول: ما هي أهم الكتب التي يمكن أن أقرأها في التفسير؟

    الجواب: كتب التفسير كثيرة جداً، وغالب هذه الكتب ينقل بعضها عن بعض، ويعتمد بعضها على بعض، ففيها تكرار كثير.

    إضافة إلى أن كتب التفسير ينحو كل كتاب منها منحى.

    فمن كتب التفسير من يهتم مثلاً بالفقه كـتفسير القرطبي، ومنها ما يهتم بالأحكام ككتب الأحكام، أحكـام القرآن لـابن العربي، وأحكام القـرآن للجصاص، و"أحكام القـــرآن للكيا الهراسي، وغيرها من كتب الأحكام، وقريب منها كتاب الشيخ الشنقيطي أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن" فإنه يعنى بآيات الأحكام ويختارها، ولا يفسر كل الآيات.

    ومن كتب التفسير ما يهتم باللغة العربية كـتفسير أبي حيان، ومنها ما يهتم بنشر العلوم الدنيوية وذلك كالطب مثلاً، أو الرياضيات، أو غيرها من العلوم، ومن هذه الكتب كتبٌ متقدمة، وذلك كما في الكتب التي تهتم بالعقليات كـتفسير الرازي، ومنها الكتب المتأخرة ككتاب طنطاوي جوهري الذي يصح فيه ما يصح في كتاب الرازي، أن فيه كل شيء إلا التفسير! فيه هندسة وفلك وكيمياء وفيزياء ورياضيات وعلوم حديثة، إلا التفسير فلا يوجد فيه.

    ومنها كتب تفسير منحرفة تهتم بنشر عقائد، كتفسيرات الشيعة، وهي كثيرة جداً، وكتفسير الزمخشري الكشاف فإنه كتاب وإن كان مهماً من حيث اللغة، ومؤلفه إمام في اللغة، إلا أنه ملأه بالاعتزاليات، ودسها فيه بطريقة ذكية، حتى أنها لا تكاد تستخرج منه إلا بالمناقيش.

    أما الكتب المختارة التي يمكن أن يعتمد عليها طالب العلم باختصار، فقد رأيت الاقتصار منها على ثلاثة أو أربعة:

    أولها "تفسير الطبري" فإنه إمام المفسرين، وهو يروي بالأسانيد، ويذكر الأقوال في الآية، ويستطرد في ذلك، فإن جميع المفسرين من بعده لا يسعهم الاستغناء عنه، بل هم يعتمدون عليه، وهو كتاب تفسير فذ في بابه.

    وأنصح طالب العالم على الأقل إن لم يقرأه أن يجعله ضمن المراجع التي يرجع إليها إذا احتاج إلى تفسير آية، فإنه كتاب جامع، ومؤلفه من أهل السنة والجماعة، ومن أصحاب العقيدة السليمة النقية، وله في ذلك رسالة صغيرة عقيدة الإمام الطبري ذكرها الإمام اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة وقد طبعت في رسالة مستقلة.

    فهو ممن يوثق باعتقاده، وهذا ظاهر أيضاً في تفسيره، وبعض الذين اختصروا تفسير الطبري فقدوا هذه الميزة فأدخلوا فيه بعض المعاني المنحرفة في العقيدة.

    الكتاب الثاني: هو تفسير ابن كثير "تفسير القرآن العظيم" لمؤلفه الحافظ ابن كثير؛ وهو أيضاً يتميز بميزات مهمة:

    أولها: أنه لخص أحسن وأجمل ما في تفسير الطبري.

    الثاني: أنه يهتم بإيراد الأحاديث النبوية؛ وذلك لأن ابن كثير رحمه الله محدث من الطراز الأول، فيروي من المرويات والأحاديث في تفسير كل آية ما يبصر القارئ بمعناها، وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم لها، وقد يتعقب بعض الأحاديث التي يذكرها.

    الثالث: أنه يختار الأقوال الجيدة في تفسير الآيات، فلا يهتم فقط بإيراد الأقوال، بل يورد الأقوال، ثم يختار قولاً منها، وغالباً ما يكون اختياره موفقاً.

    الميزة الرابعة: أن مؤلفه أيضاً من أهل العقيدة الصحيحة، ومن أهل السنة والجماعة، وقد استفاد واستنار كثيراً بعلم الإمام البحر الحافظ الجهبذ الشيخ الإمام ابن تيمية رحمه الله فكان أحد تلاميذه، فهذا كتاب فذ، وإذا كان لابد من الاختيار بينه وبين تفسير الطبري، فأرى أن يقتصر الطالب على تفسير ابن كثير وهو أربعة مجلدات من السهل أن يقرأه الإنسان، ليس فيه صعوبة.

    من الملحوظات على "تفسير ابن كثير" أو من أبرزها، أنه قد يكثر من إيراد الإسرائيليات، وهذا مما ضخم حجم الكتاب، إضافة إلى أن تفسير القرآن بهذه الإسرائيليات مما لا يسوغ، وبعضها مما ظاهره أنه يعارض القرآن، أو يعارض بعض السنة الصحيحة.

    فهذا مما يعاب على الكتاب، وقد يورد أحاديث ضعيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وربما موضوعة أحياناً، وإن كانت قليلة، والغالب أن الإمام ابن كثير يتعقب هذه الروايات.

    الكتاب الثالث: كتاب لأحد العلماء المتأخرين اسمه عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير، للشيخ المحدث العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله من محدثي أرض الكنانة مصر، وعمدة التفسير هو عبارة: عن اختصار لـابن كثير.

    وقد قرأته بكامله وإن كان لم يكمل الكتاب، بل وصل فيه إلى نصف القرآن، أو تجاوز ذلك، وأظنه وصل إلى سورة الرعد ثم وقف، أو قريباً من ذلك.

    المهم أن المؤلف -رحمه الله- توفي قبل أن يتم الكتاب، وقد طبع وهو يباع في المكتبات، لكن القدر الذي لخصه من تفسير ابن كثير في الواقع أنه لخصه تلخيصاً بديعاً جميلاً لا مزيد عليه؛ حذف الإسرائيليات، واقتصر على الروايات الصحيحة، وحافظ على عبارة ابن كثير، فلم يتصرف فيها، فجاء الكتاب نافعاً ولو تم لكان فيه غناء عن كثير من الكتب، ولعل الله عز وجل يوفق بعض طلبة العلم الذين عرفوا بصفاء العقيدة والقوة في علم الحديث النبوي، أن يكملوا هذا الكتاب، حتى يكون كاملاً بين أيدي الناس.

    هذه ثلاثة كتب.

    كتاب: في ظلال القرآن

    السؤال: بعض الإخوة يسألون عن كتاب في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب -رحمه الله؟

    الجواب: كتاب في ظلال القرآن له منافع كثيرة عظيمة منها:

    أن هذا الكتاب تفسير عصري، فهو يتحدث عن كثير من القضايا العصرية التي لا يجدها الطالب أو الباحث أو القارئ في كثير من الكتب القديمة، ويتكلم عنها بصورة جيدة.

    ومنها: أنه يهتم بالرد على المذاهب -والاتجاهات الفكرية المعاصرة- المخالفة للإسلام.

    ومنها: أن أسلوب الرجل مشرق رائع، فإنه أديب كبير وشاعر فذ؛ ولذلك ظهر هذا في كتابه، فإن كتابه يتميز بجودة الأسلوب والبيان، وهذا مما يؤثر في القارئ لا شك وينفعه.

    ومن ميزات الكتاب: أنه كتب بمداد من العاطفة والشعور الحي، وزكاه مؤلفه بدمه؛ فأصبح القارئ المنصف إذا قرأه يتفاعل مع المؤلف ويتأثر به وينفعل.

    وكم من إنسان قرأ الكتاب فكان سبباً في هدايته!

    أما هل في الكتاب أخطاء؟!

    نعم فيه أخطاء ولا شك، وأي كتاب لا يوجد فيه أخطاء!

    فمن الملاحظات، بل من أبرزها على الكتاب: أنه في عدد من قضايا الاعتقاد قرر فيها خلاف ما هو مستقر من عقيدة أهل السنة والجماعة، في مواضع كثيرة في الكتاب، وذلك وإن كان باجتهاد، إلا أنه لا يعفي من التنبيه عليه، والتحذير من الاغترار بما سطره أو كتبه رحمه الله تعالى، وعفا الله عنه وعنا- فإن القارئ ينبغي أن يتفطن أن المؤلف عندما يتكلم في قضايا الاعتقاد، ينبغي ألا يأخذ عنه تفصيل الاعتقاد.

    بل الاعتقاد يؤخذ من الكتب الموثوقة، كتب أهل السنة والجماعة، ابن تيمية، ابن القيم أئمة الدعوة الوهابية وغيرهم من الأئمة المتقدمين والمتأخرين أيضاً، هذا يلاحظ.

    الأمر الثاني الذي يلاحظ في الكتاب: أن الأستاذ سيد قطب -رحمه الله- قد يتكلم أحياناً في بعض قضايا الأحكام بكلام غير محرر، قد يتكلم في حكم شرعي في الحج أو الزكاة أو الصوم أو غيرها بحكم ويرجحه، ويكون الراجح خلاف ما ذكره، بل ربما يذكر قولاً بعيداً عن الصواب في هذه الأمور.

    الملاحظة الثالثة: أنه قد يذكر أحاديث ضعيفة كثيرة ولا ينبه عليها، بل قد يعتمد عليها، وهذا لأنه رحمه الله لم يكن من المحدثين المعروفين.

    الملاحظة الرابعة: أنه قد يرجح من الآراء في التفسير خلاف ما هو الراجح، وهذا أمر طبيعي يوجد في أي كتاب.

    الملاحظة الخامسة: وهي مهمة، أنه رحمه الله قد يضعف أحاديث صحيحة، ويقول بخلاف ما تدل عليه، ولعل من أبرز ذلك: أنه في تفسيره لسورة [قل أعوذ برب الفلق] و[قل أعوذ برب الناس]: أنكر الأحاديث الواردة في سحر النبي صلى الله عليه وسلم، ونفى أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سحر، وهذا لا شك قول ضعيف، قال به جماعة من المتقدمين والمتأخرين، لكن الصحيح خلافه.

    فقد صح في البخاري، ومسلم وغيرهما {أن لبيد بن الأعصم سحر النبي صلى الله عليه وسلم في مشط ومشاطه، ووضعه في جف طلعة ذكر، ثم ألقى بها في بئر ذروان وجاء ملكان فقرأا على النبي صلى الله عليه وسلم وأمرا النبي صلى الله عليه وسلم، أن يذهب ويستخرج هذا السحر} وذهب ما كان يجده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا السحر لم يكن يؤثر فيما يبلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه.

    كتب مختارة

    4000034السؤال: يقول بعض الإخوة: نحن في مطلع الإجازة، ونحتاج إلى معرفة بعض الكتب التي نقرؤها؟

    الجواب: أقول: الكتب كثيرة، ولذلك رأيت أن أقتصر في كل فنٍ على كتاب أو كتابين.

    فأقول: فيما يتعلق بالسنة النبوية يمكن أن يقرأ الإنسان كتاب الأربعين النووية، أو الخمسين الرجبية؛ أي كتاب الأربعين مع زيادة ثمانية من ابن رجب، أصبحت خمسين حديثاً، مع شرحها جامع العلوم والحكم لـابن رجب الحنبلي؛ فإن هذا كتاب نفيس مفيد جداً، ينبغي أن يقرأه، ثم يقرأه، ثم يقرأه، لا يكفي أن يقرأه مرة واحدة، فإن كان عنده مزيد من الوقت للسنة فليقرأ كتاب رياض الصالحين للإمام النووي؛ فإنه من أجمع وأحسن كتب السنة النبوية الجامعة.

    أما في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فأنصح بكتابين مختصرين:

    أولهما: كتاب الفصول في اختصار سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم للحافظ ابن كثير.

    والثاني: تهذيب سيرة ابن هشام لـعبد السلام هارون، فإن أراد أن يتوسع في السيرة، ففي حدود علمي وقراءتي لكثير من كتب السيرة، أرى أن أحسن كتابٍ ينصح به لمن أراد التوسع هو كتاب سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم للحافظ ابن كثير؛ وهو جزء من البداية والنهاية، لكن طبع مستقلاً، أخرجه مصطفى عبد الواحد مستقلاً؛ وهذا الكتاب نفيس، ومن أعظم مزاياه:

    أنه يورد مرويات كثيرة من كتب السنة فيما يتعلق بأحداث السيرة، وهذه مزية لا تكاد توجد في غير كتاب ابن كثير هذا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

    ثالثاً: في العقيدة هناك كتب كثيرة، أقتصر منها على كتاب العقيدة الواسطية للشيخ ابن تيمية رحمه الله، ثانياً كتاب معارج القبول للشيخ حافظ الحكمي، وهو في مجلدين، ومن أحسن مميزات هذا الكتاب أنه غني بالنصوص، ونحن بحاجة إلى أن نُربي الناس على النصوص، لا على أقوال الرجال، ولذلك فإنه إذا ذكر عقيدة، سرد آيات كثيرة فيها، ثم سرد أحاديث كثيرة جداً، حتى يتربى الإنسان على فهم العقيدة، وأخذها على ضوء النصوص، بعيداً عن القيل والقال، والردود، والأخذ والرد.

    الكتاب الثالث: كتاب التوحيد للشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب وشرحه فتح المجيد، أو تيسير العزيز الحميد.

    رابعاً: في التربية والآداب، هناك كتب كثيرة، أذكر منها تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم وهذا كتاب جيد جداً، أنصحكم جميعاً بقراءته، خاصة طلبة العلم، مع حواشيه، فله حواشي تاريخية مفيدة، تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم لـابن جماعة.

    ثانياً: كتاب مدارج السالكين للإمام ابن القيم رحمه الله، أو أحد مختصراته؛ فقد اختصره جماعة، وممن اختصره عبد المنعم صالح العلي في كتاب سماه تهذيب مدارج السالكين، وكذلك فيه تهذيب لـعبد الله السبت، على ما أعتقد مختصر للكتاب، فتهذيبات هذا الكتاب مفيدة جيدة، وقد تغني عن قراءة الأصل وهي في مجلد واحد، يمكن أن يقرأها الطالب في الإجازة مثلاً.

    الكتاب الثالث غذاء الألباب شرح منظومة الآداب للسفاريني الحنبلي وذلك لمن أراد التوسع.

    خامساً: كتب في الثقافة العامة، كثيرة جداً، وأنا أحب لطالب العلم أن يحرص على أن يكون مرتبطاً بعصره، يعرف مجريات الأحداث، ويعرف ما يدور في الساحة، ويدرك الخطط التي تحاك ضد الإسلام، فالكلام في هذا يطول، مثال لبعض الكتب، أذكر منها كتابين:

    أولها: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين وهو كتاب متين مفيد علمي، للشيخ أبي الحسن الندوي.

    الكتاب الثاني: كتاب واقعنا المعاصر للأستاذ محمد قطب.

    إضافة إلى أنني أنصح الإخوة بأن يكونوا على صلة ببعض المجلات المفيدة، وأذكر من هذه المجلات: مجلة الفرقان التي تصدر في الكويت، وهي مجلة مفيدة جداً، واتجاهها في الجملة اتجاه سلفي، وينبغي أن ينتفع بها طالب العلم، وكذلك مجلة البيان ومجلة المجتمع ومجلة الدعوة وغيرها، والمجلات الإسلامية كثيرة، لكن ينبغي للإنسان أن يختار منها، ولا يعني هذا أن الطالب إذا أخذ في المجلة يقرؤها وكأنه يقرأ كتاب من كتب السنة، يقرأ كل شيء، يقرأ الإعلانات، ويقرأ الحروف! لا. فتش هذه المجلة، فإذا وجدت فيها موضوعاً مهماً تقرؤه، إذا وجدت موضوعاً عندك معلومات عنه، أو سبق أن قرأته، أو لا يعنيك فتجاوزه حتى لا يأخذ منك قراءة هذه المجلات كلها في الأسبوع إلا ساعة، أو نحواً من ذلك، فلا يضيع الإنسان وقته في ذلك.

    كتاب تحفة العروس

    السؤال: يسأل أحد الشباب عن كتاب تحفة العروس يقول: ما رأيك في قراءته؟

    الجواب: سبق أن اطلَّعت على هذا الكتاب، ولعلي قرأته، كتاب تحفة العروس للشيخ محمود مهدي استانبولي، وهو يتكلم عن قضايا الزواج ونصائح للزوجين وما يخصهما، والكتاب في الجملة مفيد، وفيه نصائح مفيدة لا شك ونافعة، ومؤلفه أيضاً من العلماء المعروفين.

    ولكن ربما يكون السبب الذي دعا الأخ إلى السؤال عن الكتاب، أن المؤلف لما أتى على قضايا المعاشرة الزوجية، أو ما يعبر عنه بلغة العصر الحاضر بالقضايا الجنسية؛ يعني معاشرة الرجل لزوجته، وفيما يتعلق بلقائها، فيما يتعلق بالجماع، توسع في هذا الباب، وذكر طرائفه، وذكر كيفيته، إلى غير ذلك من المشكلات التي تواجه بعض الشباب، ولذلك أنصح الشاب إذا لم يكن متزوجاً، أو ليس على أبواب الزواج، ألاّ يقرأ هذا الجزء، يتجاوزه، أو لا يقرأ الكتاب كله، إلا إذا احتاج إلى ذلك.

    أما إذا كان على أبواب الزواج، فلا بأس بقراءته؛ لأنه قد يحتاج ذلك.

    ولا أكتمكم سراً إذا قلت لكم حتى لا تستغربوا هذا الكلام: إني قد اطلعت على أحوال كثير من الشباب بعد الزواج، بزمن ليس بالقصير، أحياناً شهر أو شهرين، فوجدت أن عدداً من هؤلاء الشباب لم يستطيعوا أن يعاشروا زوجاتهم بالطريقة الصحيحة، لم يصلوا بعد إلى المعاشرة المعروفة، لم يجامعوا زوجاتهم بسبب عدم الخبرة بهذا الشأن، ففي أول مرة استغربت هذا السؤال، فلما تكرر عندي، وجدت أنني أتذكر أنني قرأت في بعض الإحصائيات: أنه يقول في إحصائية علمية طبية: أن (20%) من حالات العقم سببها عدم المعاشرة الصحيحة بين الزوجين.

    يكون الشاب ما شاء الله مستقيماً صالحاً، بعيداً عن هذه الأمور، لا يسمع ولا يقرأ، وقد حماه الله تعالى من الوقوع في الحرام والمعاصي، فلما يتزوج يواجه أمراً لأول وهلة، يستحي أن يسأل عنه، فربما يقع عنده شيء من عدم المعرفة بذلك، وأكثر الناس لا يحتاجون هذا الأمر، لكني أقول: لعل مثل هذا يحتاج إليه.

    الإقلاع عن المعاصي ثم الرجوع إليها

    النوع الثالث من الأسئلة: أسئلة تتعلق بالمعاصي والتوبة، وهي أسئلة كثيرة جداً، ولذلك أجدني مضطراً لعرضها بسرعة، والإجابة عليها بسرعة أيضاً.

    السؤال: يسأل عن شاب منحرف يتوب إلى الله عز وجل، ولكنه يعود بعد ذلك إلى معصية معينة ويبقى على التزامه -يعني: شاب منحرف بعيد ثم يتوب- لكنه بعد فترة يعود إلى معصية واحدة، ويبقى على استقامته فيما عدا ذلك،

    ويقول السائل: إن هذا كثير.

    الجواب: أقول أيها الإخوة: التائبون نوعان:

    نوع تاب إلى الله توبة نصوحاً، وهذا أقلع عن جميع الذنوب والمعاصي، وهذه هي التوبة الكاملة النصوح، وهو الذي وعد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أن تكفر سيئاته، وتبدل حسنات، كما قال الله تعالى: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:70] بل يكتب الله تعالى له حسناته التي فعلها، ولو كان قبل إسلامه، كما في حديث أبي سعيد {إذا أسلم العبد وحسن إسلامه، كتب الله له كل حسنة كان أسلفها، ومحا عنه كل سيئة كان أسلفها، فتبدل سيئاته حسنات}.

    أما من تاب إلى الله تعالى من بعض الذنوب، وأصرَّ على بعضها، فهذا ليست توبته من هذا البعض تخل بالآخر؛ أي توبته مما تاب منه مقبولة، لكن الذنوب التي بقي مصراً عليها لا يغفر له حتى يتوب منها، ولا تبدل سيئاته -والله تعالى أعلم- حسنات، لأنه لم يتب توبة نصوحاً شاملة كاملة، ولم يعمل العمل الصالح الذي يستغرق وقته، بل أصر على بعض المعاصي، فلم يحسن إسلامه، بل كان في إسلامه نقص وخدوش.

    أسباب نزع البركة من الوقت

    السؤال: يقول: أنا طالب علم أحاول تنظيم الوقت، والاستفادة من وقتي، ولكنني أجد فشلاً في الوقت، وعدم بركه، فهل هذا بسبب المعاصي؟

    وكيف لي أن أعرف نوع المعصية؟

    الجواب: أقول: أولاً: المعاصي هي أحد الأسباب التي تكون سبباً في أن ينـزع الله تعالى من العبد بركة الوقت، لكن هناك أسباباً أخرى، من هذه الأسباب:

    سوء التربية؛ فإن بعض الشباب لم يتلقَ تربية سليمة، فلا يكون عنده حسن تصرف في وقته، ولذلك يضيع كثير من وقته.

    ومن الأسباب: عدم الموجه؛ فإن الشاب إذا كان بمفرده، وهو حديث عهد بهذا الطريق، فربما يكون يوماً هنا، ويوماً هناك، فلا يستفيد من وقته.

    شاب مثلاً: أراد أن يتجه إلى طلب العلم، فبدأ اليوم، وقال: القرآن أهم شيء، وهو كلام الله عز وجل، فأريد أن أبدأ بالتفسير، بدأ بـتفسير ابن كثير كما نصحنا، فلما قرأ تفسير سورة الفاتحة كان في المسجد، فجاء واحد وسأله سؤالاً فقهياً، فقال: والله لا أدري، لما خرج قال: إذاً الفقه أهم! الناس يحتاجون الفقه أكثر مما يحتاجون التفسير، فترك التفسير واتجه إلى الفقه، لأن الناس يسألونه، فهو يريد أن يجيب على أسئلتهم!

    بدأ يفتي في الفقه، يقرأ الفقه فيفتي فيما يعلم، أو فيما لا يعلم! بعد فترة جاء إنسان وسأله عن حديث، قال: ما درجة حديث كذا وكذا؟

    قال: إذاً الناس اليوم أرى أنهم يهتمون بالحديث، فترك الفقه واتجه إلى قراءة كتب السنة! وهكذا أصبح لا يستقر على حال لعدم الموجه الذي يأخذ بيده.

    السبب الرابع: سوء الطبيعة عند الإنسان؛ بعض الناس جبلوا على أخلاق ذميمة، مثل الملل، وإني أستسمحكم عذراً أن أذكر لكم أسلوباً من أساليب علاج مثل هذه الطبيعة، وذلك بأن يعود الإنسان نفسه إذا بدأ بشيء أن يتمه، ولعلي ذكرت لكم في بعض المناسبات أنني كنت أحاول أن أعود نفسي على هذا الأمر، واستفدت منه كثيراً بحمد الله، قرأت يوماً كتاباً من الكتب اسمه مناظرات في أصول الفقه بين ابن حزم والباجي مؤلفه الدكتور عبد المجيد تركي، وهو مجلد ضخم، أظنه في نحو ستمائة صفحة، أعجبني عنوانه فقرأته، لما قرأت من هذا الكتاب (100صفحة) وجدت أنه رسالة دكتوراه في جامعة السربون في فرنسا، في أصول الفقه، ووجدته كتاباً لا أرى أن أضيع وقتي في قراءته، ليس مفيداً على الأقل بالنسبة لي، لكنني مع ذلك أحببت أن أعود نفسي على خلق وهو: أن الإنسان إذا بدأ في شيء يتمه، وألاَّ يعود نفسه أن يبدأ في هذا الكتاب فيقرأ صفحة ثم يتركه، يقرأ المقدمة ثم يتركه، يقرأ فصلاً ثم يتركه!

    إذا بدأت في كتاب فعليك أن تتمه إلى النهاية، ولو كان أقل مما تريد، أو أقل مما تتصور، حتى تعتاد على ذلك وتزيل طبيعة الملل، والتقلب التي تكون حائلاً عند كثير من الشباب دون الاستفادة، تجده يقول: قرأت من هذا، ومن هذا لكن لو سألته هل قرأت كتاباً بأكمله؟

    قال لك: لا!

    لا نريد أن نفتضح، وإلا لعرضنا عليكم أسئلة بكتب معروفة مشهورة، مثلاً كتاب تفسير ابن كثير هذا كل الناس يعرفونه، الحضور على كثرتهم من منهم قرأ تفسير ابن كثير من أوله إلى آخره؟

    ربما تجد واحداً أو لا تجد أحداً، كتاب آخر من الكتب المشهورة زاد المعاد لـابن القيم من قرأ زاد المعاد؟!

    وبالمناسبة زاد المعاد من الكتب المفيدة العامة التي يحسن قراءتها، ربما لا تجد واحداً منا قرأ زاد المعاد من أوله إلى آخره، وهذا عيب في الواقع، عيب كبير، ينبغي أن يعود الطالب نفسه، يهذب عاداته وطبائعه، بحيث إذا بدأ في كتاب يحاول أن يتمه، لكن لا تبدأ في كتاب إلا بعد أن تستشير في ذلك، ولا تتجه إلى طريقة في التعلم، إلا بعد أن تستشير في ذلك أيضاً.

    أما المعاصي التي يقول: كيف أعرف نوع المعصية التي كانت سبباً في انتزاع بركة الوقت؟

    المعاصي نوعان:

    النوع الأول: معاصي ظاهرة لا تحتاج إلى بيان، مثل: كونه يستمع الغناء، أو يأكل الربا، أو عاقاً لوالديه، أو ما أشبه ذلك.

    النوع الثاني: وهو الخطر، المعاصي الخفية، وخطورة هذه المعاصي من وجهين:

    الوجه الأول: أن الإنسان قد لا يتفطن لها، فقد يكون الإنسان عنده معصية خفية لكن بحكم أنه معفٍ للحيته، مقصر لثوبه، محافظ على صلاة الجماعة، يرى أنه -الحمد لله- ما عنده معاصي، لا يا أخي! يمكن أن يكون عندك الحسد، أو الحقد، أو البغضاء، أو عندك في قلبك نوع من الضعف، نوع من الخوف من غير الله، أو الحب لغير الله، إلى غير ذلك من المعاصي الخفية القلبية، التي هي من باطن الإثم، وهذه الأشياء قد لا يتفطن لها الإنسان، وذلك لأننا أيضاً قد نهتم بتجميل الظاهر أكثر مما نهتم بتجميل الباطن!

    فالباطن لا يطلع عليه إلا الله، ولذلك قد تكون نية الإنسان مثلاً خبيثة، لا نتنافس نحن في إصلاح النية، ولكن قد نتنافس في التبكير للمسجد، في طلب العلم، في حفظ القرآن، في الأعمال الصالحة، لأنها ظاهرة، لكن النية قد لا نتنافس فيها، ليس فيها مجال للمنافسة، لأن علمها عند ربي.

    إذاً المعاصي الخفية خطورتها أولاً تأتي من جهة أن الإنسان قد لا يتفطن لها، فعلى الإنسان أن يختبر قلبه.

    الوجه الثاني: من أوجه خطورتها أن أثرها عظيم؛ لأنها تتعلق بالقلوب، والشيء المتعلق بالقلب أخطر من المتعلق بالجوارح، فإن القلب عليه مدار الأعمال، وهو ملك والأعضاء جنود تابعة له، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام، في حديث النعمان المتفق عليه: {ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب} فمدار الفساد والصلاح على القلب، ولذلك فإن المعاصي الخفية والإثم الخفي أعظم من الإثم الظاهر.

    وهناك خطورة ثالثة أيضاً: وهو أن إزالة هذه المعاصي يحتاج إلى جهاد كبير، فإن الإنسان مثلاً: إذا كان مبتلىً بمعصية ظاهرة، مثل عقوق الوالدين، يستطيع أن يذهب إلى والده ويقبل رأسه، ويقول: سامحني، ويبكي بين يديه، ويعمل على إعادة المياه إلى مجاريها، بقدر ما يستطيع.

    لكن أنَّى للإنسان مثلاً أن يصلح فساد قلبه؟!

    إذ أنه يحتاج إلى جهاد، يحتاج إلى عمل، إلى صبر، إلى دأب، إلى بكاء بين يدي الله، إلى دعاء، إلى ملازمة حتى يزول ما في قلبه، يقول الله عز وجل: وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ [الأنعام:120] ومن خلال تجربتي ومعايشتي لواقع الناس، وصلحائهم وفساقهم، دعاتهم ومدعويهم، علمائهم وطلاب علمهم، وجهالهم؛ ظهر لي أن الجميع، إلا من رحم الله يهتمون بإصلاح الظاهر أكثر مما يهتمون بإصلاح الباطن! وهذه ثغرة ومثلبة يجب على طالب العلم الناصح لنفسه أن يعمل على تداركها.

    الإصرار على الذنوب

    السؤال: يسأل عن عاصٍ يتوب، ثم يعود، ثم يتوب، ثم يعود؟

    الجواب: وهذا يختلف عن الذي قبله، لأن الإنسان في نفس المعصية يقع فيها ثم يتوب، ثم يرجع إليها، فما عقوبته؟

    أقول: أولاً: التوبة مطلوبة، والشيطان يأتي للشاب من هذه الناحية.

    فيقول له: تبت ثم رجعت! فإياك أن تتوب مرة أخرى، لأنك ستعود، فيثبطه عن التوبة، وهذا مدخل ومزلق ينبغي للطالب، وللمؤمن أن يتقيه، فلو عصيت الله تعالى بذنب مائة مرة، ثم تبت، فوقعت، يجب أن تتوب مرة أخرى.

    أما ما يتداوله البعض: {ذنب بعد توبة أشد من سبعين ذنباً قبلها} فهذا ليس بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يصح عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم، بل إن الله تعالى لا يضاعف على عبده الذنوب، كما في صحيح مسلم {إن الله عز وجل يقول: إذا هم عبدي بسيئة فعملها، فاكتبوها عليه سيئة واحدة} وهذا من كمال عدل الله تعالى وكرمه أنه لا يضاعف على عبده السيئات.

    وبناءً عليه فإن الإنسان وإن أذنب ثم تاب، ثم أذنب ثم تاب، ثم أذنب ثم تاب، يجب أن يتوب، فلعل الله تعالى أن يقبض روحه على توبة، والله تعالى لا يضاعف على عبده الذنوب والسيئات، وإنما يكتب عليه الذنب سيئة واحدة ولا يضاعف، وإنما يضاعف له الحسنات، كما ثبت ذلك في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    ثم إن على هذا الشاب أن ينظر في أموره: ما سبب عودته إلى هذا الذنب؟

    لا بد أن الأسباب موجودة، فبعض الناس يتوب بالندم، لكن الأسباب والمثيرات موجودة، فهي تدعوه مرة أخرى فيقع، ولذلك على الإنسان أن يفكر في الخروج من الأسباب التي توقعه في الذنب، فإن هذا من كمال التوبة، كما في الحديث المتفق عليه: {أن رجلاً قتل من بني إسرائيل تسعة وتسعين نفساً، فأتى إلى عالم فسأله، فقال له العالم: لا تعد إلى قريتك، فإنها أرض سوء، ولكن اذهب إلى قرية كذا وكذا، فإن فيها قوماً يعبدون الله تعالى، فاعبد الله تعالى معهم}.

    فأمره أن يخرج من القرية التي هي السبب في وقوعه في الذنب.

    السيطرة على الغريزة الجنسية

    السؤال: يسأل أحد الشباب عن كيفية السيطرة على الغريزة الجنسية؟

    الجواب: أقول: السيطرة على الغريزة الجنسية تتم بأربعة أمور:

    الأمر الأول: عن طريق رفع هذه الغريزة، وأن يسلك الإنسان بها المسلك الصحيح، وذلك بالزواج، فإن الله تعالى ما حرم شيئاً إلا أباح ما هو خير منه.

    حرم الزنا وأباح الزواج، حرم الربا وأباح البيع، وهكذا، فعلى الشاب أن يحرص على الزواج: {يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج} فالزواج فيه منافع عظيمة، فيه سعادة النفس وسرور القلب، وتحقيق كمال شخصية الشاب، واعتماده بعد الله تعالى على نفسه، وتكثير النسل، والراحة النفسية، وإعفاف المؤمنات، إلى غير ذلك من الفوائد التي يطول حصرها، فهذا هو الطريق الأول: الزواج.

    وعلى الشاب أن يفكر فيه بصورة جدية، ويعمل على تذليل العقبات التي تحول بينه وبين الزواج.

    الوسيلة الثانية: هي وسيلة التبديل، يعني إذا لم يكن الزواج ممكناً لأي سبب من الأسباب، فيمكن أن يبدل الشاب هذا الأمر بتوجيه طاقته الوجهة المفيدة، ومن ذلك مثلاً: أن يشغل نفسه بالعبادة، من صلاة، وطلب العلم، وقراءة قرآن، وصحبة الأخيار، إلى غير ذلك، فإن الإنسان إذا أشغل نفسه بهذه الأمور صار اهتمامه موجهاً إليها، وبالتالي لا تكون الغريزة ملحة عليه بالشكل الذي يزعجه، أو يضايقه، أو يدعوه إلى الوقوع في الحرام.

    ومن ذلك أيضاً الاشتغال بالصوم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: {ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء} فإن الصوم إضافة إلى أنه عبادة تقرب العبد من ربه، فإنه كذلك يضيق مجاري الدم -العروق- فيقل ثوران الغريزة في نفس الإنسان، والصائم لاشك أنه أقرب إلى ربه، ولذلك يبعد عنه الشيطان.

    ومن ذلك: الاشتغال بالأعمال المباحة أيضاً، لو فرض أن الإنسان يصرف طاقته الجسيمة في عمل مباح، رياضة مباحة، أمور نافعة له في دنيا، فإن هذا أيضاً من الأشياء التي ينصح بها الشاب، ليصرف بها طاقته عما حرم الله عز وجل.

    الوسيلة الثالثة: هي استخدام الوقاية، وأعني بالوقاية: أن يبعد الإنسان عن المثيرات التي تدعوه إلى الحرام، والمثيرات منها السوق، الخروج إلى السوق، ورؤية النساء المتبرجات والمتعطرات والمتزينات، ومنها مشاهدة المجلات الخليعة، مشاهدة التلفاز، أو الفيديو، وما فيه من مناظر تثير غريزة الإنسان، سماع الغناء، استخدام الهاتف فيما حرم الله عز وجل.. إلى غير ذلك من الأشياء التي تثير غريزة الشاب.

    أما كون الشاب يعمد إلى إثارة الغريزة، ثم يقول: أين أروح؟!

    ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له     إياك إياك أن تبتل بالماء

    هذا لا يكون، لابد أن يعمل الشاب على البعد عن المثيرات.

    ومن البعد عن المثيرات: أن يقاوم الإنسان من أول الطريق، وذلك بغض البصر؛ فإن البصر من أعظم المثيرات، بل هو أعظم المثيرات:

    كل الحوادث مبداها من النظرِ      ومعظم النار من مستصغر الشررِ

    كم نظرة فتكت في قلب صاحبها     فتك السهام بلا قوسٍ ولا وترِ

    يسر مقلته ما ضَّر مهجته      لا مرحباً بسرور جاء بالضررِ

    ومعظم الجرائم تبدأ بنظرة

    نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ      فكلامٌ فموعدٌ فلقاءُ

    فعلى الإنسان أن يغض بصره عما حرم الله عز وجل، والنظر هو أول الطريق، ولـابن القيم كلام مفيد في النظر، مطبوع في رسالة مستقلة، وهو أيضاً موجود -أو جزء منه- في عدد من كتبه، منها كتاب: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، فينبغي لطالب العلم، وللشاب الذي يخاف على نفسه من الغريزة الجنسية أن يراجع هذا.

    وعلى كل حال فبالتجربة تبين أن الإنسان إذا غض بصره نجح، فإذا أطلق بصره خاب، وخسر، وفشل:

    فإنك إن أرسلت طرفك رائداً     لقلبك يوماً أتعبتك المناظرُ

    رأيت الذي لا كله أنت قادر     عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ

    إذا أطلقت بصرك فماذا يكون؟

    أولاً: تتحرك الغريزة والشهوة، فيدعوك ذلك إلى المحادثة أو الإقدام أو الكلام.

    ثانياً: يدعوك إلى التمييز بين النساء، فتقول: هذه جميلة، وهذه ذميمة، وهذه حسنة، وهذه ليست كذلك، وهذه كذا، وهذه كذا! فيصبح الإنسان ذواقاً، لا يقف عند حد، وسبحان الله! الغريزة الجنسية مثل النار، كلما وضع عليها الإنسان الحطب زادت اشتعالاً، مثل النار التي يضع الإنسان عليها البنـزين مثلاً، كلما وضع عليها زاد اشتعالها.

    ولذلك على الإنسان أن يحرص أشد الحرص على أن يكف بصره عما حرم الله عز وجل: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30] وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ [النور:31].

    أعرف حالات عديدة، وقع فيها شاب أسير العشق الحرام، حتى انبرى بدنه ومرض وصار طريح الفراش، وربما قصَّر كثيراً في عباداته، وربما انحرف عن سواء السبيل، وكانت البداية نظرة محرمة! كما أنني أعرف من النساء من وقعت في مثل ذلك، وكانت البداية نظرة محرمة!

    فالحذر الحذر من النظر، فإنه أول باب، وأخطر باب، يجرك الشيطان من خلاله إلى الوقوع في الفواحش التي لا يعلم مداها إلا الله.

    الأمر الرابع: هو العلاج، فإنه ما أنـزل الله من داء إلا وله دواء، حتى بعدما يقع الإنسان، هناك إمكانية العلاج، والعلاج يكون بأمور كثيرة، منها:

    التوبة، الدعاء، الاستغفار، أين أنت من الاستغفار؟!

    إذا استغفرت الله تعالى بقلب صادق، فإن الله تعالى يغفر لك: {إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي}.

    و{من لزم الاستغفار جعل الله تعالى له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب} فأكثر من الاستغفار.

    ومن وسائل العلاج: صحبة الأخيار.

    ومنها: الإقبال على العبادة.

    ومنها: كثرة قراءة القرآن، إلى غير ذلك.

    العادة السرية وأضرارها الدينية والطبية

    السؤال: شاب يسأل عن قضية في الواقع لم أكن أريد أن أطرحها، لكنه قال: أنا ألح إلحاحاً شديداً أن تطرح سؤالي؛ هل العادة السرية من الكبائر؟

    الجواب: العادة السرية معروفة، والعادة السرية محرمة، قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [المؤمنون:5] إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون:6].

    فدل على أنهم يلامون فيما سوى ذلك؛ فيما سوى قوله: إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون:6] فدلت الآية على أن العادة السرية محرمة، إضافة إلى أدلة أخرى كثيرة.

    وأما أنها من الكبائر فلا، ليست من الكبائر فيما يظهر لي، بل هي من المعاصي، ولكن لا أعلم دليلاً على أنها كبيرة من كبائر الذنوب، ولكن يجب على الشاب أن يتقيها ويتجنبها، وذلك لأنه من الثابت أنها ضارة جداً.

    أما الضرر الديني فهو ظاهر، لأن ارتكاب الحرام مما يقربك من النار، ويبعدك عن الجنة.

    وأما الأضرار الأخرى فهي كثيرة منها:

    أضرار طبية: فقد ثبت طبياً أن العادة السرية تكون سبباً في ضعف الغريزة الجنسية بعد الزواج، وتكون سبباً في ضعف البصر، وتكون سبباً في حصول إرتعاش في أطراف الإنسان، ويزداد ذلك عنده.

    إضافة إلى الأضرار النفسية وهي ظاهرة جداً وهي مدمرة: تجد الذي يكثر من ممارسة العادة السرية يكون شديد الخجل، كثير الاضطراب، شخصيته غير مستقرة ولا قوية، فهو أمام الناس يشعر بالخجل سريعاً فيتذبذب، ويظهر عليه آثار ذلك، يحمر وجهه ويتورد، ولا يستطيع أن ينظر إلى الناس بنظر ثابت ولها آثار كبيرة جداً، فعلى العبد أن يتجنبها خوفاً من الله عز وجل، ثم اتقاءً لهذه الأضرار الكثيرة.

    حكم الإصرار على الكبائر

    سؤال: يقول: من داوم على فعل الكبائر يكون كالذي استحلها، فيكون كافراً مرتداً؟

    الجواب: لا. ليس من داوم على فعل الكبائر كافراً، ما دام يؤمن بأنها محرمة، ولكنه عاصٍ معصية عظيمة، ويخشى أن يؤدي به ذلك إلى الكفر، فإن المعاصي بريد الكفر.

    أما أنه كافر بفعله فلا، فإن مرتكب الكبيرة، وإن أصر عليها، ومات مصراً عليها، ما دام معترفاً بتحريمها، لا يكون كافراً بذلك.

    ولكن عليه أن يحذر من المجاهرة، قال عليه الصلاة السلام: {كل أمتي معافىً إلا المجاهرين}.

    حكم تارك الصلاة

    السؤال: سائل يسأل عن حكم تارك الصلاة؟

    الجواب: اختلف أهل العلم في ذلك، منهم من قال: يقتل، ومنهم من قال: يحبس حتى يموت، ومنهم من قال: يكفر، ويقتل كافراً.

    والرأي الراجح في تارك الصلاة أنه: إن كان يترك وقتاً ويصلي وقتاً، ويترك حيناً ويصلي حيناً، فإنه عاصٍ مرتكب لكبيرة من الكبائر، لكن لا يحكم بردته.

    أما إن كان تاركاً للصلاة بالكلية، لا يصلي ليلاً ولا نهاراً، لا جمعة ولا جماعة، ولا في رمضان ولا في غيره ولا في المناسبات ولا في غيرها، فإنه كافر مرتد عن الإسلام، يلزمه أحكام الكفار المعروفة.

    عدم الشعور بأثر المعاصي

    السؤال: هذا يقول: عندي معاصي لا أجد لها أثراً، فما هو السبب؟

    الجواب: أقول: هذا من أثر المعاصي، كونك لا تجد للمعصية أثراً قد يكون هذا من أثرها؛ فإن بعض المعاصي إذا كثرت عند الإنسان وزادت، قد يعاقبك الله عز وجل بأن يقسو قلبك، حتى لا تجد أثراً للمعصية.

    كيف؟!

    قد يكون ذلك بأن يجد الإنسان تفسيراً لكل ما يحصل، اليوم أنت مرضت فذهبت للطبيب، قال: عندك المرض الفلاني، وسببه أنك تأكل الطعام الفلاني، أو تعمل العمل الفلاني.

    فقلت: إذاً هذا المرض تفسيره معروف، ليس بسبب المعصية، وإذا أصابتك خسارة في مالك، قلت: نعم سببه ارتفاع سعر الدولار، أو انخفاض سعر الدولار، أو كذا! تفسير مادي للأحداث.

    وهكذا أصبحت لا تحس بأثر المعاصي في المصائب التي تنـزل بك في نفسك أو أهلك أو مالك أو ولدك، هذا من أثر المعاصي.

    الاحتمال الثاني: أن يكون العقاب قادماً، لكنه لم يصل بعد، لأن الله تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، لا تقول: ما وجدت أثراً للمعاصي! قد يكون الأثر سوف ينـزل عليك غداً أو بعد غد.

    يا راقد الليل مسروراً بأوله      إن الحوادث قد يطرقن أسحارا

    الاحتمال الثالث: أن يكون الله عز وجل شملك بعفوه، ومغفرته، ورحمته، فإياك أن تغتر بذلك، وعليك أن تسارع بالتوبة إلى الله عز وجل، ومعرفة ما يجب له عليك.

    الوقوع في المعاصي لا يمنع من القيام بالنهي عن المنكر

    النوع الرابع من الأسئلة: أسئلة متنوعة.

    السؤال: أحد الإخوة يسأل عن حديث أسامة بن زيد المتفق عليه {يؤتى بالرجل يوم القيامة فتندلق أقتاب بطنه، فيدور فيها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان مالك! ألم تكن تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر!؟

    قال: بلى. كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه} ويقول: كيف يأمر الإنسان بالمعروف، وينهى عن المنكر، وهو واقع في المعاصي، مع ورود هذا الحديث؟

    الجواب: أقول: في هذا الحديث ليست العقوبة لأن الإنسان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لكن لأنه كان لا يأتي المعروف، وكان يفعل المنكر، فخطأ أن تظن أن عقوبة هذا الرجل لأنه كان يأمر بالمعروف وكان ينهى عن المنكر، لا،عقوبة هذا الرجل بالنار لأنه كان يفعل المنكر، ويترك المعروف، كان يقول للناس مثلاً: إياكم والربا، ثم يذهب ويأخذ الربا أضعافاً مضاعفة.

    فيوم القيامة عذب، وقيل له: أنت تعرف أن الربا حرام، وكنت تنهى الناس عنه، ومع ذلك تأكله! إذاً لا عذر لك، فيزج به والعياذ بالله في نار جهنم، ليس لأنه نهى عن الربا، ولكن لأنه أكل الربا.

    وقد يكون هناك احتمال آخر في معنى الحديث: هو أن نهيه عن الربا كان على سبيل الخداع والنفاق.

    أما إنسان جاد، يأمر الناس بالمعروف على سبيل الجد والصدق، لكنه عاجز، يجلس للناس ويقول: يا ناس! والله قيام الليل فيه من الفضل كيت وكيت، ويوبخ الناس على ترك قيام الليل، فإذا ذهب إلى بيته نام نومة طويلة، لا يوقظه إلا أذان الفجر! أيعذب هذا؟!

    أو يقال له: لا تأمر الناس بقيام الليل لأنك لا تفعل؟!

    لا.

    بل افترض أن إنساناً واقع في معصية، خفية أو ظاهرة، وسئل عنها، أو جاءت مناسبة ما، أينهى الناس عن هذه المعصية؟

    بل واجب عليه:

    ولو لم يعظ في الناس من هو مذنب      فمن يعظ العاصين بعد محمدِ

    ولذلك ذهب جماهير أهل العلم من السلف والخلف، وهو الصحيح، بل أرى أنه لا يجب أن يكون فيه خلاف، أنه واجب على أصحاب المعاصي أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، مثلما هو واجب على غيرهم، ومن الذي خولهم وأعطاهم صلاحية، إذا وقعوا في المعصية أن يقعوا في معصية أخرى، وهي ألاَّ ينهوا عنها، أليس ترك النهي عن المنكر معصية؟

    بلى، إذاً من الذي أعطاهم صلاحية أنهم إذا وقعوا في المنكر يقعون في معصية أخرى، وهي ترك النهي عن المنكر.

    وترك المعروف أيضاً معصية، إذا كان واجباً، إذا المعروف تركوا الواجب، تركوا صلاة الجماعة فمن الذي أعطاهم صلاحية أن يقعوا في معصية أخرى، وهي أن يتركوا الأمر بها؟!

    مثال: رجلٌ في البيت لا يصلي مع الجماعة، فاعل معصية، عنده أطفال، وشباب يصلون في البيت، فقال: يا أولادي! اذهبوا صلوا في المسجد. هل نقول له: أنت آثم؟!

    لماذا تأمرهم بالصلاة في المسجد وأنت لا تصلي؟!

    كلا.

    نقول: هو مأجور على أمره لأولاده بالصلاة في المسجد، ولو كان هو مقصراً، لكن نقول له: ما دمت تعرف أن الصلاة في المسجد واجبة، فيجب أن تأمر نفسك أولاً، قبل أن تأمر أولادك، وإذا لم تمتثل فيجب أن تأمر أولادك أيضاً.

    ومثله: مسئول في إدارة، أو أمير يشرب الخمر، وينهى الناس عن ذلك، ويعاقب من يشرب الخمر، ويقيم عليه الحد.

    هل نقول له: أنت آثم؟!

    كيف تعاقب الناس، وتنهاهم عن أمر أنت تفعله؟!

    كلا ثم كلا، بل واجب عليه أن يفعل ذلك، وهو مثاب عليه.

    ولذلك قال بعض حذاق أهل العلم: واجب على من يتعاطون الكئوس أن ينهى بعضهم بعضاً، فإذا كان هناك أناس جالسون يشربون الخمر والعياذ بالله فيجب في تلك الحالة أن ينهى بعضهم بعضاً، إذ كيف يعطيه الكأس ويقول: خذ هنيئاً مريئاً؟!

    فهذا الكأس حرام، لا فهذا استخفاف بالحكم الشرعي.

    والواجب أنه إذا شرب قال أحدهم مثلاً في لحظة من لحظات الصحو والإفاقة: لا حول ولا قوة إلا بالله! والله نحن مسرفون على أنفسنا، نحن عصاة، لو قبضنا على هذه الحال ترى كيف يكون حالنا! نموت والخمر في بطوننا: {ومن شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوماً} إلى غير ذلك، فالحقيقة نحن مسرفون، عسى الله أن يتوب علينا. هذا كلام طيب حسن وإن كان قائله عاصياً.

    فينبغي أن نتفطن لذلك جيداً، وهي مسألة حساسة، شرحتها في غير موضع، ومن أراد الاستزادة يرجع إلى مواضعها ومراجعها، لأن بعض الناس يستشكلون هذه المسألة ويستغربونها، تطرق أسماعهم لأول مرة ويكثر السؤال عنها، وأرى بعض الإخوة على وجوههم علامات التعجب منها! في مناسبات كثيرة، وهي مسألة واضحة جداً، لا إشكال فيها أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة:44] الله عز وجل ما عاتبهم بالبر، لا،عاتبهم لماذا ينسون أنفسهم! لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2-3] نعم، هم مذمومون على ترك المعروف، وفعل المنكر، مذمومون لا شك؛ لكن ليسوا مذمومين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن كانوا لا يفعلونه.

    نصائح للعاملين في حقل التدريس

    السؤال: شاب يقول: أنا مقبل على مرحلة جديدة، وهي التدريس، ويطلب النصائح.

    الجواب: رأيت أن أختصر لأخي الكريم خمس نصائح:

    النصيحة الأولى: الممارسة هي الطريق السليم، فمهما قدمنا لك من النصائح، فإن هذا لا يغنيك عن ملاحظة نفسك من خلال التجربة، وتصحيح أخطائك أولاً بأول.

    فإن الإنسان مهما تكلم معه في هذه الأمور العملية، إذا نـزل للميدان يقع له بعض الأخطاء التي ينبغي أن يكون يقظاً، ويصححها أولاً بأول.

    النصيحة الثانية: أهمية الإعداد الجيد للدرس، التحضير الجيد، وضبط المادة، ومحاولة توقع بعض الأسئلة التي قد يسألها الطلاب، والإجابة عليها.

    النصيحة الثالثة: وهي تقديم الدرس للطلاب بصورة جيدة، من خلال: عرض السؤال والجواب، وضرب الأمثلة والقصص والأدلة، إلى غير ذلك، وينبغي أن يكون ذلك كله بصورة هادئة، متدرجة، ولا ينتقل من المسألة إلى التي تليها إلا بعد أن يفهمها الطلاب.

    النصيحة الرابعة: عدم قبول الإستفزاز؛ وذلك من بعض الطلاب، فإن كل فصل يكون فيه طالب يريد أن يستفز المدرس، يتكلم أول ما يدخل الأستاذ، يقول: نريد أن نختبره، يتكلم، أو يقوم بحركة، أو سؤال، أو شيء من أجله يعرفون شخصية الأستاذ، هل هو قابل أن يضحكوا عليه ويلعبوا، أم هو شخصية قوية فيعرفوا حدهم! فالطلاب أذكياء، فعلى الأستاذ ألا يكون قابلاً للاستفزاز، يمكن أن يأتي الطالب يأتي بسؤال غير مناسب، أو يتكلم، أو يقاطع الأستاذ، أو يقول مثلاً ما اسمك؟

    أو يقوم، أو يخرج، أو ما أشبه ذلك. على الأستاذ أن يكون هادئ الأعصاب، ولا يظهر عليه أي أثر من آثار الغضب والانفعال، في مثل هذه الأمور، يعالجها بحكمة، وقوة، لكن بهدوء، وعليه ألا يتعجل بإظهار الغضب، والانفعال، بحجة أن هذا تعبير عن قوة الشخصية، أو حسم الموضوع من البداية، عليه أن يكون حازماً، نعم. لكن بدون أن يظهر الغضب، والانفعال، أو انشداد الأعصاب.

    ومن ذلك أن يكون الأستاذ قدر الإمكان في الأحوال الطبيعية لطيفاً مع الطلاب، يعاملهم بلطف، ويحرص على مصلحتهم، ويحل مشكلتهم بطريقة هادئة، ويجعل الشكوى هي آخر الحلول؛ فإذا لاحظت طالباً لا ينضبط في الصف، فاجلس معه جلسة خاصة بينك وبينه وقل له: يا فلان إن لي عليك ملاحظات، وأنا أستطيع أن أعاقبك، وأستطيع أن أوبخك أمام الطلاب، وأستطيع أن أخصم عليك من أعمال السنة، وأستطيع أن أشكوك أيضاً، لكن كل ذلك لا أريده، لأني أعتبرك بمثابة أخي الأصغر، ولا أريد أن أضرك بشيء، فعليك أن تعرف قدرك، وتلتزم الأدب بقدر ما تستطيع، إذا لاحظت عليه نفس الكلام كرر النصيحة مرة ثالثة، أيضاً اجعل آخر الحلول هي أن تعاقبه، أو ترفع به إلى إدارة المدرسة.

    هذه أهم النصائح، وهي بلا شك غير كافية، لكن بحسب ما يتسع له الوقت.

    الإتقان في الظاهر والباطن

    السؤال: تكلمت في محاضرتك على أن على الشخص إذا بدأ بشيء أن يتمه، فأريد منك أن توجه نصيحة إلى بعض أصحاب التسجيلات، وذلك بسبب عدم إكمال المحاضرة أحياناً، أو حذف أشياء منها، فلا تكمل الفائدة.

    الجواب: هذا يدخل في الحديث الذي ذكرته قبل قليل، وحسنت إسناده: {إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه} وقد فاتني أن أشرح الحديث، وكان الأولى أن أشرحه: {إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه} سواءً أصحاب التسجيلات، أو أصحاب المكتبات، أو الأستاذ في مدرسته، أو العامل في عمله.

    والإتقان يشمل أمرين كما ذكر أهل العلم:

    الأمر الأول: أن يقوم بالصنعة على خير وجه، فالصانع مثلاً، أو العامل، أو الكاتب، أو المدرس، عليه أن يعمل على أن يقوم بالعمل خير قيام، وينصح فيه نصيحة تامة؛ بمعنى أن صاحب العمل قد لا يدري، مثلاً قد يأتي كهربائي في منـزلك، أنت لست خبيراً بالكهرباء، كيف تكون تمديداتها وتوصيلاتها، ومراكزها، لا تعرف شيئاً، المهم أن تضغط الزر فيضيء المصباح، أو يضيء المكيف، أما ما عدا ذلك فما لك بصر به.

    فقد يأتي إنسان ليس متقناً فيعمل لك ذلك، لكن إذا جاء شخص آخر خبير، قال لك: هذا غير ناصح، قد اشتبكت الأسلاك بعضها ببعض، وجعل الإنسان لا يدري من أين بدأت وأين تذهب، ولا اتجاهاتها، ولاشيء من ذلك، فهو عمل لك العمل بالظاهر لا بأس به، لكن حقيقته ليست متقنة.

    إذاً: ليس العمل هو فقط للظاهر، تتقنه بقدر ما تستطيع، وبالصورة التي يرضى عنها أهل الفن، والاختصاص، سواءً كنت في أي مجال من المجالات، مثلاً: مدرس، قد تقوم بالتدريس بعمل يرضي الطالب، الطالب يقول: والله الأستاذ الفلاني جيد! لكن المختص ولا أقول بالضرورة: مفتش، مفتش أو غيره، الذي يعرف العمل، لو حضر عندك في الدرس لرأى أنك لم تتقن العمل، صحيح أن الطلاب رضوا عنك لأنك تأتي بقصص، أو تضحكهم، أو تعطيهم درجات، أو ما أشبه ذلك، لكن لم تؤدِ العمل وتتقنه على الوجه المطلوب.

    فالله تعالى يحب أن تتقن العمل بالصورة التي يرضى عنها أهل الصنعة، ظاهراً وباطناً.

    الأمر الثاني: في إتقان الصنعة، ألا يكون هذا فقط من أجل المحافظة على رسوم الصنعة، بعض الناس يقول لك مثلاً: أحسن من هذا العمل، ليس لوجه الله، ولا احتساباً، وإنما لأنني أعرف إذا لم أقم بهذا العمل وصنعته بشكل جيد أخذ الناس عني سمعة سيئة فلا يأتوني بعد ذلك!

    وهذا مع الأسف فإن الغرب يهتمون به اهتماماً عجيباً للغاية، حتى لو كان الأمر تافهاً، تأتي لإنسان -مثلاً- تريد أن يصلح لك الحذاء -أكرمكم الله- لا يصلحه بأي صورة، إنما يعطيك معلومات أن هذا الحذاء أصلحه لك بمبلغ كذا، ولكن احتمال أنه بعد يوم أو يومين يعود إليه نفس العيب الموجود فيه الآن، فأنا لا أستطيع أن أضمنه لك، إن أردت تصلحه أصلحته، وإن أردت أن تشتري غيره فإنه يمكنك ذلك.

    وهذا موجود في أمورهم، وفي صناعاتهم فإنهم حين يصنعون شيئاً يكون غير جيد، يشيرون إلى أن هذا العمل غير جيد، حين يقدمون مثلاً علبة عصير، ليست عصيراً طبيعياً، يكتبون عليه أنه غير طبيعي، وإنما هو مصنوع من بعض الأشياء، بعض النكهات، والمساحيق وغيرها، وهم يكتبون ذلك ليس تديناً، وإنما من مقتضى مراعاة رسوم الصنعة، فهم يقولون: التاجر الذكي لا يخادع في صنعته حتى لا يخسر الزبائن.

    ومع الأسف بعض التجار في أوقات الحج، وفي غيرها، تجد التاجر يقول: المهم أن هذه البضاعة تمشي من عندي، ولو اكتشف الزبون بعد ذلك أنني قد خدعته لا يهم! مع أن الزبون إذا اكتشف بعد ذلك لا يمكن أن يشتري منك بحال من الأحوال، فيخسر زبائنه بهذه الطريقة، لا يبالي، ولذلك ربما يخسر تجارته أيضاً، هم أذكى منا، فعرفوا أن الصناعة الحقيقية، والتجارة الحقيقية، والكسب الحقيقي، يقتضي أن يراعوا رسوم الصنعة، لكن المؤمن مع مراعاة رسوم الصنعة، لا يقصد ذلك، ولا يقصد أيضاً الخوف من الإنسان، لا من سلطانه، ولا من لسانه.

    يقول: هذا والله مسئول لو غششته، أو إذا لم أقم بالواجب قد يضرني، أو يسبني، لا،إنما يكون فعله لهذا الإتقان ابتغاء وجه الله، فهذا من الإتقان، وهذا الكلام أوجهه للإخوة أصحاب التسجيلات وغيرهم.

    والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.