إسلام ويب

شرح الحموية [5]للشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله سبحانه وتعالى مستو على عرشه، عال على خلقه بائن عنهم، كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة في الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، بل إن فطرة بني آدم على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم تقر بأن الله تعالى عال على خلقه بائن عنهم، ولم يخالف في ذلك إلا أتباع فلاسفة اليونان، الذين أنكروا هذا، معتمدين في ذلك على سخافات عقولهم، بعد أن تركوا كتاب ربهم وسنة نبيهم.

    1.   

    تقرير مسألة العلو

    قال المصنف رحمه الله: [وإذا كان كذلك فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله سبحانه وتعالى هو العلي الأعلى، وهو فوق كل شيء].

    قوله: إما نص أي أنه قاطع في الدلالة. وإما ظاهر أي أنه ظاهر في الدلالة وإن لم يكن قاطعاً بمنزلة النص.

    ينتقل المصنف هنا إلى المقصد الثاني، فبعد بيانه لإسناد مقالة السلف يعني بتقرير مسألة العلو: أي أن الله سبحانه وتعالى فوق سماواته مستو على عرشه بائن من خلقه.

    سبب اعتناء السلف بمسألة العلو

    وهي مسألة للسلف فيها عناية كثيرة، فإن فيها -مسألة العلو- ومسألة الكلام، والرؤية.. كلاماً للسلف من جهة التفصيل والتقرير أظهر من كلامهم في غيرها من الصفات وأشهر، وخاصة مسألة العلو.. وذلك لأن من أثبت علو الله سبحانه وتعالى لابد أن يقع له إثبات جملة من الصفات، وبطريقة أدق: كل من نفى علو الله سبحانه وتعالى فإنه رتب نفي كثير من الصفات على انتفاء العلو.

    مثلاً: من المسائل التي أنكرها المعتزلة: الرؤية. فما هو دليل المعتزلة الذي ظنوه قاطعاً على نفي الرؤية؟

    هو دليل مبني على نفي العلو، وهو ما يسميه المعتزلة في كتبهم دليل المقابلة ، وهذا الدليل هو أخص دليل للمعتزلة نفوا به الرؤية، بمعنى أنه إذا بطل هذا الدليل بطل المذهب، وإن كانوا يستدلون بدليل الاضطباع، وبظاهر قوله: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:103] وقوله: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143] لكن كما تقدم أن استدلالهم بالقرآن ليس محققاً لا من جهة الصواب ولا من جهة موافقة المذهب.

    إذاً: بنى كثير من النفاة -من الجهمية والمعتزلة- نفي كثير من الصفات على ما ظنوه من تحقق انتفاء العلو بالعقل، والحق أن مسألة العلو -أعني: علو الباري سبحانه وتعالى - هي من أظهر المسائل ثبوتاً، بل إنها أظهر ثبوتاً من كثير من الصفات التي نفوها بنفيهم لمسألة العلو؛ لأنه ليس كل الصفات يدل على ثبوتها العقل مع الشرع، فبعض الصفات صفات تعلم بالشرع وحده، وإذا قلنا: إنها تعلم بالشرع وحده، فهذا لا يعني أن العقل يمكن أن يعارض هذا المثبت بالشرع، ولكن العقل لا يدل عليه قبل ورود الشرع، ولكن عند ورود الشرع فإن العقل يقبله ولا ينافيه.

    أنواع الصفات من جهة أدلتها

    ولهذا يمكن أن نقول كقاعدة من جهة دلائل الصفات: إن الصفات على نوعين:

    الأول: صفات تثبت بدلالة العقل والسمع.

    الثاني: صفات تثبت بدلالة السمع والعقل لا ينافيها.

    ومن ذلك الذي يثبت بالسمع وحده ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة : (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر) فهذا النزول لولا خبر النبي صلى الله عليه وسلم به ما كان لأحد أن يهتدي إليه عقله، وهذا الخبر النبوي لا ينافيه العقل، فهذه صفة تثبت بالسمع.

    والله سبحانه وتعالى موصوف بأنه الخالق، وموصوف بالقدرة.. فهذه الصفات معلومة بضرورة الفطرة وضرورة العقل مع أن الشرع صرح بها.

    وكذلك صفة العلو صفة دلت عليها الفطرة، فإن الخلق مفطورون على أن الله سبحانه وتعالى هو العلي الأعلى، وكذلك دل عليها العقل، ودل عليها الشرع في آيات متواترة وأحاديث متواترة.

    وقد اتفق نفاة العلو من المتفلسفة والجهمية والمعتزلة والمتأخرة من الأشاعرة على أن الله لا يسأل عنه بأين، وهذا مخالف لما ثبت في الصحيح من حديث معاوية بن الحكم في قصة الجارية، لما قال معاوية : (وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد والجوانية، فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون لكنني صككتها صكةً، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي، فقلت: يا رسول الله أعتقها؟ قال: ائتني بها. قال: فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة).

    فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو أعلم الخلق بالله سأل هذه الجارية -مع أنها ليست من أهل العلم المختصين-: أين الله؟ مما يدل على أن هذا لا ينافي كمال الرب سبحانه.

    والإمام أحمد رحمه الله -كما يذكر هذا شيخ الإسلام كثيراً- كان ممن يستدل على ثبوت العلو في رده على المخالفين بمسألة العقل، قال: فإن الله خلق الخلق -أي: خلق العالم- وهو سبحانه وتعالى منزه عن الحلول في هذا الخلق، فيجب بضرورة العقل أن يكون بائناً عنه، وإذا كان بائناً عنه سبحانه وتعالى فإما أن يكون أعلى وهو العلي الأعلى، وإما أن يكون محايفاً، وإما أن يكون أسفل، والمحايفة والسفل نقص ينزه عنه الباري، فتعين أنه سبحانه بائن من خلقه فوقهم ومقصود السلف بالعلو ليس هو أن الله سبحانه وتعالى في السماوات المخلوقة، كما يقال: إن الملائكة في السماء. فإن الله منزه عن المخلوقات كلها، فهو الأول ليس قبله شيء، والآخر ليس بعده شيء، والظاهر ليس فوقه شيء، والباطن ليس دونه شيء -أي: لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء-.

    سبب آخر لاعتناء المصنف بمسألة العلو

    وهناك غرض آخر جعل المصنف يقرر مسألة العلو، وهو أن قدماء الأشاعرة كـأبي الحسن الأشعري وأئمة أصحابه كانوا يثبتون علو الله سبحانه، وإن كانوا يتأولون مسألة الاستواء على العرش، وهذا قول أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني ، وقبل هؤلاء هو قول أئمة الكلابية الأولى، وأخصهم عبد الله بن سعيد بن كلاب .

    لكن لما جاء المتأخرون من الأشاعرة كـأبي المعالي ومن بعده نفوا مسألة العلو واستعملوا فيها نفس منهج المعتزلة؛ ولما جاء المتأخرون بعد هذا كـمحمد بن عمر الرازي زاد الأمر سوءاً فقال: إن الذين يثبتون الجهة -يقصد: العلو- هم من طوائف الأمة الحنابلة والكرامية، وإلا فإن سائر الأمة اتفقت على تنزيه الله عن الجهة وقد شاع هذا عند متأخري الأشاعرة؛ ولهذا بدأ يوصف الحنابلة -قبل زمن شيخ الإسلام ، وأدرك رحمه الله هذا- أنهم مثبتة للجهة، بل أصبح هذا الوصف مختصاً بهم؛ لأنه لم يكن للكرامية ظهور يذكر خاصة في بلاد العراق وبلاد الشام، وإن كان لهم بعض الظهور في بلاد العجم.

    فعني شيخ الإسلام في كتبه ببيان أن أبا الحسن الأشعري وأئمة أصحابه كانوا مثبتةً للعلو، فضلاً عن إثبات سائر أئمة السنة والجماعة، أي: يقصد أنه حتى أئمة الأشاعرة كانوا مثبتةً لمسألة العلو، ولهذا المصنف عني ببيان هذه المسألة، وأنها مسألة فطرية عقلية شرعية؛ ولهذا استدل بعد ذلك بشعر أمية بن أبي الصلت مع أنه رجل لم يسلم، وإن كان أدرك النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه لم يؤمن به، وقد كان متحنفاً، وله إصابة في التوحيد مجملة لكنه لم يدخل في دين الإسلام.. فلهذين الغرضين عني المصنف بهم.

    إذاً المقصد الثاني، وهو ذكر مسألة العلو لغرضين:

    الأول: لأنها مسألة أصل عند السلف وعند الطوائف، فالتحقيق فيها يتحصل به تحقيق في جمهور الصفات.

    الثاني: لأن متأخري الأشاعرة نفوها وقدماءهم كانوا يثبتونها، وزعم بعض متأخريهم -أعني الأشعرية- أن إثباتها مختص بالحنبلية والكرامية.

    1.   

    أدلة العلو

    الأدلة من الكتاب

    [وهو فوق كل شيء، وهو على كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء مثل قوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10] إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران:55] أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً [الملك:16-17] بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء:158] تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج:4] يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ [السجدة:5] يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل:50] ثم استوى على العرش في ستة مواضع، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً [غافر:36-37]].

    ذكر طائفة من السلف أن أول من صرح بإنكار العلو هو فرعون، والآية صريحة أن موسى كان يخاطب فرعون وقومه أن الله في السماء، ولهذا قال فرعون: فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى [غافر:37] ولو لم يكن موسى عليه الصلاة والسلام يخاطبه بأن الله في السماء لما تقصد هذا المقصد.

    وهذه الآيات التي يستدل بها المصنف صريحة في الدلالة على أن الله موصوف بالعلو، ولكن هنا ينبه في طريقة الاستدلال عند أهل السنة أنهم يسلكون أنواعاً من الأدلة، تحت كل نوع أفراد: الآيات أو الأحاديث التي ذكرت الفوق.. الآيات التي ذكرت أن الله في السماء.. الآيات التي ذكرت الصعود أو العروج.. وهلم جرا.

    ومثل هذا في مسألة كلام الله، فكل آية في القرآن فيها نداء: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا).. ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ) هي دليل على إثبات كلام الله؛ لأن النداء يكون من المتكلم، والقرآن كلام الله.

    كذلك كل آية أضيف فيها القول إليه سبحانه هي دليل على إثبات الكلام.

    كذلك كل آية فيها إنباء من الله هي دليل على إثبات صفة الكلام.

    كل آية فيها أمر من الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58].

    كل آية فيها نهي.. وهلم جرا.

    ولهذا نرى بعض أهل السنة يقول -مثلاً- إن دلائل الكلام في الكتاب والسنة -أي: إثبات كلام الله- تقارب الألف دليل فهم يحصلونها بهذه الطريقة: أنه أنواع، وتحت كل نوع أفراد.

    وعن هذا قال بعض أصحاب الشافعي من المحققين: إن دلائل العلو في الكتاب والسنة تبلغ نحو الثلاثمائة دليل أي: على هذه الطريقة، وهي طريقة الاستدلال بمسألة النوع وتحت كل نوع أفراد.

    وهذا مثله مثل مسألة الإيمان؛ فإن أصناف الأدلة الدالة على أن الإيمان قول وعمل متنوعة في الكتاب والسنة؛ ولهذا أوصل بعض الأئمة دلائل مسألة الإيمان إلى نحو الألف دليل على هذه الطريقة؛ ومثله ما يتعلق بالصفات الفعلية، فقد ذكر شيخ الإسلام أن في القرآن مائة وبضع عشرة آية دالة على إثبات الصفات الفعلية.

    [تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42] مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [الأنعام:114] إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يحصى إلا بكلفة].

    (مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ) وهذا دليل على علو الله؛ لأن النزول يكون من أعلى.. وهكذا.

    الأدلة من السنة

    [وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى إلا بالكلفة].

    هنا ينبه في طريقة شيخ الإسلام رحمه الله أنه قد يستدل ببعض الأحاديث التي اشتهر تضعيفها عند الحفاظ المتأخرين، ولكن لا يقع لـشيخ الإسلام رحمه الله أنه يستدل بحديث انضبط تركه عند أئمة السلف؛ وهذا لأنه يعتبر استدلال بعض أئمة السلف بمثل هذه النصوص مسوغاً لهذا الاستدلال؛ ولهذا ليس بالضرورة أنه يلتزم الصحة هنا، ولكنه إذا رأى أن الأئمة استعملوه في استدلالهم فإنه قد يسلك ما يستعمله الأئمة.

    ولهذا تجد أنه استدل ببعض الأدلة أحياناً، لكنه لما سئل عنها على وجه التخصيص مال إلى تضعيفها.

    فالقصد: أنه لا يستدل بحديث انضبط ضعفه تماماً، وإنما قد يستدل ببعض الأحاديث التي فيها بعض الكلام؛ ومع ذلك هذا النوع من الأحاديث المسألة لا تنبني عليه من كل وجه، فيكون ضعفه دليلاً على ضعف المسألة؛ لأن المسألة ثابتة بنصوص متواترة.

    وشيخ الإسلام رحمه الله إذا استدل بمثل هذا النوع من الأحاديث، وإن كان قد يتردد فيها من جهة السند أحياناً لكنه يجزم بأن معناها حق، فيستدل بها موافقةً لمن استدل بها من المتقدمين.

    وقد يطعن في بعض الأحرف من الأحاديث حتى مما في الصحيح -في صحيح مسلم بخاصة- أو في بعض الأحاديث المشتهرة الصحة، وله سلف في هذا من متقدمي الأئمة، وهذا ككلامه في حديث التربة، وكلامه فيما جاء في حديث ابن عباس المتفق عليه، وإن كانت هذه الرواية تفرد بها مسلم ، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: (هم الذين لا يرقون ولا يسترقون) فقوله: لا يرقون هي من أفراد مسلم ، وقد ذكر شيخ الإسلام أن هذا الحرف غلط، واستدل لتغليطه بطرق.

    القصد: أنه يستعمل أحياناً مثل هذا النوع، فهو يعتبر مسألة الاعتبار في الاستدلال بمسائل الموافقة لأصول الشريعة وعموم النصوص، أو يعتبر التضعيف أحياناً بهذا الاعتبار إذا لم يكن الحديث أو حرف منه موافقاً للأصول العامة؛ فإنه ينتهي إلى ضعفه وإن لم يشتغل بسنده كثيراً.

    [مثل قصة معراج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ربه، ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه، وقوله في الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل والنهار: (فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم) وفي الصحيح في حديث الخوارج: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءً).

    حديث الخوارج متواتر، فقد رواه مسلم من عشرة أوجه، روى البخاري طائفةً منها، وقال الإمام أحمد : صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه .

    [وفي حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره: (ربَنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمةً من رحمتك وشفاءً من شفائك على هذا الوجع).

    هذا الحديث متكلم فيه، لكن كما تقدم لم ينضبط ضعفه ورده.

    [قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا اشتكى أحد منكم أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء..)وذكره، وقوله في حديث الأوعال: (والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه وهو يعلم ما أنتم عليه)رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، وقوله في الحديث الصحيح للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: اعتقها فإنها مؤمنة)].

    قوله: في الحديث الصحيح للجارية مع أن الحديث في مسلم ، وقد تقدم أن المصنف لا يلتزم الاصطلاح المشهور عند متأخري الحفاظ دائماً.

    [وقوله في الحديث الصحيح: (إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي)وقوله في حديث قبض الروح: (حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها الله تعالى) وقول عبد الله بن رواحة الذي أنشده للنبي صلى الله عليه وسلم وأقره عليه:

    شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا

    وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا

    وقول أمية بن أبي الصلت الثقفي الذي أنشد للنبي صلى الله عليه وسلم هو وغيره من شعره فاستحسنه وقال: (آمن شعره وكفر قلبه) حيث قال:

    مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا

    بالنباء الأعلى الذي سبق الناس وسوى فوق السماء سريرا

    شرجعاً ما يناله بصر العين ترى دونه الملائكة صُورا ]

    استدلاله بقول أمية بن أبي الصلت يبين به أن هذا كان متقرراً حتى عند العرب في جاهليتها؛ لأنه من مسائل الربوبية.

    وقد قصد العرب الذين كفروا بالقرآن إلى منازعة النبي صلى الله عليه وسلم فيما أوتي وفي نبوته بطرق يعلم جمهورهم أنها باطلة، كقولهم: إنه ساحر، ومجنون، وهذا القرآن إنما يعلمه بشر... إلى غير ذلك، ومع ذلك لا نرى أحداً من الجاهليين -مع أنهم من أجمد الناس عقلاً- قصد إلى دعوى أن هذه الصفات التي ذكرها القرآن في حق الله تتعارض مع العقل، وهذا يدل على أن العقل الذي عناه المتكلمون في قولهم: إنها معارضة للعقل. ليس هو العقل الاعتيادي البشري الذي هو عقل غريزي في الناس، إنما مقصودهم بالعقل: معلومات عقلية فلسفية.

    فإن أحداً من الجاهليين الذين قالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنه ساحر أو مجنون مع أنهم يعلمون فساد ذلك، لكن لأنهم لم يجدوا عليه مدخلاً، ولو كان عقل أحدهم يهتدي إلى أن شيئاً من الصفات -مع أنهم يسمعون القرآن فيه وصف الله بالرحمة والغضب والسمع والبصر والعلو والقدرة... إلى غيرها- الفعلية واللازمة، ولم يتكلم أحد من المشركين، بل ولا حتى اليهود الذين كانوا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم أو كانوا عنده في المدينة أو بجواره في المدينة في الطعن في شيء من الصفات المذكورة في القرآن، بحجة أنها تنافي كمال الله أو تخالف العقل.

    وهذا استدلال فاضل، وهو من طرق أهل السنة للاستدلال على الصفات.

    وقد تقدم أن الجاهليين كانوا يذكرون هذه المقاصد العامة؛ لأنها مقاصد ربوبية؛ ولهذا ترى أن بعض علماء السنة كـشيخ الإسلام لما قسم التوحيد قال: إنه توحيد خبري وتوحيد طلبي إرادي. والتوحيد الخبري يدخل فيه توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فأصله باب محكم حتى في العقول والفطر -أعني باب الأسماء والصفات- وإنما كان الجاهليون ينازعون في مسألة توحيد العبادة والطلب.

    وبهذا يتبين أن ما وقع فيه المتكلمون إنما هو من أحكام الفلسفة وليس من أحكام العقل، ولو كان العقل يدل على شيء من هذا التردد أو الاعتراض لكان من أسبق الناس إليه الجاهليون أو اليهود أو الذين بعث النبي صلى الله عليه وسلم إليهم وكتب إليهم، فإنه صلى الله عليه وسلم -كما في حديث أنس في الصحيح- كتب إلى كل جبار يدعوه إلى الله، ولم يُنقل أن أحداً ممن كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم أو بلغه وفده أو بلغته دعوته من المشركين واليهود والنصارى والمجوس وغيرهم اعترض على ما يتعلق بمسألة المعرفة الإلهية في صفات الله سبحانه وتعالى ؛ ولو كان في شيء من العقل ما يقتضي ذلك لذكروه.

    ومن ذلك أن طرفة بن العبد كان يثبت مسألة المشيئة لله في أفعاله، مع أن المعتزلة لما جاءت قالت: إن الله لم يشأ أفعال العباد. مع أن قضية أن الله شاء أفعال العباد قضية فطرية، حتى الجاهليون كانوا يقرون بها، ولهذا يقول طرفة :

    فلو شاء ربي كنت قيس بن عامر ولو شاء ربي كنت عمر بن مرثد

    فأصبحت ذا مال كثير وزارني بنون كرام سادة لمسود

    إذاً: كان يثبت أن ما تحصل له من الأحوال هو على مشيئة الله سبحانه وتعالى.

    وبهذا يتبين أن هذه المسائل -خاصة مسائل الصفات ومسائل القدر- هي مسائل -في الجملة- فطرية عقلية.

    [وقوله في الحديث الذي في المسند: (إن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً) وقوله في الحديث: (يمد يديه إلى السماء يقول: يا رب! يا رب!).

    وهذا الحديث في الصحيح من حديث أبي هريرة .

    دليل الفطرة

    [إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية التي تورث علماً يقينياً من أبلغ العلوم الضرورية أن الرسول صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله ألقى إلى أمته المدعوين أن الله سبحانه على العرش، وأنه فوق السماء كما فطر الله على ذلك جميع الأمم، عربهم وعجمهم، في الجاهلية والإسلام، إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته].

    إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته لأن الأصل في هذا الباب أنه على الفطرة وعلى مدركات العقل بما يشاهد في آيات الله الكونية التي يشترك فيها جملة الناس، أو الآيات الشرعية التي هي من الفقه والعلم الذي يختص به أهل الإيمان.

    فقوله: إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته لأن الانحراف عن الفطرة هو من اجتيال الشياطين، لهذا جاء في الصحيح من حديث عياض بن حمار المجاشعي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا به ما لم أنزل به سلطاناً، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب...)إلى آخر الحديث، وكان هذا قبيل بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    فالمقصود: أن هذه الدلائل المتواترة من الكتاب والسنة والعقل والفطرة قاطعة بأن الله موصوف بالعلو.

    1.   

    اعتماد نفاة العلو على طريقة السبر والتقسيم في نفي العلو

    هنا قد يقول قائل: كيف انتهى مذهب المعتزلة والمتأخرين من الأشاعرة إلى نفي هذه المسألة؟

    نقول: إذا عُرفت قاعدة هؤلاء في طرق تحصيلهم لصواب قولهم وغلط المقابل له يزول هذا الإشكال:

    هذه الطوائف يستعملون طريقةً منطقية مأخوذة من المنطق الأرسطي، وهي ما تسمى في المنطق المترجم بطريقة السبر والتقسيم، وهي: أن يفرض في هذه المسألة جملة من الأقوال العقلية بحيث لا تخرج الفرضية العقلية عن هذه الأقوال، فإذا فرضوا القسمة -مثلاً- بأربعة فإنهم يقصدون إلى إبطال ثلاثة، والباقي يكون هو الحق دون أن يحتاج إلى استدلال آخر، وإذا فرضوا القسمة باثنين فإنهم يبطلون واحداً فيكون الباقي هو الحق؛ لأنه إن فرض بطلانه لزم رفع النقيضين -كما يقولون- ورفع النقيضين ممتنع.

    وهذه الطريقة يقول عنها شيخ الإسلام رحمه الله: إنها من أضعف الطرق في العقل .

    فهؤلاء المعتزل قالوا: إما أن يكون الله في السماء. ولم يفهموا من أنه في السماء إلا كما يكون الملائكة في السماء، وكما تكون الجنة في السماء، أي أنه شيء مخلوق يحوي الباري سبحانه وتعالى ويحيط به..!

    أو يُنفى عن الله سبحانه وتعالى هذا الوصف مطلقاً، ويقال كما يقول المتفلسفة: لا داخل العالم ولا خارجه. أو يقولون: ليس له مكان، أو لا يقبل العلو، أو لا يقبل الجهة.. إلى غير ذلك.

    فهم يحصلون بالعقل وحتى بالشرع أن الله لا يليق به أن يكون في السماء، بمعنى أنه في سماء تحويه كما أن الملائكة في السماء والجنة في السماء.. أليس هذا منتفياً بالعقل والشرع؟ فلما نزهوا الله عن هذا -وهذا حق- ظنوا أنه لا يبقى إلا ما يقابله، وهو شيء واحد، وهو: أنه ينفى العلو عن الله مطلقاً، ويقال: ليس له مكان، أو يقال -كما تقول المتفلسفة ومن شاركهم من المعتزلة-: لا داخل العالم ولا خارجه، أو يقال: لا يوصف بأنه داخل العالم ولا خارجه، أو لا يقبل الأين أو لا يقبل الزمان والمكان.. وهلم جرا من الإطلاقات التي يستعملونها في هذا الباب.

    فطريقة السبر والتقسيم هي معتبرهم، ولهذا إذا نظرت في استدلال المعتزلة على مسألة العلو تجد أن كل الأدلة التي نفوا بها العلو تتجه إلى أن إثبات العلو يستلزم إثبات قديم مع الله؛ لأنهم فهموا أن الله في السماء، أي: أنه في سماء تحويه، وبالطبع ليس هذا هو فهم السلف، بل قال أبو حنيفة رحمه الله: من زعم أن الله في سماء كما أن الملائكة في السماء فقد كفر بالله العظيم . ولهذا تجد المعتزلة يقولون: لو كان في سماء للزم تعدد القدماء لأنهم لم يفهموا من كونه في السماء إلا كما تكون الملائكة في السماء، من أن هذا ليس هو مذهب السلف رحمهم الله.

    إذاً: طريقة السبر والتقسيم هي التي استعملها المخالفون في تقرير مذهبهم، كذلك لما جاءوا لمسألة تعارض العقل والنقل نظموها على طريقة السبر والتقسيم كما سيأتي إن شاء الله في كلام المصنف وهذه الطريقة طريقة غلط.

    غلط نفاة العلو في طريقة السبر والتقسيم

    كيف نقول: إنها غلط؟

    من جهة أن الحق ليس فيما سبروه وقسموه، فإنهم سبروا في مسألة العلو باثنين:

    الأول: نفي العلو مطلقاً.

    الثاني: إثبات الحلول. فيقال: الحق ليس في هذا ولا في هذا، بل الحق أن الله فوق سماواته بائن من خلقه، وهو غني عن الخلق. وكيف يكون سبحانه وتعالى محتاجاً إلى شيء من الخلق وقد وسع كرسيه السموات والأرض؟!

    وكيف يكون محتاجاً إليهم وهو الذي خلقهم؟!

    فكل هذا مما يخالف ضرورة العقل فضلاً عن دلائل الشرع.

    إذاً المحصل: أن طريقة السبر والتقسيم هي الطريقة التي يستعملها المخالفون للسلف في تحقيق مذهبهم.

    ومعنى السبر أنهم يسبرون الفروضات العقلية في المسألة المعينة.

    والتقسيم هو: إيراد الابتلاء للمسألة حتى يتحقق الحق منها ويتبين الغلط، فيقولون: الأول يمتنع، وهو أنه سبحانه وتعالى يوصف بالحلول، فلما امتنع هذا علم بالضرورة أن الحق في الثاني؛ لأنه لم يبق إلا هو.

    نقول: (لم يبق إلا هو) هذه دعوى؛ لأن الحق ليس في هذا القول ولا وفي هذا القول.

    وهذا مثل مسألة: أن طريقة السلف التفويض وطريقة الخلف التأويل، يظنون أنه لا يصح في هذا الباب إلا أحد مسلكين؛ ولهذا لما رجع الجويني عن التأويل رجع للتفويض؛ لأنهم يظنون أنه لا يمكن في العقل إلا تفويض أو تأويل، والحق ليس في هذا ولا هذا.

    ومثله في القدر، فهم يسبرون بطريقتين، يقولون: إما أن يقال بالجبر وإما أن يقال بالقدر، إما العبد مجبور أو العبد مستقل يخلق فعل نفسه. فالمذاهب المخالفة تدور على هذين المذهبين، والصواب أن السبر من أصله غلط؛ فإن الحق ليس في الجبر ولا في الاستقلال، والحق ليس في التفويض ولا في التأويل، والحق ليس في الحلول ولا في نفي العلو.. وهلم جرا.

    فهذه الطريقة -أعني: طريقة السبر والتقسيم- هي طريقة شائعة في كلام المخالفين، مع أنهم بهذه الطريقة إنما يحصلون نفي الأول -إذا كان السبر والتقسيم باثنين- ولا يحصلون إثبات الثاني.

    1.   

    أثر عقيدة نفي العلو على الأمة

    [ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين أو ألوفاً].

    وهذا متواتر في كتب السنة.

    [ثم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من سلف الأمة -لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف- حرف واحد يخالف ذلك لا نصاً ولا ظاهراً، ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا إنه ليس على العرش، ولا إنه بذاته في كل مكان، ولا إن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا إنه لا متصل ولا منفصل، ولا إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع... ونحوها. بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات في أعظم مجمع حضره الرسول صلى الله عليه وسلم جعل يقول: (ألا هل بلغت؟ فيقولون: نعم. فيرفع إصبعه إلى السماء ثم ينكبها إليهم ويقول: اللهم اشهد)غير مرة، وأمثال ذلك كثيرة].

    وهذا كان في حجة الوداع، وقد ذكر الحاكم رحمه الله أن عدة من حجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم أو وافوه في حجه في عرفة مائة ألف وبضعة عشر ألفا.

    فكيف يسع أحد أن يقول بأن الله سبحانه وتعالى لا يصح السؤال عنه بأين مع أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل عن ربه بأين؟

    كيف يسعه أن يقول: إن الله ليس في السماء، ثم يقول: إنه لا داخل العالم ولا خارجه؟

    فإن من يقول: إنه لا داخل العالم ولا خارجه.. هذا رفع للنقيضين حقيقة وإثبات للعدم؛ ولهذا لم تنقل هذه الجملة إلا عن أئمة المتفلسفة كـابن سينا وأمثاله الذين لم يكن من تلقوا عنه -وهو أرسطو طاليس - يثبت رباً خالقاً لهذا العالم، بل كان يثبت علةً غائية، وهو - أرسطو طاليس - أصلاً لم يتكلم في مسألة واجب الوجود فضلاً عن الخالق.. الخ، إنما كان يتكلم في مسألة العلة والمعلول، ومقصوده بالعلة: ليس العلة الفاعلية إنما العلة الغائية، ولهذا كان يثبت قدم المعلول ويرى أن العلة تتقدم على معلولها بالشرف والعلية وليس بالسبق الزماني.

    هذه المذاهب هي التي شاعت -مع الأسف- في كثير من متكلمة المسلمين، وبسببها -أي: بسبب القول: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه- شاع الحلول عند غلاة الصوفية كـابن عربي وابن سبعين والعفيف التلمساني وابن الفارض ... وأمثال هؤلاء الذين مالوا إلى نقيض مذهب نفي العلو، وهو القول بوحدة الوجود التي قررها ابن عربي في الفصوص والحكم ، وزعم أنها مأخوذة من مشكاة خاتم الأولياء، وأنها لم يشر إليها في القرآن إشارة صريحة.

    وقد ذكرها ابن سبعين في رسائله كرسالة بد العارف ، وذكرها ابن الفارض في نظمه السلوك، وهو يذكر مسألة التوحد، مع أنه حاول أن يبين أن طريقته طريقة شرعية، لذلك حاول الاستدلال ببعض الصور التي وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كمجيء جبريل في صورة دحية بن خليفة الكلبي ، أو طريقة تنزل الوحي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فهو يقول بمسألة وحدة الوجود، ولكنه يحاول دعوى أن طريقته مبنية على الكتاب والسنة، والكتاب والسنة براء من طريقته.

    فهو يقول بعد أن ذكر نظماً طويلاً حكى فيه قصة مجيء جبريل على صورة دحية ، قال:

    ولي من أتم الرؤيتين إشارة تنزّه عن رأي الحلول عقيدتي

    وفي الذكر ذكر اللبس ليس بمنكر ولم أعْدُ عن حُكْمَي كتاب وسنةِ

    ولا شك أنه لم يقع على حكم الكتاب ولا على حكم السنة.

    من لوازم القول بنفي العلو أن الله ورسوله لم يبينوا للأمة هذه المسألة

    [فلئن كان الحق ما يقولوه هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في الكتاب والسنة من هذه العبارات ونحوها، دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصاً وإما ظاهراً، فكيف يجوز على الله تعالى؟! ثم على رسوله صلى الله عليه وسلم ، ثم على خير الأمة: أنهم يتكلمون دائماً بما هو إما نص وإما ظاهر في خلاف الحق، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، ولا يدلون عليه لا نصاً ولا ظاهراً حتى يجيء أنباط الفرس والروم وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف أو كل فاضل أن يعتقدها].

    أي: كيف وسع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو كان الحق أن الله ليس في السماء، أو أنه ليس له مكان، أو أنه في كل مكان، أو لا داخل العالم ولا خارجه، لو كان الحق مثل هذه العبارات كيف وسع النبي أنه لم يصرح بها يوماً واحداً لأحد من الصحابة، بل كان يصرح بنقيضها، فيقول: (أين الله؟ فتقول الجارية: في السماء). ويرفع إصبعه إلى السماء في أعظم مجمع حضره النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: (اللهم اشهد) وينزل عليه القرآن صريحاً في إثبات العلو ولا يبين لأصحابه أنه على خلاف ظاهره كما تقول المعتزلة..؟؟ فلو كان القرآن ليس على ظاهره -كما يقول النفاة- للزم النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين للأمة أن القرآن ليس على ظاهره؛ لأن هذا القرآن يسمعه الخاصة والعامة، ويسمعه العرب والعجم، ويسمعه حديث عهد بالإسلام ويسمعه المتفقه.. وهلم جرا.

    وقد تقدم أن المصنف يصر على هذه الإضافة - أنباط الفرس والروم وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة - لأن لديه جزماً أن العلم الكلامي مأخوذ عن الفلسفة.

    " على كل مكلف أو كل فاضل" مقصوده بهذا التنويع الرد على بعض المخالفين الذي إذا أورد عليه: كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبين الحق في مسألة العلو؟ وكيف خاطب الناس بخلاف الظاهر؟ وكيف نزل القرآن بخلاف الحق؟

    قال: إن هذا ليس اعتقاداً لسائر المكلفين، بل هو لفاضلهم من أصحاب العلم والاختصاص، فيقول المصنف هنا: كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبين هذا مع أنه إما أن يكون واجباً على سائر المكلفين أو هو الحق في حق الفاضلين من المكلفين؟؟ وهذا بحسب اختلاف الطوائف التي ترى أن هذا هو حق على سائر المكلفين أو حق على فاضلهم.

    [لئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب، وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم].

    على مجرد عقولهم لأنه يقول: إننا إذا سألناهم: من أين تحصل نفي العلو؟ قالوا: بدلالة العقل، فهم لا يقولون بدلالة النقل، بل يقولون: بدلالة العقل، والنقل يعارضه ويحتاج إلى تأويل.

    وعلى هذه الطريقة يلزم أن يكون النقل الذي هو الكتاب والسنة زاد الخلق ضلالاً؛ لأن العقل الصحيح -على ظنهم وزعمهم- يقود إلى نفي العلو والقرآن جاء بإثبات العلو، ولهذا احتاج -حتى عندهم- النقل عند المعتزلة وأمثالهم إلى التأويل؛ ولهذا يبين المصنف أن لازم هذا أن يكون ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم في باب الصفات؛ وهذا لأن النصوص هنا عارضت المحصلات العقلية -على زعمهم- والتي يزعم المخالفون للسلف أنها هي الحق، فيكون ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم.

    [وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصاً أو ظاهراً، لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير].

    لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير ؛ لأن النفي حُصل بدلائل العقل، والنقل عارض العقل، واحتاج النقل إلى التأويل؛ إذاً لو كان العقل وحده هو الحاكم لكان أسلم؛ مما يدل على بطلان هذا وامتناعه، فإن الله سبحانه وتعالى جعل الكتاب هدىً للناس، ووصف نبيه وهو أفضل الناس عقلاً وفطرةً بقوله: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ [الشورى:52]وقال سبحانه: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ [يوسف:3].

    1.   

    كيفية تقرير المصنف لمذاهب المخالفين

    [بل كان وجود الكتاب والسنة ضرراً محضاً في أصل الدين، فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء: إنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله عز وجل وما يستحقه من الصفات نفياً وإثباتاً، لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من طريق سلف الأمة، ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقاً له من الصفات فصفوه به، سواءً كان موجوداً في الكتاب والسنة أم لم يكن، وما لم تجدوه مستحقاً له في عقولكم فلا تصفوه به].

    هذا هو محصل وحقيقة مذهب المخالفين للسلف: أن معرفة الصفات تنبني على العقل وليس على الشرع. وهنا ينبه إلى أن ما يحصله المصنف في تقرير مذهب المخالفين هو على نوعين:

    الأول: يكون من مقالاتهم وحقيقة مذهبهم الذي يقررونه.. فهذا يعطون أحكامه المتعلقة به المناسبة له من جهة الشرع في باب الأسماء والأحكام.

    الثاني: وهو من باب اللوازم، ولازم المذهب ليس مذهباً لصاحبه، وإن كان يذكر ليتبين بهذا اللازم فساد المذهب، فإن اللازم إذا كان فاسداً دل على أن المذهب نفسه فاسد، فـشيخ الإسلام يعتبره لنقض المذاهب لا من باب أخذ هؤلاء بمذهبهم، فمثلاً: أن مذهب المعتزلة نفي الصفات.. هذا مذهب، أما أن مذهب المعتزلة أن الله موصوف بالنقص لنفيهم الصفات.. فهذا لازم، ولهذا المعتزلة لا تصرح باللوازم؛ لأنهم لو صرحوا باللوازم كفروا كفراً صريحاً؛ ولهذا وإن كان مذهبهم من جهة الحقيقة واللازم هو النقص، إلا أنهم يظنون أنه الكمال، وهذا من أسباب درء التكفير عنهم -أي: عن أعيانهم- وإن كان قولهم قولاً كفرياً لا شك في ذلك.

    1.   

    ملخص المقصد الثاني من مقاصد الرسالة الحموية

    هنا ينتهي المقصد الثاني وهو: ذكر المصنف لمسألة العلو. لذلك نعطي تلخيصاً يسيراً له:

    غرض المصنف من ذكر مسألة العلو

    المقصد الثاني ذكر المصنف فيه مسألة العلو لغرضين:-

    الغرض الأول: أنها مسألة مختصة في هذا الباب ينبني على ثبوتها ثبوت جملة من الصفات، وقد بنى المخالفون فيها نفي كثير من الصفات على نفيها، كنفي المعتزلة للرؤية بدليل المقابلة الذي حقيقته نفي العلو، فإن الرؤية إنما انتفت عند المعتزلة لأنها تستلزم ثبوت العلو الذي يسمونه الجهة؛ ولهذا صار في هذه المسألة اختصاص عند سائر الطوائف.

    الغرض الثاني: أن مقصود المصنف في هذه الرسالة الحموية هو نقض مذهب متأخري الأشاعرة -كطبقة أبي المعالي ومن بعده، ومحمد بن عمر الرازي وأمثاله- الذين من أخص مسائلهم نفي العلو.

    وقد زعم بعض أئمتهم -كـالرازي - أن إثبات الجهة -الذي هو إثبات العلو وإن كان لفظ الجهة لفظاً لم يرد في الكتاب والسنة- مختص بالحنابلة والكرامية، مع أن الحق في نفس الأمر: أن أئمة الأشاعرة كـأبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني وأمثالهما، فضلاً عن أئمة الكلابية كـعبد الله بن كلاب وأبي العباس القلانسي وأبي علي الثقفي وأبي عبد الله بن مجاهد ، فضلاً عن سائر أئمة السنة والحديث يثبتون علو الله سبحانه وتعالى على ما هو مقرر في كتب السنة والجماعة، وقد صرح الأشعري في الإبانة والرسالة إلى أهل الثغر بمسألة العلو، وكذلك ابن كلاب -والأشاعرة يعدونه من شيوخهم، وإن كان متقدماً على أبي الحسن الأشعري - صرح في كتاب الصفات بإثبات العلو والفوقية، واستدل لذلك بالكتاب والسنة والعقل، وهو معتبر في مذهب الأشاعرة -أعني ابن كلاب - ولهذا يقول عنه البغدادي كثيراً: وقال شيخنا عبد الله بن سعيد بن قطان -وأحياناً يقول: ابن كلاب - كما يقول عن أبي الحسن الأشعري : وقال شيخنا.

    وقال أبو محمد بن حزم عن ابن كلاب : وهو شيخ قديم للأشعرية .